تفسير سفر صموئيل الثانى اصحاح 12 جـ2 Print

أيا كنت أنت يامن تخطئ وتتردد في ممارسة التوبة عن خطاياك، يائسًا من خلاصك، اسمع داود يتنهد. لم يُرسَل إليك ناثان، إنما داود نفسه مُرسل لك.

اسمعه يصرخ، واصرخ معه!

اسمعه يتنهد، وتنهد معه!

اسمعه يبكي، واخلط دموعك بدموعه!

اسمعه وهو يصلح نفسه، وافرح معه!

إن كانت الخطية لم تُنْزَع عنك، فلا تنزع الرجاء في المغفرة!

أُرسل ناثان النبي لذلك الرجل، فلاحظ اتضاع الملك، إذ لم يحتقر كلمات النصح المقدمة له، ولم يقل له: كيف تتجاسر وتتحدث معي أنا الملك؟ الملك العظيم أصغي لنبي، ليت شعب (المسيح) المتضع ينصت للمسيح.

*   "لأني أنا عارف بإثمي وخطيتي أمامي في كل حين" (مز ٥٠ (٥١): ٣)...

لم تكن خطيته قبلاً أمامه بل خلف ظهره، لم يكن يعرف إثمه... لكن جاء النبي بهذا الهدف أن يأخذ خطيته من وراء ظهره ويضعها أمام عينيه، لكي يرى الحكم المعلن ضده، لكي يفتح جرح قلبه ويداويه. استخدم مبضع (مشرط) لسانه...

القديس أغسطينوس[66]

*   داود أيضًا أخطأ [١٧]، لننظر كيف تاب... لقد غسل الخطية بالإتضاع وندامة القلب وتوبة النفس وعدم السقوط مرة أخرى، وبتذكره الدائم لخطيته، وقبوله كل ما حلَّ به بشكر، وتركه الذين يحزنونه، واحتماله المتآمرين عليه دون مقابلة الشر بالشر بل ومنع الذين يرغبون ذلك...

كان له قلب منسحق به تمتع بغسل خطاياه خلال التوبة والاعتراف.

القديس يوحنا الذهبي الفم [67]

*   أزال كل ثقل الخطايا خلال اعتراف كامل بكلمة واحدة.

القديس يوحنا كاسيان[68]

أما عن محبة الله لمؤمنيه فتدفعه للتأديب من أجل بنيانهم:

-   لا تنظر إلى الله كمجرد ديَّان بل تطلع أيضًا إلى أمثلة من تصرفاته هذه، إنه كُلِّيُّ الصلاح... تأمله عندما يظهر الرحمة. في مقابل حزمه (قسوته) ضع في الميزان لطفه.

العلامة ترتليان[69]

*   تأديب المحبة للإصلاح وليس للنقمة. الإنسان الحكيم البار يتشبه بالله، فإنه لن يؤدب إنسانًا ليرد له الشر وللإنتقام، بل ليصلحه أو ليخيف الآخرين.

مار إسحق السرياني[70]

الله محب لأولاده، في محبته يسمح بتأديبهم حتى يدركوا بغضه للخطيه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد سمح الله بموت الابن الذي جاء ثمرة الخطية [١٤]، لا لذنب ارتكبه الطفل وإنما حتى لا يظن من حوله – خاصة الوثنيين – أن عند الله محاباة.

٤. موت ابن بثشبع:

مرض الطفل جدًا فتذلل داود من أجل محبته للطفل، وأيضًا لأنه شعر أن موت الطفل علامة غضب الله على والديه. كان يترجى أن الله يشفق على الطفل وعلى والديه، فكان يُصلي صائمًا واضطجع على الأرض [١٦]. "قام شيوخ بيته عليه ليقيموه عن الأرض فلم يشأ ولم يأكل معهم خبزًا" [١٧].

في اليوم السابع مات الطفل، وخاف عبيد داود أن يخبروه لِما رأوا فيه من تذلل. رآهم يتناجون فأدرك ما حدث، ولما سألهم أجابوه إن الطفل مات. قام داود عن الأرض اغتسل وتدهَّن وبدَّل ثيابه ودخل بيت الرب وسجد ثم جاء إلى بيته يطلب أن يأكل.

ما أعجب داود النبي الذي أعلن تسليمه الكامل لإرادة الله. لقد تذلل قبلاً طالبًا الرحمة، أما وقد مات الولد فيخضع لإرادة الله قائلاً: "الآن قد مات فلماذا أصوم؟ هل أقدر أن أرده بعد؟ أنا ذاهب إليه وأما هو فلا يرجع إليَّ" [٢٣].

لقد مسح نفسه بالدهن علامة الفرح، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كانت عادة القدماء أن يمسحوا بدهن باستمرار عندها يكونون في سرور وفرح. هذا ما يراه الإنسان بوضوح في داود ودانيال (دا ١٠: ٣)[71]]. بقدر ما تذلل داود أثناء مرض طفله فرح وتهلل عندما أراد الله له أن يأخذه إليه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنها حكمة حقيقية! هذا هو الحب! مهما أحببت ابنك لن تحبه كما يحبه الله[72]].

القلب المنفتح على السماء لا يخاف الموت بل يقبله بفرح كانطلاق نحو المسيح.

*   لا تخف الموت، فقد دبر الله إعدادات لتقوم غالبًا الموت[73].

*   ثبت رحيلك في قلبك يا إنسان؛ قل لنفسك على الدوام:

"انظر، الرسول على الأبواب، لقد جاء إليّ.

لماذا أنا متراخٍ؟! إن رحيلي أبدي، هناك لا توجد عودة!".

اعبر الليلة متأملاً في ذلك. تأمل في هذا الفكر خلال النهار. وعندما يأتي وقت الرحيل حيِّهِ ببهجة قائلاً: "تعال في سلام. لقد عرفت أنك قادم، فلم أهمل في أمر ينفعني في الطريق"[74].

مار إسحق السرياني

٥. ميلاد سليمان:


عزى داود بثشبع، فإنه لم يطردها بكونها علة أحزانه ومتاعبه؛ وأنجب منها سليمان (معناه "سالم" أو "صانع سلام"[75])، إذ في أيامه استراحت المملكة من الحروب (١ أي ٢٢: ٩).

اختار داود النبي هذا الاسم ربما لكي يعلن أنه وإن كانت الخطية قد أثارت زوابع كثيرة في حياته، لكنه بالتوبة الصادقة والإتكال على مراحم الله استعاد سلامه الداخلي بنواله المغفرة وإن حلَّت به التأديبات من كل جانب.

أحب الله هذا الطفل، وأرسل ناثان حيث دعاه "يديديا" أي "محبوب الله" ليؤكد الله لوالديه أنه وإن مات الطفل الأول للتأديب فالثاني يعلن محبة الله لهما وغفرانه خطيتهما.

٦. داود يهزم ربّة:

عاد الكاتب إلى خبر الحرب مع بني عمون الذي بدأه في (١١: ١)، حيث هزم يوآب ربّة عاصمة بني عمون. أرسل إلى داود الملك ليأتي ويدخل المدينة حتى تُحسب النصرة لداود وتنسب إليه المدينة كغالب ومنتصر. بالفعل خرج داود وحاربها وأخذ تاج ملكها الذي يزن وزنة ذهب (حوالي ٢٨ رطلاً) مع حجر كريم. لبسه داود، وذلك بأن أمسكه اثنان من العظماء ورفعاه على رأسه بعض الوقت علامة تسلطه على مملكة بني عمون.

تمتع داود بغنائم كثيرة بعد أن قتل شعب المدينة.