إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

توجد صلاة بلا ألفاظ بلا كلمات خفق القلب صلاة دمعة العين صلاة الإحساس بوجود الله صلاة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر اللاويين اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

2. ذبيحة الخطية والإعتراف:

"فإن كان يذنب في شيء من هذه يقر بما قد أخطأ به، ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته التي أخطأ لها أنثى من الأغنام نعجة أو عنزًا من المعز ذبيحة خطية، فيكفر عنه الكاهن من خطيته" [5-6].

إذ يكتشف الإنسان خطأه حتى وإن كان قد إرتكبه عن جهل أو سهو يليق به أن يقدم توبة داخلية معلنًا شوقه للحياة المقدسة في الرب التي بلا عيب. هذه التوبة الداخلية تقترن بأمرين: الإعتراف أو الإقرار بما قد أخطأ به [5]، وتقديم ذبيحة خطية [6]، وهكذا يلتحم إعترافنا بخطايانا بتمسكنا بالدم الثمين غافر الخطية.

مارس اليهود الإعتراف بالخطايا أمام رجال الله وكهنته، كما طلب يشوع بن نون من عاخان (يش 7: 19)، وكما فعل شاول الملك أمام صموئيل النبي (1 صم 15: 24-25)، وداود النبي أمام ناثان النبي (2 صم 12: 13-14). وجاء اليهود إلى يوحنا المعمدان يعترفون بخطاياهم (مر 1: 5). وفي العهد الجديد أعطى الرب سلطان الحِل لتلاميذه (مت 16: 19، 18: 17-18، يو 20: 20-23). وفي خدمة الرسل قيل: "وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم" (أع 19: 18).

يعلل العلامة أوريجانوس ضرورة الإعتراف بأن عدو الخير إبليس يحرضنا على الخطأ وإذ نسقط فيه يسرع ويتهمنا، فإن أسرعنا نحن واتهمنا أنفسنا نبطل حيله. في هذا يقول: [يلزمنا أن نعترف بكل ما نفعله ونجهر به في الجماعة، نعلن ما فعلناه في الظلمة (يو 7: 4) لا بالكلام فحسب بل وما في خبايا الفكر... فإن الذي يحرضنا على الخطية هو نفسه يتهمنا. لذلك إن بادرنا في هذه الحياة ووبخنا أنفسنا نتجنب خبث إبليس عدونا ومتهمنا. وكما يقول النبي في موضع آخر: "حدِّث أولاً لكي تتبرر" (إش 43: 6) [الترجمة السبعينية]. يود أن يوضح لك إنه يجب عليك أن تسبق ذاك المستعد لإتهامك. حدِّث أنت أولاً قبل أن يسبقك، فإن تحدثت أنت أولاً مقدمًا ذبيحة التوبة تكون كمن سلم جسده للهلاك "لكي تخلص الروح في يوم الرب" (1 كو 5: 5)، فيقال لك: إنك إستوفيت بلاياك في حياتك ولآن تتعزى (لو 16: 25). بجانب هذا يعلن داود في المزامير بالوحي: "أعترف لك بخطيتي ولا أكتم إثمي، قلت أعترف للرب بذنبي وأنت رفعت آثام خطيتي" (مز 32: 5). ها أنت ترى الإعتراف بالخطية يعني الإستحقاق للغفران والمبادرة بالإدانة فلا يقدر إبليس أن يديننا. إن حكمنا على أنفسنا فهذا يفيد خلاصنا، أما إن انتظرنا ليتهمنا إبليس فتتحول الإدانة إلى عقوبة[80]].

إذ تحدث القديس أمبرسيوس عن التوبة ربطها بالإعتراف، قائلاً: [إنك تمتنع عن ممارسة هذا في الكنيسة التي تتوسل عنك لدى الله فتربح لنفسك عون الجماعة المقدسة. إنه لا مجال للخجل. إنك لا تعترف مع أننا جميعًا خطاة. بالحقيقة يُمدح بالأكثر من كان أكثر اتضاعًا، ويُحسب بالأكثر بارًا من شعر أنه الأقل[81]]. ويقول الأب دورثيئوس: [يقدر الشيطان على اصطياد الرجل الذي يثق في فكره الخاص، ويطمئن إلى إرادته الذاتية وحدها، لكنه لا يقدر على رجل يعمل كل شيء بمشورة[82]]. كما يقول القديس الأنبا أنطونيوس: [رأيت رهبانًا كثيرين، بعد أن تعبوا كثيرًا، وقعوا في دهشة عقل، لأنهم إتكلوا على معرفتهم فقط، إذ لم يصغوا إلى الوصية القائلة: إسأل أباك فيخبرك، ومشائخك فيقولون لك[83]].

3. ذبيحة الخطية لغير القادرين:

لما كانت ذبيحة الخطية إلزامية، لذا حرصت الشريعة أن يقدمها الغني كما الفقير، كل حسب إمكانياته، فقيمة الذبيحة لا في ثمنها المادي ولا في التقدمة في ذاتها وإنما فيما تحمله من رمز لذبيحة السيد المسيح المجانية، التي قدمت عن الجميع بلا تمييز.

إن كان الإنسان غير قادر على تقديم أنثى ضأن أو أنثى معز يقدم يمامتين أو فرخي حمام، وقد سبق لنا الحديث عن اليمام والحمام في ذبيحة المحرقة (1: 14-17)، بكون اليمام يُشير إلى الحياة الطاهرة والحمام إلى الحياة البسيطة. أما اختيار طيرين فلأنه يصعب إنتزاع الشحم من الطير لتقديمه على المذبح ونوال الكهنة نصيبهم من اللحم، لذا تحسب إحداهما عوض الشحم، تقدم على المذبح وتقدم الأخرى للكهنة كنصيب لهم عوض اللحم. وقد حرصت الشريعة أن يتسلم الكهنة نصيبهم من الفقير ولو كان يمامة مذبوحة ليست بذي قيمة مادية، لا ليتمتع بها الكهنة وإنما ليشعروا أنهم كهنة وخدام للأغنياء كما لفقراء بلا تمييز فلا يسلكون بمحاباة، ومن جانب آخر لا يشعر الفقير بحرج في تعامله مع الكهنة... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فحتى وإن قدمت له الكنيسة كل احتياجاته الروحية والمادية يلزم على الفقير أن يقدم القليل حتى مما أخذه من الكنيسة علامة شركته الروحية والمادية.

ليتنا لا نحتقر فلسي الأرملة ويمامتي الفقير، فإن الله ينظر إلى القلب لا إلى العطية. ليتنا إن كنا فقراء لا نخجل من تقديم القليل فإن يدّ الله تمتد لتأخذ من الفقير عطية محبته.

ويلاحظ أن الطير الذي يحرق كذبيحة خطية يدعى "محرقة" ليس لأنه ذبيحة محرقة، وإنما لأنه يحرق بكامله دون أن ينزع منه شحم أو لحم.

يظهر حنو الله الشديد نحو الإنسان حتى لا يحرمه من تقديم ذبيحة خطية، إذ سمح للفقير العاجز عن تقديم يمامتين أو فرخي حمام أن يقدم عشر الإيفة من الدقيق قربان خطية. ولكي يميز بينه وبين تقدمة القربان (أصحاح 2) ألزم ألا يوضع عليه زيت ولا يُجعل عليه لبان، إذ لا تقدم هذه التقدمة إكرامًا للرب كتقدمة قربان بل تكفيرًا عن خطية. لكن يسأل البعض: كيف يُقدم الدقيق ذبيحة خطية مع أنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 22)؟ يُجاب على ذلك أن الكاهن يقبض منه قبضته ويوقده على المذبح على وقائد الرب، فيختلط الدقيق بدماء الذبائح الأخرى المقدمة على المذبح. لهذا يرى البعض في هذه التقدمة إشارة إلى ذبيحة الأفخارستيا التي وإن لم تحمل دمًا ظاهرًا ماديًا ملموسًا لكن الخبز والخمر يتحولان حقًا إلى جسد الرب ودمه المبذولين على الصليب كفارة عن خطايانا.

4. النوع الأول من ذبيحة الإثم:

قلنا أن البعض يميز بين ذبيحتي الخطية والإثم بأن الأولى تقدم عن مقدمها ككل، أما الثانية فعن خطية معينة، والبعض يميز بينهما بأن الأولى تقدم عن الخطايا التي لا تسبب ضررًا ماديًا معينًا، أما الثانية فتقدم عن خطايا تصيب ضررًا لحق بالهيكل أو بالناس، لذلك يقسم الوحي ذبائح الإثم إلى نوعين:

أ. ذبائح تقدم عن خطايا تضر المقدسات الإلهية.

ب. ذبائح تقدم عن خطايا تضر إخوته.

في هذا الأصحاح يتحدث عن النوع الأول، قائلاً: "إذا خان أحد خيانة وأخطأ سهوًا في أقداس الرب، يأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه كبشًا صحيحًا من الغنم بتقويمك من شواقل فضة على شاقل القدس ذبيحة إثم، ويعوض عما أخطأ به من القدس ويزيد عليه خمسة يدفعه إلى الكاهن" [15-16].

يُقصد بالخطأ السهو ضد المقدسات الإهمال في تقديم الإلتزامات نحو الهيكل مثل البكور من الحيوانات الطاهرة وفداء البكور من الإنسان وأوائل الثمار والعشور... إلخ. وكما قيل في سفر ملاخي: "أيسلب الإنسان الله؟‍ فإنكم سلبتموني. فقلتم بمَ سلبناك؟ في العشور والتقدمة" (ملا 3: 8). ويقصد بالسهو النسيان أو عدم فهم الشريعة.

هنا يلتزم الإنسان بتقديم ذبيحة خطية، إذ لا غفران للخطية حتى وإن كانت بسبب النسيان أو عدم معرفة الشريعة إلاَّ بالدم المقدس الذي يطهر من كل خطية. هذا التكفير لا يعني تجاهل إصلاح الخطأ المادي الذي أصاب الغير حتى وإن كان المضرور الهيكل إن صح هذا التعبير. بالحقيقة لا يصاب الهيكل بضرر مادي، لأن الله هو مصدر شبعه، لكن الشريعة تدرب الإنسان أن يرد ما اغتصبه من الغير أيا كان هذا الغير. أما الذي يقيِّم الضرر فهو موسى النبي نفسه [15]، وفيما بعد صار الكاهن يقوم بهذا الدور (27: 8). ويكون التقييم مقدرًا بشواقل من الفضة مع إعتبار "شاقل القدس" أي شاقل المضبوط المحفوظ في القدس هو المعيار الحقيقي والصحيح للشاقل.

إن كان الله في محبته اللانهائية يغفر لنا كل خطية، فلأجل بنياننا الروحي يطالبنا برد ما قد أخطأنا به خلال إهمالنا مع دفع غرامة تأديبية توازي الخُمس. ويرى اليهود أن الخُمس هنا لا يعني خُمس القيمة، إنما يقدم ربع القيمة لتكون الغرامة هي خُمس المبلغ الإجمالي كله بينما المبلغ الأصلي يصير أربع أخماس. غير أنه للعلامة أوريجانوس رأي آخر وهو أن الشخص يرد المبلغ الأصلي مضافًا إليه مبلغًا يوازيه ومعه الخُمس. فإن كان الضرر يمثل خمسة شواقل فضة فإنه يرد الخمسة مضافًا إليها خمسة شواقل أخرى وأيضًا شاقل آخر...

على أي الأحوال إن كان رقم 5 يُشير إلى الحواس في كثير من كتابات الآباء كالعلامة أوريجانوس والقديسين ديديموس الضرير وأغسطينوس وجيروم، هذه التي يجب أن تكون مكرسة للرب وحده وممتصة بالكامل في محبته لنصير بالحق مع العذارى الخمس الحكيمات (مت 25: 1)، نستقبل العريس السماوي بخمس مصابيح ممتلئة زيتًا منيرة بالروح القدس، فإننا إذ نخطئ في حق المقدسات الإلهية لا يطلب الله رد الظلم الذي سببناه بدفع مال أو تقديم تقدمات، إنما بالأكثر بتقديم حواسنا في وحدة الروح مقدسة للرب، أي نرد لله حق ملكيته علينا وفي أعماقنا حتى نحيا مقدسين له في الداخل كما في التصرفات الظاهرة.

ما هو شاقل القدس الذي يُحسب معيارًا للتعويض؟ كلمة "شاقل" مشتقة من الفعل العبري "شقل" التي تعني "وزن"، وهو معيار لوزن الأشياء الثمينة، كما أنه نوع من النقود الذهبية والفضية غير المسكوكة (تك 33: 15-16)، وكانت جميع العيارات والنقود تحسب بالنسبة إليه. وقد وجد أكثر من شاقل لدى اليهود، إذ وُجد الشاقل المعتاد لوزن الأشياء الثمينة كالذهب والفضة وغيرهما (تك 33: 16، 1 صم 17: 5)، وشاقل القدس يقال أنه ضعف الشاقل المعتاد. أضيف إلى القدس يُحفظ في خيمة الإجتماع أو الهيكل ليكون نموذجًا تامًا مضبوط على الشاقل الصحيح. وشاقل الملك (2 صم 14: 26) ربما يُشير إلى وزن معين كان محفوظًا لدى الملك. هذا وكان العبرانيون يستخدمون شاقل الفضة كنقود وقد ضرب بعد السبي في عهد المكابيين (1 مك 15: 6)، ذكر في العهد الجديد باسم "الفضة" (مت 26: 15)، وأيضًا شاقل الذهب يستخدم كوزن كما كعملة ذهبية.

الآن نعود إلى التعويض الذي يقدمه الخاطئ عند توبته ورجوعه إلى الرب، إذ يقيِّم موسى أو الكاهن الضرر الذي أصاب الهيكل من الجانب المادي بشاقل القدس الذي من الفضة. فإن الفضة تُشير إلى كلمة الله المصفاة سبع مرات كالفضة (مز 12)... وكأن المعيار الذي يقيس به الكاهن تصرفاتنا ليس حكمته البشرية أو تقديره الشخصي وإنما "كلمة الله". هذا هو معيار حياتنا، الذي به نقدم حساباتنا لدى الله في اليوم الأخير. أما كونه "شاقل القدس" أي شاقل حقيقي أصلي غير مغشوش، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [شاقل القدس يصور إيماننا... بالحقيقة يوجد كثيرون لهم إسم المسيح لكن ليس لهم بالحقيقة المسيح، لذلك يقول الرسول بولس: "لأنه لابد أن يكون بينكم بدع أيضًا ليكون المزكون ظاهرين بينكم" (1 كو 11: 19)[84]]. هكذا تُشترى الشاه التي تقدم ذبيحة الخطية مقدرة بشاقل القدس، بمعنى آخر نلتقي بالسيد المسيح حمل الله الحقيقي خلال الإيمان المقدس الحقيقي غير المزيف. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [بكل تأكيد لا ينال أحد مغفرة الخطايا مالم يكن له الإيمان المستقيم المختبر والمقدس، به تقتني "الشاه" الذي بطبعه يغسل خطايا المؤمنين. هذا هو شاقل القدس، الإيمان المختبر، الذي لا يمتزج بمكر وخداع، أي نفاق الهراطقة. هكذا لنقدم إيمانًا مستقيمًا لنغتسل "بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح" (1 بط 1: 19)[85]].


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 


2 هاتور 1736 ش
12 نوفمبر 2019 م

نياحة البابا بطرس الثالث 27 سنة 481 م
استشهاد القديس مقار الليبى
نياحة القديس أفراميوس الرهاوى
يشتد البرد وأول ليالى الظلام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك