تفسير سفر اللاويين اصحاح 1 جـ3 Print

ج. تقطيع المحرقة وترتيبها: "ويسلخ المحرقة ويقطعها إلى قطعها، ويجعل بنو هرون الكاهن نارًا على المذبح، ويرتبون الحطب على النار، ويرتب بنو هرون الكهنة القطع مع الرأس والشحم فوق الحطب الذي على النار التي على المذبح، وأما أحشاؤه وأكارعه فيغسلها بماء، ويوقد الكاهن الجميع على مذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب" [6-9].

إن كانت ذبيحة المحرقة تكشف عن طاعة الإبن الكاملة نحو الآب، لذلك فإن سلخها وتقطيعها وغسلها حتى الأعماق في الأحشاء يعلن أن المسيح يسوع ربنا قد جاز أمام الآب فوجده بلا عيب حتى أعماقه الداخلية، فقد قيل عنه: "على أنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 53: 9)، "أي شر عمل هذا؟! إنيّ لم أجد فيه علة للموت" (لو 23: 22)، كما قال هو بنفسه: "من منكم يبكتني على خطية؟!" (يو 8: 46). لقد قدم الإبن الطاعة الكاملة بلا عيب، كما بنار حبه الإلهي نحو الآب ونحو البشرية فأشتّم الآب ذبيحته رائحة سرور! أما ترتيب الحطب على النار فيرمز لخشبة الصليب التي حملت كلمة الله الناري مصلوبًا حسب الجسد! أما ترتيب الرأس مع بقية الأعضاء فيُشير إلى أن الصليب وهو صليب السيد المسيح رأس الكنيسة إنما يحمل الكنيسة أيضًا بكونها جسده المتألم، تشاركه طاعته للآب وحبه!

يقدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرًا آخر، فيرى في سلخ المحرقة أي إنتزاع الجلد عن اللحم رمزًا لانتزاع الحرف عن تفسير كلمة الله لكي يظهر التفسير الروحي الداخلي العميق، أما تقطيع الأعضاء وترتيبها على المذبح فيُشير إلى الإنطلاق من لمس هدب ثوب السيد المسيح (مت 9: 20) إلى التمتع بغسل قدميه بدموعنا ومسحهما بشعر رأسنا (لو 7: 44)، ثم إلى دهن قدميه بالطيب، وأخيرًا الإتكاء على صدره كما فعل القديس يوحنا الحبيب فيستريح فكرنا ونتأهل لإدراك أسراره الإلهية ونُحسب أهلاً أن نتقبل أمه أمًا لنا كما تمتع القديس يوحنا في لحظات الصلب. بمعنى آخر يرى العلامة أوريجانوس في طقس ذبيحة المحرقة النمو المستمر في الحياة الروحية والإنطلاق من شرب اللبن الخاص بالأطفال أو بالضعفاء (لمس هدب الثوب) إلى التمتع بالطعام القوي الذي للبالغين (الإتكاء على صدره). فمن كلماته في هذا الشأن: [أظن أن الكاهن الذي يخرج اللحم الذي للعجل المقدم محرقة بسلخ جلده إنما هو ذاك الذي يرفع الحرف عن كلمة الله (2 كو 3: 4)، معرّيًا الأعضاء الداخلية أي يصير له الإدراك الروحي والعلم الداخلي الخاص بالكلمة. يتحقق هذا على المذبح، في مكان عالٍ ومقدس وليس في مكان سفلي. فالأسرار الإلهية غالبًا ما لا يكشف غطاؤها لأناس غير متأهلين يسلكون في السفليات والأرضيات وينطلقون من الأرض إلى الأرض، إنما يكشف الغطاء لمن يحسبون كمذبح للرب، الذين يشعلون النار الإلهية بلا توقف، ويميتون (شهوات) الجسد بلا إنقطاع. على مثل هؤلاء نضع عجل المحرقة ونقطع أعضاءه قطعًا، فنشرح التدبير والتوافق بين الأعضاء كلمس هدب ثوب المسيح، وغسل قدميه بالدموع ومسحهما بشعر الرأس، أما ما هو أفضل فهو دهن قدميه بالطيب. وأعظم من هذا الإتكاء على صدر المسيح (يو 13: 25، 21: 20). أي تقدم هذا، إذ يتمتع كل واحد منا بالفهم الروحي حسب قامته وبما يناسبه، فيتمتع البعض بالأمور البدائية وآخرون يتقدمون أكثر في الإيمان بالمسيح، وآخرون يحسبون كاملين في معرفته ومحبته... هذا هو تقطيع العجل عضوًا عضوًا[38]].

ليتنا إذن خلال محرقة الحب نتقبل المسيح نفسه فننعم بالكشف عن أسرار كلمته، فإن لم نستطع أن نتكئ على صدره بدالة لنحمل كل أسراره، فلندهن قدميه بالطيب ليكون لنا نصيب من بعض أسرار محبته، وإن لم يكن لدينا طيب فلنغسلهما بدموعنا ونمسحهما بشعر رأسنا، وإلاَّ فلنتحفز لنلمس ولو هدب ثوبه فنبرأ من نزف دم الحرفية والناموسية والشكلية!  

د. الغسل بالماء: "وأما أحشاؤه وأكارعه فيغسلهما بماء" [9].

إن كانت هذه الذبيحة تُشير إلى ذبيحة السيد المسيح الذي قدم حياته محرقة لحسابنا، فهي أيضًا ذبيحتنا بأتحادنا فيه، لهذا يرى العلامة أوريجانوس وكثير من الآباء في غسلها بالماء حتى الأحشاء الداخلية إشارة إلى عمل المعمودية، إذ بها تغتسل طبيعتنا الداخلية خلال دم الذبيحة والماء وتتجدد بصلب الإنسان القديم والتمتع بالإنسان الجديد.

في هذه الذبيحة يلتحم الدم مع الماء، الصليب مع مياه المعمودية لننال الإنسان الجديد الذي على صورة السيد المسيح، ولهذا فاض من جنب السيد دم وماء عند صلبه (يو 19: 34). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [فاض هذا لا عن محض مصادفة ولا بلا هدف وإنما لأن بهما تقوم الكنيسة. يعرف المعمدون ذلك، فبالماء يتحقق التجديد، وبالدم والجسد يقتاتون[39]]. كما يقول: [يشير الدم والماء إلى نفس الشيء، لأن المعمودية هي آلامه[40]]. وأيضًا يقول: [عندما نغطس برؤوسنا في الماء يُدفن الإنسان القديم كما في قبر سفلي، يغطس بكليته تمامًا. وإذ نقوم ثانية يقوم الإنسان الجديد عوضًا عنه. كما يسهل علينا أن نغطس برؤوسنا ونقيمها مرة ثانية، هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسان القديم ويظهر الجديد. هذا يتحقق ثلاث مرات لنتعلم أن قوة الآب والإبن والروح القدس تتحقق في هذا كله[41]].

ه. حرقها بالكامل: "ويوقد الكاهن الجميع على المذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب" [9].

كما ارتبط الماء بالدم علامة ارتباط المعمودية بالصليب ارتبط أيضًا الماء بالنار علامة ارتباط المعمودية بالروح القدس النار والذي يهبنا التبني لله الآب في استحقاقات الصليب.

هذه النار التي تلتهم الذبيحة هي نار الروح القدس الذي به نقدم ذبيحة الأفخارستيا، أي ذبيحة السيد المسيح لا ليلتهم الذبيحة بل ليحرق كل شر فينا مثبتًا إيانا في المسيح الذبيح. يتحدث القديس أمبرسيوس عن هذه النار، قائلاً: [لقد أُخفيت هذه النار في أيام السبي حيث ملكت الخطية، وأُظهرت ثانية في أيام الحرية[42]]. وكأننا لم ننعم بهذه النار حين كنا تحت السبي لكن إذ حررنا الصليب من سبي الخطية وتمتعنا بالحرية الروحية إنطلقت نار الروح القدس فينا من جديد!

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن فاعلية هذه النار السماوية، قائلاً: [لنبسط

أذهاننا نحو السماء، ولنتمسك بهذه الرغبة ملتحفين بالنار الروحية ومتمنطقين بلهيبها. ليس إنسان يحمل لهيبًا ويخاف ممن يلتقي به، سواء كان وحشًا أم إنسانًا أم فخاخًا بلا عدد، فإنه إذ يتسلح بالنار (الروحية) لا يقف في طريقه أحد بل يتراجع الكل قدامه، لأن اللهيب لا يُحتمل والنار تبدد كل شيء. إذن، لنطلب هذه النار مقدمين المجد لربنا يسوع المسيح مع أبيه والروح القدس[43]].

سادسًا: فاعلية المحرقة:

في المحرقة نتطلع إلى المصلوب لا كحامل خطايانا بل بكونه الإبن الذي أطاع الآب حتى الموت، مقدمًا حياته المبذوله موضع سرور للآب، لذا نسمع العبارة: "محرقة وقود رائحة سرور للرب" [9].

سابعًا: التفسير الرمزي:

نختم حديثنا عن ذبيحة المحرقة التي من البقر باقتطاف بعض العبارات للعلامة أوريجانوس في تفسيره الرمزي لها، إذ يقول:

[أنت أيضًا لك عجل يجب أن تقدمه. هذا العجل الجموح هو جسدك، إن أردت أن تقدمه للرب تقدمة فاحفظه زاهدًا ونقيًا، قده إلى باب خيمة الإجتماع حيث تستطيع أن تسمع قراءة الكتب المقدسة هناك. لتكن تقدمتك ذكرًا... فلا يكون فيها شيء من التدليل أو عدم الحزم. ضع يدك على المحرقة حتى تكون رضا للرب، واذبحها قدام الرب، بمعنى أن تضع ضوابط للعفة ولا تترك قمع الجسد، بل كن كذاك الذي وضع يده على جسده حين قال: "أقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1 كو 9: 27). إذبحه أمام الرب ولا تتردد في إماتة أعضائك (كو 3: 5)... ليكن في داخلك كاهن وأبناؤه، أي الروح الذي فيك وحواسه، إذ خلالهم يكون فهم للرب وإدراك للعلم الإلهي. إذن لتقدم جسدك للرب بالزهد لكن مع فهم روحي، كقول الرسول: "ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو 12: 1)... إذ يقدم البعض أجسادهم محرقة لكن كما بغير كاهن، أي بغير ملء المعرفة... هؤلاء يخزون إذ يطلبون المجد البشري (في زهدهم) أو يتدنسون بشهوة الطمع أو بإرتكاب خطأ الحسد أو الحقد أو يضطربون بهياج الكراهية أو قساوة الغضب. هؤلاء يمارسون زهد الجسد لكنهم يقدمون محرقة بلا كاهن، أي بلا فهم ولا إدراك، فيحسبون من الخمس عذارى الجاهلات اللواتي كن بالحقيقة زاهدات في الجسد كعذارى لكنهم لا يعرفن كيف يضعن زيتًا في آنيتهن: أي زيت المحبة والسلام مع بقية الفضائل. لهذا طُردن من حجال العريس (مت 25)... أما نحن فيليق بنا مع زهد الجسد أن نكون أنقياء الروح... فنتأهل للتشبه بالمسيح الذبيح[44]].

3. محرقة من الغنم:

إذ لم يكن الإنسان قادرًا على تقديم عجل صحيح فليقدم من الغنم ضأنًا أو ماعزًا... غير أن طقس المحرقة لا يختلف كثيرًا عن الطقس السابق، بل يكاد يكون مطابقًا له يحمل ذات المفاهيم.

4. محرقة من الطير:

من لا يستطيع أن يقدم عجلاً أو ضأنًا أو ماعزًا فليقدم يمامتين أو فرخي حمام، الأمر الذي يسهل على الفقراء تقدمته، إذ كان الغالبية العظمى- حتى الفقراء- يربون طيورًا في بيوتهم.

الله لا تهمه قيمة التقدمة ماديًا لكنه يطلب القلب، يريدنا ألا نظهر فارغين أمامه. لنقدم له القليل ولو كان فلسين كالأرملة، إذ هو يطلب ثمر القلب لا العطية. وكما كتب القديس بولس الحامل لروح سيده: "ليس إنيّ أطلب العطية بل أطلب الثمر المتكاثر لحسابكم" (في 4: 17).

في الطيور لا يقبل الله إلاَّ تقدمة اليمام والحمام. يرى القديس أكليمندس الإسكندري أن اليمام يُشير إلى الخوف من الخطية، وصغار الحمام إلى الوداعة وعدم الأذية[45]. ويرى العلامة أوريجانوس أن بعضًا من اليمام لا يقبل الذكر إلاَّ أنثى واحدة لا يقترب إلى غيرها حتى إن ماتت، لذا فهو رمز للطهارة. أما الحمام فيُشير إلى الكنيسة الحمامة الحسنة الحاملة لروح الله القدوس الذي ظهر في شكل حمامة عند عماد السيد المسيح، كما يُشير الحمام إلى حياة البساطة. وكأن هذه التقدمة إنما هي تقدمة الكنيسة التي تظهر كفقيرة في هذا العالم لا تملك إلاَّ اليمام والحمام، لكنها غنية بطهارتها وبساطة قلبها خلال عمل الروح القدس فيها.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +