تفسير سفر اللاويين اصحاح 1 جـ1 Print

ذبيحة المحرقة

يبدأ دليل الذبائح والتقدمات بذبيحة المحرقة بأنواعها الثلاثة إن كانت من البقر أو  الغنم أو الطيور، فتكشف لنا في طقوسها عن ذبيحة الإبن في طاعته الكاملة لأبيه، مقدمًا حياته كلها محرقة حب ملتهبًا، فأشتمه الآب رائحة سرور ورضى باسم الكنيسة ولحسابها. خلال هذه الذبيحة يلتهب قلب المؤمن بالحب الذي له في المسيح يسوع مشتاقًا خلال الإتحاد في المصلوب أن يرتفع معه إلى الصليب كما على مذبح المحرقة ليتقبل نار الآلام المتقدة بسرور، مقدمًا حياته كلها محرقة للرب.

1. مقدمة                            [1].

2. محرقة من البقر                  [2-9].

3. محرقة من الغنم                  [10-13].

4. محرقة من الطير                 [14-17].

1. مقدمة:

أولاً : "ودعا الرب موسى وكلمه من خيمة الإجتماع، قائلاً" [1].


في بداية الخدمة إستدعى الله موسى لإستلام العمل الرعوي خلال العليقة الملتهبة نارًا، وبعد الخروج إستدعاه أيضًا ليتسلم الوصايا العشر من على الجبل حيث لم تستطع الجماعة أن ترتفع إليه وسط البروق والرعود والدخان... وكأن الله أراد أن يؤكد لنا عجزنا عن الإلتقاء معه بكونه النار الآكلة. لقد اشتهى أن يُقدم لنا وصاياه لعلنا نستطيع أن نقترب إليه من خلالها، لكننا في ضعفنا حُسبنا كاسرين للوصية وسقطنا بالأكثر تحت لعنة الناموس، فلا مصالحة إلاَّ خلال الذبيحة والدم. هذا هو سبب استدعاء موسى في هذه المرة إلى الخيمة لا وسط بروق ورعود وظلمة مرهبة، إنما خلال كرسي الرحمة على غطاء تابوت العهد (خر 25: 22). وكأن في هذه المرة يقدم له سر ذبيحة الصليب الذي به نلتقي مع الله كما في خيمة الإجتماع في سكون وهدوء خلال الحب الإلهي الفائق حيث ينزل إلينا كلمة الله حاملاً طبيعتنا، ساحبًا إيانا فيه لننعم بالشركة مع الآب بروحه القدوس في إستحقاقات الدم الثمين.

ثانيًا: كانت ذبيحة المحرقة بحق: "ذبيحة التكريس والخدمة Sacrificum" Latreuticum، فقد صارت مع الزمن جزءًا لا يتجزأ من الخدمة الصباحية والمسائية في الهيكل، كما كانت تُقدم محرقات إضافية في الأعياد كالسبوت والهلال وبقية العياد، وذلك بعد الخدمة. إنها تُمثل ذبيحة العهد التي يُقدمها الشعب الذي دخل مع الله في عهد[10].

ثالثًا: كان لذبيحة المحرقة قدسية خاصة عند اليهود، فهي الذبيحة الوحيدة التي لم يكن يسمح لغير إسرائيل أن يُقدمها[11].

2. محرقة من البقر:

أولاً: يقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا لتعبير "محرقة holocaust"، إذ يقول: [ما هي المحرقة؟ إنها تعني الحرق بالنار تمامًا، فإن causis تعني "حرقًا"، "holou" تعني "كلها"، فالمحرقة تعني حرقها بالنار تمامًا توجد بالأكثر نار معينة هي المحبة الحارقة، حيث يلتهب الذهن بالحب، لينطلق من الذهن إلى بقية الأعضاء... فيلتهب الإنسان كلية بنار الحب الإلهي، مقدمين محرقة لله[12]]. بمعنى آخر المحرقة تعني تقديم الإنسان كل حياته الداخلية وتصرفاته الظاهرة كذبيحة حب ملتهبة لحساب الله. في هذا يقول القديس أغسطينوس: [عندما يوضع الحيوان بأكمله على المذبح ويحرق بكامله بالنار يُسمى محرقة. ليت النار الإلهية تصعدنا بالكلية ويلحق بنا ذلك اللهيب بالتمام[13]]. كما يقول: [تُسمى الذبيحة محرقة حينما تحرق بالكامل... لذلك فكل محرقة هي بالحقيقة ذبيحة، لكن ليس كل ذبيحة هي محرقة[14]].

يحثنا القديس يوحنا الذهبي الفم على تقديم حياتنا ذبيحة محرقة للرب بقوله: [مادام الإنسان أسمى من القطيع، فإنك إذ تُقدم نفسك ذبيحة تكون أسمى من تلك الذبائح... توجد ذبائح أخرى هي بالحقيقة محرقات: أجساد الشهداء، إذ يُقدم الشهداء نفوسهم وأجسادهم أيضًا (محرقة للرب)، هذه الذبائح لها رائحة عذبة. تستطع أنت أيضًا إن أردت أن تقدم ذبيحة، فإنه وإن كنت لا تقدر أن تقدم جسدك محرقة بالنار، لكنك تقدمه بنار أخرى كالفقر الأختياري... فإنه كان في وسع إنسان أن يقضي أيامه في ترف وبذخ لكنه يختار الحياة المُرّة الشاقة وإماتة الجسد، أفليست هذه محرقة؟! لتمت (شهوات) جسدك، ولتصلبه، فتتقبل إكليل الإستشهاد. فالشهداء ينالون الإستشهاد بالسيف، أما هنا فتناله بالذهن بالإرادة القادرة[15]].

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [لنقدم لله كل أعضائنا التي على الأرض (كو 3: 5)، لنكرس جميعها ولا نقدم فقط جزءًا من الكبد (3: 11)، أو اللية مع الشحم، ولا بعض أعضاء جسمنا الآن والآخر في وقت آخر. لنقدم كل أعضاء الجسد، فنحسب ذبيحة محرقة عاقلة (رو 12: 1)، ذبيحة كاملة... نقدمها لله بالكامل فنتسلمها منه بالكامل[16]].

ثانيًا: إذ تعرفنا على مفهوم ذبيحة المحرقة نتحدث عمن تقدم من أجله المحرقة، إذ يقول الرب لموسى: "كلِّم بني إسرائيل، وقل لهم: إذا قرب إنسان منكم" [2]. يرى العلامة أوريجانوس[17] أنه لم يقل "إذا قرّب أحدكم" بل قال إذا قرب إنسان منكم" ليس بدون هدف. يميز هذا السفر بين تقدمة عن إنسان وأخرى عن "نفس" (4: 1)، أو عن الجماعة كلها (4: 13)، أو عن رئيس (4: 22)، أو عن كاهن... إلخ، وأن كلمة "إنسان" جاءت في رأس القائمة ليعلن الوحي الإلهي أن تقدمة المحرقة تُقدم عن الجنس البشري كله بكونه "إنسانًا".

إن كانت ذبيحة المحرقة هي ذبيحة الطاعة الكاملة التي يُقدمها الإبن للآب، إنما يُقدمها عن البشرية كلها كأنها إنسان واحد... إذ يود الآب أن يشتّم في الكل رائحة سرور ورضا.

ثالثًا: التقدمة ذاتها.

"إن كان قربانه من البقر فذكرًا صحيحًا يقربه" [3].

إذا أراد تقديم محرقة من البقر يختار ذكرًا (عجلاً) صحيحًا، أي بلا عيب، وكما يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إنه حمل بلا عيب، بلا عيب تمامًا وعلى الدوام[18]].

يعلق العلام أوريجانوس على هذه الذبيحة بقوله: [ما هي محرقة البقر الصحيحة إلاَّ العجل المسمن لدى الآب الذي ذبحه عندما رجع الإبن الذي كان ضالاً، والذي فقد كل خيراته؟! لقد صنع وليمة وكان فرح (لو 15: 23)، إذ قيل: "يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب" (لو 15: 10). هذا الإنسان الذي كان ضالاً فوجد لم يكن له برّ ذاتي يقدمه إذ "بذّر ما له بعيش مسرف" (لو 15: 13)، فوجد هذا العجل الذي بُعث من السماء لكنه جاء من نسل إبراهيم. لذلك لم يقل الناموس "محرقة من البقر" فحسب كما لو كانت أية بقرة، إنما قال "محرقة من بقر من قطيع" (الترجمة السبعينية) إذ جاء من نسل البطاركة (القطيع)[19]].

لقد حدد أن تكون المحرقة هنا ذكرًا، ويرى العلامة أوريجانوس أن التمييز بين الذكر والأنثى في المفهوم الروحي لا يعني التمييز بين الجنسين الرجال والنساء، إنما يُشير إلى تمييز روحي بين الرجولة الناضجة والجادة وبين أنوثة التدليل والترف. لهذا كثيرًا ما يقول إننا سنجد في يوم الرب نساء كثيرات هنا يحصين كرجال أقوياء في عيني الرب، ورجالاً كثيرين هنا يظهرون في يوم الرب كنساء إذ عاشوا حياتهم في تدليل وتنعم بالملذات الجسدية.

رابعًا: مقدمها.

أ. "يذبح العجل أمام الرب ويقدم بنو هرون الكهنة الدم..." [5].

كان للكهنة في العهد القديم حق تقديم الذبائح دون غيرهم، وقد جاء السيد المسيح في العهد الجديد ليس على رتبة هرون بل على طقس ملكي صادق يقدم ذبيحة الصليب الفائقة... وقد أوضح الرسول بولس في الرسالة إلى العبرانيين الفارق بين كهنوت لاوي وكهنوت السيد المسيح، خاصة من ناحيتين: الجانب الأول كان كهنوت لاوي يتسم بالضعف فيحتاج الكهنة أنفسهم إلى تقديم ذبائح عن أنفسهم قبل تقديمهم ذبائح عن الشعب أما السيد المسيح فبلا عيب. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يُقدم الذبيحة عن الشعب. الجانب الآخر كان الكهنة يقدمون ذبائح حيوانية دموية، دم ثيران وتيوس عاجزة عن تطهير الضمير الداخلي، أما السيد المسيح فقدم دم نفسه (عب 9: 12)، فالكاهن والذبيحة هما واحد، لذا فذبيحته فعّاله واهبة حياة. كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عظيم هو الفارق! إنه هو الفدية والكاهن والذبيحة! لو كان الأمر غير ذلك لصارت هناك حاجة إلى تقديم ذبائح كثيرة، وكان يُصلب مرارًا كثيرة[20]]. ويقول القديس أغسطينوس: [أنت هو الكاهن، وأنت هو الذبيحة،

أنت المقدم وأنت التقدمة[21]].

مقدم الذبيحة هو كاهننا السيد المسيح، هذا ما أعلنه آباء الكنيسة بوضوح، فمن كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم: [نحن نقوم بدور الخدم، لكنه هو بنفسه الذي يبارك، وهو الذي يحوّل القرابين[22]].

هذا الكاهن الأعظم الذي يعمل في كهنته إنما يقدم لنا ذات ذبيحته الكفارية الواحدة بلا تكرار، إذ يقول: [بينما يُقدم في مواضع كثيرة فهو جسد واحد وليس أجسادًا كثيرة، وهو ذبيحة واحدة. إنه رئيس كهنتنا الذي قدم الذبيحة التي تطهرنا، لكي نقدم الآن أيضًا ما قد قدمه والتي لا تتكرر... إنها ليست ذبيحة أخرى، بل نقدم دائمًا ذات الذبيحة[23]].



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +