إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أتحب نفسك ؟ حسناً تفعل بهذه المحبة قومها لترجع كما كانت صورة الله وأحترس من أن تحب نفسك محبة خاطئة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى

+ تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +



تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 13 جـ2 PDF Print Email
ويقول القديس إيريناؤس: ]لا يظن أحد أنه يصنع هذه الأعاجيب بقوة إلهية بل بفعل السحر. لا تتعجب من هذا مادامت الشياطين والأرواح المقاومة في خدمته، إذ يصنع بواسطتهم العظائم التي يقود بها سكان الأرض إلى الضلال. [

ويقول الأسقف فيكتوريانوس: ]يفعل السحرة هذه الأمور في أيامنا هذه بمساعدة ملائكة مقاومين. [

إنه سيجعل صورة "ضد المسيح" الرهيبة تبقى في الهيكل في أورشليم، ويدخلها الملاك المقاوم، ويحدث فيها أصواتًا وعجائب. علاوة على هذا فإنه سيقترح على خدامه وأولاده أن يتقبلوا علامة على جباهم وعلى أيديهم اليمنى عليها عدد اسمه.

وقد سبق أن تنبأ دانيال عن استخفافه بالله وهياجه ضده، إذ يقول عنه أنه سيقيم هيكله في السامرة. ويقيم صورة (تمثالاً) على الجبل المقدس في أورشليم كما فعل نبوخذنصّر.

أما بخصوص رجسة الخراب هذه، فينصح الرب كنائسه عن آخر الأزمنة ومخاطرها قائلاً: "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ليفهم القارىء" (مت 24: 15؛ راجع دا 9: 27). إنها تدعى رجسة خراب بسبب إثارته بالحث على عبادة الأصنام بدلاً من الله، أو بسبب دخول جماعات من الهراطقة في الكنائس، وستوجد انحرافات، إذ ينخدع البعض بالعلامات الكاذبة والتوعدات فيتركون خلاصهم.

5. "ويجعل الجميع: الصغار والكبار، والأغنياء والفقراء، والأحرار والعبيد، تصنع لهم سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم. وأن لا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلا من له السمة أو اسم الوحش أو عدد اسمه" [16-17]
. كما يفتخر أولاد الله بسمات الرب يسوع التي نُختم بها بالروح القدس، هكذا يجعل ضد المسيح لنفسه سمة يروِّجها الوحش الثاني ليختموا بها، وقد قيل عنها:

أ. إنها علامة الاعتزاز بالشر والتجديف على الله، لهذا توضع على الجبهة، وعلامة العنف في الشر ومقاومة أولاد الله لهذا توضع على اليد اليمنى.

ب. يرى القديس مار افرآم السريانى أن ضد المسيح يطبع سمته على جبهة أتباعه أو في يمينهم حتى لا يعودوا يفكرون في رشم علامة الصليب بيمينهم على جبهتهم، وبهذا يضمن بقاء قوته الشريرة فيهم.

ج. يقول القديس هيبوليتس: ]إن هذا يكون بسبب امتلائهم من الخداع، فهم يمجدونه بهذه السمة إمعانًا في مضايقة خدام الله واضطهادهم في العالم، هؤلاء الذين لا يمجدونه ولا يقدمون له بخورًا... فلا يقدر أحد من القديسين أن يشتري أو يبيع ما لم يقدم ذبيحة له، وهذا ما يقصده بالعلامة على اليد اليمنى. [

خاتمة عن عدد الوحش

"هنا الحكمة، من له فهْم فليحسب عدد الوحش، فإنه عدد إنسان. وعدده ست مئة وستة وستون" [ 18].

"هنا الحكمة" أي أن الأمر يحتاج إلى حكمة خاصة، إذ لا تزال حكمة البشر قاصرة عن معرفة الاسم، وفيما يلي بعض الآراء:

1. رأي ابن العسال: أخفي الله الاسم حتى لا ينتحله أحد الملوك أو أصحاب البدع فيشوِّش النبوات.

2. الرأي الثاني: يرى كثير من الآباء أنه ذكر عدده، وذلك لمجرد تأكيد حقيقة كونه إنسانًا فعلاً وله اسم ويمكن للإنسان أن يعد اسمه فيجده 666 (في الحروف اليونانيّة واللاتينيّة والقبطيّة لها مدلولات أرقاميّة. كل حرف له رقم معين فإذا جمعنا مدلولات كل حروف الاسم نجد الحاصل بالأرقام هو 666).

3. الرأى الثالث: قال أحدهم أن اسم ربنا "يسوع" مدلوله بالأرقام هو 888. ورقم 8 كما يقول القديس يوحنا كليماكوس يشير إلى الحياة الدهرية، إذ رقم 7 يشير إلى الحياة الزمنية، واليوم الجديد في الأسبوع التالى هو "8". لهذا طلب الله في القديم أن يتم الختان في اليوم الثامن، كما تمَّت قيامة الرب في فجر الأحد أي اليوم الثامن، أول الأسبوع الجديد. فعدد الرب "يسوع" 888 أي سماوي بكل تأكيد إلى التمام. ورقم 6 أقل من 7، أي رقم ناقص، إشارة إلى أن الوحش ليس فقط زمنيًا بل ناقص تمام النقص.

4. رأي القديس إيريناؤس أن رقم 666 يشير إلى أن الوحش يحمل كل صنوف الشر والخداع، وكل قوى المقاومة محبوسة فيه وقد سبق أن رمز له في:

600 سنة كل عمر نوح عندما دمَّر الطوفان العالم بسبب الفساد والشر.

60 ذراعًا طول التمثال الذي أقامه نبوخذنصّر للعبادة (دا 3: 1)، وعرضه 6 أذرع (وبسببه ألقى الثلاثة فتية في أتون النار). فالرقم 666 يحمل معنى غضب الله على البشرية حتى أغرقها، وتحتمل الكنيسة كل ضيقة من أجل الحق.

وهناك رأي آخر للقديس إيريناؤس أنه ربما عدد 666 هو عدد الهرطقات التي تثور منذ ظهور البشرية إلى يوم مجيء الرب، وهي في مجموعها تمثل الضد للمسيح.

لكننا نرى مع نفس هذا القديس أن كثيرين بحثوا وجاءوا بأسماء في اليونانية عددها 666 لكن يليق بهم أن يرجعوا عن أفكارهم هذه، لأنه ليس عملهم أن يتنبأوا إذ ينكشف عند ظهوره، وإنما عليهم أن يحذروا منه ثابتين في الرب.

ويكاد الأب هيبوليتس والأسقف فيكتورينوس وغيرهما أن يأخذوا بهذا الرأي. إذ يقول الأول أن أسماء كثيرة في اليونانية مجموعها 666، لكن كلمة "أنا أدحض" باليونانية مجموعها 666، أي يكفينا أن نعرف أنه سيأتي ناكرًا وداحضًا الإيمان بالسيد المسيح منصبًا نفسه إلهًا.

1 ثم وقفت على رمل البحر فرايت وحشا طالعا من البحر له سبعة رؤوس و عشرة قرون و على قرونه عشرة تيجان و على رؤوسه اسم تجديف
2 و الوحش الذي رايته كان شبه نمر و قوائمه كقوائم دب و فمه كفم اسد و اعطاه التنين قدرته و عرشه و سلطانا عظيما
3 و رايت واحدا من رؤوسه كانه مذبوح للموت و جرحه المميت قد شفي و تعجبت كل الارض وراء الوحش
4 و سجدوا للتنين الذي اعطى السلطان للوحش و سجدوا للوحش قائلين من هو مثل الوحش من يستطيع ان يحاربه
5 و اعطي فما يتكلم بعظائم و تجاديف و اعطي سلطانا ان يفعل اثنين و اربعين شهرا
6 ففتح فمه بالتجديف على الله ليجدف على اسمه و على مسكنه و على الساكنين في السماء
7 و اعطي ان يصنع حربا مع القديسين و يغلبهم و اعطي سلطانا على كل قبيلة و لسان و امة
8 فسيسجد له جميع الساكنين على الارض الذين ليست اسماؤهم مكتوبة منذ تاسيس العالم في سفر حياة الخروف الذي ذبح
9 من له اذن فليسمع
10 ان كان احد يجمع سبيا فالى السبي يذهب و ان كان احد يقتل بالسيف فينبغي ان يقتل بالسيف هنا صبر القديسين و ايمانهم
11 ثم رايت وحشا اخر طالعا من الارض و كان له قرنان شبه خروف و كان يتكلم كتنين
12 و يعمل بكل سلطان الوحش الاول امامه و يجعل الارض و الساكنين فيها يسجدون للوحش الاول الذي شفي جرحه المميت
13 و يصنع ايات عظيمة حتى انه يجعل نارا تنزل من السماء على الارض قدام الناس
14 و يضل الساكنين على الارض بالايات التي اعطي ان يصنعها امام الوحش قائلا للساكنين على الارض ان يصنعوا صورة للوحش الذي كان به جرح السيف و عاش
15 و اعطي ان يعطي روحا لصورة الوحش حتى تتكلم صورة الوحش و يجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون
16 و يجعل الجميع الصغار و الكبار و الاغنياء و الفقراء و الاحرار و العبيد تصنع لهم سمة على يدهم اليمنى او على جبهتهم
17 و ان لا يقدر احد ان يشتري او يبيع الا من له السمة او اسم الوحش او عدد اسمه
18 هنا الحكمة من له فهم فليحسب عدد الوحش فانه عدد انسان و عدده ست مئة و ستة و ستون



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 13 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

الجانب المفرح للكنيسة


رأينا في الأصحاحين السابقين مقاومة إبليس للكنيسة بكل وسيلة، لهذا يعلن الله للكنيسة في هذا الأصحاح - كعادته - جانبًا مفرحًا مبهجًا حتى تمتلئ قلوب المؤمنين سلامًا وفرحًا في وسط الضيق. وقد تمثل هذا الجانب في ثلاث رؤى:

1. الحمل والمؤمنين حوله 1 - 5.

2. ظهور ثلاثة ملائكة 6 - 13.

3. الحصاد 14 - 20.

1. الحمل والمؤمنون حوله

يا له من منظر مبهج للغاية ومفرح، إذ يقول الرسول: "ثم نظرت وإذا خروف واقف على جبل صهيون، ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفًا، لهم اسم أبيه مكتوبًا على جباههم" [1].

يقف الحمل وحوله من ارتبطوا به واتحدوا به بالحب الأبدي أي به بكونه "الحب الحقيقي". وقفوا معه على جبل صهيون، أي في السماء العليا "مدينة الملك العظيم" (مز 48: 2)، يملكون به، وهو يملك عليهم، وتتحقق النبوة القائلة: "أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي" (مز 2: 6).

يا له من منظر شهي! من لا يبذل كل جهد، ويقبل كل ألم من أجل أن يكون له هذا النصيب، أن يحيط بالرب ويلازمه ويتحد به ولا يفارقه إلى الأبد؟

"وسمعت صوتًا من السماء كصوت مياه كثيرة، وكصوت رعد عظيم، وسمعت صوتًا كصوت ضاربين بالقيثارة يضربون بقيثاراتهم. وهم يترنمون ترنيمة جديدة أمام العرش، وأمام الأربعة المخلوقات الحيَّة والقسوس، ولم يستطع أحد أن يتعلم الترنيمة، إلا المئة والأربعة والأربعون ألفا الذين اُشتروا من الأرض. هؤلاء هم الذين لهم يتنجسوا مع النساء، لأنهم أطهار. هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب. هؤلاء اُشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف. وفي أفواههم لم يوجد غش، لأنهم بلا عيب قدام عرش الله" [2-5].

من هم هؤلاء الملتفون حول الحمل؟ يرى بعض آباء الكنيسة الأولى أنهم جماعة الأبكار الذين خصوا أنفسهم من أجل الملكوت، مقدمين بالرب يسوع البتول حياة البتولية السمائية.

وهنا يكشف ربنا للكنيسة في وسط ضيقتها بسبب ضد المسيح عن هؤلاء الأبكار الذين ينعمون بهذا المجد حتى تطمئن نفوس المتألمين أن الله ليس بظالم حتى ينسى تعب المحبة. هذا ولا ننسى أن الكنيسة كلها تدعى "كنيسة أبكار" (عب 12: 23)، لأن من لا ينعم ببتولية الجسد أو بكوريته مع بتولية النفس لا يحرم من كونه بكرًا، بسبب ارتباطه واتحاده بالرب البكر، كعضوٍ حيٍ في جسده.

إننا جميعًا، بتوليين أو متزوجين، أعضاء حيَّة في جسد الرب رأسنا السري، لهذا نوجد قدامه أبكارًا وأطهارًا وبلا عيب في نظره وليس فينا غش.

يليق بالمؤمن الحقيقي أن يذوق ويختبر البتولية الروحية، فيقدم بالرب نفسًا بتولاً وقلبًا وفكرًا وحواسًا. الكل كعذارى متبتلة لا تشتهي، ولا تنشغل، ولا تطلب إلا الرب يسوع العريس الوحيد.

لست بهذا أُقلل من شأن البتولية والبتوليين، لأن من لا يقدر أن يصف أو يعبر عن هذا الحال الملائكي؟ وتلك الدرجة السمائية التي لا يمكن للإنسان الطبيعي أن يقتنيها بفرح وبهجة قلب إلا بربنا يسوع! لكننى في هذا المجال أود أن أوضح أهمية بتولية الكنيسة كلها أيا كان أعضاؤها، فالكل "عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2)، "كنيسة أبكار" (عب 12: 23) "باكورة من خلائقه" (يع 1: 18)، و هى التي لها أن تسكن في مسكن الرب، كقول المرتل: "يا رب من يسكن في مسكنك، أو يحل في جبل قدسك، إلا السالك بلا عيب... والمتكلم بالحق في قلبه، الذي لا يغش بلسانه" (مز 15).

نعود إلى الرؤيا لنسمع من الرسول أصواتًا كثيرة مفرحة ومنعشة. إنها الكنيسة التي رآها الرسول تصدر منها أصوات عذبة متناسقة كسيمفونية مبدعة للغاية إذ سمع:

1. صوتًا كصوت مياه كثيرة، وهي أصوات الأمم والألسنة، أيًا كان جنسهم، الذين قبلوا الإيمان بالفادي، وصار كل ما فيهم يسبح مبتهجًا به.

2. صوت العريس المبتهج بعروسه، الذي لا يكف عن مناجاتها بعد طول فترة اشتياق متبادل. لقد سمع الرسول صوته "كصوت رعد عظيم"، حتى إذا ما تطلعت الكنيسة في ضيقتها إلى هذا المنظر وخاصة في فترة ضد المسيح تدرك قوة عريسها وإمكانياته الفائقة.

3. صوت كصوت ضاربين بالقيثارة وهو صوت البتوليين. إنه نغم موسيقي ملائكي له عذوبة خاصة وحلاوة من أجل بتوليتهم في الرب.

2. ظهور ثلاثة ملائكة

بعدما كشف للكنيسة عن المجد المعد لها خاصة للبتوليين لتشجيعهم على المثابرة، عاد ليظهر لهم أنه لا يتركهم وهم على الأرض، بل يهتم بهم، إذ يقول الرسول:

"فرأيت ملاكًا آخر طائرًا في وسط السماء، معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب. قائلاً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجدًا، لأنه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه" [6-7].

يقول الأسقف فيكتورينوس أن هذا الملاك هو إيليا النبي الذي يأتي لإعانة الكنيسة، فيكرز ويبشر بين الأمم والقبائل مشجعًا الكنيسة في كل أمة أن تصمد للنهاية. إنه يثبت في المؤمنين مخافة الرب ليعطوا مجدًا له، رافضين السجود للتنين وضد المسيح. ولما كان هذا العمل ضخمًا والوقت ضيق للغاية لهذا يقول الرائي:

"ثم يتبعه ملاك آخر قائلاً: سقطت، سقطت بابل المدينة العظيمة، لأنها سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها" [8].

هذا الملاك الآخر هو "أخنوخ" المرافق لإيليا، كأنه يقول مع النبي: "بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الأرض. من خمرها شربت الشعوب. من أجل ذلك جنت الشعوب. سقطت بابل بغتة وتحطمت" (إر 51: 7-8).

وأن لنا في بابل صورة الكبرياء البشري الشيطاني على الله. وهنا بابل تعني روح ضد المسيح المتعجرف على الرب، فستنهزم قطعًا.

الملاك الأول يشجع المؤمنين ويثبتهم، والملاك الثاني يرهب الأشرار والمنحرفين.

هذا لا يعني أن يقف إيليا عند الحديث عن الرجاء والتثبيت دون أن يوبخ الأشرار، ولا أن يقف أخنوخ عند الحديث بالعنف والتوبيخ دون أن يمزج حديثه بالرجاء. لأنهما يعملان بروحٍ واحدٍ وفكرٍ واحدٍ وغايةٍ واحدةٍ. لكن الرؤيا تود أن تكشف جانبين من جوانب كلمة الله: الجانب المبهج المفرح للنفس التائبة، والجانب العنيف القاسي للنفوس المستهترة.

ويرافق هذان الملاكان ملاك ثالث: "ثم تبعهما ملاك ثالث، قائلاً بصوت عظيم: إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويقبل سمته على جبهته أو على يده. فهو أيضًا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفًا في كأس غضبه، ويعذب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الخروف. ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين، ولا تكون راحة نهارًا وليلاً، للذين يسجدون للوحش ولصورته، ولكل من يقبل سمة اسمه" [9-11].

هذا الملاك الثالث هو الكتاب المقدس، خاصة النبوات الواردة فيه عن ضد المسيح، فستكون كارزة للحق، منذرة ومحذرة من السجود للوحش أو صورته أو قبول سمته بالنار الأبدية التي سنعود للحديث عنها.

وبالتأكيد لا يقف النبيان وحدهما في الشهادة للحق لكن الله يستخدم كثيرين يعلنون الحق ويظهرونه وينطقون بما جاء في الكتاب المقدس مهما يكن الثمن!

على أي حال نجد أن الملائكة الثلاثة يشيرون إلى ثلاثة جوانب لرسالة الكنيسة المتألمة في عهد ضد المسيح هي:

1. الملاك الأول يتحدث عن المجد المعد للساجدين للرب: "الحياة الأبدية".

2. الملاك الثاني يتحدث عن انهيار مملكة ضد المسيح: "زوال العالم".

3. الملاك الثالث يتحدث عن العذاب المُعد لضد المسيح وأتباعه: "النار الأبدية".

هذه الجوانب أو الرسائل الثلاث يعلنها النبيان ويوضحها الكتاب المقدس، وإذ رأى القديس يوحنا الحبيب الملائكة الثلاثة أدرك ما سيعانيه النبيان وتلاميذهما من ضيق، فطوَّبهم قائلاً: "هنا صبر القديسين. هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع" [12].

يا لسعادة هؤلاء الذين يعاصرون ضد المسيح، لأنهم يحتملون آلامًا أشد مما احتمله المؤمنون في أي عصر آخر، وبالتالي يكون صبرهم أعظم، ويحسب حفظهم للوصية أعمق وإيمانهم بالرب أثبت... فيتأهلون لأكاليل مجد عظيمة فائقة من يقدر أن يصفها؟

لكننا لا نحسدهم، إذ يستطيع كل مؤمن في أي عصر وفي أي مكان وتحت أي ظرف من ظروف الحياة أن ينال التطويب، إذ يقول الرائي: "وسمعت صوتًا من السماء، قائلاً لي: أكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" [13].

"طوبى" لفظ سرياني يعني "يا لسعادة أو يا لغبطة..." يا لغبطة المثابرين في احتمال الألم والصليب لا في عهد ضد المسيح فحسب، ولكن في أي وقت. لأن الألم وتعب الطريق والصليب هذه كلها سمات المؤمن الحقيقي حتى وإن كان متوحدًا لا يرى وجه إنسان.

لقد انتقل القديس أغسطينوس وهو يترنم بمزامير التوبة بقلب منسحق ودموعه تسيل من عينيه. طوباه! وانتقل القديس باخوميوس وهو لا يكف عن الاهتمام بشئون أولاده وتدبير حياتهم رغم اشتداد المرض عليه. طوباه! وفي كل يوم تنتقل شموع منيرة تذوب يومًا فيومًا محترقة بمحبة الله حتى تنتهي!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 14 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 14 جـ2 PDF Print Email
3. الحصاد

بعدما أعلن للكنيسة عن مجدها السماوي، وكشف لها اهتمامه بإرسال الملائكة الثلاثة، عاد ليطمئنها أن وقت الحصاد قد اقترب، إذ يقول الرسول: "ثم نظرت، وإذا سحابة بيضاء، وعلى السحابة جالس شبه ابن إنسان، له على رأسه إكليل من ذهب، وفي يده منجل حاد" [14].

لا تخاف الكنيسة لأن عريسها آت في سحابة بيضاء، أي في مجد عظيم ناصع، بين ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة محيطين به كسحابة بيضاء. هوذا قادم بالثوب الأبيض حتى الرِجلين على سحابة بيضاء ليستقبل عروسه اللابسة الثوب الأبيض، إذ هي في عينيه طاهرة ونقية ومبهجة، لأنها تحمل انعكاسات جماله الفائق وفضائله السماوية. لم تعد بعد أرضية، ولا يشوبها دنس أو شيء نجس، بل هي عروس الحمل السماوية.

يأتيها "على السحابة جالسًا"، إنه لم يعد بعد "قائمًا" كما رآه الشهيد استفانوس بل استراحت نفسه من جهة كنيسته، لأن زمان جهادها قد انتهي، فجلس ليُجلسها بجواره، بل تشاركه مجده!

تراه "شبه ابن إنسان"؛ حقًا هو "ابن الإنسان"، لكنه شبه ابن إنسان، لأنه من أجل الكنيسة صار إنسانًا ليرافقها وترافقه، ليعلن حبه لها على الصليب وتقبل محبته فيها. لكن في المجد الإلهي تراه "شبه ابن إنسان" بسبب أمجاد اللاهوت وبهاء عظمته. هذه الأمور التي لم تعد كما في مرآة أو لغز، بل تراها الكنيسة وتتمتع بها في كمالها.

"له على رأسه إكليل من ذهب"، إذ هو ملك سماوي، ملك الملوك ورب الأرباب، يأتي ليملك بأولاده إلى الأبد ملكًا سماويًا!

"وفي يده منجل حاد"، إذ حان وقت الحصاد، يجمع بيديه العنب الجيد ويفرح ويُسر بالثمر. لا تنحرف نظراته عن ثمار كرمه أي الكنيسة، لكن المنجل الحاد هو من أجل الأغصان الجافة غير الثابتة التي تُجمع لتحرق في النار الأبدية مع العنب الرديء.

ترى الكنيسة الحقيقية المنجل الحاد، فلا ترتعب منه، لأنه في يد عريسها، أما الأشرار والمجدفون الذين عاشوا عبيدًا لإبليس والخطية فلا يحتملون رؤيته.

يا للعجب! الرب يأتي بنفسه، ويتقدم ليأخذ بيد عروسه حتى إلى سماء السماوات، حتى تستريح فيه، أما بالنسبة للأشرار فيقول:

"وخرج ملاك آخر من الهيكل، يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة: أرسل منجلك واحصد، لأنه قد جاءت الساعة للحصاد، إذ قد يبس حصيد الأرض. فألقى الجالس على السحابة منجله على الأرض" [15-16].

لقد خرج يسأل السيد مترجيًا "أرسل منجلك"، إذ هذه هي شهوة الملائكة وشوق الذين في الفردوس (رؤ 6: 10)، وغاية المجاهدين الذين يترجونه في كل صلاة، قائلين: "ليأت ملكوتك"، "وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي".

"ثم خرج ملاك آخر من الهيكل الذي في السماء، معه أيضًا منجل حاد. وخرج ملاك آخر من المذبح له سلطان على النار، وصرخ صراخًا عظيمًا إلى الذي معه المنجل الحاد، قائلاً: أرسل منجلك الحاد واقطف عناقيد كرم الأرض، لأن عنبها قد نضج. فألقى الملاك منجله إلى الأرض، وقطف كرم الأرض، فألقاه إلى معصرة غضب الله العظيمة. وديست المعصرة خارج المدينة، فخرج دم حتى لُجم الخيل مسافة ألف وستمائة غلوة" [17-20].

خرج الملائكة الثلاثة مشتاقين ليروا يوم الدينونة المجيد. يروا الأبرار قد تمجدوا وتكللوا، والأشرار وقد انسكب عليهم شرهم، ارتدت إليهم ظلمتهم. وكما يقول الأسقف فيكتورينوس إن هذه الرؤى الخاصة بالثلاثة ملائكة تشير إلى يوم الدينونة حيث يهلك الأشرار عند مجيء الرب.

وإننا نجد الملاكين الأولين خارجين من الهيكل الذي في السماء، يعلنان شوق الملائكة وكل الطغمات السمائية ليوم الدينونة. أما الملاك الثالث فخرج من المذبح، أي من الفردوس، حيث تستريح نفوس المنتقلين تحت المذبح، وله سلطان على النار، أي على إبليس. فخرج ليُعلن أنه قد تم جهاد المؤمنين جميعًا، وجاء الوقت لحصاد عناقيد العنب التي تمايلت ترنحًا مضطهدة القديسين والمؤمنين سافكة دم الشهداء.

وكما يقول الأسقف فيكتورينوس: [إنهم يُلقون في معصرة غضب الله، ويُداسون خارج المدينة (السماء). وهذا هو جزاء الأشرار.]

سينتقم منهم بسفك الدم كما سبق أن أعلن النبي: "في الدم أخطأت والدم يتبعك" (راجع حز 5: 6).

هكذا سافكو الدم البريء يلقون في معصرة جهنم الأبدية خارج السماء، ويبقون هناك كأنهم مذبوحون، وبلغ الدم إلى رقابهم. لا يهدأون ولا يستريحون، يشتهون الموت والفناء ولا يجدانهما!

خاتمة

في السلسلة الثالثة التالية "سكب الجامات السبعة" يعلن الله تأديبه للبشر خلال التاريخ عامة وفي فترة ضد المسيح خاصة. هذا التأديب، صادر من إله محب تجاه قلوب بشرية قاسية. غايته توبة الإنسان، لهذا نجده متدرجًا في الشدة. ولا يُسكب دفعة واحدة.

وفي نفس الوقت يمهد لها بالإصحاح الخامس عشر كاشفًا عن رؤيتين للرسول حتى يطمئن المؤمنون تجاه محبة الله لهم.

1 ثم نظرت و اذا خروف واقف على جبل صهيون و معه مئة و اربعة و اربعون الفا لهم اسم ابيه مكتوبا على جباههم
2 و سمعت صوتا من السماء كصوت مياه كثيرة و كصوت رعد عظيم و سمعت صوتا كصوت ضاربين بالقيثارة يضربون بقيثاراتهم
3 و هم يترنمون كترنيمة جديدة امام العرش و امام الاربعة الحيوانات و الشيوخ و لم يستطع احد ان يتعلم الترنيمة الا المئة و الاربعة و الاربعون الفا الذين اشتروا من الارض
4 هؤلاء هم الذين لم يتنجسوا مع النساء لانهم اطهار هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب هؤلاء اشتروا من بين الناس باكورة لله و للخروف
5 و في افواههم لم يوجد غش لانهم بلا عيب قدام عرش الله
6 ثم رايت ملاكا اخر طائرا في وسط السماء معه بشارة ابدية ليبشر الساكنين على الارض و كل امة و قبيلة و لسان و شعب
7 قائلا بصوت عظيم خافوا الله و اعطوه مجدا لانه قد جاءت ساعة دينونته و اسجدوا لصانع السماء و الارض و البحر و ينابيع المياه
8 ثم تبعه ملاك اخر قائلا سقطت سقطت بابل المدينة العظيمة لانها سقت جميع الامم من خمر غضب زناها
9 ثم تبعهما ملاك ثالث قائلا بصوت عظيم ان كان احد يسجد للوحش و لصورته و يقبل سمته على جبهته او على يده
10 فهو ايضا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفا في كاس غضبه و يعذب بنار و كبريت امام الملائكة القديسين و امام الخروف
11 و يصعد دخان عذابهم الى ابد الابدين و لا تكون راحة نهارا و ليلا للذين يسجدون للوحش و لصورته و لكل من يقبل سمة اسمه
12 هنا صبر القديسين هنا الذين يحفظون وصايا الله و ايمان يسوع
13 و سمعت صوتا من السماء قائلا لي اكتب طوبى للاموات الذين يموتون في الرب منذ الان نعم يقول الروح لكي يستريحوا من اتعابهم و اعمالهم تتبعهم
14 ثم نظرت و اذا سحابة بيضاء و على السحابة جالس شبه ابن انسان له على راسه اكليل من ذهب و في يده منجل حاد
15 و خرج ملاك اخر من الهيكل يصرخ بصوت عظيم الى الجالس على السحابة ارسل منجلك و احصد لانه قد جاءت الساعة للحصاد اذ قد يبس حصيد الارض
16 فالقى الجالس على السحابة منجله على الارض فحصدت الارض
17 ثم خرج ملاك اخر من الهيكل الذي في السماء معه ايضا منجل حاد
18 و خرج ملاك اخر من المذبح له سلطان على النار و صرخ صراخا عظيما الى الذي معه المنجل الحاد قائلا ارسل منجلك الحاد و اقطف عناقيد كرم الارض لان عنبها قد نضج
19 فالقى الملاك منجله الى الارض و قطف كرم الارض فالقاه الى معصرة غضب الله العظيمة
20 و ديست المعصرة خارج المدينة فخرج دم من المعصرة حتى الى لجم الخيل مسافة الف و ست مئة غلوة


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 14 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 15 جـ1 PDF Print Email

منظران تمهيديان


في هذا الأصحاح التمهيدى نرى:

1. الكنيسة الممجدة في السماء 1 - 4.

2. مصدر الجامات السبعة 5 - 8.

1.الكنيسة الممجدة في السماء

"ثم رأيت آية أخرى في السماء عظيمة وعجيبة. سبعة ملائكة معهم السبع الضربات الأخيرة، لأن بها أُكمل غضب الله" [1.]

هذا هو موضوع السلسلة الثالثة، أن الله يرينا آية أخرى في السماء، هذه الآية العظيمة هي مقاصد الله العجيبة تجاه البشر الذي لا يكف عن أن يستخدم معهم اللطف أو الشدة، الترفق أو الحزم، التساهل أو التأديب، هذا كله لأجل خيرهم وخلاصهم إن عادوا إليه تائبين.

علي أي الأوضاع إن هذه الآية التي تحمل غضب الله إلي تمامه، وتكشف المرارة التي يشربها العالم بسبب الشر، فإنها "في السماء"، أي لا تحدث جزافًا أو بلا تدبير، بل صادرة من السماء.

يسرع ربنا فينقل المؤمنين في شخص الرسول ليروا ماذا يكون حال الكنيسة يوم عزها ومجدها حتى لا تضطرب حين ترى التأديبات المرة، لهذا يقول:

"ورأيت كبحر من زجاج مختلط بنار، والغالبين على الوحش وصورته وعلى سمته وعدد اسمه واقفين على البحر الزجاجي معهم قيثارات الله. وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله، وترنيمة الخروف قائلين: عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها الرب الإله، القادر على كل شيء. عادلة وحق هي طرقك. يا ملك القديسين. من لا يخافك يا رب، ويمجد اسمك، لأنك وحدك قدوس، لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك، لأن أحكامك قد أظهرت" [2-4.]

ينتقل بهم ليروا أنفسهم كغالبين على الشيطان، خاصة الذين يعاصرون اضطهاد ضد المسيح يرون أنفسهم كغالبين الوحش وصورته وعلى سمته وعدد اسمه... ماذا يكون حالهم؟

1. إنهم واقفون على البحر الزجاجي،
كبحر من زجاج مختلط بنار. وقد سبق أن رأينا أن البحر الزجاجي الذي هو أمام العرش يشير إلى المعمودية التي بدونها لا يعبر أحد إلى الجالس على العرش ليكون في حضنه. ولما كان الحديث هنا موجهًا بالأكثر إلى أُناس يذوقون مرارة المر في فترة ضد المسيح كقول الرب: "يكون في تلك الأيام ضيق لم يكن مثله منذ ابتداء الخليقة التي خلقها الله إلى الآن ولن يكون" (مر 13: 19)، لهذا أظهر البحر مختلطًا بنار التجارب التي يجتازونها.

2. معهم قيثارات الله: إنهم غالبون اجتازوا كل أيام غربتهم. ذهب وقت الهروب والألم والحزن وصاروا ظاهرين "واقفين" علنًا، حاملين قيثارات النصرة والفرح. هي ليست منهم بل "قيثارات الله"، هبة من الله تجاه الغالبين لحسابه، يجعل من النفس والجسد قيثارة، تسبحه بنغم إلهي، وتسبيح سماوي روحي من وحيه! يجدر بنا أن نلاحظ أن الغالبين المذكورين هنا هم "الغالبون الوحش"، بكونهم آخر فئة من جماعة المجاهدين على الأرض. وبهذا يوضح لنا هذا المجد الأبدي في كماله وجلاله، لا يناله المؤمنون إلا بعد أن يكمل كل المؤمنين جهادهم.

3. وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله وترنيمة الخروف: يا له من منظر مبدع سبق أن رأيناه خلال الرمز حين اجتاز موسى والشعب البحر الأحمر وخرجوا إلى الشاطئ يترنمون "ترنيمة موسى" (خر 15)، ترنيمة الخلاص، ترنيمة النصرة الرمزية. هذه الترنيمة تتغنى بها الكنيسة كلما سبحت الرب، إذ تذكر كيف عبرت مع الرب بالمعمودية ودفنت إبليس وقواته وطرحتهم في البحر قائلة:

"أرنم للرب فإنه قد تعظم!

الفرس وراكبه طرحهما في البحر!

الرب قوتي ونشيدي. وقد صار خلاصي!

هذا هو إلهي فأمجده، إله أبي فأرفعه!

يمينك يا رب معتزة بالقدرة.

يمينك يا رب تحطم العدو..."

أما ترنيمة الحمل فهي ذاتها ترنيمة موسى، الأولى هي الأصل والثانية هي ظلال ورمز. انهما ترنيمة النصرة على الشيطان. أما دوافع التسبيح فهي كما نقول مترنمين: "عظيمة وعجيبة هي أعمالك أيها الرب القادر على كل شيء".

وما سر عظمته؟

1. لأنه وحده القدوس، ليست هناك قداسة خارجًا عنه.

2. لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك. وهنا يتحدث بصيغة المستقبل. لأنه يليق بنا أن نترنم بهذه التسبحة، ونتعود عليها ههنا ونحن على الأرض، فنرى أن الأشرار لا يستطيعوا الهروب من الامتثال أمام العدل الإلهي ليعطوا جوابًا عما ارتكبوه. ونرى أنه خلال تأديبات الله وحزمه - إن صح هذا التعبير - يجتذب نفوسًا إليه.

3. لأن أحكامه قد أظهرت أو أعلنت، فهو لا يصنع هنا أمرًا ما لم يعلنه ويكشف مقاصده خلال كتابه. إلا أنه في يوم الرب العظيم ندرك أحكام الله في أعماقها ظاهرة ومكشوفة، فنعجب مندهشين أمام كل أعماله التي صنعها مع البشرية!




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 15 جـ2 PDF Print Email
2. مصدر الجامات السبعة

"ثم بعد هذا نظرت"، أي انتقل الرائي إلى مشهد جديد، رؤيا ثانية.

"وإذا قد انفتح هيكل خيمة الشهادة في السماء"، وهو الهيكل الذي كان يُحفظ فيه التابوت ولوحا الشريعة. وانفتاح هذا الهيكل في السماء يعني.

1. أن تابوت العهد الذي كان دائمًا يشير إلى حلول الله وسط شعبه، ولوحي الشريعة اللذين كانا يشيران إلى عدله ورحمته اللانهائيين تجاه البشرية، وخروج الضربات من هناك يكشف لنا أنها رغم ما اتسمت به من شدة وحزمٍ إلا أنها في منبعها تحمل مراحم الله ورأفاته واشتياقاته تجاه خلاص البشر.

2. يجد المؤمنون في هذا الهيكل لذتهم وسعادتهم، ومنه تخرج التأديبات والضربات.

3. لم تأت هذه الضربات بغير إنذار بل سبق أن أنبأنا عنها خلال الأنبياء.

"وخرجت السبعة الملائكة، ومعهم السبع الضربات من الهيكل، وهم متسربلون بكتان نقي وبهي، ومتمنطقون عند صدورهم بمناطق من ذهب. وواحد من الأربعة المخلوقات الحيَّة أعطى السبعة الملائكة سبعة جامات من ذهب مملوءة من غضب الله الحي إلى أبد الآبدين. وامتلأ الهيكل دخانًا من مجد الله ومن قدرته. ولم يكن أحد يقدر أن يدخل الهيكل حتى كملت سبع ضربات السبعة الملائكة" [6-8.]

هذا المنظر الملائكي يتناسب مع شخص ربنا يسوع اللابس الثوب إلى الرجلين والمتمنطق عند ثدييه بمنطقة من ذهب (1: 13) لابسين ثيابًا كتانية نقية وبهية، ومتمنطقين للخدمة. من هذا يظهر أن عملهم كعمل كهنوتي، لهذا فإن ما يقومون به من قبل الله هو للتأديب أكثر منه للانتقام.

1. لقد خرج السبعة الملائكة متهيئين للمهمة التي يُرسلون إليها.

2. سلمهم أحد الأربعة المخلوقات الحيَّة سبعة جامات.

3. ومع هذا لا يسكبوا الجامات إلا بعد صدور الأمر الإلهي. وهكذا يتأنى الله جدًا في تأديباته وفي الضربات التي يسمح بها.

أما الجامات فيقول عنها القديس إيرونيموس أنها أوانٍ لكل منها فم ضيق حتى لا ينسكب الغضب دفعة واحدة بل يفرغ منها قطرة، قطرة. لكن الأصل اليوناني يوضح أنها أوان مسلطحة وواسعة.

وأما امتلاء الهيكل دخانًا من مجد الله وقدرته حتى لم يقدر أحد أن يدخل الهيكل، فهو ليس بالأمر الجديد، بل رأيناه مرارًا في الكتاب المقدس، وهو يشير إلى:

1. عظمة الله وجلاله، فليس لخليقة ما أن تعترض على عمله، لهذا عند استلام الشريعة عندما نزل الرب على جبل سيناء، صار الجبل يدخن كله كدخان الأتون (خر 19: 18).

2. يشير الدخان إلى عدم إدراك الخليقة الأحكام الإلهية، وبهذا نرى أن هذه الضربات هي رموز إلهية لا نقدر أن نكتشفها كما هي إلا عند حدوثها، لأن مقاصد الله تعلو كل حكمة البشر.

1 ثم رايت اية اخرى في السماء عظيمة و عجيبة سبعة ملائكة معهم السبع الضربات الاخيرة لان بها اكمل غضب الله
2 و رايت كبحر من زجاج مختلط بنار و الغالبين على الوحش و صورته و على سمته و عدد اسمه واقفين على البحر الزجاجي معهم قيثارات الله
3 و هم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله و ترنيمة الخروف قائلين عظيمة و عجيبة هي اعمالك ايها الرب الاله القادر على كل شيء عادلة و حق هي طرقك يا ملك القديسين
4 من لا يخافك يا رب و يمجد اسمك لانك وحدك قدوس لان جميع الامم سياتون و يسجدون امامك لان احكامك قد اظهرت
5 ثم بعد هذا نظرت و اذا قد انفتح هيكل خيمة الشهادة في السماء
6 و خرجت السبعة الملائكة و معهم السبع الضربات من الهيكل و هم متسربلون بكتان نقي و بهي و متمنطقون عند صدورهم بمناطق من ذهب
7 و واحد من الاربعة الحيوانات اعطى السبعة الملائكة سبعة جامات من ذهب مملوة من غضب الله الحي الى ابد الابدين
8 و امتلا الهيكل دخانا من مجد الله و من قدرته و لم يكن احد يقدر ان يدخل الهيكل حتى كملت سبع ضربات السبعة الملائكة


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 16 جـ1 PDF Print Email

الجامات السبعة


في هذا الأصحاح نجد التنفيذ العملي لسكب الجامات:

1. صدور الأمر بالتنفيذ 1.

2. التنفيذ العملي 2 - 21.

1. صدور الأمر بالتنفيذ

"وسمعت صوتًا عظيمًا من الهيكل قائلاً للسبعة الملائكة: امضوا واسكبوا جامات غضب الله" [1].

خرج الأمر للسبعة ملائكة أن يمضوا ويسكبوا الجامات، هذه التي تتميز بالآتي:

أولاً: تتفق هذه الجامات مع الضربات التي حدثت في مصر، إلا أن الأولى تمتاز بأنها رمزية تتمشى مع روح السفر بكونه رمزي، أما الضربات التي حدثت قديمًا فكانت حقيقية كما هي. ونحن لسنا بهذا نستعصب حدوث ما يرد في الجامات أن يتحقق، لكن يجب أن نفهمه بروح السفر.

الجام الأول يطابق الضربة السادسة.

الجام الثاني يطابق الضربة الأولى.

الجام الثالث يطابق الضربة الخامسة.

الجام الرابع يطابق الضربة التاسعة.

الجام الخامس يطابق الضربة الثانية.

الجام السادس يطابق الضربة السابعة.

الجام السابع يطابق الضربة السابعة.

ثانيًا: أنها تتفق مع الأبواق السبعة غير أنها أكثر منها شدة وعنفًا.

ثالثًا: إن قوله "جامات غضب الله" لا يعني بالغضب الانتقام بغير رحمة، بل كما سبق أن رأينا أن غضب الله هو في حقيقته حب... حب كامل من الله تجاه البشر، لأن الله لا يضيره شيء حتى ينتقم لنفسه بالمفهوم العام الذي ندركه، بل من قبيل محبته يسمح بالتأديب أو التخلي عنا لأجل توبتنا، أو توبة الآخرين.

2.التنفيذ العملي

الجام الأول

"فمضى الأول وسكب جامه على الأرض، فحدثت دمامل خبيثة ورديّة على الناس الذين بهم سمة الوحش، والذين يسجدون لصورته" [2].

سُكب الجام الأول على الأرض، والثاني على البحر، والثالث على الأنهار، والرابع يخص الشمس، والخامس مملكة ضد المسيح، والسادس على نهر الفرات، والسابع في الجو. يرى البعض أن هذه رموز لتأديبات الله التي تحل خلال التاريخ:

1. توعد الله لليهود الأشرار (الأرض، إذ كانوا شعبًا مستقرًا في معرفة الله).

2. توعد الله للأمم الوثنيين (البحر، إذ كانوا شعبًا مضطربًا لم يعرف الله).

3. توعد الله للمبتدعين في المسيحية (الأنهار، إذ كان يليق بهم أن يفيضوا بمياه الحياة).

4. توعد الله للمسيحيين الأشرار (الشمس، إذ كان يليق بهم أن ينيروا العالم).

5. توعد الله لضد المسيح.

6. توعد الله للتابعين له (نهر الفرات، إذ في هذه المنطقة كانت بابل القديمة المقاومة لله، ويقال إنها ستقوم وتناضل مع ضد المسيح).

7. توعد الله قبيل الدينونة مباشرة (الجو، إذ يعقبه مجيء الرب على السحاب مباشرة).

نعود إلى الجام الأول لنجد ضربة مملوءة نتانة، إذ تحدث على أثر سكب الجام من بثور وقروح. هذه الضربة التي يسمح بها الله لمقاوميه ومختلسي حقه (1 مل 5: 6، 9). فإن قلنا إن الأرض تشير إلى جماعة اليهود، نقول إن الله الذي زينهم بإعطائهم الشريعة والمواعيد ووهبهم بركات بلا حصر، عاد فأنتن رائحتهم بسبب شرهم ورفضهم المخلص المسيا. وإن قلنا إن هذه الضربة تحل في أيام ضد المسيح، يمكننا أن نتبين أن الله سيسمح بتأديبات حتى تظهر نتانة تعاليم ضد المسيح وفساد دعوته.

الجام الثاني

"ثم سكب الملاك الثاني جامه على البحر، فصار دمًا كدم ميت. وكل نفس حيَّة ماتت في البحر" [3].

هذا الجام ينسكب على الأمم الوثنيين الذين كانوا لا يعرفون الله، بل كانوا مضطربين في معرفته. والبحر كثيرًا ما يرد في الكتاب المقدس ليشير إلى العالم واضطراباته. وإن أخذنا أيضًا بالمبدأ القائل بأن هذه الجامات تخص فترة ضد المسيح، نقول إن هذه الضربة تحل بالشعوب التي صارت خاضعة له تتعبد له كإله. أنهم يموتون روحيًا، ليس فقط تصير رائحتهم كريهة كالضربة الأولى، بل وتصير كدم ميت، وهذا أبشع منظر لا تطيقه البشرية؛ هكذا يكون حالهم!

الجام الثالث

"ثم سكب الملاك الثالث جامه على الأنهار وعلى ينابيع المياه، فصارت دمًا. وسمعت ملاك المياه يقول: عادل أنت أيها الكائن والذي يكون لأنك حكمت هكذا. لأنهم سفكوا دم قديسين وأنبياء، فأعطيتهم دمًا ليشربوا، لأنهم مستحقون. وسمعت آخر من المذبح قائلاً: نعم أيها الرب الإله القادر على كل شيء، حق وعادلة هي أحكامك" [4-7].

هؤلاء يمثلون فئة خطيرة ومميتة، إذ استودعهم الله ينابيع الحياة، وكان يليق بهم أن يقدموا ماءً حيًا سماويًا لتشرب منه البشرية الظمآنة، لكنهم بعدما عرفوا الرب وشربوا من ينابيعه وتسلموا مراكز خدمة وكرازة وعمل في الكنيسة انحرفوا. هؤلاء هم جماعة المبتدعين الذين صارت ينابيعهم دمًا. لهذا تشتاق الملائكة المملوءة حبًا ورحمة أن يؤدبهم الرب ويضيق عليهم، ليس رغبة في الانتقام، إنما من أجل النفوس البسيطة التي تشرب من أيديهم دمًا مهلكًا.

وهى أيضًا ضربة تحل في فترة ضد المسيح، تحل على الذين سلمهم ضد المسيح مراكز قيادية للخدمة والكرازة، هؤلاء من بينهم من كانوا يومًا ما كارزين بالحق، ومبشرين بالكلمة الصادقة غير المغشوشة.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 16 جـ2 PDF Print Email
الجام الرابع

"ثم سكب الملاك الرابع جامه على الشمس، فأعطيت أن تحرق الناس بنار. فاحترق الناس احتراقًا عظيمًا، وجدفوا على اسم الله الذي له سلطان على هذه الضربات ولم يتوبوا ليعطوه مجدًا" [8-9].


لقد قال لنا الرب: "أنتم نور العالم"، وقيل أننا في ملكوت أبينا نضيء كالشمس (مت 23: 42). فالإنسان المسيحي، خاصة الراعي الذي ينحرف ليس من جهة الإيمان، بل في حياته، معثرًا من هم حوله، ناسيًا رسالته، هو موضوع هذا التأديب، حيث يسكب عليه الجام الرابع.

وتظهر رمزية هذه الجامات من أنه يقول "فاحترق الناس احتراقًا عظيمًا" فلو أنهم احترقوا بصورة حرفية، لما أكمل "وجدفوا على اسم الله" ولما كان هناك محل لضربات تالية مادام الناس قد احترقوا. لكنه هنا يصور لنا شدة التأديب الذي يحل بالإنسان الذي يعرف كثيرًا ويؤتمن كسفير للمسيح فيسيء إلى موكله!

ومتى أخذنا هذا الجام عن ضد المسيح يمكن أن نفهم الشمس بالسلطة الحاكمة العليا. حيث يقيم ضد المسيح لنفسه مملكة أرضية، ويكون له سلطان زمني عنيف، ولكن إلى حين قليل كما سبق أن رأينا.

الجام الخامس

"ثم سكب الملاك الخامس جامه على عرش الوحش، فصارت مملكته مظلمة، وكانوا يعضون على ألسنتهم من الوجع. وجدفوا على إله السماء من أوجاعهم، ومن قروحهم، ولم يتوبوا عن أعمالهم" [10-11].

هنا الجام يُصب على ضد المسيح ذاته. فتصير مملكته مظلمة روحيًا وأدبيًا، ويمتليء الناس شكوكًا وحيرة من جهته. لكنهم للأسف لم يتوبوا عن أعمالهم بل جدفوا على إله السماء.

وفي قوله "لم يتوبوا عن أعمالهم"، يكشف لنا الله عن غاية سكب هذه الجامات حتى في فترة ضد المسيح المظلمة... إنه يريد توبة!

في هذا الجام تتحدى السماء ضد المسيح وأتباعه القائلين: "من هو مثل الوحش؟ من يستطيع أن يحاربه؟" (رؤ 13: 4)، ومع هذا لم يتوبوا.

الجام السادس

"ثم سكب الملاك السادس جامه على النهر الكبير الفرات، فنشف ماؤه لكي يعد طريق الملوك الذين من مشرق الشمس" [12].

في هذا الموضع - بابل - التي تشير إلى المعاندة لله، تقوم مملكة ضد المسيح ومساعديه الذين يجعلون من بابل مركزًا لسيطرتهم وتخطيطاتهم وتدابيرهم. ويشير تجفيف نهر الفرات إلى جفاف مملكة ضد المسيح المدنية وسلطانها العنيف.

ويرى الأب أبيوليطس أن هذا التجفيف يسمح به الله للملوك أتباع ضد المسيح القاطنين هناك لكي يأتوا إليه ليجتمعوا لمعاونته لكنهم ينقلبون ضده. ويرى ابن العسال أن هؤلاء الملوك هم ضده فيسهل الرب وصولهم إليه لإهلاكه.

منظر اعتراضي

"ورأيت من فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع. فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات، تخرج على ملوك العالم، وكل المسكونة، لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء... فجمعهم إلى موضع هرمجدون" [13-16].

في الجام السادس كما في البوق السادس نجد اشتداد الحرب الأخيرة بين الثالوث النجس - أي التنين والوحش البحري (ضد المسيح) والوحش البري (النبي الكذاب) وبين الكنيسة. يتفق ثلاثتهم في شن حرب شعواء ضد الكنيسة، بروح واحدة إذ يخرج من أفواههم ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع. أما كونه شبه ضفادع فذلك للأسباب:

1. أنه روح شر نجس، لا يطيق روح الله القدوس العامل في الكنيسة.

2. أنه يخرج في الظلام، لا يطيق النور.

3. يعيش في الأماكن الوحلة، لذا يقوم على الخداع بالشهوات الدنسة.

4. يملأ آذان الناس ضجيجًا، يحث الجميع على معاندة الله.

هذه الأرواح الشريرة هي:

1. أرواح شياطين، تعمل متخفية مستخدمة آلات بشرية كثيرة.

2. تستخدم الآيات والمعجزات الشيطانية للتضليل والخداع.

3. تستخدم العنف، إذ يخدع ضد المسيح ملوكًا كثيرين، يجمعهم لمحاربة الله، وستكون هذه الحرب في "هرمجدون". وهو موقع رمزي، إذ هو من ميادين القتال الشهيرة التي يرتبط اسمها بسفك الدماء والحزن (زك 12: 11). في هذا الميدان غلب جدعون المديانيين، والفلسطينيون شاول، وبالاق ودبورة الملك الكنعاني يابين، وقتل ياهو أخزيا بسهمٍ.

ويرى القديس إيرينيموس أن معنى "هرمجدون" جبل اللصوص، لأن ضد المسيح وشيعته هم لصوص يغتصبون حق الله ومجده. ويرى ابن العسال أنها تعني "الموضع الدنيء".

نعود لنسمع تحذير الرب: "ها أنا آتي كلص. طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه، لئلا يمشي عريانًا، فيروا عورته" [15].

هذا التحذير موجه من الرب لكل إنسان في كل عصر. أنه سيأتي فجأة إذ ملكوت الله لا يأتي بمراقبة. ولعل الرب قد خشي أن يهتموا بالبحث عن الأوقات والمواعيد، ومن خلال هذه الجامات الست يظنون أن وقت ضد المسيح لم يحن بعد فيهملون، لهذا أعلن أنه آتٍ كلصٍ بلا موعد معروف لنا، لذا يليق بنا:

1. أن ننال تطويب السهر والمثابرة.

2. أن نحفظ ثيابنا، أي لا نخلعه أثناء النوم لكي نبقى مستيقظين حتى في نومنا، قائلين: "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 5: 2). بهذا لا يقوم الإنسان غفلة، فيجد نفسه عاريًا فينفضح. والثوب يشير إلى نعمة الله الساترة علينا، وفضائل الرب التي نعيش فيها، وننمو فتسترنا وتزيننا.

الجام السابع

"ثم سكب الملاك السابع جامه على الهواء، فخرج صوت عظيم من هيكل السماء من العرش قائل:اً قد تم" [17].

في هذا الجام الأخير كما في البوق الأخير يستخدم أحداث ما قبيل القيامة مباشرة كفرصة أخيرة للتأديب. لقد جاء وقت الدينونة لهذا سمع الرسول صوتًا عظيمًا خارجًا من هيكل السماء، من العرش، قائلاً: "قد تم". فإن آخر ما يمكن أن يقدم للبشر لأجل خلاصهم قد تم.

وقد لخص الرسول الجام السابع في قوله:

"فحدثت أصوات ورعود وبروق. وحدثت زلزلة عظيمة لم يحدث مثلها منذ صار الناس على الأرض، زلزلة بمقدارها عظيمة هكذا. وصارت المدينة العظيمة ثلاثة أقسام، ومدن الأمم سقطت، وبابل العظيمة ذكرت أمام الله ليعطيها كأس خمر سخط غضبه. وكل جزيرة هربت، وجبال لم توجد" [18-20].

هذه الأحداث جميعها سبق شرحها في الحديث عن الختم السادس (رؤ 6: 12-17)0 أما سقوط المدينة العظيمة، فتشير إلى المدينة المقدسة أورشليم التي لم تعد مقدسة، بسبب استخدام ضد المسيح لها كمركز شيطاني لبث أضاليله. وأما سقوط بابل العظيمة ومدن الأمم فسيأتي الحديث عنها في الإصحاحين 17 و18.

وأخيرًا يقول: "وبرد عظيم نحو ثقل وزنة نزل من السماء على الناس، فجدف الناس على الله من ضربة البرد، لأن ضربته عظيمة جدًا" [21].

هذا البرد الثقيل النازل من السماء إنما هو صورة استعارية للكشف عن شدة غضب الله التي تجتاح العالم. فكما كانت الشريعة تأمر برجم من يجدف على اسم الله (لا 24: 16)، وهوذا قد بث ضد المسيح التجديف في أوسع نطاق، رجمتهم السماء بالغضب الإلهي. ومع هذا لم يتوبوا حتى في لحظات احتضارهم بل ازدادوا تجديفًا وعنادًا


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 17 جـ1 PDF Print Email

بابل والوحش


يتحدث هذا الأصحاح عن بابل الزانية وعلاقتها بالوحش:

1. سماتها 1 - 6.

2. سر المرأة والوحش 7 - 18.

1. سماتها

"ثم جاء واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة جامات، وتكلم معي قائلاً: هلم فأريك دينونة الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة" [1].

انتقل الرب بيوحنا إلى رؤية جديدة، إذ جاء واحد من السبعة الملائكة الذين معه السبعة جامات. ومجيء هذا الملاك بالذات ليريه هذه المرأة الزانية، إنما ليكشف لنا مدى قسوة قلب الإنسان الشرير، خاصة ضد المسيح نفسه وأتباعه. ويليق أن يقوم بهذا الدور أحد الملائكة الذين يسكبون الجامات السبعة حتى لا نتهمهم بالعنف أو القسوة عن غيرهم.

أما سمات بابل فهي:

1. "الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة"
. إذ يقدم الله نفسه عريسًا للنفس البشرية، لهذا يطلب القلب كله. وكل انحراف للقلب خارج الرب يُحسب خيانة زوجية وبالتالي يدعى "زنا روحي". لهذا يسمى الكتاب المقدس عبادة الأصنام ومحبة المال زنا.

أما جلوسها على مياه كثيرة فكما نعلم أن المياه تشير إلى الشعوب، أي يسيطر روح العداوة، روح ضد المسيح، على شعوب كثيرة. هذا الوصف سبق أن اتسمت به بابل القديمة التي خربت، إذ نقرأ عنها "أيتها الساكنة على مياه كثيرة" (إر 51: 13).

2. "التي زنى معها ملوك الأرض، وسكر سكان الأرض من خمر زناها" [2].
أي تشترك بلاد وممالك أخرى معها في شرها وتجديفها، ويكون ذلك خلال انحراف ملوكها. وبسقوط الملوك تستهوي أفكارهم شعوبهم، فينجذبون معهم في تجديفهم بلا تعقل ولا تفكير كالسكرى.

3. جلوسها على وحش قرمزي: "فمضى بي بالروح إلى برية، فرأيت امرأة جالسة على وحش قرمزي، مملوء أسماء تجديف، له سبعة رؤوس وعشرة قرون" [3]. نقله الروح إلى موضعها "إلى برية" فهي تعيش في قحل روحي وجفاف، فالعالم الذي يحتضنها مهما بدا بخيراته ولذاته هو برية قاحلة لا يشبع النفس ولا يرويها.

هذه المرأة تخفي تحتها وحشًا، هو الشيطان العامل فيها، الذي تتربع عليه كل معاداة الله، كعرش يحتضن الإثم وفاعلي الإثم. يرى ابن العسال أن هذا الوحش هو جيش ضد المسيح الذي يستند عليه في مقاومة الكنيسة، والذي يعمل بروح الشيطان. أما لونه القرمزي فيشير إلى سفك الدماء. وامتلاؤه بأسماء تجديف يشير إلى ما يفكر فيه وهو أنواع (أسماء) من التجديف. والرؤوس السبع والقرون العشرة سبق الحديث عنهما، وسيأتي الحديث عنهما في نفس الإصحاح.

4. تزينها وتجملها: "والمرأة كانت متسربلة بأرجوان وقرمز، ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ، ومعها كأس من ذهب في يدها، مملوءة رجاسات ونجاسات زناها" [4]
. إنها عروس الوحش، كيف لا تتزين حتى تخدع الناس وتجذبهم إلى سمومها؟! إنها "متحلية بذهب"، أي أن جمالها ليس طبيعيًا بل صناعي مخادع. ما أبعد هذه العروس عن عروس المسيح الكنيسة المتزينة (رؤ 12)!

هذه تتزين بالزمنيات للخداع، وتلك تزينها السماء، فتتسربل بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من إثنى عشر كوكبًا. هذه تمسك في يدها كأسًا مملوء رجاسات ونجاسات زناها، وتلك حبلى تصرخ متمخضة ومتوجعة. إنها تسير في طريق الصليب. هذه تقدم كل لذات العالم لأبنائها، وتلك لا تجد لها موضعًا، فيعد الله لها موضعا لكي يعولها (12: 6). هذه تتربع على عرش إبليس، وتلك يقف منها التنين موقف الحاسد الذي يريد افتراسها.

5. وقاحتها: "وعلى جبهتها اسم مكتوب: سرّ. بابل العظيمة أم الزواني ورجاسات الأرض" [5]. يقول العلامة ترتليان إن الزانيات في القديم كن يكتبن أسماءهن على أبوابهن حتى يأتي إليهن من يهواهن. وعلى هذا فإن هذه المرأة بلغت بها وقاحتها لا أن تكتب اسمها على بابها بل على جبهتها افتخارًا بالشر وتجاسرًا وتشبثًا بأعمالها. أما كلمة "سرّ" فلم تأت مضافًا و"بابل" مضافًا إليه، بل هي كلمة اعتراضية تعني أن لها معنى رمزيًا، هذا المعنى هو: "بابل" أي معاندة الله. إنها مأوى الأشرار المقاومين لله.

فكما أن الكنيسة تدعى "أورشليم" و"صهيون" بكونها صارت مقدسة للرب، هكذا مملكة ضد المسيح تدعى "بابل" مدينة إبليس، رمز للزنا الروحي والعناد.

6. مقاومتها للرب: "ورأيت المرأة سكرى من دم القديسين، ومن دم شهداء يسوع، فتعجبت لما رأيتها تعجبًا عظيمًا" [6]. تعجب أن هذه المرأة المتزينة والمتحلية التي تُظهر كل رقة وعذوبة في حقيقتها سافكة دم الأبرياء القديسين، لا يلذ لها إلا مقاومة ربنا يسوع بقتل شهدائه.

2. سر المرأة والوحش

"ثم قال لي الملاك: لماذا تعجبت؟ أنا أقول لك سرّ المرأة والوحش الحامل لها، الذي له السبعة الرؤوس والعشرة قرون. الوحش الذي رأيت كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الجحيم، ويمضي إلى الهلاك" [7-8].

واضح أن هذا الوحش هو الشيطان الذي كان، أي كان له سلطان على البشر ويشتكي عليهم ويأسرهم، "وليس الآن"، لأنه لم يعد له سلطان علينا، إذ بالصليب صار ملكوت الله في داخلنا، وصرنا نتمتع بحرية أولاد الله الغالبين الذين لا سلطان لإبليس أو جنوده أو أعماله عليهم، لهذا يقول الكتاب أنه رجع السبعون بفرح قائلين: "يا رب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. فقال لهم: رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 17-19). وقيل: "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا، وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب. إذ جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه" (كو 2: 14-15). الكتاب المقدس وأقوال الآباء وسير القديسين، الكل مشحون بما يؤكد انهيار قوة الشيطان بالنسبة للمؤمن. لهذا يقول عنه سفر الرؤيا "كان وليس الآن"، لأنه قد تحطمت قوته ودخلنا بالرب معه في الملكوت الألفي كعربون للملكوت الأبدي الذي هو امتداد للملكوت الألفي لكن ليس في هذا العالم ولا كمن هم في لغز بل في أمجاد علنيّة أبديّة.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ومع الصلاة ارشم نفسك بالصليب على جبهتك وحينئذ لا تقترب إليك الشياطين، لأنك تكون متسلحًا ضدهم.]

أما قوله: "وهو عتيد أن يصعد من الجحيم، ويمضي إلى الهلاك" فهو إعلان عن صعود سلطانه مرة أخرى في شخص ضد المسيح كما رأينا، لكنه سرعان ما يمضي إلى الهلاك الأبدي إلى جهنم. لهذا يقول: "وسيتعجب الساكنون على الأرض، الذين ليست أسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة منذ تأسيس العالم، حينما يرون الوحش أنه كان وليس الآن، مع أنه كائن" [8]. سيتعجب أتباع ضد المسيح الأرضيون الماديون في تفكيرهم، إذ يرون الوحش، أي إبليس الذي كان له سلطان وقد انتزع منه قد صار كائنًا، عادت إليه قوته وصار كأنه لا يُقهر ومملكته لا تزول، يسكب من الأرضيات بسخاء على أتباعه.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 17 جـ2 PDF Print Email
"هنا الذهن الذي له حكمة. السبعة الرؤوس هي سبعة جبال عليها المرأة جالسة. وسبعة ملوك خمسة سقطوا وواحد موجود وآخر لم يأت بعد ومتى أتى ينبغي أن يبقى قليلاً. والوحش الذي كان وليس الآن فهو ثامن وهو من السبعة ويمضي إلى الهلاك" [9-11].

يرى الأب أيبوليطس أن الخمسة رؤوس الذين سقطوا هم خمسة ملوك وهم يمثلون دولاً عظيمة ملكت وسيطرت على العالم:

1. بختنصر الكلداني. 2. قورش المادي. 3. دارا الفارسى.

4. إسكندر اليوناني. 5. الأربعة الذين ملكوا بعده.

6. مملكة الرومانيين وهى الدولة التي كانت أثناء كتابة السفر.

7. مملكة ضد المسيح التي ستأتي في آخر الأزمنة.

ويرى القديس ايريناؤس أنهم يمثلون جمهورًا من الملوك الظالمين الذين اضطهدوا المؤمنين عبر القرونK دون التقيد بأسماء معينة أو عدد معين، وأن الموجود حاليًا (أثناء الكتابة) هو دومتيانوس المضطهد للكنيسة والآتي هو ضد المسيح.K والكل قد سيطر على قلبهم الشيطان.

أما الثامن أي الوحش، وهو من السبعةK أي له نفس الروح العدائيّة التي للملوك الظالمين السابقين. فقد ذكره بمفردهK كأنه يقول إن كل ما مر على الكنيسة منذ آدم إلى يوم مجيء ضد المسيح من اضطهادات ومضايقات، هذا كله يوضع في كفة وما يثيره ضد المسيح يوضع في كفة أخرى. هذا ما يكشفه لنا الوحي عن ضد المسيح فسيكون في شره يفوق مجموع كل الشرور التي أثيرت ضد الله منذ نشأة البشرية.

"والعشرة القرون التي رأيت هي عشرة ملوك لم يأخذوا ملكًا بعد، لكنهم يأخذون سلطانًا كملوك ساعة واحدة مع الوحش. هؤلاء لهم رأي واحد ويعطون الوحش قدراتهم وسلطانهم. هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك والذين معه مدعوون ومختارون مؤمنون" [12-14].

يقول القديس إيرونيموس في تفسير الأصحاح السابع لدانيال ما يقوله ابن العسال أنه يخضع لضد المسيح عشرة ملوك يسلمونه كل إمكانيتهم وطاقاتهم لمحاربة الحمل. وأن العشرة منهم سبعة يقبلونه ويرضون به، وأما الثلاثة فيقاومونه أولاً فيغلبهم. وبهذا يسيطر ضد المسيح على الجميع.

والعجيب أن الحمل لا يتركهم، هكذا بل يغلبهم، ليس من أجل نفسه، بل من أجل الذين معه، إذ هم "مدعوون ومختارون ومؤمنون" فلا يتركهم إلى النهاية.

وكيف يغلب الحمل؟

يقول الرائي: "وأما العشرة القرون التي رأيت على الوحش، فهؤلاء سيبغضون الزانية، وسيجعلونها خربة وعريانة، ويأكلون لحمها ويحرقونها بالنار. لأن الله وضع في قلوبهم أن يصنعوا رأيًا واحدًا، ويعطوا الوحش ملكهم حتى تكمل أقوال الله. والمرأة التي رأيت هي المدينة العظيمة التي لها ملك على ملوك الأرض" [16-18].

هذه بداية الغلبة للحمل وأتباعه أنه يترك الشر يفسد نفسه بنفسه، فلا نعرف ماذا يحدث. فربما ينقلب الملوك العشرة ليبغضوا بابل الزانية، أي مركز عمل الوحش الشيطاني، أي يحدث انشقاق بين السلطانين الزمني والروحي (الشيطاني) لضد المسيح وأتباعه، فيقوم الملوك عليها ويجعلونها خربة، أي يجردونها من كل حيوية، فلا يطيق البشر التطلع إليها ولا يقبلونها. وعريانة، فتصير في خزي وعار لأن من كانوا يسندونها صاروا أعداء لها. ويأكلون لحمها، وهنا يكشف مقدار السُعر الذي يحل بهم في الفتك بها. ويحرقونها بالنار حتى لا يتركوا لها أثرًا، وهذه هي عادة الملوك عند افتتاح مدن عظيمة.

وكل ما يفعلونه يصنعونه لحساب المسيح، حتى وإن كانوا يفعلونه بدافعهم الشخصي، لكنهم من غير أن يدروا "الله وضع في قلوبهم أن يصنعوا رأيه" أن تقاوِم التخطيطات المدنية الشيطانية، أولئك القائمين بالتخطيطات الروحية الدنسة، وينتهي الأمر إلى تحطيم بعضها البعض.

1 ثم جاء واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات و تكلم معي قائلا لي هلم فاريك دينونة الزانية العظيمة الجالسة على المياه الكثيرة
2 التي زنى معها ملوك الارض و سكر سكان الارض من خمر زناها
3 فمضى بي بالروح الى برية فرايت امراة جالسة على وحش قرمزي مملوء اسماء تجديف له سبعة رؤوس و عشرة قرون
4 و المراة كانت متسربلة بارجوان و قرمز و متحلية بذهب و حجارة كريمة و لؤلؤ و معها كاس من ذهب في يدها مملوة رجاسات و نجاسات زناها
5 و على جبهتها اسم مكتوب سر بابل العظيمة ام الزواني و رجاسات الارض
6 و رايت المراة سكرى من دم القديسين و من دم شهداء يسوع فتعجبت لما رايتها تعجبا عظيما
7 ثم قال لي الملاك لماذا تعجبت انا اقول لك سر المراة و الوحش الحامل لها الذي له السبعة الرؤوس و العشرة القرون
8 الوحش الذي رايت كان و ليس الان و هو عتيد ان يصعد من الهاوية و يمضي الى الهلاك و سيتعجب الساكنون على الارض الذين ليست اسماؤهم مكتوبة في سفر الحياة منذ تاسيس العالم حينما يرون الوحش انه كان و ليس الان مع انه كائن
9 هنا الذهن الذي له حكمة السبعة الرؤوس هي سبعة جبال عليها المراة جالسة
10 و سبعة ملوك خمسة سقطوا و واحد موجود و الاخر لم يات بعد و متى اتى ينبغي ان يبقى قليلا
11 و الوحش الذي كان و ليس الان فهو ثامن و هو من السبعة و يمضي الى الهلاك
12 و العشرة القرون التي رايت هي عشرة ملوك لم ياخذوا ملكا بعد لكنهم ياخذون سلطانهم كملوك ساعة واحدة مع الوحش
13 هؤلاء لهم راي واحد و يعطون الوحش قدرتهم و سلطانهم
14 هؤلاء سيحاربون الخروف و الخروف يغلبهم لانه رب الارباب و ملك الملوك و الذين معه مدعوون و مختارون و مؤمنون
15 ثم قال لي المياه التي رايت حيث الزانية جالسة هي شعوب و جموع و امم و السنة
16 و اما العشرة القرون التي رايت على الوحش فهؤلاء سيبغضون الزانية و سيجعلونها خربة و عريانة و ياكلون لحمها و يحرقونها بالنار
17 لان الله وضع في قلوبهم ان يصنعوا رايه و ان يصنعوا رايا واحدا و يعطوا الوحش ملكهم حتى تكمل اقوال الله
18 و المراة التي رايت هي المدينة العظيمة التي لها ملك على ملوك الارض



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 18 جـ1 PDF Print Email

سقوط بابل


يتحدث هذا الأصحاح عن سقوط بابل، عروس الوحش:

1. إعلان سقوط بابل 1-3.

2. دعوة المؤمنين لاعتزالها 4- 8.

3. الراثون لها أ. ملوك الأرض 9-10.

ب. تجار الأرض 11-16.

ج. الوسطاء 17-20.

4. تأكيد سقوطها 21-24.

1. إعلان سقوط بابل

"ثم بعد هذا"، أي بعدما نظر المرأة الزانية، بابل، أي الشعب المنحرف وراء ضد المسيح مع رعاته الذئاب الخاطفة المعاندين لله، وما اتسمت به هذه المرأة الجالسة على الوحش من إغراءات وأضاليل يعود فيتحدث عن حالها.

وهنا الحديث أيضًا رمزي استعاري، يكشف عن فكر روحي معين، هو ملاك مملكة ضد المسيح وانحطاط عمله، لذلك يخطئ من يأخذ ما ورد بمعنى حرفي، إذ يفقد غاية السفر، ويشوه معانيه السامية.

"ورأيت ملاكًا آخر نازلاً من السماء له سلطان عظيم، واستنارت الأرض من بهائه" [1].

لا نستطيع القول بأنه في أيام ضد المسيح يظهر فعلاً ملاك وينادي بما سنسمعه فيما بعد، وإنما هو إشارة إلى اهتمام السماء، حتى أصحاب الدرجات السامية ذوي السلطان العظيم، أن يروا هلاك بابل الشريرة.

وربما يقصد بهذا الملاك إشعياء النبي الذي سبق فأعلن بروح النبوة السماوي قائلاً: "سقطت، سقطت بابل وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة، كسرها إلى الأرض. يا دياستى وبني بيدري ما سمعته من رب الجنود إله إسرائيل أخبرتكم به" (إش 21: 9-10). فإن ما يعلنه إله الكنيسة رب الجنود سمعه إشعياء النبي، وها هو يسمعه الرائي صادرًا أيضًا عن ملاكٍ سماويٍ من طغمة عالية، وهو يصرخ بما قاله الرب نفسه:

"وصرخ بشدة بصوت عظيم، قائلاً: سقطت، سقطت بابل العظيمة، وصارت مسكنًا للشياطين، ومحرسًا لكل روح نجس، ومحرسًا لكل طائر نجس وممقوت. لأنه من خمر غضب زناها قد شرب جميع الأمم، وملوك الأرض زنوا معها، وتجار الأرض استغنوا من وفرة نعيمها" [2-3].

لقد صارت خرابًا... سقطت، سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى.

إنه يقدم لنا صورة مؤلمة لتلك المتعجرفة وما بلغت إليه، إذ صارت خرابًا لا يسكنها البشر بل الشياطين، ولا يقبلها روح مقدس بل تصير محرسًا لكل روح نجس وطائر نجس وممقوت. هذه هي نهاية كل شر، وهذه نهاية مملكة ضد المسيح.

وما يقوله هنا عن ضد المسيح وعروسه إنما هو حادث لكل إنسان يسلك متعجرفًا ويسكر من خمر غضب الزنا الروحي. لأنه كما يُدعى المؤمنون "أورشليم السماوية" ويتمتعون بالسماويات، وهم بعد على الأرض، هكذا يُدعى المعاندون في كل جيل "بابل" ويصيبهم الدمار، فيصيرون خرابًا، لا يسكنهم سوى إبليس الذي يستريح في هذه النفوس القفرة، مرسلاً كل آلاته الشيطانية إلى هناك. كما تصير هذه النفوس المجدبة التي بلا حياة ولا ثمر مأوى للطيور النجسة الممقوتة التي لا يسكنها الأحياء ولا تجد لها موضعًا بينهم.

وقد سبق أن تنبأ بذلك إشعياء النبي عن بابل (13: 21-22) كما قال بنفس المعنى عن آدوم (34: 10-15). إنها مجدبة بالرغم مما اتسمت به من أن تسكر الآخرين، وتلذذهم وتغنيهم من وفرة نعيمها.

2. دعوة المؤمنين لاعتزالها

"ثم سمعت صوتًا آخر من السماء قائلاً: اخرجوا منها يا شعبي، لئلا تشتركوا في خطاياها، ولئلا تأخذوا من ضرباتها. لأن خطاياها لحقت السماء، وتذكَّر الله آثامها" [4-5].

بعدما كشف الله بطريق أو بآخر نهاية الأشرار بدأ يحذر شعبه ألا يشتركوا معهم في شرهم. وطالبهم بالخروج منها. هذا الخروج يحمل معنيين:

1. خروج روحي، أي رفض مبادئهم وسلوكهم، مهما تكن الظروف، لهذا يقول الرب: "لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير" (يو 17: 15).

2. والخروج المادي الفعلي ما أمكن، وذلك كما سيطلب النبيان من الكنيسة في العالم أن تهرب إلى الجبال والبراري، حتى لا يصطدم الضعفاء بضد المسيح وأتباعه ويتعثرون بهم.

"جازوها كما هي أيضًا جازتكم، وضاعفوا لها ضعفًا نظير أعمالها. في الكأس التي مزجت فيها امزجوا لها ضعفًا" [6].

لا يعني بقوله "جازوها" أن تحاربها الكنيسة حربًا ماديّة، لكن المقصود هو رفض المؤمنين لفكر الأشرار، ونبذ الكنيسة أفكار بابل بالهروب منها روحيًا وماديًا يجعل دينونتها مضاعفة، إذ تصير الكنيسة ديَّانة لها وشاهدة عليها يوم الدين. ولعل سر مجازاتها ضعفًا هو أن خطيتها مضاعفة.

1. لأنها تطلب مجدها الذاتي، لا مجد الله.

2. لأنها تطلب النعيم الأرضي واللذة الزمنية ،ولا تبحث عن السعادة الأبدية.

لهذا يقول الكتاب:

"بقدر ما مجَّدَت نفسها وتنعمت بقدر ذلك أعطوها عذابًا وحزنًا، لأنها تقول في قلبها: أنا جالسة ملكة، ولست أرملة، ولن أرى حزنًا. من أجل ذلك في يومٍ واحدٍ ستأتي ضرباتها: موت وحزن وجوع وتحترق بالنار، لأن الرب الإله الذي يدينها قوي"[7-8].

كأنه يقول إن ما تناله من جزاء هو ثمرة طبيعية لعملها. بقدر ما تُمجِّد ذاتها يتخلى عنها الرب، فتعود إلى موتها وحزنها وجوعها وفسادها. وقد أدرك الآباء ذلك واختبروه، ففي الفترة التي عاش فيها القديس أغسطينوس ممجِدًا ذاته كان عدمًا، ميتًا، ليس فيه فرح ولا شبع ولا راحة إذ يقول:

[نعم... إنني في كل مرة ابتعد فيها عنكَ أسقط في العدم والفساد.

يا لشقائي، فإنه لم يكن لي معرفة أن فيك غناي، أنا الذي ليس له وجود.]

[أيها الطريق والحق والحياة... يا مبدد الظلمة والشر والضلال والموت...

أيها النور، الذي بدونك يصير الكل في ليل دامس.

أيها الطريق، الذي بدونك لا يوجد سوى الضلال.

أيها الحق الذي، بدونك يخيم الموت على الجميع.]

وكما يقول القديس أغسطينوس في أكثر من موضع أن للاعتراف جانبين هما أن نعترف بخطايانا وضعفنا فيتمجد الله، وأن نعترف بمجد الله وعمله معنا فنعرف ضعفنا الذاتي. والاثنان متلازمان. أما من يمجد ذاته فهو يهين الله والعكس بالعكس.

هذه هي الخطية الأولى التي سقط فيها الشيطان، أي الكبرياء وتمجيد ذاته، والتي بها حارب آدم وأسقطه وأسقط معه أولاده، وحارب بها ربنا يسوع الذي له المجد الحقيقي، لكنه وهو والآب واحد، قبل الصليب والالآم متخليًا عن أمجاده ليأخذها من يد الآب فتأخذها البشرية في شخصه.

أمَّا الخطية الثانية فهي خطية التنعم، أو اللذة الجسدية أو الملذات الأرضية.

يليق بالنفس أن تعرف أنها أرملة، عريسها في السماء، فتبقى رافضة الملذات الأرضية من أجل السعادة الأبدية. أما من تقول أنها ملكة لها حق التنعم والتلذذ في العالم كيفما تريد، متجاهلة سعادة السماء فتموت وهى حيَّة. يقول الكتاب موبخًا "اسمعي هذا أيتها المتنعمة الجالسة بالطمأنينة، القائلة في قلبها: أنا وليس غيري، لا أقعد أرملة، ولا أعرف الثكل. فيأتي عليك هذان الاثنان... يأتي عليك شر لا تعرفين فجره، وتقع عليك مصيبة لا تقدرين أن تصديها، وتأتي عليك بغتة تهلكة لا تعرفين بها" (إش 47: 8-11). ويقول "وأما المتنعمة فقد ماتت وهى حيَّة" (1 تي 5: 6).

3. الراثون لها

أ. ملوك الأرض

"وسيبكي وينوح عليها ملوك الأرض، الذين زنوا وتنعموا معها، حينما ينظرون دخان حريقها. واقفين من بعيد لأجل خوف عذابها، قائلين: ويل، ويل. المدينة العظيمة، بابل المدينة القوية، لأنه في ساعة واحدة جاءت دينونتك" [9-10].

صورة استعاريّة رمزيّة! لأنه بالحقيقة يوم هلاك بابل يهلك معها الذين تنعموا معها. لكنه هنا يتصور ماذا يكون عليه حال هؤلاء أيضًا. إنهم كانوا يظنونها قوية وراسخة، فإذ بها قد هوت في ساعة واحدة. كانت تعتمد عليهم، إذ جذبتهم بلذاتها وشهواتها لكي خلالهم تغلب وتنتصر. الآن وقفوا كأطفالٍ خائبين بلا سلطان ولا قوة. اتكل كلاهما على الآخر وهوى الاثنان معًا، لأن أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطان في حفرة.

زمان الدينونة قريب، وسيقف كثيرون يتأملون من خدعوهم بملذات العالم قد ضعفوا جدًا أمامهم فينوحون ليس من أجلهم، بل لأنهم قد انجرفوا معهم في تيارهم وصاروا شركاءهم في النصيب المؤلم!
 




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 18 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 18 جـ2 PDF Print Email
ب. تجار الأرض

"ويبكي تجار الأرض، وينوحون عليها، لأن بضائعهم لا يشتريها أحد فيما بعد" [11].

هذه الفئة ليست كالأولى، فالأولى انخدعت بالشهوات والملذات، أما هؤلاء فخدعتهم بمحبة الفضة. إذ اغتنوا في هذا العالم باستخدام طرق الشر والتضليل. وكانوا يظنون أنهم يخلدون إلى الأبد على الأرض، يغتنون يومًا فيومًا، لكن في لحظة، في طرفة عين كسدت بضائعهم ولم يعد هناك من يشتريها.

وبكاء هؤلاء أيضًا هو من أجل أنفسهم وليس على أموالهم. إنهم ينوحون لأنهم خرجوا صفر اليدين.

ويعدد سفر الرؤيا التجارة التي كانت تروجها بابل أيام شرها. ولكن كما يقول القديس أغسطينوس إن هذه الأمور (أي مواد التجارة) ليست في ذاتها شريرة ولا هي صالحة. إنما هي صالحة بالنسبة للصالحين الذين يحسنون استخدامها، وشريرة بالنسبة للأشرار الذين يسيئون استخدامها. لقد أساء التجار وبابل... أساءوا جميعًا استخدامها.

يبدأ بالذهب وينتهي بنفوس البشر كتجارة، معطيًا للذهب قيمة أكثر مما لنفوس البشر. أي شر أعظم من هذا؟

1. أدوات للتجميل: "بضائع من الذهب والفضة والحجر الكريم واللؤلؤ والبز والأرجوان والحرير والقرمز". وقد رأينا أنها كانت متحلية بهذه الأمور ومتنعمة بها. لا تستخدمها فيما هو للخير، بل للخداع والتضليل.

2. الأثاثات الفاخرة: "كل عود ثيني، وكل إناء من العاج، وكل إناء من أثمن الخشب والنحاس والحديد والمرمر" [12]. ويرى ابن العسال أن العود الثيني هو أنواع معينة ثمينة من الخشب مثل الأبنوس والعناب والصندل.

3. مواد للتنعم في الأكل والشرب والشم: "وقرفه وبخورًا وطيبًا ولبانًا وخمرًا وزيتًا وسميذًا وحنطة وبهائم وغنمًا".

4. ما هو للأُبّهة والعظمة: "وخيلاً ومركبات".

5. وأخيرًا ما هو في نظرها بلا قيمة أي استعباد الناس: "وأجساد ونفوس الناس" [13].

هذه التجارة جميعها كسدت، ففقد التجار كل شيء، إذ يقفون يوم خرابها مندهشين كيف زالت هذه التجارة، وأين هي طاقة الأشرار الشرائية. ويصير هؤلاء التجار مبكتين لها عندما تراهم، وهم يُبكتون عندما يرونها. وهكذا يصير الكل في عذاب أبدي، إذ يقول:

"وذهب عنك جني شهوة نفسك، وذهب عنك كل ما هو مشحم وبهي، ولن تجديه فيما بعد" [14].

يتأمل التجار الأشرار الذين كانوا يتاجرون ليس بأمانة كأناس عاملين فيما للرب، بل يثيرون الأشرار لصنع الشر من أجل رواج تجارتهم، هؤلاء سيقفون مندهشين قائلين: "أين ذهب عنك جني شهوة نفسك؟ لقد قضيتي عمرك كله من أجل إشباع شهواتك، ولم تحرمي نفسكِ من أمر ما مهما بلغ ثمنه من أجل التنعم لكي تكوني في تخمة من جهة إشباع تنعمك. لكنني أراك الآن فارغة وخاوية من كل ما اشتريتيه!"

"تجار هذه الأشياء الذين استغنوا منها سيقفون من بعيد من أجل خوف عذابها يبكون وينوحون. ويقولون: ويل، ويل للمدينة العظيمة، المتسربلة ببز وأرجوان وقرمز، المتحلية بذهب وحجر كريم ولؤلؤ. لأنه في ساعة واحدة خرب غنى مثل هذا" [15-17].

يعيد إلينا هذا المنظر ما قد حدث في صورة مبسطة يوم التقى يهوذا الخائن مع الكهنة في الهيكل. هو لا يطيق أن يحمل الفضة في يديه، لأنه أدرك أنه قد خسر كل شيء، وهم لا يطيقون أن يلمسوها لأنها ثمن الرب البريء. الكل كانوا في عذاب ولكن بلا جدوى! هذه وقفة انتهت بانتحار يهوذا وزوال الكهنوت اليهودي. ولكن في يوم الهلاك الأبدي لا يستطيع الذي أثار الشر أو الذي قبله أن ينتحر أو يهرب بالموت من الموت الأبدي! إنه عذاب ما بعده عذاب، إذ يتأملون تصرفاتهم القديمة ويبكون وينوحون بلا رجاء ولا أمل!

ج. الوسطاء

"وكل ربان وكل الجماعة في السفن والملاحون وجميع عمال البحر وقفوا من بعيد. وصرخوا إذ نظروا دخان حريقها، قائلين:أية مدينة مثل المدينة العظيمة. وألقوا ترابًا على رؤوسهم، وصرخوا باكين ونائحين، قائلين: ويل، ويل. المدينة العظيمة التي فيها استغنى جميع الذين لهم سفن في البحر من نفائسها، لأنها في ساعة واحدة خربت. أفرحي لها أيتها السماء والرسل القديسون والأنبياء، لأن الرب قد دانها دينونتكم" [17-20].

يكشف هذا المنظر المؤلم عن جماعة الوسطاء الذين يساعدون الناس على شرهم. هؤلاء يقفون يوم الهلاك الأبدي من بعيد، وكلما رأوهم ازداد حزنهم - وقد عبر عن ذلك بإلقاء التراب على رؤوسهم - ويصرخون نائحين كيف أن ما كانوا يحسبونه مصدر غنى لهم وسعادة صار موضوع شقاء وهلاك!

النتيجة:

ما يريد أن يؤكده الرب في هذا الإصحاح هو أنه بقدر ما يزداد اتحاد المؤمنين كأعضاء في جسد الرب، وقدر ما تكون الشركة غاية في القوة بين العريس وعروسه وبين العروس والسمائيين، وتكون السماء كلها في فرحٍ وبهجةٍ ووحدةٍ ما بعدها وحدة، نجد في البحيرة المتقدة نفورًا وضيقًا وهروبًا... المتنعمون يقفون من بعيد. الكل لا يطيق أحدهم الآخر!

وكما يرى الكل شخص ربما يسوع - البرّ الحقيقي - في كل عضو من أعضاء الكنيسة، هكذا يرى كل عضو من الأشرار خطيته في زميله في الهلاك الأبدي، فينفر منه ولا يطيقه.

وبالرغم مما اشترك فيه الكل من حزن ونحيب، لكن كل واحدٍ يقف منفردًا في بكائه، منقسمًا على زملائه، لاعنًا اليوم الذي فيه تعرف على بابل العنيدة. أما الأبرار فيفرحون معًا بروح واحد بلا انقسام "افرحي لها أيتها السماء والرسل القديسون والأنبياء"، مدركين أن الدينونة هي من عمل الله المحب الذي يهبهم الأبديّة ويدين بابل في شرها.

4. تأكيد السقوط

وإذ أراد الرب أن يؤكد لنا أنه تم سقوطها قال الرسول: "ورفع ملاك واحد قوي حجرًا كرحى عظيمة ورماه في البحر قائلاً: هكذا بدفع ستُرمى بابل المدينة العظيمة، ولن توجد فيما بعد" [21].

هذا العمل الرمزي الذي قام به الملاك صنعه إرميا النبي قبلاً (51: 63-64)، وكما سقط الحجر هكذا سبق أن سقط فرعون وجنوده في البحر الأحمر (خر 15:10)، غير أنه يعلن أن سقوطها يكون بدَفعة قويّة مرة واحدة. هكذا تُلقى بابل العنيدة في نار جهنم. أما صورة الخراب فجاء به في صورة استعارية سبق أن استخدمها العهد القديم، فأظهر في خرابها:

1. انتزاع أهل اللهو: "وصوت الضاربين بالقيثارة والمغنين والمزمرين والنافخين بالبوق لن يُسمع فيك فيما بعد" (راجع إش 14: 11، حز 26: 13).

2. انعدام أصحاب الصناعات: "وكل صانع صناعة لن يوجد فيك فيما بعد".

3. انعدام الأعمال الضرورية للحياة: "صوت رحى لن يُسمع فيك فيما بعد" [22] (راجع إر 25: 10).

4. ظلمة تامة: "ونور سراج لن يضيء فيك فيما بعد".

5. انعدام الفرح والإنجاب: "وصوت عريس وعروس، لن يسمع فيك فيما بعد" (راجع إر 7: 34، 16: 9).

أما سبب خرابها فهو:

"لأن تجارك كانوا عظماء الأرض. إذ بسحرك ضلَّت جميع الأمم. وفيها وجد دم أنبياء وقديسين وجميع من قُتل على الأرض" [23-24].

هذا يكشف لنا أنه لا يقصد ببابل بلد معين ولا فترة معينة، بل كل المعاندين الذين احتقروا دم الأنبياء والقديسين وسفكوا دم شهود الرب. إنه حديث يميل إلى التعميم أكثر منه تخصيص فترة ضد المسيح وحدها. وهذا ما أخذت به حتى الكنائس غير الرسوليّة.

1 ثم بعد هذا رايت ملاكا اخر نازلا من السماء له سلطان عظيم و استنارت الارض من بهائه
2 و صرخ بشدة بصوت عظيم قائلا سقطت سقطت بابل العظيمة و صارت مسكنا لشياطين و محرسا لكل روح نجس و محرسا لكل طائر نجس و ممقوت
3 لانه من خمر غضب زناها قد شرب جميع الامم و ملوك الارض زنوا معها و تجار الارض استغنوا من وفرة نعيمها
4 ثم سمعت صوتا اخر من السماء قائلا اخرجوا منها يا شعبي لئلا تشتركوا في خطاياها و لئلا تاخذوا من ضرباتها
5 لان خطاياها لحقت السماء و تذكر الله اثامها
6 جازوها كما هي ايضا جازتكم و ضاعفوا لها ضعفا نظير اعمالها في الكاس التي مزجت فيها امزجوا لها ضعفا
7 بقدر ما مجدت نفسها و تنعمت بقدر ذلك اعطوها عذابا و حزنا لانها تقول في قلبها انا جالسة ملكة و لست ارملة و لن ارى حزنا
8 من اجل ذلك في يوم واحد ستاتي ضرباتها موت و حزن و جوع و تحترق بالنار لان الرب الاله الذي يدينها قوي
9 و سيبكي و ينوح عليها ملوك الارض الذين زنوا و تنعموا معها حينما ينظرون دخان حريقها
10 واقفين من بعيد لاجل خوف عذابها قائلين ويل ويل المدينة العظيمة بابل المدينة القوية لانه في ساعة واحدة جاءت دينونتك
11 و يبكي تجار الارض و ينوحون عليها لان بضائعهم لا يشتريها احد في ما بعد
12 بضائع من الذهب و الفضة و الحجر الكريم و اللؤلؤ و البز و الارجوان و الحرير و القرمز و كل عود ثيني و كل اناء من العاج و كل اناء من اثمن الخشب و النحاس و الحديد و المرمر
13 و قرفة و بخورا و طيبا و لبانا و خمرا و زيتا و سميذا و حنطة و بهائم و غنما و خيلا و مركبات و اجسادا و نفوس الناس
14 و ذهب عنك جنى شهوة نفسك و ذهب عنك كل ما هو مشحم و بهي و لن تجديه في ما بعد
15 تجار هذه الاشياء الذين استغنوا منها سيقفون من بعيد من اجل خوف عذابها يبكون و ينوحون
16 و يقولون ويل ويل المدينة العظيمة المتسربلة ببز و ارجوان و قرمز و المتحلية بذهب و حجر كريم و لؤلؤ
17 لانه في ساعة واحدة خرب غنى مثل هذا و كل ربان و كل الجماعة في السفن و الملاحون و جميع عمال البحر وقفوا من بعيد
18 و صرخوا اذ نظروا دخان حريقها قائلين اية مدينة مثل المدينة العظيمة
19 و القوا ترابا على رؤوسهم و صرخوا باكين و نائحين قائلين ويل ويل المدينة العظيمة التي فيها استغنى جميع الذين لهم سفن في البحر من نفائسها لانها في ساعة واحدة خربت
20 افرحي لها ايتها السماء و الرسل القديسون و الانبياء لان الرب قد دانها دينونتكم
21 و رفع ملاك واحد قوي حجرا كرحى عظيمة و رماه في البحر قائلا هكذا بدفع سترمى بابل المدينة العظيمة و لن توجد في ما بعد
22 و صوت الضاربين بالقيثارة و المغنين و المزمرين و النافخين بالبوق لن يسمع فيك في ما بعد و كل صانع صناعة لن يوجد فيك في ما بعد و صوت رحى لن يسمع فيك في ما بعد
23 و نور سراج لن يضيء فيك في ما بعد و صوت عريس و عروس لن يسمع فيك في ما بعد لان تجارك كانوا عظماء الارض اذ بسحرك ضلت جميع الامم
24 و فيها وجد دم انبياء و قديسين و جميع من قتل على الارض


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 18 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

نصرة السماء


في هذا الأصحاح تعلن نصرة السماء.

1. الأربعة هللويا 1 - 10.

2. المسيح المنتصر 11 - 16.

3. هلاك ضد المسيح وأتباعه 17 - 21.

1. الأربعة "هللويا"

بعدما أعلن السفر عن سقوط بابل وحزن الساقطين معها وبها في الهلاك الأبدي، عاد ليحدثنا عن فرحة السمائيين بنصرة البشرية الغالبة بالمسيح يسوع. وبقدر ما يتسم سكان الهلاك الأبدي بالانقسام، تتسم السماء بالوحدة إذ يقول:

"من بعد هذا سمعت صوتًا عظيمًا من جمع كثير في السماء قائلاً: هللويا".

أولاً:
يمثل السمائيون جوقة واحدة بنغم روحي من وحي الروح، ينشدون معًا قائلين: "هللويا"، أي "احمدوا الرب" أو "لك الحمد يا رب". والتهليل أو "هللويا" هي تسبحة هذا الجمع الكثير، وتسبحة الأربعة والعشرين قسيسًا، وتسبحة الأربعة مخلوقات الحيَّة [4]، وتسبحة كل السمائيين معًا [6]. وهذه التسبحة تتغنى بها الكنيسة خاصة في أثناء القداس الإلهي وختامه. كما يسبح بها الشعب في مردات قسمة الأعياد مرددين "آمين. الليلويا".

"الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا. لأن أحكامه حق وعادلة، إذ قد دان الزانية العظيمة التي أفسدت الأرض بزناها، وانتقم لدم عبيده من يدها" [1-2].

سرّ تهليل السماء الأول أن الله أعلن عدله بإدانة بابل الزانية العظيمة، وهم في هذا لا يشمتون بالأشرار، بل يسرون من أجل انتزاع الشر. تلك الصورة المؤلمة التي بسببها كان يئن القديسون.

ثانيًا: تكرار تلك الجوقة تهليلها، إذ "قالوا ثانية: هللويا ودخانها يصعد إلى أبد الآبدين" [3].

وصعود الدخان يطمئن السماء أنهم لن يعودوا يخرجون من البحيرة المتقدة، ولن يمثلوا بعد خطرًا على الكنيسة المنتصرة التي نالت في نفس اللحظة أبديتها الخالدة. صعود الدخان أيضًا يشير إلى عدم إخماد النار فيها قط، وأن من بها كمن هو يحترق، كوقود لا يفنى بل يبقى هكذا مدخنًا!

سيرى السمائيون في وقت واحد منظرين:

أ. انتزاع الشر وإدانته إلى الأبد في البحيرة المتقدة بالنار بلا نهاية!

ب. تمجيد الخير وتكليل القديسين في العرس الأبدي بلا رجوع!

ثالثًا: يشترك مع تلك الطغمات السمائية جماعة القسوس والمخلوقات الحية في الفرح، إذ يقول: "وخر الأربعة والعشرون قسيسًا والأربعة المخلوقات الحية، وسجدوا لله الجالس على العرش، قائلين: آمين هللويا" [4].

لم يقف الفرح هنا عند التسبيح بالكلام بل وبالخضوع والسجود. هنا يكشف لنا هؤلاء السمائيون أن السجود والمطانيات ليست فقط للبشر من أجل الانسحاق والتوبة، بل ويشترك بها معهم السمائيون في الفرح والبهجة. ويقول مار اسحق السرياني عن ارتباط السجود بالفرح: [المداومة على السهر مع ضرب المطانيات بين الحين والآخر لا تتأخر كثيرًا عن أن تكسب العابد المجتهد فرحة الصلاة... أعط نفسك للصلاة وأنت تحصل على لذة المطانيات وتداوم فيها بسرور.]

رابعًا: أي هللويا الرابعة.

"وخرج من العرش صوت قائلاً: سبحوا إلهنا يا جميع عبيده الخائفين، الصغار والكبار. وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة، قائلة: هللويا، فإنه قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء" [5-6].

لقد صدر الأمر بالتهليل من العرش. وكأن كل ما يدير تهليلات السماء هو بوحي من الجالس على العرش. الروح القدس الذي هيأ العروس وقدسها يطلب من السمائيين أن يبتهجوا مستقبلين العروس. وفعلاً انطلقت ألسنتهم "كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود كثيرة".

كأنه يقول توجد أصوات متعددة لطغمات كثيرة، لكنها متحدة معًا، قائلة:

"لنفرح ونتهلل ونعطه المجد، لأن عرس الخروف قد جاء، وامرأته هيأت نفسها" [7].

هذا هو الموضوع الثاني لتهليلهم أن القديسين جاءوا إلى العرس، وتكللوا مع الرب عريسهم، وصار خلاصهم كاملاً أبديًا. وهم يتهللون كأصدقاء للعريس والعروس.

هذا العرس هو اتحاد حقيقي للحمل مع عروسه في كماله. هذا العرس سبق أن أخبرنا به:

1. المرتل في المزمور 45: "كل مجد إبنة الملك في خدرها".

2. الأنبياء مثل إشعياء النبي القائل: "لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه" (5:54). وحزقيال النبي يصف ما قدمه الرب من بركات للمؤمنين كعروس له (16: 7-14). وهوشع النبي يقول: "أنك تدعينني رجُلي ولا تدعينني بعلي" (2: 16).

3. السيد المسيح
نفسه في أمثاله ( مت 9: 15، 22: 2-10، 25: 1-10).

4. يوحنا المعمدان يقول: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29).

5. الرسل: "لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2). "هذا السرّ (الزواج) عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 5: 32).

من هنا نعرف مكاننا في الأبدية أننا لسنا مجرد مدعوِّين للوليمة ولا ضيوفًا فى السماء، وإنما ندخل إلى فرح سيدنا عروسًا لعريس، هذا جماله ومجده!

ويجدر بنا أن نلاحظ أنه يدعونا "امرأته" وليس "عروسه"، لأن العرس قد تم، والاتحاد قد تحقق وكمل لكنه لا يشيخ ولا ينتهي لهذا تدعى الكنيسة في ذلك الوقت "عروسًا" كما تدعى زوجة، لأنها صارت في حضن عريسها الخالد الذي لن تفارقه أبدًا!

وكيف تقبلنا السماء عروسًا لها كل هذا البهاء؟

يقول الكتاب: "وأعطيت أن تلبس بزًا نقيًا بهيًا، لأن البزّ هو تبررات القديسين" [8].

لقد هيأت نفسها، لكنها رغم مثابرتها وجهادها، ورغم انتساب التهيئة إليها إلا أنها لم تأتِ بهذه التهيئة من عندها، بل تأخذ مما للمسيح وتتزين. إنها تتزين بكل فضائل عريسها، لها مجده ولمعانه (رؤ 21: 11) وكما يقول الكتاب "وخرج لكِ اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي، الذي جعلته عليك يقول السيد الرب" (حز 16: 14).

نعود إلى أصدقاء العروسين لنجدهم يقولون "قد ملك الرب الإله القادر على كل شيء" [6]، ناسبين ما تتمتع به العروس إلى الله ،إذ ملك على كنيسته ملكية كاملة، عاكسًا مجده وجماله عليها. لهذا أيضًا عندما يدخل الكاهن الهيكل ويلبس الثوب الكتاني الأبيض لخدمة الأسرار المقدسة يذكر دخول الكنيسة كلها السماء كعروسٍ متزينة فيترنم بالمزمور "الرب قد ملك ولبس الجلال".

وأخيرًا يشترك الملاك المرافق للرسول في البهجة السماوية، إذ قيل له:

"اكتب طوبى للمدعوِّين إلى عشاء عرس الخروف... وقال هذه هي أقوال الله الصادقة" [9].

المدعوون لحضور عشاء العروس مطوَّبون. فماذا يكون حال العروس صاحبة العرس التي من أجلها ارتجت السماء كلها متهللة!

أما قوله "عشاء" فربما لأن نهار الحياة الزمنية قد مال، وصار عشاء مع الرب يبقى إلى الأبد بعد طول نهار مملوء بالتعب. وفي مثل العذارى الحكيمات والجاهلات (مت 25) نجد لهن مصابيح لأنهن مدعوات إلى عرس مسائي.

أمام محبة هذا الملاك لم يتمالك الرسول نفسه فقال:

"فخررت أمام رجليه لأسجد له. فقال لي أنظر لا تفعل! أنا عبد معك ومع إخوتك الذين عندهم شهادة يسوع. اسجد لله. فإن شهادة يسوع هي روح النبوة" [10].

يقول البابا أثناسيوس الرسولي: [ظن الرسول في الملاك أنه المسيح، لهذا أراد السجود له كإله، يتعبد له وذلك لما رأى فيه من جلال وبهاء وجبروت.]

والكتاب يأمرنا بعدم السجود للعبادة لغير الله، إلاّ أنه يقدم لنا سجودًا لغير العبادة، كسجود يعقوب لعيسو سبع مرات إلى الأرض لصرف روح الغضب (تك 33)، وسجود بني يعقوب ليوسف أخيهم علامة الولاء، وسجود إبراهيم أب الآباء لبني حثْ علامة حب واعتراف بالجميل (تك 23).

وبهذا رفض الملاك أن يسجد له الرسول للعبادة، معلنًا أنه عبد معه ومع إخوته الذين عندهم شهادة يسوع.

هذه الشهادة للرب أنه جاء متجسدًا ومات وقام، وأنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات هي روح النبوة وغايتها ومركزها.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email
2. المسيح المنتصر

رافق الإعلان عن العرس السماوي والوليمة الأبدية أمران:

أولهما: الحديث عن شخص المسيح.

ثانيهما: الحديث عن هزيمة ضد المسيح وأتباعه.

فلا يمكن الحديث عن العرس السماوي دون الحديث عن صاحب العرس المنتصر، وعمله تجاه عروسه لأجل زفافها، لهذا يقول:

"ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض، والجالس عليه يدعى أمينًا وصادقًا وبالعدل يحكم ويحارب [11].

وعيناه كلهيب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة،

وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو" [11-12].

سرّ الحفل الأبدي هو ما سبق أن أعلنه في الختم الأول أنه محارب عنها ضد إبليس وكل حيله. يركب فرسًا أبيض محاربًا بسيف فمه "كلمة السلام"، عيناه لا تنعسان ولا تغفلان عن عروسه، صادقًا وأمينًا فيما وعد به البشرية، يأتي كملك الملوك حاملاً على رأسه تيجانًا كثيرة. واسمه المكتوب الذي لا يعرفه أحد يعني أن جوهره لا يمكن إدراكه، لا ملائكيًا ولا بشريًا، لأنه لا يعرف الله إلا روح الله.

"وهو متسربل بثوب مغموس بدم"، ويشير الثوب إلى جسد الرب الممجد الذي يحمل آثار الصليب، سمات الحب الإلهي، معلنًا أنه المتكفل بثمن الحفل كله: دمه الأقدس. ويشير الثوب إلى الكنيسة المتطهرة بدم عريسها.

"ويدعى اسمه كلمة الله" [13]، أي "اللوغوس" أو النطق الإلهي. أما سرّ ذكر اسمه هكذا هنا فلكي يشجع كنيسته أن تتمسك بالكلمة وتلهج فيها.

"والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض،

لابسين بزًا أبيض ونقيًا" [14].

يتبع الكلمة جنود السماء يتممون إرادته. "يتبعونه"، أي لا يعملون شيئًا خارجًا عنه أو منفصلين عنه. أما ركوبهم خيلاً بيض فيُظهر عدم سلبيتهم في محبتهم لنا، إذ يُصلُّون عنّا (زك 1: 12)، ويجولون لخدمتنا (زك 1: 11)، ويحاربون إبليس عدونا (رؤ 12: 7).

"ومن فمه يخرج سيف ماضِ لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد. وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء" [15].

سبق أن رأينا أن السيف هو كلمة الله التي أرسلها تجاه الأمم فحطمت الشر فصاروا (الأمم) رعية له، وأعضاء أحياء في جسده السري أي الكنيسة عروسه. وهو يدوس معصرة خمر سخط الله، إذ هو وحده القادر أن يحتمل أجرة الخطية في جسده فيموت عنا ويقوم بنا من موتنا.

على الصليب حمل خطايانا التي تحجب وجه الآب إذ لا يطيقها. وبقيامته أقامنا معه منتصرًا وناصرًا لنا لهذا يقول:

"وله على ثوبه وعلى فخده اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب" [16].

بقيامته صار لكنيسته أن يكتب عليها اسم فاديها "ملك الملوك"، وأما فخذه فيعني ناسوته المتحد بلاهوته.

3. هلاك ضد المسيح وأتباعه

"ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلم اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم. لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قواد، ولحوم أقوياء، ولحوم خيل والجالسين عليها، ولحوم الكل: حرًا وعبدًا صغيرًا وكبيرًا" [17-18].

مقابل وليمة العرس الأبدي نجد عشاء الإله العظيم، وليمة طيور جارحة دنسة أبديّة شاملة لكل الأسرار. هذه الصورة الاستعارية تكشف عن شدة الهلاك الذي يلحق بهم. وقد سبق استخدام نفس التصوير في العهد القديم (حز 39: 17-18)، وقد بدأ بإهلاك العظماء المتكبرين.

"ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حربًا مع الجالس على الفرس وجنده. فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته، وطُرح الاثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت. والباقون قتلوا بسيف على الفرس الخارج من فمه، وجميع الطيور شبعت من لحومهم" [19-21].

بعد حديثه عن الدينونة المرعبة عاد ليتحدث عن إدانة الوحش (ضد المسيح) والنبي الكذاب، هذين اللذين سيظهران مرعبين للكنيسة في أيامهما، لكن الله يتمهل عليهما وأخيرًا يهلكهما، ويكون نصيبهما في يوم الدينونة مع الباقين.

وقد سبق الحديث عن هذا الأمر بأكثر توسع في الأصحاحات 12-14.

1 و بعد هذا سمعت صوتا عظيما من جمع كثير في السماء قائلا هللويا الخلاص و المجد و الكرامة و القدرة للرب الهنا
2 لان احكامه حق و عادلة اذ قد دان الزانية العظيمة التي افسدت الارض بزناها و انتقم لدم عبيده من يدها
3 و قالوا ثانية هللويا و دخانها يصعد الى ابد الابدين
4 و خر الاربعة و العشرون شيخا و الاربعة الحيوانات و سجدوا لله الجالس على العرش قائلين امين هللويا
5 و خرج من العرش صوت قائلا سبحوا لالهنا يا جميع عبيده الخائفيه الصغار و الكبار
6 و سمعت كصوت جمع كثير و كصوت مياه كثيرة و كصوت رعود شديدة قائلة هللويا فانه قد ملك الرب الاله القادر على كل شيء
7 لنفرح و نتهلل و نعطه المجد لان عرس الخروف قد جاء و امراته هيات نفسها
8 و اعطيت ان تلبس بزا نقيا بهيا لان البز هو تبررات القديسين
9 و قال لي اكتب طوبى للمدعوين الى عشاء عرس الخروف و قال هذه هي اقوال الله الصادقة
10 فخررت امام رجليه لاسجد له فقال لي انظر لا تفعل انا عبد معك و مع اخوتك الذين عندهم شهادة يسوع اسجد لله فان شهادة يسوع هي روح النبوة
11 ثم رايت السماء مفتوحة و اذا فرس ابيض و الجالس عليه يدعى امينا و صادقا و بالعدل يحكم و يحارب
12 و عيناه كلهيب نار و على راسه تيجان كثيرة و له اسم مكتوب ليس احد يعرفه الا هو
13 و هو متسربل بثوب مغموس بدم و يدعى اسمه كلمة الله
14 و الاجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزا ابيض و نقيا
15 و من فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الامم و هو سيرعاهم بعصا من حديد و هو يدوس معصرة خمر سخط و غضب الله القادر على كل شيء
16 و له على ثوبه و على فخذه اسم مكتوب ملك الملوك و رب الارباب
17 و رايت ملاكا واحدا واقفا في الشمس فصرخ بصوت عظيم قائلا لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء هلم اجتمعي الى عشاء الاله العظيم
18 لكي تاكلي لحوم ملوك و لحوم قواد و لحوم اقوياء و لحوم خيل و الجالسين عليها و لحوم الكل حرا و عبدا صغيرا و كبيرا
19 و رايت الوحش و ملوك الارض و اجنادهم مجتمعين ليصنعوا حربا مع الجالس على الفرس و مع جنده
20 فقبض على الوحش و النبي الكذاب معه الصانع قدامه الايات التي بها اضل الذين قبلوا سمة الوحش و الذين سجدوا لصورته و طرح الاثنان حيين الى بحيرة النار المتقدة بالكبريت
21 و الباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه و جميع الطيور شبعت من لحومهم


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 20 جـ1 PDF Print Email

تقييد الشيطان

وتمتعنا بملكوت السماوات


يعتبر هذا الأصحاح مقدمة أو تمهيدًا للأصحاحين التاليين، ففيه يحدثنا عن "ملكوت الله الذي في داخلنا" (لو 18: 12).

1. تقييد الشيطان 1 - 3.

2. القيامة الأولى 4 - 6.

3. حل الشيطان في آخر الزمان 7 - 10.

4. الدينونة 11 - 15.

1. تقييد الشيطان

"ورأيت ملاكًا نازلاً من السماء معه مفتاح الجحيم، وسلسلة عظيمة على يده. فقبض على التنين الحيَّة القديمة الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة. وطرحه في الجحيم، وأغلق عليه، وختم عليه لكي لا يضل الأمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة، وبعد ذلك لا بد أن يُحل زمانًا يسيرًا" [1-3].

هذا الملاك الذي نزل من السماء وله سلطان على الجحيم وقادر أن يربط الشيطان ويقيده رمز لملاك العهد، الرب يسوع، الذي نزل من السماء، وسُمر على الصليب من أجل البشر، حتى يُمزق صك الخطية، وبالتالي لا يكون لإبليس مكان أو حق فيهم، وبهذا يقدر المؤمن أن يدوس على إبليس وقوته. وكما يقول الكتاب المقدس:

"الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجًا" (يو 12: 31).

"إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض، الذي كان ضدًا لنا، وقد رفعه من الوسط، مسمرًا إياه بالصليب، إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه (أي في الصليب)" (كو 2: 14، 15).

"وأما عن دينونة، فلأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو 16: 11).

"رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء. ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19).

نجد في العهد الجديد شواهد كثيرة تطمئن نفوسنا لا أن طبع إبليس قد قُيِّد، بل سلطانه، فلم يعد قادرًا أن يملك على الإنسان مادام ليس له في قلبه شيء. أما إذا اختار الإنسان أن يُدخل في قلبه شيئًا مما لإبليس، فيكون قد سلم نفسه بنفسه للعدو. وما أكثر كتابات الكنيسة الأولى التي تهب للمؤمن رجاء وشجاعة ليحارب إبليس بلا خوف ولا اضطراب، مطمئنًا أنه بصليب الرب يقيده ويحطمه.

يقول القديس أغسطينوس: [إالملاك النازل من السماء هو السيد المسيح الذي أخرج الذين كانوا في الجحيم على رجاء الفداء، كما قُيَّد سلطان إبليس حتى لا يكون له سلطان على مؤمنيه المجاهدين مدة جهادهم على الأرض.]

أما كون الزمن 1000 سنة فيمكن أن تفهم بطريقتين:

1. إن الكنيسة في جهادها على الأرض تعيش في يوم "الرب" أي سبت الراحة "Sabbath" هذا الذي ابتدأ بقيامة الرب ولا يغرب أبدًا حيث يبقى هكذا راحة لا نهائية بالنسبة للقديسين، إذ يعبرون من جهادهم. وأخيرًا يعيشوا في الأبدية كامتداد لحياتهم ههنا. واليوم عند الرب كألف سنة، لذلك حسب زمنه بألف سنة!

2. إنه يشير إلى كل زمان هذا العالم (منذ الصلب أو القيامة)، إذ تشير الألف إلى كمال الزمن وكثرته. إنها الفترة منذ دخول الرب "بيت القوي ونهب أمتعته بعد ما ربطه" (مر 3: 27)، واهبًا لأولاده أن يجاهدوا ولا يكون لإبليس سلطان إلى أن يأتي ضد المسيح، ويحل إبليس حتى لو أمكن أن يضل المختارين أيضًا.

وإن كان قلة من الطوائف البروتستانتية تزدري بهذا التفسير قائلة في تهكم كيف تقولون إن الشيطان مربوط ونحن نراه يعمل ويعمل؟ وإنما سيقيَّد فيما بعده. لكني أترك إخواننا البروتستانت وخاصة اللوثريين يجيبون على ذلك:

فمثلاً يقول شارلس ايردمان أن ربنا وتلاميذه استخدموا كلمات أقوى من الربط والسجن ليصفوا أثر العمل الخلاصي للمسيح على الشيطان. إذ قال "رئيس هذا العالم قد دين"... وأورد Joseph S. Exell في مجموعة The Biblical Illustrator آراء لمفسرين كثيرين من إخواننا البروتستانت يُصِّرون بكل شدة إلا أن يقبلوا هذا التفسير، وهو أن الشيطان مقيد حاليًا بالنسبة للمؤمن الحقيقي.

2. القيامة الأولى

"ورأيت عروشًا فجلسوا عليها، وأعطوا حكمًا، ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع، ومن أجل كلمة الله، والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته، ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلي أيديهم، فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة. وأما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف سنة. هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم، بل سيكونون كهنة لله والمسيح، وسيملكون معه ألف سنة" [4-6].

هنا يحدثنا عن القيامة الأولى دون أن يذكر الكتاب المقدس في كل أسفاره عبارة "القيامة الثانية"، فماذا تعني القيامة الأولى؟

إننا نعلم أن الخطية دخلت إلى العالم، فملك الموت على كل النفوس، وصرنا نعيش بالجسد لكن نفوسنا ميتة بانفصالها عن مصدر حياتها "الله". إذًا جاء الرب ليقدم لنا قيامة روحية لأنفسنا قبل أن تتمتع أجسادنا مع أنفسنا بالقيامة العامة يوم الدينونة. يقول الرب "الحق الحق أقول لكم إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات (بالروح) صوت ابن الله والسامعون يحيون" (يو 5: 25). هذه القيامة ليست أمرًا ننتظره بل كما يقول الرسول: "مدفونين معه بالمعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات" (كو 2: 12).

وبالتوبة أيضًا نتذوق القيامة ونحن بعد على الأرض مجاهدين "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضيء لك المسيح" (أف 5: 14). وهي موضوع اختبار مستمر في حياة المؤمن اليومية. فالرسول القائل: "وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات" (أف 2: 4-6) يقول في صيغة الاستمرار "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه" (في 3: 10).

فبكل تأكيد نقول إن الكنيسة في جهادها بالرغم مما تعانيه من آلام إلا أنها تعيش في الملك الألفي، القيامة الأولى، متذوقة عربون السماويات.

وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [كان الإنسان آخر المخلوقات العاقلة، لكن هوذا قد صار القدم رأسًا. وبواسطة الباكورة صرنا إلى العرش الملكي... لقد أحضر طبيعتنا إلى العرش الإلهي، لذلك يصرح بولس قائلاً: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات، في المسيح يسوع. ليظهر في آخر الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا" (أف 2: 6-7). كيف نقول ليظهر في آخر الدهور الآتية؟ ألم يظهر الآن؟ لقد ظهر فعلاً. ولكن ليس لكل الناس بل لي أنا المؤمن، أما غير المؤمن فلم يظهر له بعد هذا العجب. لكن في ذلك اليوم تتقدم كل البشرية لترى وتتعجب مما حدث. أما بالنسبة لي فيزداد الأمر وضوحًا.]

إذن هؤلاء الذين يحملون الصليب مع ربنا يسوع شاهدين له حتى الموت يتمتعون هنا بالقيامة الأولى، أما بقية الأموات بالروح الذين لا يقبلون الإيمان فلا يتمتعون بالقيامة الأولى، ويسقطون تحت الموت الثاني الأبدي (رؤ 21: 8).

نعود فنؤكد ما يقوله القديس أغسطينوس: [لن يكون هناك مجيء للمسيح قبل ظهوره الأخير للدينونة، لأن مجيئه حاصل بالفعل الآن في الكنيسة وفي أعضائنا. أما القيامة الأولى في سفر الرؤيا فهي مجازية تشير إلى التفسير الذي يحدث في حالة الناس عندما يموتون بالخطية ويقومون لحياة جديدة.]

فالحكم الألفي للمسيح على الأرض قد بدأ فعلاً بيسوع المسيح نفسه في الكنيسة والقديسون يحكمون الآن فيها.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 20 جـ2 PDF Print Email
فكرة "الملك الألفي المادي"

بعدما تعرضنا لتفسير النص السابق الذي يتحدث عن الملك الألفي أو القيامة الأولى نود أن نبين للقارئ أن هناك فكرًا جاء عرضًا بين كتابات الآباء في القرون الثلاثة الأولى وجاء بصورة عنيفة ومغايرة في بعض كتابات المحدثين. وهو تفسير النص بصورة حرفية أن الرب يملك على الأرض مع مؤمنيه مُلكًا زمنيًا لمدة ألف سنة. غير أنه يليق بنا أن نفصل بين ما جاء في الكتابات الأولى وكتابات المحدثين.

فكرة الألف سنة الحرفية في الكنيسة الأولى

نحن نعلم أن اليهود لهم فكرهم المادي، لذلك رفضوا الرب يسوع بسبب رفضه الملك الزمني. وهم لا يزالون إلى يومنا هذا للأسف ينتظرون المسيح الذي يملك ملكًا زمنيًا ويعطيهم سيطرة على العالم كله.

هذا الفكر دخل إلى الكنيسة في بدء نشأتها عن طريقين:

1. دخول اليهود إلى المسيحية ومعهم بعض تصوراتهم المادية، فبثوا هذه الأفكار عرضًا وسط الكتابات والعظات لهذا نجد مثلاً الأب بابياس من رجال القرن الأول يتصور ملكًا زمنيًا ماديًا لمدة ألف سنة يحدث في بداية القيامة فيه تنمو كروم العنب كل كرم يحمل عشرة الآف فرع وكل فرع يحمل عشرة آلاف غصن... وإلى غير ذلك من الأمور التي تقبلها من الفكر اليهودي المادي في سذاجة.

ويقول يوسابيوس إن بابياس وصل إلى هذه الكيفية المادية بسبب قصور فهمه للكتابات الرسولية غير مُدرك أن أقوالهم كانت مجازية (روحية) وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء. ويسمي يوسابيوس هذا الأمر "خرافة".

وقد انحرف وراء بابياس إيريناؤس وترتليان وكلتنسيوس وفيكتورينوس ويوستينوس وأغسطينوس في البداية، لكنه عاد وأدرك الخطأ.

2. في قراءة محاورة يوستينوس مع تريفو اليهودي ندرك أن يوستين أخذته الحماسة والغيرة لتأكيد أن كل ما كان لليهود من وعود وبركات قد صارت بكاملها وتمامها لكنيسة العهد الجديد، وبهذا حاول أن يثبت أن ما جاء في (إش 65: 17-25، مي 4: 1-7) سيتحقق للمسيحيين وحدهم.

وإننا نجد نفس الأمر مع ترتليان في محاوراته مع اليهود إذ بعدما أكد نفس الفكرة أن كل ما بالعهد القديم صار للكنيسة وحرم اليهود من كل بركة عاد للأسف فحول الفكر اليهودي المادي وجعله للكنيسة.

يقظة الكنيسة

لم تكن عقيدة الألف سنة عقيدة قائمة بذاتها، ولا أعطى لها اهتمام كبير، لكن مدرسة الإسكندرية سرعان ما تنبهت لخطورة الأمر. وكأنها قد تطلعت بنظرة بعيدة المدى لترى في أيامنا هذه كيف مثلت هذه العقيدة الخاطئة فكرًا خطيرًا رئيسيًا في بعض الطوائف مثل الأدفنتست. لهذا انبرى أوريجينوس وقاوم هذا الفكر، وتلاه البابا ديوناسيوس السكندري في القرن الثالث وأدحض فكرة التفسير الحرفي لسفر الرؤيا. وقبل أن ينتهي القرن الرابع كاد هذا الفكر أن يزول تمامًا في كنيسة الإسكندرية.

أما في الخارج فقد قام القديس أغسطينوس، بعدما أدرك خطأه، وأوضح خطورة التفسير الحرفي للألف سنة مُفندًا ذلك بقوة حجة لا تقاوم واعتبر من يقول بها مهرطقًا.

فكرة الألف سنة عند بعض الطوائف البروتستانتية:

ظهرت هذه الفكرة عند بعض الطوائف البروتستانتية، وجعلت منها عقيدة أساسية، وبدأت تضع لها مواعيد محددة لمجيء المسيح ليملك ألف سنة. وهنا نجد اختلافًا للفكرة في الكتابات الأولى وبعض المحدثين.

1. في الكتابات الأولى جاءت عرضًا وكان دافعها الرئيسي تأكيد أن اليهود الأشرار غير المؤمنين بالرب قد انتزعت عنهم كل المواعيد ويقول الشهيد يوستينوس: (إن كثيرًا من المسيحيين المعتبرين لا يأخذون بهذا التعليم ولا يقرونه).

2. إن بعض الطوائف البروتستانتية نادت بهذه الفكرة على هذه الأسس.

أولاً: يأتي السيد المسيح ليملك على قديسيه قبل أن يأتي "إنسان الخطية" وتحل الضيقة العظمى، ثم يعود فيظهر مرة أخرى ليبيد ضد المسيح.

ثانيًا: إن إسرائيل تتوب ولكنها تبقى جسدًا متميزًا عن الكنيسة، وإن أورشليم تتسع وتتزين وتصير مركزًا للشعب اليهودي الذي يحكم العالم.

ثالثا : إعادة بناء الهيكل و تقديم ذبائح حيوانية...

وإننى في هذا المجال لا أود الدخول في مناقشات لكنني أترك إخوتي البروتستانت يردون على هذه الطوائف:

1. يرى ايردمان أن هذه المبادئ التي تقوم عليها فكرة المُلك الألفي المادي تتناقض مع بعضها البعض وتبتعد عن روح الكتاب المقدس.

2. يرى راى سمرز صاحب كتاب "مستحق هو الخروف" أنه لا يليق أن تُبنى أنظمة شاملة تخص الأمور الأخيرة واللاهوت وفلسفة التاريخ على ثلاث آيات (4-6 من الأصحاح 20) بتفسير حرفي غير مستقر.

3. H. Monod يرفض التفسير الحرفي للملك الألفي معللاً ذلك بالآتي (بتصرف):

أولاً: أن التفسير الروحي والرمزي يتفقان مع اتجاه الأنبياء عامة وخاصة في سفر الرؤيا. فنجد فيها الكنيسة منارة والخدام كواكب فلا نقبلها بحرفيتها.

ثانيًا: لاحظ أيضًا أن القديس يوحنا يتحدث فقط عن (نفوس) [4] تنتعش وتملك مع المسيح، أي لم يقل "نفوس وأجساد".

ثالثًا: أن التفسير الحرفي لا يتفق مع النصوص الأخرى الواردة في الكتاب المقدس التي تتحدث عن القيامة العامة. فلم يحدثنا قط عن قيامة تحدث مرتين أو في فترتين مختلفتين. إنما يظهر بوضوح من (إش 12: 2، يو 5: 28، 1 تس4: 16، 17) أن قيامة الأموات - بالنسبة للأبرار والأشرار - يتبعها فورًا الدينونة والحياة الأبديّة.

رابعًا: يستحيل أن نفهم كيف تهب العودة إلى الأرض سعادة للأبرار الذين ماتوا في الإيمان وقد اجتمعوا في الراحة التي لشعب الله؟! إن خطأ اليهود متمثل في رغبتهم أن يملك المسيا مُلكًا زمنيًا، ويختلف الألفيّون عنهم في ذلك.

خامسًا: لو أخذنا بالتفسير الحرفي، ماذا يكون حال الذي يولدون أثناء الحكم الألفي؟ حاليًا بالموت (جسديًا) يخلص المؤمنون: إذ يموتون في سلام تاركين التجارب والبؤس ليرحلوا إلى الرب، لكن هذا لا يحدث للمولودين في المُلك الألفي. أكمل حديثه قائلاً: كيف يحمل المولودون أثناء المُلك الألفي - ما دام هو مُلك زمني مادي فيه يزوِّجون ويتزوَّجون - الصليب مع الرب يسوع؟ وكيف يسيرون في الطريق الضيق؟

سادسًا: هذا النص هو العبارة الوحيدة في الكتاب المقدس التي فيها يقال أن القيامة الأولى تكون قبل نهاية العالم، بينما عدد كثير من النبوات تتحدث عن القيامة دون أن تتحدث عن قيامة للأجساد بالصورة المادية الحرفية. أيهما أصح أن نفسر الكتاب كله وخاصة هذه النبوات على ضوء هذا النص الغامض، أم نشرح النص الغامض على ضوء نبوات الكتاب الكثيرة الواضحة؟

وأخيرًا يختتم معاتبًا الألفيّين الماديّين فيقول: "ليته يدرك ذلك العدد الضخم من النفوس في كنيسة أنفسهم أن هذا الملكوت المسيحي هو هكذا سلطان وهكذا لطيف وعذب ومجيد !"

ويخرج H. Monod بهذه النتيجة: [أن المسيح يسوع يستمر في أن يملك بأن يجلس إنجيله على العرش في داخل الإنسان الذي يقبل الإيمان المسيحي، عندئذ لا تكون الديانة المسيحية أداة للسياسة في يد الحكومات إنها ستكون تعبيرًا مخلصًا لطريقة الحياة.]

4. يرفض J. Gible فكرة الملك الألفي الزمني، مُدحضًا فكرة قيامة الأجساد ليملكوا مُلكًا جسديًا منظورًا. كما يقول أن نفوس الشهداء حية وهي تمارس نوعًا من القيامة إذ يذوقون نوعًا من الراحة وحالة من السلطان والحيوية. وهم يمارسون نوعًا من المِلكيّة مع الرب قدر الآلام والأتعاب التي احتملوها في فترة جهادهم، من أجل الرب. وأن قديسي الرب يسوع يملكون معه بطريقة مجيدة غير مادية تفوق إدراكنا الحالي. وهو يُسمي الألفيّون بالماديّين والمتشكّكين. كما يطالبنا أن يكون لنا رجاء محدد لا رجاءً ماديًا في أمور باطلة. إنه أفضل للإنسان أن يطلب كل شيء للمسيح ليربح المسيح ويوجد فيه لينتفع بالملكوت السماوي... عالمين أن الصليب هو طريق الإكليل... لا أن نطلب أمور مادية.

وأخيرًا يقول بأن عدم قبول المُلك الألفي الزمني يبعث في المؤمنين تعزية، حينما يخلعون خيمتهم الأرضية. إنهم يعرفون أن نفوسهم لا تنام في حالة من الظلمة بلا إحساس، بينما تكون أجسادهم في التراب، بل يكون الموت بالنسبة لهم ربحًا.

هذه بعض آراء لقليل من إخوتنا البرتستانت، إذ يهاجمون فكرة المُلك الألفي الزمني بعنف.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 20 جـ3 PDF Print Email
3. حل الشيطان في آخر الأزمنة

"ثم متى تمت الألف سنة، يُحل الشيطان من سجنه" [7].

أي متى جاء الزمان الذي فيه يأتي ضد المسيح الذي يُوهب له سلطان إبليس وقوته ليقوم ويخرب، حتى ولو أمكن أن يضل المختارين. لهذا يُقال إن الشيطان يحل من الجحيم سجنه ليظهر عاملاً بقوة لم نرَ مثلها من قبل.

"ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا العالم، جوج وماجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر. فصعدوا على عرض الأرض، وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة، فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم. وإبليس الذي كان يضلهم طُرح في بحيرة النار والكبريت، حيث الوحش والنبي الكذاب، وسيعذبون نهارًا وليلاً إلى أبد الآبدين" [8-10].

وهنا نجد تفسيرين لهذا النص:

التفسير الأول: أن قبائل معينة خاضعة لأحد الملوك العشرة التي تعاصر ضد المسيح يجتمعون بمدينة أورشليم لمقاتلة إيليا وأخنوخ والباقين من الكنيسة في أورشليم ولكن الله يرسل نارًا ليحرقهم. ويرى البعض أن "جوج وماجوج" لا تعني قبائل معينة بل كل الشعوب المنحرفة التي يجتمع جنودها لمقاومة الكنيسة لكن الله يؤدبهم بنار سماوية.

التفسير الثاني: للقديس أغسطينوس. يرى أن الحرب هنا حرب روحية وليست مادية. يستخدم ضد المسيح وأنصاره "جوج وماجوج" كل طرق القسوة والعنف والخداع والتضليل للفتك بالقديسين لكي ينحرفوا عن الإيمان، لكن الله يسند الشاهدين الأمينين إيليا وأخنوخ بنار الروح القدس السماوية التي تحرق الأضاليل وتنزع الخوف وتسند الإيمان.

بهذه النار يثبت المؤمنون في أيام الشاهدين، وبالأكثر بعد استشهادهما وقتل ضد المسيح، إذ يبكت الروح القدس كثيرين من الأمم واليهود الذين انحرفوا وراء ضد المسيح، وقاوموا الكنيسة، لكي يتوبوا ويرجعوا عن شرهم. أما بالنسبة لإبليس فإن نهايته ستكون مع الوحش والنبي الكذاب إذ يُلقى الأشرار في البحيرة المتقدة بالنار.

4. الدينونة

"ثم رأيت عرشًا عظيمًا أبيض، والجالس عليه والذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع" [11].

بعدما حدثنا عن ملكوت الله الذي في داخلنا ونتمتع به، والسلطان الذي لنا، وما سيحل بالكنيسة من ضيق من جراء حلّ الشيطان في آخر الأزمنة دون أن يتركنا الرب بل يعمل بروحه في الكنيسة، عاد ليطمئن أولاده أنه يعقب هذا بقليل مجيء الرب للدينونة.

وهنا يظهر الرب جالسًا على عرش أبيض إشارة إلى السلام، أو لا يعود يحارب ولا يدافع، لأن الكنيسة كلها صارت في أمان، ويأتي عدوها "إبليس" مقيدًا ليُطرح في النار، وقد هربت من أمامه الأرض والسماء الماديتان! لا يأتي في فمه سيف، لا يظهر هنا كفارس ليحارب، ولا كأسد ليطمئن نفوسًا خائرة، بل جالسًا على العرش لكي يهب للغالبين شركة الأمجاد السماوية.

أما وصفه بأنه "الذي من وجهه هربت الأرض والسماء، ولم يوجد لهما موضع"، فذلك لكي يطمئننا أننا لا نعود بعد إلى الحياة المادية القديمة، فلا نكون في حاجة إلى أرض بما عليها من بحار ومواد طبيعية وغير طبيعية، ولا نحتاج إلى كواكب وأفلاك.

إنه بهذا ينزع من أمامنا كل ذكريات قديمة لحياة امتلأت بالتجارب والأتعاب. معارك كانت بيننا وبين إبليس، بل هي بين الله وإبليس. فأمجاد الأبدية تبتلع الصور القديمة وتنزعها من ذاكرتنا!

"ورأيت الأموات صغارًا وكبارًا، واقفين أمام الله، وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والجحيم الأموات الذين فيهما، ودينوا كل واحد بحسب أعماله" [12-13].

في لحظة واحدة يُدان الأبرار صغارًا مع كبار المكتوبين في سفر الحياة بحسب أعمالهم، ويُدان الأشرار ساكنو الجحيم، الأموات روحيًا أيضًا حسب أعمالهم، لأنه ليس عند الله محاباة.

وهنا نجد:

1. فتح أسفار... ويرى القديس أغسطينوس أنها رمز إلى فتح سرائر كل البشرية، أي قلوبهم وضمائرهم، حتى يدرك الكل عدل الله.

2. انفتاح سفر الحياة... الذي هو كشف شخص الرب يسوع وعمله كشجرة حياة، من يأكلها في أيام جهاده على الأرض يعيش إلى الأبد. إنه السفر المفتوح، فيه يقرأ المؤمنون برهم الذي ليس لهم من ذاتهم، بل في شخص الرب يسوع، عندئذ يتهللون قائلين: "إذًا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح. لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت" (رو 8: 1، 2).

3. سلم البحر الأموات الذين فيه، وإذ يرمز البحر للعالم لهذا يرى القديس أغسطينوس أن الإشارة هنا إلى الأشرار الذين يأتي عليهم يوم الرب ولم يكونوا قد ماتوا وانتقلوا إلى الجحيم. البحر الذي غرقوا فيه وفي ملذاته سيسلمهم للدينونة الأبديّة.

4. سلم موت الروح والجحيم من بهما، فدينوا أيضًا على أساس عادل حسب أعمالهم الشريرة.

"وطرح الموت والجحيم في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار" [14-15].

هذه هي نهاية موت الروح والجحيم، أي نهاية السالكين حسب الجسد، حسب موت أرواحهم والذين صار نصيبهم بعد موتهم بالجسد الجحيم ينقلون إلى الموت الثاني، النار الأبديّة.

ويرى القديس أغسطينوس أن هذا إشارة إلى الشيطان الذي هو رئيس الموتى بالروح، وزعيم سكان الجحيم، لقد طرح في البحيرة المتقدة.

بهذا انتزعت صورة الشر تمامًا ليسجل لنا الرسول في الإصحاحين التاليين الصورة المبهجة لبيت الزوجية السماوي المملوء أمانًا واطمئنانًا، إذ طرح الشرير إلى الأبد بعيدًا.

1 و رايت ملاكا نازلا من السماء معه مفتاح الهاوية و سلسلة عظيمة على يده
2 فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو ابليس و الشيطان و قيده الف سنة
3 و طرحه في الهاوية و اغلق عليه و ختم عليه لكي لا يضل الامم في ما بعد حتى تتم الالف السنة و بعد ذلك لا بد ان يحل زمانا يسيرا
4 و رايت عروشا فجلسوا عليها و اعطوا حكما و رايت نفوس الذين قتلوا من اجل شهادة يسوع و من اجل كلمة الله و الذين لم يسجدوا للوحش و لا لصورته و لم يقبلوا السمة على جباههم و على ايديهم فعاشوا و ملكوا مع المسيح الف سنة
5 و اما بقية الاموات فلم تعش حتى تتم الالف السنة هذه هي القيامة الاولى
6 مبارك و مقدس من له نصيب في القيامة الاولى هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم بل سيكونون كهنة لله و المسيح و سيملكون معه الف سنة
7 ثم متى تمت الالف السنة يحل الشيطان من سجنه
8 و يخرج ليضل الامم الذين في اربع زوايا الارض جوج و ماجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر
9 فصعدوا على عرض الارض و احاطوا بمعسكر القديسين و بالمدينة المحبوبة فنزلت نار من عند الله من السماء و اكلتهم
10 و ابليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار و الكبريت حيث الوحش و النبي الكذاب و سيعذبون نهارا و ليلا الى ابد الابدين
11 ثم رايت عرشا عظيما ابيض و الجالس عليه الذي من وجهه هربت الارض و السماء و لم يوجد لهما موضع
12 و رايت الاموات صغارا و كبارا واقفين امام الله و انفتحت اسفار و انفتح سفر اخر هو سفر الحياة و دين الاموات مما هو مكتوب في الاسفار بحسب اعمالهم
13 و سلم البحر الاموات الذين فيه و سلم الموت و الهاوية الاموات الذين فيهما و دينوا كل واحد بحسب اعماله
14 و طرح الموت و الهاوية في بحيرة النار هذا هو الموت الثاني
15 و كل من لم يوجد مكتوبا في سفر الحياة طرح في بحيرة النار


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

وصف أورشليم السماوية


يحدثنا في هذا الأصحاح عن "الوطن السماوي"، أو كما يقول القديس أغسطينوس: [الكنيسة السماوية.]

1. كنيسة واحدة 1 - 8.

2. كنيسة مقدسة 9 - 11.

3. كنيسة جامعة رسولية 12 - 14.

4. مقاييسها 15 - 17.

5. بناؤها 18 - 27.

1. كنيسة واحدة

كثيرون من الفلاسفة والأدباء والشعراء أمثال أفلاطون أخذوا يرسمون لنا مدنًا مثالية حسبما تتصورها أذهانهم، يسنّون لها قوانين ونظمًا ومبادئ حسبما تمليه عليهم فلسفتهم وفكرهم. لكن سرعان ما تندس في وسط تخيلاتهم مبادئ خاطئة أو خيالية فتخرج المدينة ناقصة مملوءة ضعفات. أما الرسول يوحنا فلم يحذو حذوهم، بل صعد بالروح فرأى كنيسة حقيقية مثالية خالدة، هي في حقيقتها "لقاء الله مع المؤمنين" أو قل هي "وحدة سماوية". ولما كان هذا الأمر يصعب رسمه أو التعبير عنه، لهذا سجل لنا ما رآه فعلاً لكن في رموز بسيطة تاركًا لنا أن نتعمق فيها لندرك ونتذوق ما عليه هذه المدينة السماوية على قدر ما تستطيع قامتنا الروحية أن تدرك بإرشاد الروح.

"ثم رأيت سماء جديدة وأرضًا جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا".

لقد أوضح لنا الرب يسوع أن الخمر الجديدة لا توضع في زقاق قديمة، بل في زقاق جديد، هكذا نحن خمر ملكوته إذ نخلع هذا الجسد الفاسد لنلبسه في عدم فساد، وهذا المائت في عدم موت. نقوم في مجد وقوة، لنا أجسام روحانية (1 كو 15: 42-44) لهذا يضعنا الرب في سماء جديدة.

يليق بنا كأبناء ملكوت جديد ألا نعود بعد إلى هذه الأرض، لأنه كما أكد لنا ربنا يسوع: "السماء والأرض تزولان". وقد طمأننا الرسول بطرس أنه بمجيء يوم الرب "تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ" (2 بط 3: 12-13). نسكن في "أرض الأحياء" مع كافة القديسين الأحياء بالروح.

ولعل قوله "سماء جديدة وأرض جديدة" يحمل معنى آخر أيضًا، هو أنه مع زوال كل ما هو قائم حاليًا سنعود إلى سماء جديدة، أي نلتقي مع "الرب إله السماء"، ومع السمائيين في شركة مبدعة جديدة في كمالها وتمامها.

ونلتقي أيضًا مع إخوتنا الذين كانوا معنا على الأرض في "أرض جديدة"، أي في لقاء حب من صنف جديد، في وحدة تامة وكاملة في شخص الرب يسوع. إنه لقاء كنيسة واحدة تذوق الوحدة الأبدية في صورة ليس لها مثيل، لهذا يقول "والبحر لا يوجد فيما بعد" [1]. ليس للبحر موضع هناك، إذ يشير البحر إلى الانقسام والانشقاق حيث يفصل البلدان أو الدول أو القارات، أما في السماء فالكنيسة ليس فيها ما يفصل أعضاءها عن بعضهم البعض. والبحر يشير إلى الاضطراب والقلق، إذ يقول الكتاب: "أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ ويقذف حمأة وطينًا" (إش 57: 20). فالكنيسة السماوية لا يختفي فيها شرير واحد، بل مع كمال وحدتها يسودها سلام داخلي وخارجي.

اسم الكنيسة

"أنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها" [2].

رأى يوحنا الرسول ما أعده الله لنا أو رآنا بروح النبوة ونحن في المجد، وإذ عاد ليخبرنا بما رأى لم تسعفه اللغة البشرية، إذ يعلم مدى اشتياقاتنا للمعرفة، وفي نفس الوقت يريد الروح القدس أن نعرف، لهذا سجل لنا ما رآه خلال رموز بسيطة فقال إنه رأى "المدينة". إنني أظنه كطفل بالكاد يعرف اللغة، لم يرَ طائرات من قبل، دخل مطارًا ضخمًا فرأى مئات الطائرات، فعاد ليقول "رأيت حمامًا كبيرًا على الأرض". هكذا يقول الرسول عن الأبديّة إنها "المدينة". هي في حقيقتها مسكن الله مع الناس، لهذا سماها "المدينة".

وإذ أدرك أحضان قدوس القديسين المفتوحة للقاء قديسيه، دعا ذلك اللقاء "المدينة المقدسة". إنها امتداد للكنيسة المقدسة، إذ أنه حال فيها قدوس القديسين.

وحينما أراد أن يعطيها اسمًا دعاها "أورشليم الجديدة"، أي مدينة الله الجديدة، وتبقى جديدة لأن ما هو أخروي جديد ويبقى جديدًا لا يصيبه القِدَم، لأنه لا يكون زمان ولا عوامل فناء ولا فيها ما يفقدها جمالها وضياءها المتقد بنور الرب.

أما سرّ قداستها وجدتها فهو إنها "نازلة من السماء من عند الله". ومع إنها هي السموات بعينها لكنها "نازلة من السماء" كالأم الحنون التي تفتح أحضانها وتركض لتحتضن طفلتها التي طالما اشتاقت إليها. هكذا تتوق الأبدية إلينا لأننا لسنا غرباء عنها بل أعضاء فيها. بنزولها من السماء من عند الله، تقدم لنا رجاء في أننا أبناء لها وأعضاء أحياء فيها، فلا يراودنا اليأس بحجة ضعفنا أننا لا نصلح لها.

في نزولها من عند الله تعلن حب الله للبشر واشتياقه إلى اللقاء معهم، فهو دائمًا المبادر بالحب. وهو الذي يهتم بهم، إذ "أن الله لا يستحي أن يُدعى إلههم، لأنه أعد لهم مدينة" (عب 11: 16). وقد لمس إبراهيم أب الآباء في الأبديّة عمل الله تجاهه، فقيل عنه أنه كان "ينتظر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10).

وأخيرًا إذ رأى الرسول أن كل ما في المدينة يتلألأ جمالاً لم يعرف بماذا يصفها فقال: "مهيأة كعروسٍ مزينة لرجُلِها". إنها عروس واحدة مزينة بزينة عريسها التي أهداها لها.

هكذا عبر الرسول عن اللقاء الأبدي حين رآه، فبماذا عبر الصوت السمائي عنه؟

"وسمعت صوتًا عظيمًا من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعبًا، والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" [3].

لم تجد السماء اسمًا لهذه المدينة الجديدة والأرض الجديدة والسماء الجديدة يليق بها سوى أن تدعوها "مسكن الله مع الناس". لم تقل "مسكن الناس مع الله" بل "مسكن اللّه مع الناس"، لأن اشتياق الناس للسكنى معه لا يقاس ولا يقارن باشتياق الله للسكنى معنا. يا لعظم محبة اللّه الفائقة! كأن الله ينتظر الأبديّة ليستريح بالسكنى معنا، مع أننا نعلم أنه ليس محتاجًا إلى عبوديتنا بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته.

لهذا يبدأ بالقول "وهم يكونون له شعبًا"، أي أنهم هم المحتاجون إليه، وهو يسكب حبه عليهم، إذ "الله نفسه يكون معهم إلهًا لهم". إنه إله كل البشر، وإله المؤمنين. لكن في الأبدية ينعم أبناء الملكوت بمفاهيم أعمق وعذوبة أكثر في ربوبية الله لهم.

وأخيرًا يمكننا من خلال قراءتنا للأصحاحين 21 و22 أن نفهم ماذا تعنيه الكنيسة السماوية الواحدة وهو:

1. أنها المسكن الأبدي الذي يقول عنه الرب: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا"، وقد قدمه لنا الرسول واصفًا لنا أبعاده ومواد بنائه في أسلوب رمزي بسيط.

2. إنها الوجود في حضرة العريس السماوي واللقاء الدائم معه، إذ هي "مسكن الله مع الناس" لهذا حدثنا عن شخص العريس وعمله مع شعبه.

3. إنها جماعة المؤمنين الغالبين "الذين يحسبون سماء"، ليس في الحياة الأبدية فحسب، بل وهم على الأرض. إذ يقول القديس أغسطينوس [الإنسان الروحاني في الكنيسة هو السماء... الكنيسة هي السماء... والسماء هي الكنيسة.]

حال الكنيسة الواحدة

1. "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم":
وكما يقول العلامة ترتليان أن الله يمسح كل دمعة سكبتها العيون قبلاً، إذ ما كان لها أن تجف ما لم تمسحها الرأفات الإلهية. طوبى لأصحاب العيون الباكية، لأن الله بنفسه يمسحها ويطيِّبها!

2. "والموت لا يكون فيما بعد": وكما يقول النبي "يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه" (إش 25: 8).

3. "ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد. لأن الأمور الأولى قد مضت" [4]. لقد مضى العالم القديم بما يحمله معه من سمة للنقصان وقابلية للفناء، وصار كل ما في الأبدية جديدًا مفرحًا ومبهجًا للكل.

4. "وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شيء جديدًا". في العالم الآخر لا نجد ما تسأمه النفس، ولا ما تملّ منه، إذ ليس فيها شيء يعتق ويشيخ بل لحظة فلحظة - إن صح هذا التعبير - نجد كل شيء جديدًا. إذ نحن ماثلون أمام الله الذي لا تشبع النفس من اشتهائه. وكما يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أن رؤية الله بالضبط لا تَشبع النفس من اشتهائه. وهذا يتم إلى الأبد والنفس ذاهبة من بدء إلى بدء ببداءات لا تنتهي.] كلما تأمل الإنسان الله رآه كأنه لأول مرة يراه جديدًا في نظره، فيزداد شوقًا إلى السجود له والنظر إليه، ويستمر هكذا بلا نهاية.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 21 جـ2 PDF Print Email
ولما كان هذا الأمر مجيدًا حتى ليستعصب الكثيرون نواله، أراد الرب أن يبعث فيهم رجاء فقيل للرسول: "وقال لي: اكتب فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة، ثم قال لي: قد تم" [5]. إنها أمور حقيقية واقعية قد أتم الله تهيئتها للبشر، ولم يبقَ سوى أن ندخل ونرث. وكأنه يقول لعروسه: "الله بالحق قد أعد بيت الزوجية وبقي أن تأتي صاحبة البيت".

أما مقدم الدعوة فيقول: "أنا هو الألف والياء. البداية والنهاية". وقد سبق لنا شرح هذا القول. إنه يقول: إنني لغة السماء أعلمكم التسبحة الجديدة، وأنا رأس الكل أتيت أخيرًا لكي أحتضن الجميع وأجمعهم معي.

إنني لا أبخل على أحد، بل أقدم ذاتي ينبوع ماء حياة مجاني لكل طالب "أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا" [6]. يقدم نفسه لكل ظمآن يشعر بالحاجة إليه، القائل مع المرنم: "كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي، متى أجيء وأتراءى قدام الله. صارت لي دموعي خبزًا نهارًا وليلاً، إذ قيل لي كل يوم: أين إلهك؟" (مز 42: 1-3). لهذا ينادي الرب قائلاً: "إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب" (يو 7: 37). وحتى لا يسيء أحد إلى فهم مجانية الماء الحي عاد ليؤكد لنا أن الميراث الأبدي لا يناله إلا المجاهدون المثابرون، لهذا يقول: "من يغلب يرث كل شيء وأكون له إلهًا وهو يكون لي ابنا" [7].

إنه يعطي للغالبين... فماذا يأخذون؟

"يرث كل شيء!" إنه كأب رأى الأيام التي كان فيها ابنه قاصرًا قد انتهت، وقد صار الآن ناضجًا، فيقدم له كل أمواله وممتلكاته ويسلمه كل شئونه وأسراره، وإن استطاع أن يقدم له كل قلبه. إنه يورّثه كل شيء وهو بعد حي! هذا ما يعنيه بقوله: "يرث كل شيء". لهذا يكمل قائلاً: "وأكون له إلهًا، وهو يكون لي ابنًا". حقًا بالمعمودية صرنا أبناء ولكننا ندرك كمال بنوتنا حين نتسلم الميراث الأبدي!

أما غير المجاهدين وغير المؤمنين فليس لهم نصيب معه إذ يقول:

"وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني" [8].

لقد بدأ هذه القائمة المرة بالخائفين، أي الجبناء الذين ينكرون الإيمان خوفًا على حياتهم الزمنية، وهؤلاء أشر الفئات. ويليهم "غير المؤمنين" لأنه بدون إيمان لا يمكن أرضاؤه. ويليهم صانعو الشر أي "الرجسون والقاتلون..." أي المؤمنون اسمًا لكن أعمالهم لا تتناسب مع الإيمان. وإننا نجده يركز على الكذب فيقول "وجميع الكذبة"، ولعله يقصد بالكذب أولئك الذين يستخدمون الغش والخداع في معاملاتهم وأحاديثهم.

2. كنيسة مقدسة

"ثم جاء إلى واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات المملوءة من السبع الضربات الأخيرة، وتكلم معي قائلاً: هلم فأريك العروس امرأة الخروف" [9].

اختار الرب أن يرسل ملاكًا من الذين معهم السبعة الجامات ليرى الرسول "العروس امرأة الخروف"، وذلك ليظهر لنا حب هؤلاء الملائكة لنا وحنانهم تجاه البشر، فمع كونهم يسكبون الجامات لكنهم يتوقون إلى رؤية البشر في حالة تقديس كامل، ليس فقط هكذا بل ويريدون أن يعلنوا ذلك لكل أحد.

ستكون الكنيسة في قداستها موضوع إعجاب الملائكة، فيترنمون مع المرتل قائلين: "جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير..." ويناجيها العريس نفسه إذ يرى فيها جمالاً، فيقول "ها أنت جميلة يا حبيبتي..." (نش 1: 15). هذا الجمال السماوي الذي هو القداسة المشعة من الله تجاه أولاده.

أما سر قداستها فهو:

1. "علوّها وسموّها": "وذهب بي الروح إلى جبلٍ عظيمٍ عالٍ، وأراني المدينة العظيمة أورشليم المقدسة" [10]. إنها مرتفعة جدًا، سماوية، لا يقدر أن يقترب إليها إبليس أو جنوده، لأنهم ملقون في البحيرة المتقدة.

2. "نازلة من عند الله" [10]. سرّ قداستها إنها مرتفعة كما رأينا، وإنها "نازلة من السماء من عند الله". ففي علوِّها لا يقدر أحد أن يصعد إليها، وبنزولها من السماء يعلن أن الله يُصعدنا إليه. يقول القديس أغسطينوس إنه لا يستطيع أحد أن يصعد إلى شركة أورشليم السمائية ما لم يؤمن أن صعوده لا يتم بقوته الذاتية بل بعمل الله. وبنزولها أيضًا يعلن لنا أنه يجب علينا أن نختبر الحياة السماوية ونحن هنا على الأرض قبلما يأتي يوم الرب لنرتفع معه وبه. يقول القديس إكليمنضس الإسكندري إننا نستعيض عن الأرض بالسماء، إذ بالأعمال الصالحة نصير آلهة... وبسلوكنا في السماويات نصير كمن هم في السماء!

3. "لها مجد الله شبه أكرم حجر كحجر يشب بلوري" [11]. مجدها ليس من ذاتها، بل مجد الله المُشرق عليها. وهي كالبلّور تستقبل الأمجاد الإلهيّة. فكما أنه هو "في المنظر شبه حجر يشب" (رؤ 4: 3)، هكذا باتحادنا به وتقبلنا إشعاعات مجده نصير كحجر يشب بلوري. هو شمس البرّ يتلألأ جمالاً، ونحن كالبلور الذي يحيط به من كل جانب حتى تختفي فينا ملامح البلّور ولا يظهر إلا الإضاءات القوية من شمس البرّ علينا. إن كل واحد منا كالبلّور يرى في أخيه مجد الله، وأخوه يرى فيه مجد الله. هكذا يصير الله الكل في الكل.

3. كنيسة جامعة رسولية

"وكان لها سور عظيم وعال"

من هو السور؟ يقول المرتل "لأنك أنتَ إله حصني" (مز 43: 2). الله هو حصن الكنيسة السماوية وملجأها، في ستره نسكن وفي ظله نبيت (مز 91). هذا السور يجمع شمل الكنيسة الجامعة في وحدة كاملة لا يدخلها عدو، أي إبليس وأعماله لكي يقسمها أو يفرق أعضاءها. وكما يقول القديس أغسطينوس: [طوبى للذي يسكن في المدينة التي لا يخرج منها صديق ولا يقتحمها عدو!]

هذه الكنيسة أو المدينة جامعة يجمع سورها شمل الكنيسة كلها. كنيسة العهد القديم وكنيسة العهد الجديد وهى رسولية على أساس سورها أسماء رسل المسيح إذ يقول:

"وكان لها إثنا عشر بابًا وعلى الأبواب إثنا عشر ملاكًا، وأسماء مكتوبة هي أسماء أسباط بني إسرائيل الإثنى عشر. ومن الشرق ثلاثة أبواب، ومن الغرب ثلاثة أبواب، ومن الشمال ثلاثة أبواب، ومن الجنوب ثلاثة أبواب. وسور المدينة كان له إثنا عشر أساسًا، وعليها أسماء رسل الخروف الاثنى عشر" [12-14].

لقد جمعت بين أسماء الأسباط الإثنى عشر، أي رجال العهد القديم وأسماء رسل المسيح، أي رجال العهد الجديد لأنها كنيسة واحدة، أما اليهود المنشقون عنها برفضهم الإيمان، فلم يعد لهم مكان إذ انتزع عنهم نسبهم الروحي للأسباط وصاروا غير مؤمنين. وتشير الأبواب الإثنا عشر إلى افتتاح الأبواب من كل جانب لكل أبناء الملكوت. أما توزيع الأبواب في كل الجهات فذلك لكي لا يضل أحد من الراغبين في الميراث الأبدي عن البلوغ إلى داخله.

4. مقاييسها

"والذي كان يتكلم معي كان معه قصبة من ذهب، لكي يقيس بها المدينة وأبوابها وسورها" [15].

إن أبناء الملكوت معروفون ومقاسون من قبل الله ومحفوظون لديه. أما وحدة القياس فهي قصبة من ذهب أي سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تقاس إلا بما هو روحي سماوي.

"والمدينة كانت موضوعة مربعة طولها بقدر العرض، فقاس المدينة بالقصبة مسافة إثنى عشر ألف غلوة للطول والعرض والارتفاع متساوية" [16].

هي مربعة لها أربعة زوايا متساوية، إشارة إلى أن حاملها الأناجيل الأربعة التي ترتفع بالمؤمنين تجاه السماويات وتهيئهم ليكونوا عروسًا سماوية بقوة الكلمة. أما قياسها 12000 غلوة فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، 1000 يشير إلى السماء، أي تتسع لكل أبناء الملكوت السمائيين.

"وقاس سورها مئة وأربعة وأربعين ذراع إنسان، أي الملاك" [17].

يشير رقم 144 إلى الكنيسة الجامعة (كنيسة العهد القديم 12× كنيسة العهد الجديد 12) التي هي مسورة بسور واحد لتنعم بإله واحد. أما الذي قاس فهو ملاك لا إنسان أرضي حتى لا نتخيل في السماء ماديات وأرضيات.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 21 جـ3 PDF Print Email
5. بناؤها

1. السور

"وكان بناء سورها من يشب، والمدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي" [18].

إنها مسورة بالله ذاته حافظها، وهي من ذهب نقي شبه زجاج نقي أي سمائية طاهرة.

"وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم". الأساس الأول يشب. الثاني ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض. الرابع زمرد ذبابي. الخامس جزع عقيقي. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقي. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادي عشر أسمانجوني. الثاني عشر جمشت" [19-20].

أولا: تشير هذه الحجارة الكريمة إلى رسل المسيح، إذ هي كنيسة رسولية، كما يقول الكتاب: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء والمسيح نفسه حجر الزاوية" (أف 2: 20).

ثانيًا: تشير الحجارة الكريمة إلى الفضائل الإلهية التي يهبنا الله إياها لأجل تزيينا. فالأساس الذي نبني عليه في الأبديّة هو الفضائل الإلهية التي يهبنا عربونها في هذه الحياة خلال جهادنا. وهناك تتلألأ فينا في مجد سماوي. لهذا يُعزي الرب الكنيسة المجاهدة قائلاً لها: "أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية. هأنذا أبني بالإثمد حجارتك. وبالياقوت الأزرق أؤسسك. وأجعل شرفك ياقوتًا وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة.... هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي يقول الرب" (إش 54: 11-17).

ثالثًا:
إذ يشير رقم 12 إلى أبناء الملكوت، فكأن كل ابن للملكوت يتزين بزينة إلهية مختلفة عن أخيه، لكنها ثمينة وجميلة. وهكذا تكمل الكنيسة بعضها البعض في وحدة بالغة.

2. الأبواب

"والإثنا عشر بابًا إثنتا عشرة لؤلؤة، كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة".

الرب يسوع هو "اللؤلؤة" كثيرة الثمن من أجلها يبيع الإنسان كل ماله ليقتنيها (مت 13: 46). فأبناء الملكوت جميعهم الداخلون من الأبواب باعوا العالم واشتروا اللؤلؤة. ومن ناحية أخرى نجد أنه من كل جانب يظهر ثلاثة أبواب أي الثالوث القدوس. فكأن الثالوث القدوس من كل جانب يبهج نظر الشعوب لتبيع ما تملكه وتقتني الأبدية، فتدخل إلى الميراث المعد لها.ويرى البعض أن الإثني عشر بابًا أيضًا تشير إلى الإثنى عشر هؤلاء الذين جعلهم "الباب الفريد" أي الرب يسوع أبوابًا، عن طريق كرازتهم تدخل الشعوب إلى الإيمان به.

3. السوق (الساحة)

"وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف" [21].

وسوق المدينة يشير إلى صنف ما من الأبرار. على أي الأمور كل المدينة ذهب نقي، أي سماوية ليس فيها أمر أرضي، وزجاج شفاف ليس فيها دنس أو تعقيد بل بساطة ونقاوة قلب.

4. الهيكل

"ولم أر فيها هيكلاً، لأن الرب الله القادر على كل شيء هو والخروف هيكلها" [22].

أ. لقد طالب الله الشعب القديم أن يقيموا خيمة اجتماع، يجتمع فيها الله مع الناس، خلال الرموز والظلال. ثم عاد فطلب بناء هيكل يحمل معنى وجود الله وسط البشر.

ب. وإذ انحرف اليهود ورفضوا الرب خرب الهيكل بعدما قدم لنا الرب جسده هيكلاً جديدًا (يو 2: 19)، وإذ صرنا نحن من لحمه وعظامه (أف 5: 30)، صرنا به هيكلاً مقدسًا (1كو 3: 16-17)، وأصبحنا بناء الله (1 كو 3: 9).

ج. وفي نفس الوقت سلّمنا الذبيحة غير الدمويّة في خميس العهد وطالبنا أن تُقدم في هيكل العهد الجديد، عربون الهيكل الأبدي.

د. أما في الأبدية فلم يرَ الرسول هيكلاً، لا لأنه غير موجود، بل لأن "الرب الله القادر على كل شيء هو الخروف هيكلها". إنه هيكل هذا اتساعه وهذه إمكانياته، هيكل لا نهائي سرمدي!

5. الإضاءة

"والمدينة لا تحتاج إلى الشمس، ولا إلى القمر، ليضيئا فيها لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها" [23].

انعدمت وسائل الإضاءة المادية لأنه قد صار لنا الرب شمسًا وسراجًا.

6. مجدها

"وتمشي شعوب المخلصين بنورها، وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها. وأبوابها لن تغلق نهارًا، لأن ليلاً لا يكون هناك. و يجيئون بمجد الأمم وكرامتهم إليها. ولن يدخلها شيء دنس، ولا ما يصنع رجسًا وكذبًا، إلا المكتوبين في سفر حياة الخروف" [24-27].

على ضيائها وبنورها يسير كثيرون تجاهها، إذ يقول الرب: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات" (مت 8: 11). يأتون بمجدهم وكرامتهم، أي نازعين كل مجد أرضي وكرامة زمنية من أجلها.

يأتون بإرادتهم لا قسرًا أو إلزامًا، فالأبواب مفتوحة للكل والدعوة للجميع إذ يريد الله أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. يأتون ليجدوا أبوابها لن تغلق، إذ تستقبل الكل بلا محاباة بين غني أو فقير، عبد أو حر. يأتون نهارًا، لأنه لا يدخلها في الظلمة ولا يتسلل إليها من يصنع دنسًا أو رجسًا أو كذبًا.

1 ثم رايت سماء جديدة و ارضا جديدة لان السماء الاولى و الارض الاولى مضتا و البحر لا يوجد في ما بعد
2 و انا يوحنا رايت المدينة المقدسة اورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهياة كعروس مزينة لرجلها
3 و سمعت صوتا عظيما من السماء قائلا هوذا مسكن الله مع الناس و هو سيسكن معهم و هم يكونون له شعبا و الله نفسه يكون معهم الها لهم
4 و سيمسح الله كل دمعة من عيونهم و الموت لا يكون في ما بعد و لا يكون حزن و لا صراخ و لا وجع في ما بعد لان الامور الاولى قد مضت
5 و قال الجالس على العرش ها انا اصنع كل شيء جديدا و قال لي اكتب فان هذه الاقوال صادقة و امينة
6 ثم قال لي قد تم انا هو الالف و الياء البداية و النهاية انا اعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانا
7 من يغلب يرث كل شيء و اكون له الها و هو يكون لي ابنا
8 و اما الخائفون و غير المؤمنين و الرجسون و القاتلون و الزناة و السحرة و عبدة الاوثان و جميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار و كبريت الذي هو الموت الثاني
9 ثم جاء الي واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات المملوة من السبع الضربات الاخيرة و تكلم معي قائلا هلم فاريك العروس امراة الخروف
10 و ذهب بي بالروح الى جبل عظيم عال و اراني المدينة العظيمة اورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند الله
11 لها مجد الله و لمعانها شبه اكرم حجر كحجر يشب بلوري
12 و كان لها سور عظيم و عال و كان لها اثنا عشر بابا و على الابواب اثنا عشر ملاكا و اسماء مكتوبة هي اسماء اسباط بني اسرائيل الاثني عشر
13 من الشرق ثلاثة ابواب و من الشمال ثلاثة ابواب و من الجنوب ثلاثة ابواب و من الغرب ثلاثة ابواب
14 و سور المدينة كان له اثنا عشر اساسا و عليها اسماء رسل الخروف الاثني عشر
15 و الذي كان يتكلم معي كان معه قصبة من ذهب لكي يقيس المدينة و ابوابها و سورها
16 و المدينة كانت موضوعة مربعة طولها بقدر العرض فقاس المدينة بالقصبة مسافة اثني عشر الف غلوة الطول و العرض و الارتفاع متساوية
17 و قاس سورها مئة و اربعا و اربعين ذراعا ذراع انسان اي الملاك
18 و كان بناء سورها من يشب و المدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي
19 و اساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم الاساس الاول يشب الثاني ياقوت ازرق الثالث عقيق ابيض الرابع زمرد ذبابي
20 الخامس جزع عقيقي السادس عقيق احمر السابع زبرجد الثامن زمرد سلقي التاسع ياقوت اصفر العاشر عقيق اخضر الحادي عشر اسمانجوني الثاني عشر جمشت
21 و الاثنا عشر بابا اثنتا عشرة لؤلؤة كل واحد من الابواب كان من لؤلؤة واحدة و سوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف
22 و لم ار فيها هيكلا لان الرب الله القادر على كل شيء هو و الخروف هيكلها
23 و المدينة لا تحتاج الى الشمس و لا الى القمر ليضيئا فيها لان مجد الله قد انارها و الخروف سراجها
24 و تمشي شعوب المخلصين بنورها و ملوك الارض يجيئون بمجدهم و كرامتهم اليها
25 و ابوابها لن تغلق نهارا لان ليلا لا يكون هناك
26 و يجيئون بمجد الامم و كرامتهم اليها
27 و لن يدخلها شيء دنس و لا ما يصنع رجسا و كذبا الا المكتوبين في سفر حياة الخروف


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 22 جـ1 PDF Print Email

تطويب الساكنين فيها


في هذا الأصحاح أيضًا يحدثنا عن أمجاد الكنيسة السماوية وتطويبها:

1. شجرة الحياة 1 - 7.

2. ختام 8 - 21.

1. شجرة الحياة

"وأراني نهرًا صافيًا من ماء حياة، لامعًا كبلّور، خارجًا من عرش الله والخروف. في وسط سوقها (ساحتها) وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع إثنتى عشرة ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم. ولا تكون لعنة فيما بعد" [1-3].

يقول العلامة ترتليان إنه لا يمكننا تفسير هذا النص تفسيرًا حرفيًا. ففي الحياة الأبدية لا توجد أنهار ولا ساحات ولا أشجار. وتظهر رمزية هذه الأوصاف في حديثه عن شجرة الحياة أنها قائمة وسط ساحة المدينة، وفي نفس الوقت هي بذاتها قائمة على شاطئ النهر من الجانبين. فكيف يكون هذا لو كان ذلك بتفسير حرفي؟

أ. نهر الحياة

يرى العلامة ترتليان أن النهر هو شخص السيد المسيح الذي يروي كل نفس. وهو بنفسه الحمل الذي فدانا. وهو شجرة الحياة الذي يشبع أولاده. إنه كل شيء بالنسبة للمخلصين.

ويرى القديس إمبروسيوس أنه الروح القدس الذي لا يشرب منه إلاّ الذي يؤمن بالسيد المسيح، القائل: "إن عطش أحد فليقبل إلي ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي". قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه (يو 7: 37-39). هذا هو روح الآب والابن منبثق من الآب مستقر في الابن، أرسله الابن من عند الآب ليبكتنا ويقدسنا ويقودنا حتى نبلغ العرس السماوي. هذا هو النهر الخالد الذي روى ويروي العروس.

وهو أيضًا يشير إلى فيض نعم الله المبهجة في الأبدية، والتي هي في حقيقتها ليست شيئًا خارجًا عنه بل يعطينا ذاته ننعم به ونبتهج. وكما يقول المرتل: "نهر سواقيه تُفرح مدينة الله مقدس مساكن العلي. الله في وسطها فلن تتزعزع" (مز 64: 4-5).

يشير أيضًا إلى السلام الذي تنعم به أورشليم السماوية، إذ قيل: "هأنذا أدير عليها سلامًا كنهر... كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا، وفي أورشليم تعزون، فترون وتفرح قلوبكم" (إش 66: 12-14).

2. شجرة الحياة

يرى طيخون الأفريقي أن شجرة الحياة تشير إلى الصليب المقدس الذي إليه إمتدت أيدينا لتقتطف كل ثمر شهي. كثيرون مثل مار أفرام السرياني يلقّبون الصليب بشجرة الحياة.

فبالصليب أمات الرب الموت وفتح لنا الفردوس، وأعطانا جسده ودمه المبذولين عنا، وجعلنا أبناء بركة ووارثين للحياة الأبدية. بالصليب يتمم الروح القدس الأسرار المقدسة على يدي الكهنة في الكنيسة، هذه الأسرار التي هي غذاء الكنيسة. والصليب كما نعلم امتد عمله ليقتطف رجال العهد الجديد منه كل يوم ثمارًا. ونبقى في الأبدية نتأمل جراحات الحمل القائم كأنه مذبوح لنجد فيها شبعًا.

لهذا نجد الإثمار شهري ومستمر، إثمار جديد بالنسبة لنا نأكل منه فنشبع وفي نفس الوقت يلتهب القلب شوقًا إليه، فنعود لنأكل منه لنجد فيه ثمارًا جديدة بالنسبة لنا فنأكل ونشبع، ويصاحب الشبع زيادة في الجوع إليه. وهكذا كما يقول ابن سيراخ إن من يأكل منه يعود إليه جائعًا ومن يشرب منه يعود إليه ظمآنًا.

بهذا نقف دومًا أمام الشجرة في دهش وعجب بلا ملل! أما إثمارها إثنتى عشرة، فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، وكأن الثمر مخصص لهم، كل يجد فيه احتياجه وشبعه.

لقد أسهب الآباء الأولون مثل القديسين باسيليوس الكبير وأغسطينوس والآب يوحنا الدمشقي في حالة الإزدهار التي تكون عليها الأبديّة، وحالة الشبع التي يكون فيها الإنسان. وقد أدرك النبي ذلك فقال: "أنا أؤمن أني أعاين خيرات الرب في أرض الأحياء" (مز 27: 13).

3. سعادة دائمة


"ولا تكون لعنة فيما بعد"... لنا خبرة مرة تسلمناها من أبينا آدم الذي تنعم بفردوس أرضي ولكن إلى حين، إذ خرج مطرودًا يئن من ثقل اللعنة التي يحملها على كتفيه بعصيانه، لكن في الأبدية لا يكون للخطية والعصيان موضع، بل الكل يخدمون الله في طاعة كاملة إذ يقول:

"وعرش الله والخروف يكون فيها، وعبيده يخدمونه"[3].

يخدمونه في حب ويتوقون إلى رؤيته، ويفتخرون باسمه، إذ أنهم "سينظرون وجهه واسمه على جباهم" [4].

4. نور دائم

"ولا يكون ليل هناك، ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم، وهم سيملكون إلى الأبد" [5].

ما أكثر العبارات التي جاء بها سفر الرؤيا المنير ليعلن لنا سرّ استضاءة أبناء الملكوت، ألا وهو وجود الله "شمس البِرّ" حولهم وفوقهم ومحيطًا بهم.

لقد اختبر الآباء نور الله المشرق عليهم وهم بعد هنا في الجسد الترابي:

يقول الشيخ الروحاني: [مصباحًا واحدًا أنظر، وبنوره أستضيء، والآن أنا في ذهول؟ أبتهج روحيًا، إذ في داخلي ينبوع الحياة، ذاك الذي هو غاية العالم غير المحسوس!]

ويقول القديس أغسطينوس: [إلهي... أنت نوري، أفتح عيناي فتعاينا بهاءك الإلهي لأستطيع أن أسير في طريقي بغير تعثر في فخاخ العدو!

وما هو النور إلا أنت يا إلهي!

أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يضيء لأولادك حتى لا يتعثروا!

أما الذين هم خارجًا عنك، فإنهم يسلكون في الظلام ويعيشون فيه! إذن، لنلتصق بك يا من أنت هو نور العالم!

ما حاجتنا أن نجرب كل يوم الابتعاد عنك؟! لأن كل من يبتعد عنك أيها النور الحقيقي يتوغل في ظلام الخطية، وإذ تحيط به الظلمة لا يقدر أن يميز الفخاخ المنصوبة له على طول الطريق!]

أخيرًا اختتم وصفه للمجد الأبدي بالقول:

"ثم قال لي هذه الأقوال أمينة وصادقة، والرب إله الأنبياء القديسين أرسل ملاكه، ليُري عبيده ما ينبغي أن يكون سريعًا. ها أنا آتي سريعًا. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب" [6-7].

إنها أقوال صادقة يلزمنا أن نهتم بها، لأن مرسلها هو إله الأنبياء الذي سبق فأنبأنا بأمور كثيرة خاصة بخلاصنا وتحققت نبواتها، والآن ينبئنا بإرسال ملاكه ليُري عبيده ما سيكون سريعًا.

ربما يتساءل البعض: لماذا نقرأ هذه النبوة والوقت لا يزال متسعًا وبعيدًا؟ فيجيب "ها أنا آتي سريعًا. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب".

إنه يحذرنا ألا نضيع الوقت في التشكك، إنما بإيمان نقبل النبوة ونحفظ أقوالها أي وصاياها ونسهر منتظرين مجيئه لهذا نصلي قائلين: [ها هوذا العريس يأتي في نصف الليل. طوبى للعبد الذي يجده مستيقظًا. أما الذي يجده متغافلاً فإنه غير مستحق المُضي معه. فانظري يا نفسي لئلا تثقلي نومًا، فتلقي خارج الملكوت بل إسهري وإصرخي قائلة: قدوس، قدوس، قدوس... اسهري متضرعة لكي تلتقى المسيح الرب بدهنٍ دسمٍ، وينعم لك بعرس مجده الإلهي الحقيقي.]




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى اصحاح 22 جـ2 PDF Print Email
2. ختام

"وأنا يوحنا الذي كان ينظر ويسمع هذا. وحين سمعت ونظرت خررت لأسجد أمام رجلي الملاك الذي كان يريني هذا. فقال لي أنظر لا تفعل. لأني عبد معك ومع إخوتك الأنبياء والذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد لله" [8-9].

يؤكد لنا الرسول أن ما هو بين أيدينا قد رآه وسمعه بنفسه، لم يكتب شيئًا من عنده. وها هو يظهر لنا ضعفه، فإنه للمرة الثانية ينسى نفسه ويظن في الملاك المرافق له أنه المسيح وأراد أن يسجد له متعبدًا فرفض الملاك. وإن ما كتبه أيضًا بأمر الله إذ يقول:

"وقال لي لا تختم على أقوال نبوة هذا الكتاب لأن الوقت قريب" [10].

لعل الذي حدَّثه هو نفس الملاك، وربما يكون شخص ربنا يسوع الذي سيكمل الحديث كما سنرى. على أي حال صدر له أمر سماوي ألا يختم ولا يخفي بل يكتب وينشر، لأن الوقت قد اقترب لتحقيقها، فيلزم أن ينتفع بها كل مؤمن. ولكن الله لا يلزم أحدًا بالسلوك حسب وصاياه النبوة إذ يقول:

"من يظلم فليُظلم بعد. ومن هو نجس فليتنجس بعد. ومن هو بار فليتبرر بعد. ومن هو مقدس فليتقدس بعد" [11].

كأنه يخبرنا أن لكل إنسان أن يفعل ما يشاء بكامل حريته إلى أن يأتي يوم الرب العظيم. وكأنه يوبخنا قائلاً مع سليمان الحكيم: "افرح أيها الشاب في حداثتك، وليسرك قلبك في أيام شبابك، واسلك في طرق قلبك، وبمرأى عينيك، واعلم أن على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة" (جا 11: 9).

أو لعله يقصد ما قاله القديس مقاريوس الكبير أن ما يقتنيه الإنسان هنا يبقى معه إلى الأبد في صورة أتم وأكمل. فمن يزرع فسادًا يرتمي حيث يوجد رئيس الفساد، ومن يجاهد في البرّ يجد نصيبه في الرب برّنا، إذ يجد عندئذ لذة فيه. فما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد. وقد اقترب وقت الحصاد، إذ ينادي الرب قائلاً: "ها أنا آتي سريعًا، وأجرتي معي لأجازي كل واحد كما يكون عمله" [12].

ولئلا يضطرب المؤمنون خوفًا من الدينونة يقول:

"أنا الألف والياء، البداية والنهاية. الأول والآخر"[13]، أي محتضن الجميع ومهتم بالكل، إننا نجد فيه رجاءنا فلا نخاف.

"طوبى للذين يصنعون وصاياه"، فبالوصايا التي بين أيديهم يدخلون إلى الفرح الأبدي "لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة" [14]. أما منكرو الإيمان وصانعو الشر، فيقول عنهم: "لأن خارجًا الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان، وكل من يحب ويصنع كذبًا" [15].

مناجاة بين العروسين:

لما كان هذا السفر هو سفر العُرس السماوي، لهذا يتقدم العريس ويكشف لعروسه عن شخصه قائلاً:

"أنا يسوع"، أي أنا مخلصك وفاديك المهتم بك على الدوام، وها أنا "أرسلت ملاكي، لأشهد لكم بهذه الأمور عن الكنائس".

"أنا أصل وذرية داود". إنني خالقه وقد صرت من ذريته حتى أصير واحدًا منكم ليس غريبًا عنكم.

"كوكب الصبح المنير" [16] لا تخافي من ظلمة الخطية، ولا من ليل ملذات العالم وضيقاته، ولا من هواجس الفكر الخفية، فإنني أشرق عليك فأنيرك.

وإذ تسمع الكنيسة صوت عريسها خلال الروح القدس تناجيه: "والروح والعروس يقولان تعال". إننا خلال الكنيسة (العروس) نناجي المسيح، لأنه كما يقول القديس أغسطينوس والشهيد كبريانوس وغيرهما من الآباء إنه لا خلاص خارج الكنيسة.

"ومن يسمع فليقل تعال. ومن يعطش فليأتِ، ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجانًا" [17].

إن الشركة مع الرب:

1. تكون بالروح داخل الكنيسة.

2. لسماع صوت الرب فنشتهي مجيئه.

3. بالعطش إليه فنذهب أي نقترب إليه بالصلاة والسلوك في وصاياه.

4. من يرد فليأخذ، أي لتكن إرادته عاملة لا خاملة.

تحذير:

"لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحد يحذف من أقوال هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومن المكتوب في هذا الكتاب" [18-19].

وأخيرًا يختتم السفر المبهج بمناجاة عذبة فيها يشتاق السيد المسيح إلى المجيء إلى عروسه سريعًا، قائلاً "يقول الشاهد بهذا نعم. أنا آتي سريعًا".

وتترجاه العروس أيضًا أن يسرع في تحقيق وعده قائلة: "آمين تعال أيها الرب يسوع.

"نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم، آمين" [20-21].

1 و اراني نهرا صافيا من ماء حياة لامعا كبلور خارجا من عرش الله و الخروف
2 في وسط سوقها و على النهر من هنا و من هناك شجرة حياة تصنع اثنتي عشرة ثمرة و تعطي كل شهر ثمرها و ورق الشجرة لشفاء الامم
3 و لا تكون لعنة ما في ما بعد و عرش الله و الخروف يكون فيها و عبيده يخدمونه
4 و هم سينظرون وجهه و اسمه على جباههم
5 و لا يكون ليل هناك و لا يحتاجون الى سراج او نور شمس لان الرب الاله ينير عليهم و هم سيملكون الى ابد الابدين
6 ثم قال لي هذه الاقوال امينة و صادقة و الرب اله الانبياء القديسين ارسل ملاكه ليري عبيده ما ينبغي ان يكون سريعا
7 ها انا اتي سريعا طوبى لمن يحفظ اقوال نبوة هذا الكتاب
8 و انا يوحنا الذي كان ينظر و يسمع هذا و حين سمعت و نظرت خررت لاسجد امام رجلي الملاك الذي كان يريني هذا
9 فقال لي انظر لا تفعل لاني عبد معك و مع اخوتك الانبياء و الذين يحفظون اقوال هذا الكتاب اسجد لله
10 و قال لي لا تختم على اقوال نبوة هذا الكتاب لان الوقت قريب
11 من يظلم فليظلم بعد و من هو نجس فليتنجس بعد و من هو بار فليتبرر بعد و من هو مقدس فليتقدس بعد
12 و ها انا اتي سريعا و اجرتي معي لاجازي كل واحد كما يكون عمله
13 انا الالف و الياء البداية و النهاية الاول و الاخر
14 طوبى للذين يصنعون وصاياه لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة و يدخلوا من الابواب الى المدينة
15 لان خارجا الكلاب و السحرة و الزناة و القتلة و عبدة الاوثان و كل من يحب و يصنع كذبا
16 انا يسوع ارسلت ملاكي لاشهد لكم بهذه الامور عن الكنائس انا اصل و ذرية داود كوكب الصبح المنير
17 و الروح و العروس يقولان تعال و من يسمع فليقل تعال و من يعطش فليات و من يرد فلياخذ ماء حياة مجانا
18 لاني اشهد لكل من يسمع اقوال نبوة هذا الكتاب ان كان احد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب
19 و ان كان احد يحذف من اقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة و من المدينة المقدسة و من المكتوب في هذا الكتاب
20 يقول الشاهد بهذا نعم انا اتي سريعا امين تعال ايها الرب يسوع
21 نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم امين


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
+ عودة لتفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتى +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


5 هاتور 1736 ش
15 نوفمبر 2019 م

ظهور رأس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب مخلصنا الصالح
نقل جسد القديس الامير تادرس الي بلدة شطب
عيد جلوس قداسة البابا شنودة الثالث
بدأ تلقيب بطريرك الاسكندرية ببابا الاسكندرية من سنة 232م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك