تفسير سفر صموئيل الثانى اصحاح 1 جـ1 Print

 

داود يرثي شعبه

انتصر داود على عماليق وردّ المسبيين وعاد يحمل الغنائم الوافرة ليوزع منها على شيوخ يهوذا، ويجدد المساكن بعد حرق صقلغ (١ صم ٣٠)، أما قلبه فكان ملتهبًا من جهة شعبه، إذ يعلم كيف ضعف الجيش وفارق روح الرب شاول بينما اتسم جيش الفلسطينيين بالقوة والنظام... في اليوم الثالث من وصوله إلى صقلغ جاء عماليقي يبشره بموت شاول مسيح الرب، وكان ينتظر مكافأة مدعيًا أنه ضرب شاول في أنفاسه الأخيرة فنال عقوبة، ورثى داود شاول ويوناثان وكل الشعب.

١. عماليقي يبشر بموت شاول       [١-١٠].

٢. داود يبكي شعبه                   [١١-١٣].

٣. داود يعاقب العماليقي              [١٤-١٦].

٤. مرثاة لشاول ويوناثان            [١٧-٢٦].

١. عماليقي يبشر بموت شاول:

في اليوم الثالث من وصول داود إلى صقلغ بينما كان مهتمًا بإعادة بنائها كان قلبه يئن مع ضيقة شعبه، متوقعًا بين لحظة وأخرى أن تصله أنباء عن المعركة، وإن كانت الأنباء متوقعة مقدمًا. جاءه غلام بثياب ممزقة وعلى رأسه تراب يخبره بنتائج المعركة.

لا ندهش من عدم إرسال داود جاسوسًا إلى أرض المعركة ليأتيه بالأخبار، إذ كان يعلم ما سيحدث مقدمًا، وقد خشى أن يظن أحد أنه متهلف على تولي العرش بموت شاول ورجاله.

أما قصة هذا الغلام العماليقي، فبحسب التقليد اليهودي هو ابن دواغ الأدومي: شعر أن داود سيملك لا محالة، فأرسل ابنه كغلام عماليقي يكون أول مبشر له بخبر موت شاول ويوناثان، وهو الذي أعطاه الإكليل الذي على رأس شاول – عصابة ضيقة من الذهب حول خوذته – والسوار الذي على ذراعه. غالبًا ما رواه الغلام كان كذبًا، لكنه أراد أن يكسب ود داود. فمن جهة جاء بثياب ممزقة والتراب على رأسه معتبرًا نفسه واحدًا من شعب داود كان يخدم أحد العاملين في الجيش، أمينًا في مشاعره حتي بعد هزيمة سيده. ومن جهة أخرى أخبره بأن شاول ويوناثان ابنه ماتا، وكأنه لم يصر هناك وارث على العرش سواه. إذ كان شاول وحده دون يوناثان يطارد داود، لأن يوناثان كان يحب داود كنفسه، لهذا قال عن شاول فقط: "فوقفت عليه وقتلته". رأى علامات الضيق والحزن على وجه داود فأكمل حديثه: "لأني علمت أنه لا يعيش بعد سقوطه". أخيرًا أراد أن يهنئه بالمُلك كوارث لشاول، فقدم له إكليل شاول وسواره لأنه هو أولى من يستلمهما.

في الآثار الأشورية غالبًا ما يُصور المحاربون وقد لبسوا حليًَّا خاصة أسورة على أذرعتهم.

واضح من القصة أنها مُختلفة، فإنه جاء في (١ صم 31: ٣) الخ "أصاب الرماة شاول فانجرح، فطلب من حامل سلاحه أن يستل سيفه ويطعنه حتى لا يُقبِّحه الغُلف. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). رفض حامل السلاح إذ خاف جدًا فأخذ شاول السيف وسقط عليه. إنه ليس من المقبول أو المنطقي أن يطلب الملك من رجل غريب عابر طريق لا يعرفه أن يقف عليه ويقتله".

صورة مؤلمة لقصة أحكم الغلام أو أبوه حبكها لكي يكسب ودّ داود أو ينال مكافأة، إذ ظن أن داود ينتظر المُلك متلهفًا، لكن داود الحلو في حبه وإخلاصه حكم على الغلام من فمه كقاتل لمسيح الرب. لقد كذب العماليقي، وجنى ثمرة كذبه قتله لنفسه (إذ ارتكب سلسلة خطايا منها الكذب والطمع...) كما دفع حياته الجسدية للهلاك عوض المكافأة.

يتحدث السيد المسيح عن إبليس قائلاً: "ليس فيه حق، متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذَّاب وأبو الكذاب" (يو ٨: ٤٥). كما قيل: "كراهة الرب شفتا كذب، أما العاملون بالصدق فرضاه" (أم ١٢: ٢٢).

الكذب ممنوع بعبارات قوية مملؤة تهديدًا، كقول النبي: "تهلك كل الناطقين بالكذب" (مز ٥: ٧) و"الفم الكاذب يقتل النفس" (حك ١: ١1).

الأب يوسف[2]

منذ اليوم الذي فيه دُعي اسم المسيح عليّ لم يخرج كذب من فمي.

أنبا آنوب[3]

٢. داود يبكي شعبه:

لم يفكر داود ولا رجاله في التشفي في شاول المقاوم لهم زمانًا طويلاً، ولا فيمن يستلم الحكم من بعده، ولا في المجد الذي يعود عليهم بعد قتل شاول ويوناثان؛ وإنما ندبوا وبكوا وصاموا إلى المساء من أجل موت شاول ويوناثان ومن أجل موت الكثير من الشعب وانكساره.

بكى داود الرقيق في مشاعره، وقد تعلم منه ابنه سليمان هذا الفكر، فقال: "لا تفرح بسقوط عدوك، ولا يبتهج قلبك إذا عثر، لئلا يرى الرب ويسوء ذلك في عينيه فيرد عنه غضبه" (أم ٢٤: ١٧-١٨)؛ "الفرحان ببلية لا يتبرأ" (أم ١٧: ٥).

الإنسان الروحي لا يفرح بما يحل بأعدائه من متاعب وإنما بقلبه المتسع يئن مع أنَّات الجميع، ليس فقط مع أنات البشر المقاومين له بل حتى مع أنَّات الحيوانات الضارة. إنه يطلب سلام كل الخليقة وسعادتها! قلبه متسع بالحب للكل!

لم يوجد من يبكي شاول ويرثيه من الأعماق إلا ذاك الرجل الذي أبغضه شاول لسنوات طويلة ومعه رجاله... لقد حمل داود ظلاً للسيد المسيح الذي بكى على أورشليم الساقطة بينما كانت تستخدم كل طاقتها لقتله (مت ٢٣: ٣٧؛ لو ١٣: ٣٤)!

أعداؤنا أحوج إلى دموعنا من كل صديق، فإننا إذ نحبهم نبكي فيهم فقدانهم الخلاص بسبب عداوتهم، طالبين أن يعمل الله في الكل لخلاص الجميع.

إننا ندهش مما صنعه داود – الملك الحقيقي الممسوح خفية بيد صموئيل النبي كطلب الله – حينما سمع بقتل الملك المرفوض شاول مضطهده، فإنه لم يدنه ولا شهَّر به بل رثاه ومدحه، فكم تكون خطيتنا نحن حين ندين الغير، خاصة الرعاة الذي أقامهم الرب لخدمة  شعبه؟!