إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أتحب نفسك ؟ حسناً تفعل بهذه المحبة قومها لترجع كما كانت صورة الله وأحترس من أن تحب نفسك محبة خاطئة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر اللاويين اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

شريعة تطهير الأبرص

إن كان البرص يُشير إلى النجاسة والخطية،  فقد جاءت شريعة التطهير تدقق في فحص الأبرص أو من كان مشتبهًا في أمره، ولم يكن للكاهن أن يصدر حكمه بعجلة حتى لا يُضار أحد. والآن إن كان أحد قد برئ من البرص فالأمر يحتاج إلى طقس طويل وإجراءات طويلة ومشددة حتى يتحقق الكاهن من تطهيره، ويقدر أن يدخل به إلى الجماعة المقدسة من جديد. فالخطية مهما بدت صغيرة لكنها تُحرم الإنسان من عضويته في الجماعة المقدسة، وعودته تستلزم تكلفة هذه مقدارها، قدمها الإبن الوحيد لأبيه على الصليب. وكما يقول الشهيد يوستين: [ليفهم البرص كرمز للخطية، والأشياء التي ذبحت كرمز لذاك الذي ذبح لإجلنا[180]].

1. طقس التطهير في اليوم الأول               [1-8].

2. طقس التطهير في اليوم السابع             [9].

3. طقس التطهير في اليوم الثامن              [10-20].

4. طقس التطهير للفقراء                      [31-32].

5. برص المنازل                              [33-56].

1. طقس التطهير في اليوم الأول:


يمكننا إيجاز التطهير الذي يتم في اليوم الأول هكذا:

أولاً: يؤتى به إلى الكاهن:

لم يقل "يأتي إلى الكاهن" إنما "يؤتى به إلى لكاهن"، فالأبرص الذي تطهر لا يقدر أن يأتي إلى الكاهن مباشرة في الوقت الذي يريده، إنما يقوم أحد أقربائه أو معارفه بإبلاغ الكاهن بأمره... ولعل هذا يُشير إلى دور الكنيسة في الدخول بكل نفس إلى الكاهن الأعظم ربنا يسوع المسيح. فإن كانت علاقتنا مع الآب في إبنه الذي يرفعنا إلى حضن الآب ويمتعنا بشركة أمجاده الأبدية، فإن هذا الإبن الوحيد الجنس هو مسيح الكنيسة ورأسها وعريسها. نعرفه في علاقة شخصية داخلية وعميقة، خلال إدراكنا لعضويتنا في الكنيسة جسده المقدس. لا نستطيع أن نتعرف على المسيح كأفراد منعزلين عن الجماعة المقدسة، إنما كأعضاء في هذه الجماعة نتفاعل معها حتى ونحن في مخدعنا الخفي، وتعمل الجماعة فينا وتقدمنا لعريسها مخلص العالم.

الأبرص الذي يتمتع بطقس التطهير عندما يؤتى به إلى الكاهن إنما هو المفلوج الذي حملته الكنيسة متمثلة في الأربعة رجال إلى السيد المسيح، يحمله الأسقف كما الكاهن والشماس والشعب ليقدمه الكل إلى المخلص، فنسمع الإنجيلي يقول: "فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج: ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك" (مت 9: 2). إنه ينعم بمغفرة الخطايا والحّل من رباطات الفالج أو التطهير من البرص كعطية شخصية يقدمها له ذاك الذي يحبه، خلال كنيسته التي تحمله بصلواتها وتقدمه له بالحب. لذلك يقول القديس الشهيد كبريانوس: [من يبقى خارج الكنيسة فهو خارج معسكر المسيح[181]]. ومن كلماته أيضًا: [من ليس له كنيسة أمًا لا يقدر أن يكون له الله أبًا[182]].

ثانيًا: خروج الكاهن إليه:

إن كانت الكنيسة تحمل بالحب والإيمان الأبرص إلى كاهنها السماوي لتطهيره من خطاياه، فإنها لا تقدر أن تدخل بالأبرص إلى المحلة بل يخرج إليه الكاهن ليحمله معه إلى داخل المحلة. بمعنى آخر إن كنا بالحب نشتهي دخول كل نفس إلى العضوية الكنسية الروحية أو إلى الحياة الجديدة التي صارت لنا في الرب على مستوى سماوي، فإن هذا العمل في الحقيقة هو من صميم عمل ربنا يسوع نفسه الذي ينطلق إلى النفس ليقيمها من موتها خلال مياه المعمودية بروحه القدوس عضوًا مقدسًا في جسده. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [إذ لا يستطيع الأبرص أن يدخل المحلة يخرج إليه ذاك الذي يقدر أن يخرج خارج المحلة، معلنًا: "خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم" (يو 16: 18)[183]].

أقول بصدق ما أحوج كل كاهن أن يختفي في الكاهن الأعظم السماوي ربنا يسوع، لكي فيما هو يقدم النفس له، ينطلق ربنا نفسه إلى أعماق قلب هذه النفس، يخرج إليها لكي يدخل بها إلى قيامته ويمتعها بحياته ويهبها أمجاده. لنختفي نحن كبشريين في ذاك الذي يقدر وحده أن يجتذب بروحه القدوس النفس ويغسلها ويقدسها لنفسه!

ثالثًا: العصفوران (الطائران):

"يأمر الكاهن أن يؤخذ للمتطهر عصفوران (طائران) حيان طاهران وخشب أرز وقرمز وزوفا" [4].

عند إعلان تطهير أبرص يقدم عنه عصفوران أو طائران حيان طاهران، وقطعة من خشب الأرز طولها حوالي قدم ونصف تقريبًا متوسطة السمك، وقطعة نسيج من الصوف المصبوغ باللون القرمزي مع باقة من نبات الزوفا. لعل العصفورين هنا يقومان بنفس الدور الذي كان يقوم به التيسان في طقس يوم الكفارة العظيم (لا 16) حيث يذبح الواحد ويطلق الآخر حيًا في البرية إشارة إلى السيد المسيح الذي من جانب ذبح على الصليب عن خطايانا ومن الجانب الآخر قد انطلق إلى برية حياتنا قائمًا من الأموات ليُقيمنا معه ويدخل بنا إلى أحضان أبيه السماوي. هكذا في تطهير الأبرص يُذبح عصفور في إناء خزفي على ماء حيّ [5] إشارة إلى ذبح السيد المسيح الذي حمل ناسوتنا كإناء خزفي، مقدمًا لنا فيه دمه الثمين والماء اللذين فاضا من جنبه لتطهيرنا. أما العصفور الآخر الحّي الذي يُغمس في دم العصفور المذبوح [6] ويطلق حيًا على وجه الصحراء [7] فيُشير إلى السيد المسيح القائم من الأموات حاملاً لنا دمه المقدس للتكفير عنا.      

يتحدث الشهيد يوستين عن هذين العصفورين، قائلاً: [شُبه بطير إذ يُفهم أنه من فوق من السماء. يُغمس الطير الحّي في دم الميت ويُطلق، لأن كلمة الله الحيّ قد صلب ومات في هيكل (الجسد) كمن يتألم وإن كان الله لا يتألم[184]].

رابعًا: خشب الأرز:

إن كان برص الخطية يفسد الإنسان ويحطم حياته تمامًا، فإن تقديم خشب الأرز الذي لا يسوس يُشير إلى اتحادنا بخشبة الصليب التي تنزع عنا فسادنا أبديًا فلا يصيبنا شر، بل نصير في عيني الله كشجرة مغرسة على مجاري مياه الروح القدس التي ورقها لا ينتثر. يقول العلامة أوريجانوس: [بدون خشبة الصليب يستحيل أن نطهر من برص الخطية، فإننا نلجأ إلى خشبة المخلص التي يقول عنها الرسول: "إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه" (كو 2: 15)[185]]. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الصليب جدد العالم وهداه، وطرد الضلال وأعاد الحق، جعل الأرض سماءً والبشر ملائكة. به لم تعد الشياطين مرعبة، بل تافهة ومزدري بها. به لم يعد الموت موتًا بل رقادًا، فقد انطرح الذي يحاربنا تحت أقدامنا[186]].

خامسًا: القرمز والزوفا:

يقول العلامة أوريجانوس: [القرمز هو صورة الدم المقدس الذي  تفجّر من جنبه بطعنة الحربة (يو 19: 34)... وهو المعين في الخلاص كما جاء في الكتب الإلهية عندما ولدت ثامار "وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدًا فأخذت القابلة وربطت على يده قرمزًا، قائلة: هذا خرج أولاً" (تك 38: 28). وأيضًا حينما استقبلت راحاب الزانية الجاسوسين وأخذت منهما الوعد بالخلاص، قالا: أربطي هذا الحبل من خيوط القرمز في الكوة التي أنزلتنا منها" (يش 2: 18) [187]].

وللعلامة أوريجانوس تفسير آخر للقرمز، فبجانب لونه القرمزي الذي يُشير إلى الدم، فإنه يستخدم في صبغ الأنسجة ليغير لونها إلى لون آخر، فيحمل النسيج لونًا جديدًا بخلاف لونه الأصلي، هذا يُشير إلى النار التي تحمل سمتين كما لو كانت لونين: فمن ناحية تعطي نورًا ومن جانب آخر تحرق. هكذا السيد المسيح ليلقي نارًا على الأرض (لو 12: 49)، بهذه النار يُنير لكل إنسان آتيًا إلى العالم (يو 1: 9) ويلهب قلوبنا كمن تحترق عندما يفتح أمامنا الكتب، إذ هي نار الإستنارة والإلتهاب الداخلي[188].

وقد سبق لنا الحديث عن القرمز والزوفا في أكثر من موضع[189]. نذكر هنا ما قاله القديس يوحنا الذهبي الفم عن غسلنا ورشنا بالقرمز والزوفا الروحيين لا الماديين: [هؤلاء لم يرشوا بصوف قرمزي ولا بزوفا، لماذا؟ لأن الغسل هنا ليس غسلاً جسديًا، بل هو غسل روحي، وكان الدم روحيًا، كيف؟ إنه لم يفض عن جسد حيوانات غير عاقلة بل عن جسد أعده الروح (القدس). بهذا الدم لم يرشنا موسى بل المسيح خلال الكلمة التي قيلت: هذا هو دم العهد الجديد لمغفرة الخطايا. هذه الكلمة هي عوض الزوفا قد غمست في الدم ورشتنا جميعًا. هناك كان غسل الجسد خارجيًا لأن التطهير كان جسديًا، أما هنا فالتطهير روحي يدخل إلى النفس ويغسلها... هناك كان الرش يتم عند السطح فقط، والذي يُرش يُغسل من آثار الدم... أما بالنسبة للنفس فالأمر غير ذلك إذ يمتزج الدم بكيانها ليجعلها نشيطة ونقية، يقودها إلى ذات الجمال غير المقترب إليه[190]].

يقدم لنا القديس أغسطينوس تعليقًا على الزوفا، إذ يقول: [الزوفا كما نعرفه هو عشب متواضع لكنه يستخدم للشفاء. يقال أن جذره يمسك بالصخر، لهذا فهو يرمز لتنقية القلب. لتمسك بجذرمحبتك في صخرتك (السيد المسيح)، وكن متضعًا كإلهك فتتمجد في إلهك الممجد. يُنضح عليك بالزوفا حين يغسلك إتضاع المسيح. أيضًا لا تحتقر هذا العشب بل أذكر أثره الطبي... فقد اعتدنا أن نسمع من الأطباء أن الزوفا يستخدم في علاج المرضى، لتنقية الرئتين. فإن كان انتفاخ الرئة يحمل كبرياءً إذ ينفث الإنسان بكبرياء كما قيل عن شاول المضطهد أنه كان متكبرًا، إذ كان ذاهبًا ليقيد المسيحين وينفث تهددًا (أع 9: 1). كان ينفث قتلاً، أي ينفث دمًا إذ كان رئتاه غير نقيتين[191]].

ليتنا إذن يكون لنا جذور الزوفا التي تتعلق بالصخرة فلا يغلبنا العدو بالرغم من ضعفنا كعشب فقير متواضع، ولنغتسل بالزوفا ونستخدمه لتنقية صدورنا من كل كبرياء وتشامخ، حاملين فينا إتضاع ربنا يسوع، لكي نتمجد أيضًا معه.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 14 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 


11 هاتور 1736 ش
21 نوفمبر 2019 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك