إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بغض النظر إن كانت الخطية ضد الناس أو ضد نفسك فهى خصومة مع الله وإنفصال عنه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر اللاويين اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email

2. شريعة المحرقة :

في الأصحاحات السابقة كانت كلمات الرب لموسى: "كلم بني إسرائيل وقل لهم" (1: 2، 4: 1)، أما هنا فيقول: "أوصِ هرون وبنيه قائلاً" [8، 24]. هذا ما دفع بعض الدارسين إلى الإعتقاد بأن هذا الجزء وما يليه في الأصحاحين 6، 7 موجه للكهنة لا للشعب.

الآن إذ يقدم للكهنة شريعة ذبيحة المحرقة أبرز لهم بعض النقاط الهامة، وهي:

أولاً: توضع المحرقة المسائية  حوالي الساعة السادسة مساءً لكي تظل على نار المذبح حتى الصباح، حيث كان يلزم أن تبقى النار مشتعلة بغير إنقطاع، إذ يقول: "المحرقة تكون على الموقدة (موضع إيقاد النار) فوق المذبح كل الليالي حتى الصباح، ونار المذبح تتقد عليه" [9]. ما هذه المحرقة التي توضع على الموقد الناري الذي للمذبح طول الليل حتى الصباح إلاَّ حياتنا التي نقدمها بنار الروح القدس محرقة حب لله طول ليل هذا العالم دون أن يفتر قلوبنا أو تتراخى روحنا إلى أن يشرق صباح الأبدية التي بلا ظلمة ونلتقي مع شمس البر وجهًا لوجه؟!

يحدثنا العلامة أوريجانوس عن هذه الذبيحة التي نقدمها على النار بلا انقطاع بكوننا كهنة الله - بالمفهوم الروحي العام الذي نناله خلال سر المعمودية - فيقول: [يجب أن تكون لك نار على المذبح بلا توقف. إن أردت أن تكون كاهنًا للرب كما هو مكتوب: "أما أنتم (كلكم) فتدعون كهنة الرب" (إش 61: 6)، وأيضًا كتب عنكم أنكم: "جنس مختار كهنوت ملوكي أمة مقدسة" (1 بط 2: 9)، وإن أردت أن تمارس كهنوتك فلا تبتعد قط عن نار مذبحك. هذه هي وصية الرب في الإنجيل: "لتكن أحقاؤكم ممنطقة ومصابيحكم موقدة" (لو 12: 35). لتكن نار الإيمان وسراج علمك مضيئًا على الدوام بلا توقف[94]].

ثانيًا: في الصباح عند رفع الرماد المتخلف عن الذبائح يلتزم الكاهن بلبس  الثياب الكهنوتية المقدسة من قميص ومنطقة وسروال وقلنسوة (خر 28: 40-42) حتى يدرك الكهنة قدسية هذا العمل. بحسب المظهر هو رفع رماد يتطلب لبس ثياب قديمة، لكن في الفهم الروحي ليس مجرد رفع رماد متخلف إنما هو ممارسة جزء لا يتجزأ من عمل قدسي يمس تقديس الإنسان خلال مصالحته مع الله القدوس.

إن كانت الذبائح الحيوانية يتخلف عنها رماد يحمله الكهنة إلى جانب المذبح بقدسية ومهابة ثم ينقلونه بأنفسهم إلى الخارج، فإن ذبيحة السيد المسيح لم يمسها فساد بل قام السيد من الأموات واهبًا إيانا جسده سرّ حياة، يحملنا من رمادنا إلى الأبدية. السيد المسيح نفسه هو الذبيحة واهبة الحياة لنا نحن التراب والرماد!

ثالثًا: إذ يلتزم الكهنة بحمل الرماد إلى خارج المحلة يخلعون ثياب الخدمة ويلبسون ثيابًا أخرى حتى لا يخرجون بثياب الخدمة إلى الخارج. وكانوا يلقون الرماد في مكان مقدس دعى "مرمى الرماد" (4: 12)، محاط بسور حتى لا يأخذ أحد من الرماد الذي فيه، ولكي لا تذريه الرياح... يا للعجب، حتى آثار الرماد مقدس لا يُمس! إنها صورة لتقديس كل ما يمس الذبيحة الحقيقية كقبر السيد المسيح الذي فيه اضطجع واهب الحياة والذي قيل عنه: "ويكون محله (قبره) مجدًا" (إش 11: 1).

حينما نحمل الذبيحة فينا نصير نحن التراب مقدسين... تتقدس نفوسنا وأرواحنا وأيضًا أجسادنا الترابية! نصير أشبه بقبر السيد المسيح الذي تبارك بحلوله فينا!

رابعًا: يلتزم الكهنة ببقاء نار المذبح متقدة نهارًا وليلاً: "نار دائمة تتقد على المذبح لا تُطفأ" [13]. هذه النار التي جاءت من لدن الله بعد مسح هرون وبنيه (9: 24) إحتفظ بها اليهود بإيقاد الحطب والذبائح عليها، وكانوا يضعونها في ثلاثة مواضع على مذبح المحرقة... ويروي سفر المكابيين الثاني أن اليهود لما سبوا إلى بابل خبأوا النار المقدسة في بئر ليس بها ماء، ولما أرسل ملك فارس نحميا وأصحابه إلى أورشليم أرادوا أن يخرجوا النار من البئر فلم يجدوها بل وجدوا فيها ماءً، فوضعوا الوقود على المذبح ووضعوا عليه الذبائح ثم صبوا ماءً من البئر، ولما ظهرت الشمس محتجبة بالغيم إتقدت نار عظيمة على المذبح، فمجد الجميع الله. ولما علم ملك فارس بذلك تعجب وأمر بأن يُسيج حول البئر واعتبره موضعًا مقدسًا (2 مك 1: 19-36).

3.شريعة القربان:

في الأصحاح الثاني وجه الله حديثه لكل بني إسرائيل خلال موسى بخصوص تقدمة القربان، التي تحدثنا عنها في شيء من التفصيل، أما هنا فيركز على دور الكاهن من جوانب متعددة.

أولاً: يأخذ بقبضته بعض دقيق التقدمة وزيتها وكل اللبان الذي على التقدمة ويوقد على المذبح رائحة سرور تذكارها للرب [15] في دراستنا السابقة لبعض أسفار العهد القديم رأينا أن الذراع واليد يُشيران إلى كلمة الله المتجسد الذي جاء يتمم الخلاص عمليًا كما بيده[95] بينما أصبع الله يُشير إلى روحه القدوس. لعل يد الكاهن وهي تقبض بالدقيق والزيت تُشير إلى السيد المسيح الذي أمسك بطبيعتنا كما بقبضته لنصير فيه تقدمة حب لله، وكما قلنا أن الزيت يُشير إلى الروح القدس الذي به تحقق تجسد الكلمة في الأحشاء البتولي، وهو الروح الذي وهبه إيانا لأجل تقديسنا فنحسب بحق تقدمة سرور لله.

ثانيًا: ما يتبقى من دقيق وزيت يأكله فطيرًا الكهنة في دار خيمة الإجتماع دون إستخدام الخمير... يأكله الذكور دون النساء والأطفال، إذ يُشير إلى تمتعنا بالإتحاد مع السيد المسيح خلال جسده المبذول، فلا ينعم به المدللون (النساء) ولا غير الناضجين روحيًا (الأطفال)، إنما يتمتع به الروحيون السالكون كرجال الله في نضوج وجدية.

أما قوله: "إنها قدس أقداس... كل من مسها يتقدس" [17-18]. فيُشير إلى قدسية هذه التقدمة، فلا يأكلها غير الكهنة، يأكلونها داخل دار الخيمة وهم مستعدون روحيًا وجسديًا... ولعله يقصد أن كل من يمسها يصير قدسًا للرب يتكرّس لخدمته الإلهية.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه العبارة: [المسيح الذبيح (1 كو 5: 7) هو الذبيحة الوحيدة الكاملة التي قدمت كل هذه الذبائح كصورة لها، فمن يلمس جسد المسيح يتقدس إن كان دنسًا، يُشفى من آلامه، وذلك كنازفة الدم التي أدركت أن المسيح هو جسد الذبائح، إنه الجسد المقدس لذلك إقتربت إليه ولمسته[96]].

لقد أدركت الكنيسة فاعلية هذه الذبيحة وقدسيتها، لذلك دعى القديس يوحنا ذهبي الفم سرّ الأفخارستيا: [سرًا إلهيًا[97]]، [مائدة إلهية مهوبة[98]]، [سرًا مخوفًا[99]]، [غير منطوق به[100]]، [ذبيحة مقدسة مرهبة[101]].

أما عن تناوله داخل الدار فيُشير إلى تمتعنا بالحياة السماوية خلال هذه الذبيحة. وقد عبرّ القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذا بقوة بقوله: [كإن الإنسان قد أُخذ إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، ويطير مع السيرافيم ويتغنى بالتسبحة المقدسة].

والعجيب أن الكاهن وهو يتمتع بنصيب من هذه التقدمة، من دقيقها وزيتها، إذا به يلتزم من جانبه أن يقدم هو أيضًا تقدمة للرب صباحية وتقدمة مسائية. يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس ومعظم علماء اليهود أن رئيس الكهنة كان يقدم هذه التقدمة يوميًا بالنسبة لخطورة مركزه أما الكاهن العادي فكان يقدمها مرة واحدة يوم مستحه فقط[102].

ولعل الحكمة من تقديم الكهنة للتقدمة أن يدركوا رسالتهم أنهم وإن كانوا باسم الرب يتمتعون بأنصبة كثيرة من الشعب لكنهم كجزء لا يتجزأ من الشعب هم أيضًا ملزمون بتقديم تقدمات. ومن جانب آخر الكاهن وهو يأخذ ينبغي أن يعطي... يعطي قلبه لله ولأولاده الروحيين كما يعطي أيضًا جهده وما تملكه يداه، وكما قال الرسول بولس عن نفسه أنه ينفق ويُنفق.

ما هي التقدمة الصباحية التي يلتزم بها الكاهن إلاَّ تقديم ناموس الرب الذي تسلمته كنيسة العهد القديم كما في الصباح عند بدء الحياة الروحية، يقدمه كما على نار الروح القدس الذي ينزع الحرف ويفيح رائحة الروح الذكية. أما تقدمة المساء فهي تقدمة الإنجيل بالسيد المسيح الذي قدم حياته فدية عن البشرية في ملء الزمان، كما في مساء حياتنا على الأرض. هكذا على ذات المذبح نتقبل الناموس روحيًا ملتحمًا بالكرازة بالإنجيل.

وقد أكدت الشريعة أن توقد تقدمة الكاهن أو تحرق بكمالها ولا توكل [23]... إذ يليق به أن يعطي كل حياته محرقة الرب، حتى إن قدم كل حياته للآخرين فهو يقدمها للرب وحده!

4. شريعة ذبيحة الخطية:

أبرز ما في شريعة ذبيحة الخطية نقطتين أساسين:

أولاً:
تحسب أنصبة الكهنة منها "قدس أقداس" يأكلها الكهنة في دار الخيمة، من يمس لحمها يتقدس، بمعنى أنه لا يجوز أن يأكل منها إلاَّ من كان مستعدًا، ومن جانب آخر أن من يمسها يُحسب في ملكية الرب نفسه.

ثانيًا: أهم ما أبرز في شريعة هذه الذبيحة هو قدسية الدم، فإن انتثر من دمها على ثوب يُغسل ما انتثر عليه في مكان مقدس، وإناء الخزف الذي تطبخ فيه يُكسر، وإن كان نحاسيًا فيُجلي جيدًا بماء مقدس ويُشطف لأن النحاس لا يمتص شيئًا من الذبيحة.

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن فاعلية دم السيد المسيح الذبيح، قائلاً: [هذا الدم يجعل صورة ملكنا واضحة فينا، ويجلب علينا جمالاً لا ينطق به، ولا يسمح بانتزاع سمونا، بل يرويه دائمًا وينعشه...

هذا الدم متى أخذناه بحق يطرد الشياطين، ويبعدهم عنا، بينما يدعو إلينا الملائكة. فإذ يظهر دم الرب تهرب الشياطين وتجتمع الملائكة. هذا الدم المسفوك يطهر كل العالم... هذا الدم يطهر الموضع السري وقدس الأقداس... هذا الدم يقدس المذبح الذهبي... هذا الدم يقدس الكهنة... هذا الدم هو خلاص نفوسنا... تغتسل النفس وتتجمل وتلتهب. به يلتهب فهمنا كالنار، وتتلألأ النفس أكثر من الذهب[103]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 


11 هاتور 1736 ش
21 نوفمبر 2019 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك