تفسير سفر زكريا أصحاح 5 Print

الدرج الطائر والإيفة الخارجة

في الرؤى الخمس السابقة أعلن الله عمله المفرح لخلاص الإنسان بإقامة هيكله فيه مقدمًا له كل إمكانيات فائقة سماوية... والآن يعود فيحذر من التهاون مع الخطية أو مهادنتها خلال الرؤيتين التاليتين:

1. الدرج الطائر                [1-4].

2. الإيفة الخارجة          [5-11].

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر زكريا +
+ عودة لتفسير سفر زكريا +



1. الدرج الطائر:


رفع النبي عينيه فنظر درجًا (قرطاسًا) طائرًا، وكما جاء في الترجمة السبعينية "منجلاً طائرًا".

الدرج غالبًا ما يُشير إلى إعلان القضاء (حز 2: 9-10؛ رؤ 5: 1؛ 10: 2). إن كان شعب الله قد ظهر في الرؤيا سابقًا كمنارة كلها ذهب، تحمل نور المسيح بزيت الروح القدس، لكن فرحها بهذا العمل الإلهي يرافقه الحذر من كل خطية أو استهتار. أما كونه طائر فلأن الشر الذي نرتكبه هنا يصعد أمام الله رائحة فاسدة، فيسكب لعنة "على كل وجه الأرض" [3]. هنا يعلن الله مسئولية المؤمن كعضو في الجماعة الإنسانية كلها، يتفاعل إما للبركة أو للعنة. ما يفعله له أثر في حياة الكل، فبسبب يوسف تبارك بيت فوطيفار وتباركت مخازن مصر، وبسبب هروب يونان هاج البحر وخسر الكثيرون مالهم.

والعجيب أن النبي يرى الشر كقرطاس يطير مفتوحًا، طوله عشرون ذراعًا وعرضه عشر أذرع. على الأرض كان مطوّيًا لا يعرف أحد خفاياه لكنه لن يبقى هكذا بل ينفضح، ويستطيع الكل أن يقرأه. أما أبعاده فمتناسبة مع أبعاد المسكن أو القدس، وكأن ما يرتكبه الإنسان إنما يفسد مقدسات الله فيه.

أما في الترجمة السبعينية فيرى النبي منجلاً طائرًا، وكما يقول القديس ديديموس الضرير: [إذ يفصل الديان الصديق عن الشرير ويجازي كل واحد حسب أعماله لذلك يسمى الكتاب المقدس الجزاءات التي يسقط تحتها الظالمون والأشرار تارة سيفًا وسهمًا (تث 32: 42؛ 22: 23؛ أش 34: 5؛ عا 9: 10؛ مز 7: 12-13 ؛ أر 47: 5-6) وتارة فأسًا ومنجلاً... فالأشجار التي لا تعطى ثمرًا جيدًا تكون موضع غضب وقصاص (تُضرب بالفأس والمنجل)... فيُقال: "والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تُقطع وتلقى في النار" (مت 3: 10). هكذا تحل اللعنة على النباتات التي من هذا النوع. وهكذا يُستخدم المنجل أيضًا في قطع من يثمرون ثمارًا فاسدة، الذين قيل عنهم: "لأنه ليس كصخرنا صخرهم ولو كان أعداؤنا القضاة، لأن من جفنة سدوم وعمورة جفنتهم ومن كروم عمورة عنبهم عنب سم ولهم عناقيد مرارة، خمرهم حُمة الثعابين وسم الأصلال القاتل" (تث 32: 31–33). هكذا تشبه الإرادة الشريرة بالكرمة الفاسدة التي تُعطي ثمارًا رديئة ويلزم قطعها بمنجل حاد وانتزاع عنبها وعناقيدها... يراه النبي منجلاً طائرًا وليس منجلاً عاديًا بل روحيًا دون شك... يقطع "كل غرس لم يغرسه أبي السماوي" (مت 15: 13)، أي "يقطع كل ما هو نجس".

ويعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على هذا المنجل الحاد بقوله: [ربما يمكن للإنسان أن يهرب من سيف طائر، أما من منجل ينزل على رقبته ويلتف حولها كحبل يربطها فلا يستطيع الهروب. وإن أضيف للمنجل أجنحة فأي رجاء في الإنقاذ يمكن أن يوجد؟![33]]. كما يقول: [إنه طائر، إشارة إلى سرعة مجيء الانتقام... أما كونه طوله وعرضه أذرع كثيرة فيعني شدة الويلات وضخامتها. إنه طائر من السماء بمعنى قدوم الانتقام من كرسي الدينونة من الأعالي، وفي شكل منجل لحتمية القضاء. فكما أن المنجل الذي يحل بالرقبة ويمسك بها لا يرجع فارغًا بل يقطع الرأس هكذا يكون الانتقام قاسيًا وأكيدًا[34]].

يُكمل النبي حديثه: "فقال ليّ: هذه هي اللعنة الخارجة على وجه كل الأرض، لأن كل سارق يُباد هنا بحسبها، وكل حالف يُباد من هناك بحسبها. إنيّ أخرجها يقول رب الجنود فتدخل بيت السارق وبيت الحالف بأسمى زورًا وتبيت في وسط بيته وتفنيه مع خشبه وحجارته" [3-4].

حمل العهد الموسوي معه لعنة تحل بالعصاة (تث 27: 15-26؛ 28: 15-68)، هذه اللعنة تحلق في الهواء وتهدد سكان الأرض الذين أخذوا العهد ولم يحفظوه بل خانوه. وقد ركز هنا على خطيتين: السرقة والقسم الباطل. بالأولى يسلب الإنسان أخاه وبالثانية يستهين بالله وكأن الخطيتين تضمان كسرًا للناموس كله: انتهاك حق الأخوة والله. ولعل الوصية الخاصة بعدم السرقة كانت في منتصف اللوح الثاني، والخاصة بعدم القسم باطلاً في منتصف اللوح الأول، بمعنى أن الإنسان يكسر اللوحين في أعماقهما.

إن كانت اللعنة تمس كل وجه الأرض لكنها وهى طائرة تصيب سهمها على بيت المخطئ نفسه لتبيت هناك وتحطمه هو وخشبه وحجارته إنه ينال الثمر الطبيعي لعمله. يقول القديس ديديموس الضرير: [يطير هذا المنجل ويجوب كل الأرض بسرعة فيصيب ليس فقط الخطاة الذين على الأرض وإنما الذين في الهواء (الشياطين) والأشرار أينما وجدوا. إنه يهدم ما في وسط البيت أي القلب والعقل، ويحطم ما بداخل الإنسان كالسيف الذي شق قاضي إسرائيل المحترق بشهوة الزنا بسوسنة من الوسط: "فها هوذا ملاك الله قد أخذ القضاء من الله ويشقك نصفين" (تتمة دانيال 55)، فشق الزاني من الوسط يعنى انقسام عقله. ويعلق القديس يوحنا ذهبي الفم على تحطيم بيت الشرير قائلاً: [يصير بيته كومة حتى أن كل من يعبر به ويتطلع إليه ويعرف السبب يتجنب الامتثال به[35]].

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر زكريا +
+ عودة لتفسير سفر زكريا +



2. الإيفة الخارجة:

مرة أخرى يُحذرنا الله من الخطية إذ رأى النبي إيفة خارجة [6]. الإيفة هي أكبر وحدة قياس (للكيل) عند اليهود، أما كونها خارجة فيعني أن المعايير أو المقاييس غير مضبوطة، أو ما نسميه "عدم التمييز".

رأى النبي: "وإذا بوزنة رصاص رُفعت وكانت امرأة جالسة في وسط الإيفة فقال هذه هي الشر، فطرحها وطرح ثقل الرصاص على فمها" [7-8].

تشبه الخطية بالرصاص الذي يثقل النفس لينزل بها إلى أعماق الهاوية، وكما جاء في تسبحة موسى النبي: "غاصوا كالرصاص في مياه غامرة" (خر 15: 10). يقول العلامة أوريجانوس: [قيل عن الأشرار أنهم غاصوا في مياه غامرة... أما القديسون فلا يغوصون بل يمشون على المياه... إذ ليس فيهم ثقل خطية ليغوصوا[36]]. ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يرحل كل واحد حسب وضعه، فيسير الواحد خفيفًا والآخر يغطس في المياه. فالفضيلة شيء خفيف يطفو والذين يعيشونها يطيرون كالسحاب والحمام كقول أشعياء (9: 8)... أما الخطية فثقيلة تجلس على الإنسان كالرصاص[37]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس شيء يهبها أجنحة ويرفعها مثل التمتع بالبر والفضيلة[38]].

رأى النبي الوزنة الرصاصية قد رُفعت، أي فُضحت الخطية أمام الجميع، فظهر الشر كامرأة جالسة وسط الإيفة الخارجة.

يُعلق القديس ديديموس الضرير على تشبيه الشر كما الفضيلة بامرأة، قائلاً: [ليس غريبًا أن يدعو الكتاب المقدس السلوك الشرير والفكر الفساد والقوة الغاشمة التي تولدها اسم "امرأة" كما يدعو الشر هنا امرأة كذلك في سفر الأمثال يسمي الجنون امرأة. هذا هو النص، فالحكيم يُعلم تلميذه، قائلاً: "يا ابني أصغ إلى حكمتي، أمل أُذنك إلى فهمي، لحفظ التدابير ولتحفظ شفتاك معرفة، لأن شفتي المرأة الأجنبية تقطران عسلاً وحنكها أنعم من الزيت لكن عاقبتها مرة كالأفسنيتن حادة كسيف ذي حدين، قدماها تنحدران إلى الموت، خطواتها تتمسك بالهاوية" (أم 5: 1-5). وفي نفس سفر الأمثال تشبه النجاسة بامرأة (7: 7-27)... وكما تشبه الرذائل بامرأة هكذا أيضًا الفضائل، فيقول الحكيم عن الحكمة: "أحببت جمالها وأخذتها لتعيش معي" (حك 8: 2)[39]].

نعود إلى الرؤيا لنجد ثقل الرصاص قد طُرح في فم المرأة، وكأن الخطية غالبًا ما تتركز في الفم، فيحمل الإنسان لسانًا ثقيلاً على النفس، يُحطم به نفسه ويهين الآخرين، على خلاف الصديق الذي قيل عنه: "لسان الصديق فضة مختارة" (أم 10: 2). كأن الشرير يحمل في فمه لسانًا من رصاص يُخرج الشرور، أما الصديق فيحمل لسانًا من فضة نقية ينطق بكلمة الله المصفاة كالفضة سبع مرات (مز 12: 6).

يكمل النبي حديثه: "وإذ بامرأتين خرجتا والريح في أجنحتهما ولهما أجنحة اللقلق فرفعتا الإيفة بين الأرض والسماء" [9].

يكنى بالمرأتين عن رذيلتين ربما السرقة والقسم باطلاً كما في الرؤيا السابقة أي سلب حق الأخوة وحق الله. أما قوله: "الريح في أجنحتهما" أي أن أجنحتهما مملوءة ريحًا أو روحًا كذلك الروح الذي تحدث عنه الرسول: "الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية" (أف 2: 2)، الروح الرديء الذي قال عنه السيد المسيح متى طُرد من إنسان يعود فإذ يجد الموضع الذي طرد منه فارغًا من كل صلاح ومكنوسًا من كل ما هو جميل يأتى ومعه سبعة أرواح أشر منه ليسكن فيه، فتصير أواخر هذا الإنسان أشر من أوائله (مت 12: 35 ؛ لو 11: 26).

ولئلا يظن بالأجنحة انطلاق المرأتين نحو السماء أكد أن أجنحتهما كأجنحة اللقلق وليس كأجنحة الحمام كما يقول القديس ديديموس الضرير: [فاللقلق حسب الشريعة طائر نجس (لا 11: 19؛ تث 14: 18) يسكن السرو (مز 104: 17). من الطيور المهاجرة (أر 8: 7). اللقلق نوعان الأبيض Ciconia alba تقضى الشتاء في وسط أفريقيا وجنوبها ويهاجر في الربيع في أعداد ضخمة إلى أوروبا وفلسطين وشمال سوريا. والأسود Ciconia higra  يوجد في فلسطين وشائع في وادي البحر الميت. يقتات اللقلق على الضفادع والزحافات الصغيرة، وإن لم يجد فيبحث عن الجيف والأوساخ[40]. ويعلق القديس ديديموس الضرير على ذلك بقوله أن المرأتين وهما تمثلان الشر وترمزان للشيطان أو المسيح الدجال وكلام الهراطقة تعيشان بجوار القبور لتقتاتان على الجيف، فتكونا كالقبور المبيضة من الخارج وفي الداخل مملوءة عظام أموات كل نجاسة (مت 23: 27). وكما أن اللقلق يقيم عشه بالأوساخ فتخرج صغاره وسط الروائح الدنسة القذرة هكذا من يسلك في الشر يعيش في اهتمامات الجسد الفارغة. من له أجنحة اللقلق ينجذب إلى القبور والأوساخ أما من له أجنحة الحمام، أي عمل الروح القدس الذي ظهر في شكل حمامة عند عماد السيد، فيرتفع إلى السماويات وكما يقول القديس ديديموس الضرير:[من هذا المطوّب الذي يحمل جناحي حمامة ترفعه إلى السماء فوق هذا العالم[41]].

أما ذهاب المرأتين إلى شنعار (المرتبطة ببابل تك 10: 10) لبناء بيت لهما فيُشير إلى رغبتهما في الاستقرار في الموضع الذي فيه اتفق البشر قديمًا على الثورة ضد الله نفسه فتبلبلت ألسنتهم ودخلوا في اضطراب داخلي.

ليتنا نحمل جناحي حمامة لا جناحي اللقلق فنهرب من بابل (أش 48: 20) حيث الشر لنجد راحتنا في الرب نفسه، نسكن في أحضانه الأبدية!

 

+ إقرأ اصحاح 5 من سفر زكريا +
+ عودة لتفسير سفر زكريا +