تفسير سفر اللاويين اصحاح 16 جـ1 Print

يوم الكفارة العظيم

إذ رأينا أهمية هذا اليوم العظيم وغايته وارتباطه بعمل السيد المسيح الكفاري، نتأمل في طقوسة كما وردت في سفر اللاويين مع الإشارة إلى الطقس اليهودي كما جاء في التقليد.

1. الدخول إلى قدس الأقداس                   [1-3].

2. ثياب يوم الكفارة                                     [4].

3. ذبائح عن نفسه وعن الشعب               [5-11].

4. تقديم البخور                                    [12-13].

5. الدم وغطاء التابوت                                [14].

6. تقديم التيس الأول                           [15-19].

7. تقديم التيس الثاني                          [20-22].

8. تقديم المحرقات وذبيحة الخطية          [23-28].

9. الكفارة فريضة دهرية                         [29-34].

1. الدخول إلى قدس الأقداس:


إذ خرجت نار من عند الرب وأكلت إبني هرون ناداب وأبيهوا لأنهما قدما نارًا غريبة (لا 10) حدث رعب شديد عند هرون وإبنيه الآخرين، إذ خاف الكل من اللقاء مع الله، فجاءت شريعة يوم الكفارة العظيم تعلن عن الإستعدادات اللازمة لرئيس الكهنة ليدخل باسم الجماعة كلها إلى قدس الأقداس مرة واحدة، إذ قيل: "وقال الرب لموسى: كلم هرون أخاك أن لا يدخل كل وقت إلى القدس داخل الحجاب أمام الغطاء الذي على التابوت لئلا يموت، لأنيّ في السحاب أتراءى على الغطاء" [2].

لم يكن ممكنًا حتى لرئيس الكهنة أن يدخل قدس الأقداس ليقف أمام غطاء تابوت العهد حيث يتراءى الله هناك على الغطاء، بين الكاروبين، على "كرسي الرحمة"... إنما يدخل مرة واحدة فقط كل سنة بعد ممارسة طقس طويل ودقيق  واستعدادات ضخمة حتى لا يحسب مقتحمًا للموضع الإلهي ويموت. هذا العجز سره ليس إنحجاب الله عن شعبه أو كهنته، إنما هو ثمر طبيعي لفسادنا البشري الذي أعاقنا عن اللقاء مع القدوس. وكما يقول الرسول بولس: "معلنًا الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد" (عب 9: 8). كان الأمر يحتاج إلى تغيير جذري في طبيعتنا الفاسدة حتى تقدر خلال الدم الثمين أن تخترق الحجاب الذي إنشق بالصليب وتدخل إلى الأقداس الإلهية تنعم بمعاينة المجد الإلهي والإتحاد مع الله. هذا هو ما تحقق بالمسيح يسوع ربنا رئيس الكهنة الأعظم الذي دخل بنا إلى مقدسه السماوي، قدس الأقداس الحقيقي. فطقس يوم الكفارة بكل دقائقه هو ظل لعمل السيد المسيح الذي شق حجاب الهيكل ونزع العداوة بين السماء والأرض، وصالحنا مع أبيه القدوس.

كان الشعب كله يشتاق طول العام إلى هذه اللحظات التي يدخل فيها رئيس الكهنة إلى قدس الأقداس لمعاينة مجد الله فوق غطاء التابوت، وكأن الكل قد تمتع بما يناله رئيس الكهنة خلال هذه اللحظات. ونحن أيضًا إذ شق رئيس كهنتنا المصلوب حجاب الهيكل بالصليب وهب لنا فيه لا أن ندخل قدس أقداس في أورشليم الأرضية وإنما إلى السموات عينها لنتمتع بجسد الرب ودمه حياة أبدية.

لم يكن ممكنًا لرئيس الكهنة أن يدخل إلاَّ خلال الذبيحة، إذ قيل "بهذا يدخل هرون إلى القدس، بثور ابن بقر لذبيحة خطية وكبش محرقة" [3]، يلزمه أن يكفر عن نفسه كما عن الشعب. وقد التحمت هنا ذبيحة الخطية بكبش المحرقة، وكما سبق فرأينا في دراستنا لطقس تطهير ذي السيل أن ذبيحة الخطية تُشير إلى غفران خطايانا، وذبيحة المحرقة تُشير إلى تقديم حياتنا ذبيحة طاعة للرب، فيلتحم الجانب السلبي مع الجانب الإيجابي. ندخل إلى الأقداس خلال الصليب الذي ينتزع عنا خطايانا ويهبنا برّ المسيح وطاعته!

كان رئيس الكهنة ملتزمًا بشراء الثور والكبش من ماله الخاص... فما يقدمه للتكفير عن نفسه يقدمه من ماله، وما عن الكهنة من صندوق الكهنة، وأما ما عن الشعب فمن الصندوق العام للهيكل.

كان رئيس الكهنة محتاجًا إلى دم آخر يشفع فيه وفي إخوته الكهنة وبنيه حتى يقدر أن يدخل قدس الأقداس، أما ربنا يسوع المسيح فقدم دمه هو عنا إذ لم يكن محتاجًا إلى تكفير. يتحدث القديس أغسطينوس عن تقديم الكهنة الذبائح عن أنفسهم، قائلاً: [الذبائح تدين الكهنة، فإذا ما ادعى أحدهم أنه بار وبلا خطية تجيبه: إننيّ لا أتطلع إلى ما تقوله بل إلى ما تقدمه، فذبيحتك تحكم عليك. لماذا تقدم ذبيحة عن خطاياك لو كنت بل خطية؟! هل تكذب على الله بتقديمك ذبيحتك؟!... إننيّ يا أخوة كاهن الله، أنا خاطئ، أقرع معكم صدري، وأطلب معكم الصفح، أترجى معكم مراحم الله[213]].

2. ثياب يوم الكفارة:

إذ ينتهي رئيس الكهنة من الخدمة الصباحية الدائمة ليبدأ طقس يوم الكفارة يخلع ملابسه الذهبية التي للمجد ويرحض جسده ثم يرتدي ملابس كتانية خاصة بهذا اليوم تتكون من: قميص، سروال، منطقة، عمامة (خر 28: 40-42)، وهي ملابس كهنة عادية، ربما  لكي لا يتعالى أو يستكبر، أو ليشعر أن طقس هذا اليوم إنما لنزع خطاياه مع خطايا إخوته وبنيه من الكهنة والشعب.

رئيس كهنتنا ربنا يسوع لم يكن في حاجة إلى غسالات جسدية أو روحية، فهو القدوس الذي بلا خطية، الذي يقدسنا بدمه. إنه لا يلبس ثيابًا كتانية في ذلك اليوم بل سلم ثيابه يقتسمها الجند فيما بينهم ليُرفع على الصليب عريانًا، فيكسونا بثوب بره. يهبنا ذاته كثوب بر نرتديه، كقول الرسول: "لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غلا 3: 27).

سبق لنا الحديث عن الثياب الكهنوتية في دراستنا لسفر الخروج وأيضًا في تفسيرنا للأصحاح الثامن من هذا السفر، والآن نكتفي بتعليق العلامة أوريجانوس عن هذه الثياب التي يرتديها المؤمن بكونه كاهنًا عامًا (سبق لنا في أكثر من موضع التمييز بين الكهنوت العام الذي نناله في سرّ العماد حيث نحسب أعضاء في جسد ربنا يسوع لنا حق تقديم ذبائح الحمد والشكر... وبين الكهنوت الذي نناله لممارسة الأسرار الكنسية والعمل الرعوي).

يقول العلامة أوريجانوس: [إن دخلنا في كل ساعة إلى القدس بغير استعداد دون أن نرتدي الثياب الكهنوتية وإن نقدم الذبائح التي أُمرنا بها، من غير أن نجعل الله أولاً  في حياتنا نموت، لأننا لا نتمم ما يلزم عمله عند الإقتراب من مذبح الرب. فالشريعة الواردة هنا تخصنا جميعًا، إذ تقدم لنا الطريق الذي به نقترب من مذبح الرب.

يوجد مذبح عليه نقدم صلواتنا، يليق بنا أن نعرف كيف نقدمها. لنعرف أنه يجب أن تنزع "الثياب القذرة" (زك 3: 4)، أي دنس الجسد ورذيلة  السلوك وقذارة الشهوات...

إن كان لك كهنوت (عام) ملوكي، إذن "فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة تسبيح" (عب 13: 15)، ذبيحة الصلاة، ذبيحة الرحمة، ذبيحة الطهارة والبر والقداسة. ولكي تقدمها باستحقاق يلزمك أن ترتدي ثيابًا طاهرة مميزة عن ثياب بقية الناس، وأن تكون لك نار إلهية وليست نار غريبة عن الرب، بل تلك التي يهبها الرب للبشر كقول إبن الله: "جئت لألقي نارًا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟!" (لو 12: 49). من يستخدم نارًا غير هذه مضادة لها كتلك التي قيل عنها: "يغير شكله إلى شبه ملاك نور" ( 2 كو 11: 4)، يتعرض للسقوط تحت ذات العقوبة التي سقط تحتها ناداب وأبيهو (لا 10) [214]].

["يلبس قميص كتان مقدسًا" [4]. الكتان يأتي عن الأرض (كنبات مزروع)، فهو إذًا قميص مقدس لبسه المسيح الكاهن الحقيقي عندما حمل طبيعة الجسد الأرضي، إذ قيل عن الجسد: "أنت تراب وإلى تراب تعود" (تك 3: 19). لقد أراد الرب أن يقيم الجسد الذي صار ترابًا فأخذ الجسد الترابي لكي يرفعه عن الأرض ويحمله إلى السماء... بالحقيقة إن قميص جسد المسيح المقدس، لأنه لم يُحبل به من زرع بشر لكنه مولود بالروح القدس.

"وتكون سراويل كتان على جسده" [4]. عادة السراويل تغطي أجزاء الجسم التناسلية. لنتأمل في مخلصنا الذي أخذ جسدًا به تمم الأعمال البشرية من أكل وشرب وما شبه ذلك لكنه لم يتزوج... وأيضًا يليق بكل إنسان يحيا زاهدًا أن يلبس سروال كتان مقدسًا تحيط بأعضائه التي بلا كرامة لتعطيها كرامة أعظم...

"يتمنطق بمنطقة كتان" [4]. وقد سبق فأظهرنا أن يوحنا المعمدان وإيليا كان لهما منطقة من جلد حول متنيهما... تُشير إلى إماتة هذا الجزء، أي إلى العفة والطهارة...

"ويتعمم بعمامة كتان" [4]. ما نسميه عمامة هو زينة توضع على الرأس، يستخدمها الكاهن عند تقديم التقدمات... هكذا ليُزين كل منا رأسه بزينة كهنوتية. فإن كان المسيح هو رأس الرجل (1 كو 11: 3) يليق بنا أن نسلك بطريقة بها ننعم بمجد المسيح[215]].



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +