تفسير سفر صموئيل الثانى اصحاح 5 جـ2 Print


٣. صداقة حيرام له:

مع كل نصرة حقيقية يواجه المؤمن أمرين: مقاومة من العدو تؤول به إلى نصرة جديدة، وأيضًا انجذاب البعض لله العامل فيه. هكذا إذ تزايد داود متعاظمًا لأن رب الجنود كان معه أثار ذلك بعض الأعداء لمقاومته بالأكثر، وفي نفس الوقت انجذبت إليه بعض الممالك المجاورة تمجد الله فيه، كما يظهر ذلك من تصرف حيرام ملك صور.

كانت صور في ذلك الوقت قد بلغت العظمة، بعث ملكها رسلاً إلى داود وتكونت بينهما صداقة دامت حتي أيام سليمان، بل وقامت هذه الصداقة بين الدولتين في أيام عاموس النبي (عا ١: ٩).

أدرك حيرام أن داود يحتاج إلى حركة إنشاء وتعمير بعد الانتصارات المستمرة التي تحققت في عهده، لذا أرسل إليه الكثير من خشب الأرز الذي لا يسوِّس كما أرسل إليه بنائين [١١]. تعاونت المملكتان معًا وصارتا في ودٍّ، كانت إسرائيل تستخدم صور كبلد ساحلي لتحقيق واردتها وتوزيع مصنوعاتها، بينما استخدمت صور ممكة إسرائيل كطريق لتجارتها تشتري أيضًا منها الغلال والمحاصيل.

سلامنا مع الله في داخلنا يثمر سلامًا مع الغير ويحول الظروف المحيطة بنا لخدمتنا وبنياننا، حتى مقاومة الأشرار يحولها الله لنمونا وفرحنا الداخلي.

أقول، ما أحوجنا في علاجنا لمشاكلنا – أيّا كانت – إلى أن نبدأ بالداخل على ضوء عمل الله فينا، عندئذ تعمل نعمة الله فينا وبنا لدفع كل الأمور لخيرنا، فنقول مع الرسول بولس: "كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو ٨: ٢٨).

٤. تثبيت مملكته:

بعد حوالي ٢٠ عامًا من مسحه سرًا في بيت لحم قيل: "وعلم داود أن الرب قد أثبته ملكًا على إسرائيل، وأنه قد رفّع ملكه من أجل شعبه إسرائيل" [١٢].

انتظر داود هذه السنوات الطويلة في إيمان وبصبر ليتدرب بنعمة الله على رعاية شعب الله، والآن يُثبت الله مملكته من أجل شعبه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هكذا يليق بنا – مهما بلغت مواهبنا وقدراتنا ومهما تعاظم نجاحنا – أن ندرك أنها عطايا إلهية قُدمت لنا من أجل بنيان الجماعة المقدسة.

من أجل البشرية تجسد السيد المسيح ومن أجلها ملك على خشبة وقام وصعد إلى السموات ومن أجلها يأتي على السحاب ليجمع مؤمنيه ويرفعهم إلى حضن الآب. هكذا نحن كأعضاء جسده يليق بنا أن نحمل ذات فكره فنضرم كل موهبة فينا لبنيان الغير. يقول القديس بولس: "المحبة... لا تطلب ما لنفسها" (١ كو ١٣: ٥).

٥.  مقاومة الأعداء:

إن كان نجاح داود أعطاه نعمة في عيني حيرام ملك صور ليرسل له خشب أرز وبنائين علامة الصداقة العملية إلا أنه في الجانب المقابل، ضاعف نجاحه هذا من مقاومة الأعداء. مع كل نصرة نتوقع مقاومة وحربًا إن لم تكن من الخارج فمن الداخل، لذا قيل في سفر ابن سيراخ: "يا بني إذا تقدمت لخدمة الرب أعدد نفسك للتجربة" (2: 1).

رأى الأعداء في مسح داود ملكًا على كل الأسباط وتزايده في المجد خطرًا عليهم خاصةً أن الشعب كله صار بقلب واحد معه. لم يخشونه في حبرون لكونه ملكًا على سبط واحد فاستهانوا به، ولأنه في حبرون كان خاضعًا لهم. أما في يبوس فصار مستقلاً ومحصنًا وصار نجمه يلمع ويتلألأ. لذا فتشوا عليه للخلاص منه. أما هو فلم يكن متوقعًا الحرب لذا نزل مع حرسه الخاص إلى حصنه القديم "عدلام". فتش عنه الأعداء المنتشرون في وادي الرفائيين (موقعه مجهول إلا أنه كان بين بيت لحم وأورشليم (يش ١٥: ٨) ومشهورًا بالخصب (إش ١٧: ٥)).

في الحصن انحاز إليه بنو جاد (أي ١٢: ٨-١٥) وكان العدد قليلاً جدًا إن قورن بجيش الأعداء. سأل الرب خلال أبيأثار الكاهن (١ صم ٢٣: ١١؛ ٣٠: ٧-٨) الذي سمح له بالحرب. جاء إلى بعل فراحيم (أي إله أو سيد الهزيمات، وهو مكان مرتفع شمال وادي الرفائيين، وهو جبل فراصيم المذكور في (إش ٢٨: ١١)).

ما أحوجنا أن نتكل على راعي نفوسنا الذي يتقدم قطيعه ليسير الكل وراءه ومعه، قائلين مع المرتل: "جعلت الرب أمامي في كل حين، لأنه عن يميني فلا أتزعزع" (مز ١٦: ٨). يقول القديس أغسطينوس: [إنه يُنعم عليَّ (بذاته) فأسكن فيه بثبات[31]].

جاء داود برجاله ليقف وراء العدو ويقاومه مقابل أشجار البكاء عندما شعر بحضرة الرب وتقدمه ليحمله في طريق الجهاد، واهبًا له النصرة بنعمته. وكأننا إن أردنا حياة الغلبة على عدو الخير يلزمنا أن ننزل إلى وادي البكاء والدموع لنلتقي بالله عزنا. فنسمع المرتل يقول: "طوبى لأناس عزهم بك... عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعًا... يذهبون من قوة إلى قوة، يُرون قدام الله في صهيون" (مز ٨٤: ٥-٧).

يقول القديس جيروم: [لنتأمل للحظة أننا في هذا الوادي؛ لسنا على الجبل، لسنا في جنة عدن، لسنا على مرتفعات الفردوس، إنما نحن في أسافل الأرض، على الأرض التي خضعت للَّعْنة وتُنتج شوكًا وحسكًا... مادمنا في وادي الدموع يليق بنا لا أن نضحك بل نبكي. يقول الرب "طوباكم أيها الباكون الآن لأنكم ستضحكون" (لو ٦: ٢١). الآن نحن في وادي الدموع، هذا العالم هو موضع للبكاء لا للتهليل... العالم المقبل هو عالم الفرح... وادي الدموع هو ساحة للجهاد والمثابرة[32]].

نزل داود ورجاله إلى وادي الدموع لكي يتقبل نعمة الله المجانية أكثر فأكثر، فينطلق من قوة إلى قوة، إذ ضرب الأعداء من جبْع إلى مدخل جازَر [٢٥]. في وادي الدموع انفتحت بصيرته ليرى الله يتقدمه ممهدًا له طريق النصرة، ومحطمًا العدو أمامه. وكأن الحضرة الإلهية التي تملأنا تعزية وسط الدموع، ترعب العدو وتحطمه تمامًا.

كلمة "جبع" معناها "تل"[33]، وهي مدينة في بنيامين (يش ١٨: ٢٤)، خصصت للكهنة (يش ٢١: ١٧)، مقابل مخماس؛ حاليًا قرية "جبع" تحمل ذات الإسم القديم وتبعد ٦ أميال شمال شرقي أورشليم. هذا يعني أن الأعداء هربو تجاه الشمال الشرقي وليس نحو أرضهم في الغرب لكي يحتموا في الحصن الموجود في جبع (١ صم ١٣: ٣). وإذ لم يحميهم هذا ساروا نحو أرضهم حتى جبعون (١ أي ١٤: ١٦)، ومنها ساروا في طريق عقبة بيت حورون (يش ١٠: ١٠) إلى مدخل جازر أي طريق جازر (كلمة "جازر" معناها "نصيب" أو "مهر العروس") وهي على تخم أرضهم وتبعد حوالي ١٨ ميلاً شمال غربي أورشليم،  ٥ أميال شرقي عقرون.