إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الاتضاع هو ان تعد جميع البشر افضل منك متاكدا من كل قلبك انك اكثر منهم خطيه
الأنبا انطونيوس

تفسير سفر اللاويين

+ تفسير سفر اللاويين +



تفسير سفر اللاويين اصحاح 16 جـ2 PDF Print Email

3. ذبائح عن نفسه وعن الشعب:

إذ سبق فقدم رئيس الكهنة ذبيحتي خطية ومحرقة عن نفسه [3] قل ارتدائه الملابس الكهنوتية، نجده الآن يأخذ تيسين من المعز لذبيحة الخطية واحدًا كمحرقة من مال الجماعة.

عند تقديمه ثور الذبيحة عن نفسه وعن الكهنة يعترف رئيس الكهنة بخطاياه وخطايا الكهنة، قائلاً: "أيها الإله (يهوه)، لقد أخطأت وعصيت أنا وبيتي. لذلك أتوسل إليك يا الله (يهوه) أن تكفر عن خطاياي وآثامي ومعاصي التي إرتكبتها أمامك أنا وبيتي- كما كتب في ناموس موسى عبدك: لأنه في ذلك اليوم يكفر عنكم ويغسلكم، من كل معاصيكم أمام يهوه تغسلون". ويلاحظ أنه في هذا الإعتراف يذكر إسم "يهوه"  ثلاث مرات. ويكرر الإسم "يهوه" ثلاث مرات أخرى حين يعترف على نفس الثور باسم الكهنة، مرة سابعة يذكر إسم يهوه عندما يعمل قرعة على التيسين ليكون أحدهما من نصيب يهوه. ثم يعترف ذاكرًا الإسم ثلاث مرات أخرى حين يعترف وهو يضع يده على رأس التيس الذي يحمل خطايا الشعب. في هذه المرات العشرة التي ينطق فيها إسم يهوه، إذ ينطق بالإسم يسقط الواقفون بجواره بوجوههم إلى الأرض بينما تردد الجموع العبارة: "مبارك هو الإسم، المجد لملكوته إلى أبد الأبد"[216].

بعد ذلك "يأخذ التيسين ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الإجتماع، ويلقي هرون على التيسين قرعتين: قرعة للرب وقرعة لعزازيل" [7-8]. يقدم هذين التيسين كذبيحة واحدة عن الخطية، واحد يُذبح عن خطايا الشعب والآخر يُطلق في البرية لإعلان حمل الخطية ورفعها.

كانت القرعة تتم هكذا بأن يوقفهما رئيس الكهنة أمام باب خيمة الإجتماع ووجهيهما إلى الغرب، ويقف كاهنان واحد عن يمين رئيس الكهنة والآخرعن يساره، وكذلك يُوقف التيسان. ويهز رئيس الكهنة صندوقًا صغيرًا به قطعتان رقيقتان صغيرتان من الأبنوس (صارتا بعد ذلك من الذهب) كتب على الواحدة "ليهوه"، وعلى الأخرى "لعزازيل"، ويضع الواحدة على أحد التيسين والأخرى على الآخر، وهو يقول "للرب ذبيحة خطية، وتُقرأ الكتابة على كل قطعة، فإن كانت التي على يمينه "ليهوه" يقول الكاهن الذي على يمين رئيس الكهنة: "إرفع يمينك للعلى"، وإن كانت التي على يساره يقول الكاهن الآخر "إرفع يسراك"، ويميز التيس الذي ليهوه عن الآخر، بوضع خيط أحمر من الصوف حول رأس التيس الذي للرب أو على قرنيه، بينما يميز الآخر بخيط قرمزي.

يلاحظ أن التيسين كانا متشابهين في الحجم والشكل والقيمة، وإن أمكن يشتريا في وقت واحد، هذا وكان الإتجاه العام إلى التفاؤل إن جاء التيس الذي على يمين يهوه والآخر لعزازيل.

هناك تفاسير كثيرة لكلمة "عزازيل"، يمكن إختصارها في الآتي:

أولاً:
يرى البعض أن عزازيل إسم شخص، يعني به الشيطان. إن انطلاق التيس في البرية يُشير إلى قوة الذبيحة التي تتحدى الشيطان، وكأن السيد المسيح الذبيح قد جاء ليُحطم إبليس في عقر داره.

ثانيًا: الرأي الغالب إن كلمة "عزازيل" تعني "الإقصاء التام" أو العزل الكامل، وكأن ذبح التيس الأول يُشير إلى حمل السيد للخطية للتكفير عنها، أما إطلاق الآخر فيُشير إلى إنتزاعها تمامًا وإقصائها بعيدًا عن الشعب.

ثالثًا: يرى البعض في التيس الذي يطلق في البرية باسم عزازيل أي "العزل الكامل" رمزًا لعجز الذبيحة الحيوانية عن تحقيق الخلاص الحقيقي، فإطلاق التيس في البرية يعني أن التيس قد انطلق إلى مكان غير مسكون حتى يأتي حمل الله الحقيقي القادر وحده أن يرفع خطايانا كقول إشعياء النبي أن يهوه قد وضع إثمنا عليه (إش 53: 6).

يرى العلامة أوريجانوس في عمل القرعة على التيسين ليكون أحدهما للرب والآخر لعزازيل إشارة إلى وجود أبرار وأشرار في وسط الجماعة، الأبرار من نصيب الرب والأشرار من نصيب عزازيل، إذ يقول: [لو كان كل الشعب قديسين ومطوبين لما كانت تصنع قرعة على التيسين، ويرسل أحدهما إلى البرية بينما يُقدم الآخر للرب، إذ يكون الكل نصيبًا واحدًا للرب الواحد. بالحقيقة يوجد في الجماعة التي تقترب من الرب من هم منتسبون للرب بينما يلزم إرسال آخرين إلى البرية، إذ يستحقون الطرد والعزل عن تقدمة الرب. لهذا السبب يُقدم نصيب من التقدمة أي تيس للرب، أما الآخر فيطلق خارجًا، يرسل إلى البرية، ويُسمى التيس المطلق[217]].

مرة أخرى يقول بأن التيسين يمثلان فريقين، يتأهل أحدهما أن يدخل دمه إلى المقدسات الإلهية ويكون من نصيب الرب، أما الفريق الآخر فيلقى في البرية الجافة عن كل فضيلة والقفرة من كل صلاح. هذا التمايز يظهر عندما تنتهي حياة كل واحٍد منا، إذ قيل: "فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، ومات الغني أيضًا ودفن، فرفع عينيه في الهاوية..." (لو 16: 22-23). الأول حملته الملائكة كخدام الرب كما إلى مذبحه المقدس، بكونه نصيب الرب، والثاني انطلق إلى الهاوية إلى أماكن العذاب كمن يُترك في البرية.

يقول: [أتريد أن تعرف أن هذا الكلام يخصنا نحن؟ الحيوانان اللذان يُلقى عليهما القرعة ليسا دنسين ولا هما بغريبين عن هيكل الرب، وإنما هما طاهران وكان يمكن استخدامهما كذبائح عادية. إنهما يمثلان من هم ليسوا خارج الإيمان بل داخله، لأن التيس حيوان طاهر يجوز تقديمه على المذبح الإلهي. أنت أيضًا مكرس بنعمة المعمودية لمذبح الرب، إنك طاهر! لكنك إن لم تحفظ وصايا الرب تسمع: "ها أنت قد برئت، فلا تخطئ لئلا يكون لك أشر" (يو 5: 14). لقد تطهرت فلا تتدنس مرة أخرى بدنس الخطايا، ولا تتحول من الفضيلة إلى التراخي، ومن الطهارة إلى الدنس خلال الرذيلة، لئلا وأنت طاهر تُسلم كالتيس الحيّ نصيبًا للبرية[218]].

[أتُريد أن ترى صورة للقرعة؟ تأمل اللصين اللذين كانا عند الصليب "معلقين واحد عن يمينه والآخر عن يساره" (لو 23: 13). أنظر، الذي اعترف بإيمانه بالرب صار من نصيب الرب وانقاد لا شعوريًا إلى الفردوس، أما الذي جدف فصار نصيبه كالتيس الحيّ الذي انقاد إلى برية الجحيم. أيضًا قيل: "جرد على الصليب الرياسات والسلطات أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه" (كو 2: 14-15)... أين جردهم إلاَّ في البرية، في الأماكن القفرة؟‍! [219]].

[قُدم التيس الأول ذبيحة للرب بينما طُرد الثاني حيًا. إسمع في الأناجيل يقول بيلاطس للكهنة وللشعب اليهودي: "من تريدون أن أطلق لكم: باراباس أم يسوع الذي يُدعى المسيح؟!" (مت 27: 17). حينئذ صرخ كل الشعب أن يطلق باراباس لكي يُسلم يسوع للموت[220]].

4. تقديم البخور:

يملأ رئيس الكهنة المجمرة الذهبية الخاصة به من جمر النار عن مذبح المحرقة، وهي النار التي من لدن الرب (لا 9: 24)، ثم يضع ملء حفنتيه من البخور العطر الدقيق "الناعم" (خر 30: 34-37) في إناء صغير ذهبي، وإذ كانت العادة أن يمسك البخور بيمينه والمجمرة بيساره، ففي هذه المناسبة لضخامة حجم المجمرة يُصرح له بالعكس أن يمسك المجمرة بيمينه والبخور بيساره ليدخل للمرة الأولى إلى قدس الأقداس بجنبه كي لا يتطلع بعينيه إلى تابوت العهد، هنا يختفي رئيس الكهنة عن الأنظار ليبقى وحده في قدس الأقداس. يضع المجمرة على الأرض على حجر ضخم ويملأها بخورًا فيمتلئ قدس الأقداس بسحابة البخور لتحجب تابوت العهد عن عينيه فلا يموت.

يُقدم رئيس الكهنة الصلاة التالية بسرعة دون إطالة حتى لا يقلق الشعب عليه:

[إن حسن في عينيك أيها الرب إلهنا. وإله آبائنا، ألا يحل بنا سبي في هذا اليوم ولا خلال هذا العام. نعم وإن حلّ بنا سبي هذا اليوم أو هذا العام فيكون إلى موضع فيه تمارس الشريعة.

إن حسن في عينيك أيها الرب إلهنا وإله آبائنا ألا يحل بنا عوز هذا اليوم ولا هذا العام. وإن حلّ بنا عوز هذا اليوم أو هذا العام فليكن هذا عن جود أعمالنا المحبة.

إن حسن في عينيك أيها الرب إلهنا وإله آبائنا أن يكون هذا العام عام رخاء وفيض ومعاملات وتجارة، عام مطر غزير وشمس وندى، فلا يحتاج فيه شعبك إسرائيل عونًا من آخر. ولا تسمع لصلاة المسافرين (ربما بامتناع المطر).

أما من جهة شعبك إسرائيل فليته لا يتعظم عدو عليه.

إن حسن في عينيك أيها الرب إلهنا وإله آبائنا ليت بيوت أهل شرون لا تكون قبورًا لهم (ربما لأجل تعرضهم للفيضانات المفاجئة)].

يخرج رئيس الكهنة من قدس الأقداس بظهره حتى يكون وجهه متجهًا أمام الرب.

نستطيع أن نرى في النار التي حملها رئيس الكهنة في المجمرة إشارة إلى تجسد الكلمة، إذ حلّ بملء لاهوته في أحشاء البتول، المجمرة الذهب. وقد وضع ملء يديه من البخور الدقيق إشاره إلى حمله أعماله المقدسة التي قدمها السيد المسيح بيديه المبسوطتين على الصليب لتفيح رائحته الذكية فينا.

يمتلئ قدس الأقداس برائحته الذكية، وكأن السموات تشتم رائحة المسيح الذكية  فينا فيتمجد الآب بنا نحن أعضاء جسد إبنه وحيد الجنس، فإن ما يُقدمه رئيس الكهنة السماوي أي ربنا يسوع المسيح من أعمال مقدسة تحمل رائحته، إنما يقدمها باسمنا. ولحسابنا، واهبًا إيانا نحن أيضًا أن نحمل إلى قدس الأقداس أعماله ورائحته.

يقول العلامة أوريجانوس: [أتعتقد أن ربنا - الكاهن الحقيقي- يتنازل ويأخذ منيّ أنا أيضًا نصيبًا من محتوى البخور الرقيق ليحمله معه إلى الآب؟! أتظن أنه يجد فيّ قليلاً من الشعلة والمحرقة المنيرة فيتنازل ويأخذ هذا الفحم المملوء بخورًا ويقدمه للآب رائحة ذكية؟! طوبى لمن وجد عنده فحم المحرقة ملتهبًا بالنار المنعشة فيحكم عليه أنه مستحق أن يوضع على مذبح البخور! طوبى لمن كان قلبه رقيقًا وروحانيًا لديه الفضائل المذكاه فيتنازل الرب ويملأ يديه ليقدم للآب منه رائحة ذكية! وبالعكس الويل للنفس التي انطفأ فيها نار الإيمان وبردت فيها شعلة المحبة، إذ يأتي كاهننا الحقيقي ليطلب منها الفحم الملتهب المضيء ليقدم بخورًا للآب فلا يجد إلاَّ رمادًا يابسًا ونارًا منطفئة! هذا هو حال الذين يبتعدون عن كلام الرب وينسحبون منه حتى لا يسمعون فيلتهبوا بالإيمان عند سماعهم للكلمات الإلهية ويحترقوا بالحب. أتريد أن أظهر لك النار النابعة عن كلمات الروح القدس التي تشعل قلوب المؤمنين؟ إسمع داود النبي يقول في المزمور "كلام الرب ألهب قلبي" (مز 119: 14). أيضًا مكتوب في الإنجيل أن كلوباس بعدما تحدث معه الرب قال: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟!" (لو 42: 32). وأنت أيضًا من أين تأتيك الحرارة؟ كيف تجد فحم النار في داخلك إن لم تحترق دومًا بكلام الرب وتلتهب بكلمات الروح القدس؟! إسمع داود أيضًا يقول: حمى قلبي في جوفي عند لهجي إشتعلت النار" (مز 39: 3) [221]].


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 16 جـ3 PDF Print Email

5. الدم وغطاء التابوت:

يتسلم رئيس الكهنة إناء الدم من الكاهن ويدخل للمرة الثانية إلى قدس الأقداس، وينضح بأصبعه مرة واحدة على غطاء التابوت من ناحيته الشرقية، أي المواجهة للخارج، ثم ينضح سبع مرات على أرضية قدس الأقداس أمام التابوت. بعد هذا يخرج إلى القدس ويترك إناء الدم في مكان معد لذلك على قاعدة ذهبية ثم يخرج خارجًا.

يقول العلامة أوريجانوس: [ليكن النضح من جانب الشرق [14]، لا تظن أن هذا الكلام لغو، فمن الشرق تأتيك الكفارة، من ذاك الذي دعى "الشرق" (زك 6: 12 الترجمة السبعينية)، ذاك الذي هو وسيط بين الله والناس" (1 تي 2: 5). فالدعوة موجهة إليك لكي تنظر إلى الشرق أبديًا (باروخ 4: 36)، لكي يشرق عليك شمس البر (ملا 4: 2، 3: 20) واهبًا إياك النور فلا تسلك في الظلام قط (يو 12: 35). فلا يمسك بك الظلام في الأيام الأخيرة، ولا يستخدمك الليل المظلم، إنما تكون على الدوام في النور، في بهاء المعرفة، يكون لك الإيمان العظيم بدون توقف وتتمتع بنور المحبة والسلام بلا انقطاع[222]].

6. تقديم التيس الأول:

يُذبح التيس الأول الذي وقعت قرعته إنه ليهوه، ويفعل بدمه كما فعل بدم الثور، إذ ينضح على الغطاء وقدام الغطاء على الأرض، ثم يخرج ليضع الوعاء على قاعدة ذهبية.

"فيكفر عن القدس من نجاسات بني إسررئيل ومن سيآتهم مع كل خطاياهم. وهكذا يفعل لخيمة الإجتماع القائمة بينهم في وسط نجاساتهم" [16].

يكفر رئيس الكهنة بالدم عن القدس لئلا يكون قد أساء إليه أحد من بني إسرائيل كهنة أو شعبًا – طالبًا مراحم الله على البيت حتى لا يتركه الرب بسبب خطاياهم. فقد أسلم الرب تابوت العهد لأيدي الفلسطينيين (1 صم 4: 11)، كما أسلم الهيكل وأوانيه للبابليين (2 مل 25: 8-17) بسبب رجاسات بني إسرائيل المتكررة.

يتم هذا التكفير بمزج دم الثور بدم التيس في القدس، ثم ينضح رئيس الكهنة على القدس ومشتملاته ثم يخرج خارجًا لينضح على الدار الخارجية. وكأن رئيس الكهنة يعترف أنه هو والكهنة والشعب يخطئون في حق الله وبيته ويطلبون المغفرة في استحقاقات الذبيحة حتى يبقى الله حالاً في وسطهم خلال بيته المقدس.

يتم ذلك في الوقت الذي فيه ينتظر الكهنة مع الشعب في الدار الخارجية، بينما يقوم رئيس الكهنة بالعمل في قدس الأقداس بمفرده، إشارة إلى السيد المسيح الذي وحده دخل إلى الأقداس السماوية بدمه لتقديسنا، وكما يقول الرسول: "لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس ققد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

بقوله: "لا يكن إنسان في خيمة الإجتماع من دخوله للتكفير في القدس إلى خروجه" [17]. يعلن أنه لا يستطيع أحد من البشر أن يقوم بدور الكفارة إنما الحاجة إلى رئيس الكهنة الفريد ربنا يسوع المسيح. يقول القديس أغسطينوس: [إعتاد رئيس الكهنة أن يدخل قدس الأقداس بمفرده لكي يطلب عن الشعب ولا يدخل معه أحد إلى المقدس الداخلي هكذا يدخل رئيس كهنتنا الأماكن السرية للسموات في قدس الأقداس الحقيقي، أما نحن فلازلنا هنا نصلي[223]].

ويقدم لنا العلامة أوريجانوس تعليقًا روحيًا على هذه العبارة بقوله: [أظن أن الذي يتبع المسيح يخترق معه إلى داخل الخيمة ويصعد معه إلى أعلى السموات، لا يكون بعد إنسانًا وإنما يكون كالقول "كملاك الله" (مت 22: 30)، وتكمل فيه كلمات الرب: "أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم" (مز 82: 6). إذن لنكن مع الرب بروح واحد، وفي مجد قيامته نعبر إلى طقس الملائكة، وبهذا لا يكون هناك إنسان[224]]. بمعنى آخر إذ انطلق ربنا يسوع المسيح إلى الأقداس يكفر عنا، لا يقدر إنسان أن يكون معه مالم يتحد فيه كعضو في جسده المقدس فنُحسب كسمائيين، نحمل حياته السماوية فينا!

7. تقديم التيس الثاني:

بعد تقديم التيس الأول بذبحه والتكفير بدمه، يأتي دور التيس الثاني الذي لعزازيل [20]، الذي يوقف أمام الباب خيمة الإجتماع ليعرضه أمام الله ثم يضع رئيس الكهنة يديه على رأسه وكأنه يلقي بكل الخطايا عليه، ويعترف عن خطاياه وخطايا الشعب كما سبق فرأينا قبلاً وبنفس العبارات.

يُرسل التيس مع أحد الكهنة يعينه رئيس الكهنة ليطلقة في البرية عند صخرة تسمى "زك" على جبل عالٍ، تبعد حوالي 12 ميلاً من أورشليم بينما يوجد عشرة أكواخ على بعد ميل من كل كوخ وآخر، وعندما يصل الكاهن إلى كوخ يخرج منه رجل يصحبه في الطريق حتى الكوخ التالي وهكذا، وإذ يصل الكاهن إلى الصخرة يقطع الخيط القرمزي المربوط به التيس إلى جزئين، يربط جزءًا منه في الصخرة، والآخر بقرني التيس، ثم يلقى بالتيس من أعلى الصخرة ليسقط ميتًا فلا يستخدمة أحد. وإن كان الطقس حسب الكتاب المقدس أمر بإطلاقه لا بقتله.

إذ يلقي الكاهن التيس من الصخرة يُعطي إشارة بعلم خاص يراها من هو بالكوخ الأخير، وذاك يعطي إشارة يراها الذي قبله، وهكذا في لحظات يصل الخبر إلى أورشليم في الهيكل أن التيس قد طرد... فيشعر الشعب كله براحة خاصة، كأن خطاياهم طوال العام قد طردت عنهم.

يُقدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرًا رمزيًا للتيس الحيّ الذي يطلق في البرية، إذ يقول: [التيس الحيّ المطلق يخفي وراءه معنى الطرد أو الرفض. تستطيع أن تفهم ذلك بمثال: إن صعد في قلبك فكر ردئ كإشتهاء إمرأة قريبك أو امتلاك ما هو لجارك، إعلم أن هذا الفكر من نصيب التيس المطلق. إلقه عنك دفعة واحدة، أطرده من قلبك! تقول: كيف ألقه عني؟ إن كان فيك استقامة الرجل المستعد، أي أن كان بين يديك النص الإلهي، وكانت وصايا الرب أمام عينيك، فبالحقيقة تكون مستعدًا أن تلقي عنك ما هو نصيب الغريب وتطرده عنك. أيضًا إن صعد إلى قلبك غضب أو حقد أو حسد أو شراسة لكي تتعقب أخاك (هو 12: 3)، كن مستعدًا أن تلقي هذه الأمور وتطردها في البرية. وعلى العكس إن صعد إلى قلبك أفكار من الرب (1 كو 7: 34) من تسامح وتقوى وسلام فلترتفع لكي تقدم على المذبح إذ هي نصيب الرب، يأخذها الكاهن وتتصالح مع الرب[225]].

نختم حديثنا عن هذا التيس المطلق كمن هو مرفوض ومطرود في البرية بما جاء في رسالة برناباس في القرن الثاني الميلادي إنه يمثل السيد المسيح الذي حمل اللعنة وصار من أجلنا مطرودًا، أما الخيط القرمزي الذي يتوج به رأسه فيُشير إلى ظهوره في اليوم العظيم أما الذين سخروا به وطعنوه ويدركون أنهم صلبوا إبن الله. هذا وإن وجود هذا الخيط القرمزي على رأسه هو إعلان عن التزام تابعيه أن يحتملوا الألم حتى الموت من أجله[226]. هذا ويرى العلامة ترتليان[227] في التيس المطلق تكميلاً لعمل التيس الأول الذي ذُبح، فالمقدم على المذبح كذبيحة خطية يُشير إلى ذبيحة المسيح التي يتناولها الكهنة الروحيون الساكنون في بيت الرب، أما التيس المطلق فيُشير إلى ذات الذبيحة بكون السيد المسيح الذبيح قد طُرد خارج المحلة.

8. تقديم المحرقات وذبيحة الخطية:

إذ ينتهي رئيس الكهنة من خدمة يوم الكفارة يدخل إلى القدس ويخلع الثياب الكتانية ويستعد لارتداء الملابس التي للمجد (خر 28) ويقوم بتقديم المحرقات عن نفسه وعن الشعب بعد أن يرحض جسده.

لم يكن ممكنًا لرئيس الكهنة أن يقدم المحرقات التي هو موضوع سرور الله إلاَّ بعد التكفير عن نفسه والكهنة وعن كل الشعب خلال ذبيحة الخطية. إذ لا يقدر المؤمن أن يُقدم ذبيحة التسبيح والفرح إلاَّ بعد تقديم التوبة لنوال المغفرة في استحقاقات الدم.

كان رئيس الكهنة أيضًا يلتزم بتقديم محرقات إضافية للعيد وهي ثور وكبش وسبعة خراف حوليه (عد 29: 7-11) مع تقدماتها وسكائبها (عد 28: 12-14). وإن كان بعض الدارسين يرون أن هذه الذبائح الإضافية تُقدم بعد المحرقة الصباحية الدائمة قبل البدء في طقس يوم الكفارة.

يقدم رئيس الكهنة أيضًا ذبيحة خطية إضافية هي تيس من المعز (عد 29: 10-11). ربما خشية أن تكون هناك أخطاء قد ارتكبها سهوًا أثناء خدمة اليوم سواء من جانب رئيس الكهنة أو الكهنة أو الشعب.

أما الذي أطلق التيس الحيّ إلى عزازيل فيغسل ثيابه ويرحض جسده بماء، وبعد ذلك يدخل المحلة... هذا العمل ربما يُشير إلى ما فعله ربنا يسوع المسيح الذي غسل طبيعتنا بدمه على الصليب في وقت المساء حتى يدخل بنا إلى مقدسه السماوي.

أما بالنسبة للحم ثور الخطية وتيس الخطية وجلدهما مع فرثهما (بقايا الطعام الذي في الأمعاء) فتخرج خارجًا وتحرق بالنار [27] مع أن لحم ذبيحة الخطية العادية وجلدها من نصيب الكهنة.

في أيام هيكل سليمان كان يحملهما أربعة كهنة شبان، يحمل كل اثنين واحدة منهما على عصوين، وبعد إحراقهما خارجًا يغسلون ثيابهم وأجسادهم ويعودون إلى الهيكل ليقرأوا على الشعب الفصول الخاصة بيوم الكفارة من سفر اللاويين (23: 26-32)، ومن سفر العدد (29: 7-11) والشعب واقفًا يسمع. ثم يباركون الشعب بالبركة الكهنوتية ويطلبون في النهاية من أجل الشريعة والخدمة والإعتراف ومغفرة الخطايا وأورشليم والهيكل وشعب إسرائيل والكهنوت المقدس.

أخيرًا يُقدم رئيس الكهنة ذبيحة المساء اليومية أو الدائمة بنفسه.

9. الكفارة فريضة دهرية:

جعل الله "يوم الكفارة" فريضة دهرية يلتزم بها رئيس الكهنة اللاوي حتى يأتي رئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع فيتممه في جسده ذبيحة فريدة تدخل بنا إلى المقدسات السماوية أبديًا.

مع هذا الطقس الرهيب الذي كان اليهود يمارسونه بمهابة ورهبة كل عام كانوا يشعرون بالعجز، إذ يمارسون الرمز لا الحق ذاته. يظهر ذلك من نغمة ليتورجيتهم في ذلك اليوم، إذ جاء فيها: [بينما المذبح والهيكل قائمان في موضعهما يكفر عنا تيسان خلال القرعة، لكن الآن بسبب خطايانا لو أن يهوه يود هلاكنا فإنه لا يقبل من أيدينا محرقة أو ذبيحة[228]].


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 17 PDF Print Email

المذبح والذبائح

في الأصحاح السابق إذ أعلنت الشريعة دور الذبيحة المقدسة في تقديس هرون أو رئيس الكهنة حتى يخترق الحجاب ويتمتع بالإقتراب من تابوت العهد ليشفع عن نفسه وكل شعب، أراد أن يعلن عن أهمية الذبيحة واربتاطها بالمذبح المقدس وقدسية الدم، حتى لا يحدث لبس بين الشعب.

1. المذبح والذبائح                   [1-9].

2. منع أكل الدم                      [10-12].

3. دم الصيد                          [13-14].

4. عدم أكل الميت أو الفريسة        [15-16].

1. المذبح والذبائح:


كان الأمر الإلهي: "كل إنسان من بيت إسرائيل يذبح بقرًا أو غنمًا أو معزى في المحلة أو يذبح خارج المحلة وإلى باب خيمة الإجتماع لا يأتي به ليقرب قربانًا للرب أمام مسكن الرب يُحسب على ذلك الإنسان دم، قد سفك دمًا فيُقطع ذلك الإنسان من شعبه. لكي يأتي بنو إسرائيل بذبائحهم التي يذبحونها على وجه الصحراء للرب  إلى باب خيمة الإجتماع إلى الكاهن ويذبحونها ذبائح سلامة للرب..." [3-5].

ماذا تعني هذه الشريعة؟ هل تحرم على شعب بني إسرائيل ذبح الحيوانات المحللة للأكل خارج باب خيمة الإجتماع، وتلزمهم بتقديم كل ذبائحهم كذبائح سلامة للرب [6]؟

هناك رأيان: 

الرأي الأول: أن هذا النص يُفسر حرفيًا بالنسبة لشعب بني إسرائيل في البرية، فقد كان الله يهتم بأكلهم وشربهم وكل احتياجتهم، فيرسل لهم المن من السماء، فلم يصرح لهم بذبح حتى الحيوانات المحللة إلاَّ خلال الذبائح المقدمة للرب. ولعل كان غاية هذا تأكيد أن الله يعولهم حتى في أكلهم بطريقة فائقة أثناء تجوالهم في البرية. وما هم أهم أنه خشى عليهم من الذبح للأوثان، لذلك اشترك أن تقدم كل ما يذبح من الحيوانات الطاهرة باسم الرب عند باب خيمة الإجتماع ليكون للرب نصيب فيها. لعل بعض اليهود كان قد مارس الذبح لعجل أبيس في مصر أو كانت صورة الذبائح المصرية أمام عينيه فأراد الرب أن يمسح هذه الصورة حتى من ذهنهم فترة الأربعين سنة.

أما عند بلوغهم أرض كنعان وتقسيم الأراضي على الأسباط، إذ صاروا يأكلون من ثمار أرض الموعد ويذبحون سمح لهم بذبح الحيوانات الطاهرة وأكل لحمها (تث 12: 20-22)، بشرط أن يأتوا بذبائحهم التي للرب (غير الذبائح التي للأكل) وتقدماتهم وباكوراتهم إلى بيت الرب (تث 12: 11- 19، 26-27).

الرأي الثاني: إن ما ورد في هذا الأصحاح يقصد الذبح لا للطعام، وإنما كذبائح للرب، إذا أراد عدم تقديم ذبائح للعبادة خارج دائرة الخيمة أو الهيكل، أي بعيدًا عن مذبح الرب المقدس. هذه الشريعة يلتزم بها المؤمنون حتى لا ينحرفوا إلى الذبح للأوثان أو الإشتراك في العبادات الوثنية. وقد سمح الله لبعض رجال الله أن يقيموا مذبح لله وتقديم ذبائح لمقاصد إلهية إستثنائية كما فعل يشوع على جبل عيبال (يش 8: 20)، وجدعون الذي هدم هيكل البعل وساريته وقام ببناء مذبح الرب بأمر إلهي (قض 6: 25-27)، وصموئيل النبي حين قدم ذبيحة في المصفاة (1 صم 7: 5-11)، وداود النبي في بيدر أرونة اليبوسي (2 صم 24: 18-25)، وإيليا النبي حين قاوم كهنة البعل (1 مل 18: 19-40). هذه الحالات وأمثالها لم تكن ممارسات يومية عادية وإنما تحت ظروف معينة طلب الله من رجاله أن يقيموا له مذبحًا لتمجيدة أو مقاومة العبادة الوثنية أو لرفع غضبه عن شعبه في ظرف طارئ!

في العهد الجديد نتمتع بمذبح إلهي لا تقدم عليه ذبائح حيوانية ولا يرش عليه دم تيوس وعجول، إنما نراه مذبحًا سماويًا يقدم لنا الله الآب بروحه القدوس جسد الرب ودمه المبذولين لتقديسنا. يقول القديس أغسطينوس: [يوجد مذبح غير منظور في الأعالي لا يقترب إليه الشرير... خلال مقدس الله وخيمته وكنيسته إذهب إلي مذبح الله الذي هو في الأعالي[229]].

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم على مهابة مذبح كنيسة العهد الجديد، قائلاً: [مهوبة حقًا هي أسرار الكنيسة! مهوبة حقًا هو المذبح! لقد خرج من الفردوس ينبوع يبعث أنهارًا مادية، أما هذه المائدة فأخرجت ينبوعًا يبعث أنهارًا روحية، لا يُزرع على جوانبها شجر الصفصاف غير المثمر بل تزرع أشجارًا تصل إلى السماء وتحمل ثمرًا دائمًا لا يفسد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). إن كان أحد لفحة الحر فليقترب من الينبوع فتبرد حروقه وينطفئ ظمأه ويحمل راحة عوض الحروق التي سببتها السهام النارية لا الشمس. فإن بدايته في الأعالي ومصدره هناك، ومن السماء تفيض مياهه. كثيرة هي مجاري هذا الينبوع الذي يرسله المعزي. الإبن هو الشفيع، لا يمسك فأسًا ليمهد لنا الطريق، إنما يفتح أذهاننا. هذا الينبوع هو نور يبعث أشعة الحق، تقف بجواره القوات السمائية في الأعالي تتطلع إلى جمال مجاريه، إذ هم قادرون بالأكثر على إدراك قوة الأمور الموضوعة عليه والبهاء الذي لا يُقترب منه. من يشترك في هذا الدم يقف مع الملائكة ورؤساء الملائكة والقوات العلوية، ملتحفًا بثوب المسيح الملوكي، له أسلحة الروح، لا بل يلتحف بالملك نفسه[230]].

مرة أخرى يقول: [أتوسل إليكم، أنظروا، إنها مائدة ملوكية قد أعدت لنا! الملائكة تخدمها، والملك جالس بنفسه، فهل تقفوا متثائبين؟![231]].

2. منع أكل الدم:

إذ منع تقديم أي ذبيحة للعبادة خارج دائرة الطقس الإلهي حتى لا ينحرف اليهود إلى العبادات الوثنية، رابطًا شعبه كله - كهنة وشعبًا - بالمذبح، ليجتمع الكل معًا في الرب خلال الذبيحة، عاد  ليؤكد منعه أكل الدم لا بالنسبة للأسرائيلين فحسب وإنما حتى للغرباء الذين ينزلون في وسطهم، وقد سبق لنا الحديث عن الحكمة من منع أكل الدم في دراستنا للأصحاح الثالث.

3. دم الصيد:

سمح للإسرائيلين وللنازلين في وسطهم إن اصطادوا صيدًا، سواء كان حيوانًا أو طائرًا - أن يأكلوا منه إن كان من الأطعمة المحللة، أما بالنسبة لدمها المسفوك فيقول "يغطيه بالتراب" [13]. ولعل الحكمة من تغطية الدم هنا بالتراب أن يذكر الإنسان أن هذه الحيوانات التي خرجت من الأرض (تك 1: 24)، تعود إليها... أما الإنسان وقد حمل نسمة حياة خلال النفخة الإلهية فيليق به ألا يلتصق بعد بالتراب حتى لا يعود إلى التراب، إنما يلتصق بالله السماوي لينطلق إلى السماء أبديًا.

ولعل تغطية دم الصيد بالتراب فيه توقير الإنسان لكل كائن، حتى وإن كان حيوانًا أو طيرًا يأكل لحمه، فلا يليق به أن يطأ دمه بقدميه، إنما يغطي الدم بالتراب كمن يدفنه. هذا الفكر يهب للإنسان إتجاه لطف وترفق حتى بدم الصيد، فلا يعيش الإنسان متعجرفًا وعنيفًا.

وربما أيضًا أراد الله أن يقدم شريعة حتى عن تغطية دم الصيد حتى لا يستخدم هذا الدم في أغراض وثنية نجسة كسكبه للأصنام.

4. عدم أكل الميت أو الفريسة:

"وكل إنسان يأكل ميتة أو فريسة وطنيًا كان أو غريبًا يغسل ثيابه ويستحم بماء ويبقى نجسًا إلى المساء ثم يكون طاهرًا. وإن لم يغسل ولم يرحض جسده يحمل ذنبه" [15-16].

حرمت الشريعة أكل الحيوانات الميتة طبيعيًا أو خلال الأختناق، أي ما لم يكن مذبوحًا، كما حرمت أكل الحيوانات أو الطيور التي افترسها وحش... من يفعل ذلك عمدًا كان يتعرض للجلد وأحيانًا للقطع من شعب الله. إنما هنا الشريعة لمن أكل سهوًا أي بدون معرفة، فإن عرف يلتزم أن يغسل ثيابه ويستحم ويبقى نجسًا لا يدخل المقدسات ولا يلمسها حتى المساء.

أما علة منع أكل الميت والفريسة، فهي أولاً لأسباب صحية، حتى لا يكون قد مات بمرض تنتقل عدواه إلى الإنسان، أو افترسه وحش بث فيه سم كالحيات أو حملت أسنانه ميكروبًا. والسبب الثاني إن أكل ما هو ليس مذبوحًا يحمل نوعًا من الشراهة والنهم خاصة وأنه يدرك أن اللحم خاص بميت أو هو فضلة من فضلات الوحوش. وربما كان المنع لأن الدم في الحالتين يحتمل أن يكون قد حبس في اللحم. وأخيرًا فإن الفريسة قد لمسها وحش دنس فتدنست لذلك لا يأكلها الإنسان حتى لا يتدنس.

في عصر الرسل قررت الكنيسة إمتناع الأمم عن أكل الدم والمخنوق وما ذبح للأوثان (أع 15).



+ إقرأ إصحاح 17 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 18 PDF Print Email

القداسة والعلاقات الجسدية

إفتتح حديثه هنا عن شرائع التقديس خاصة شريعة الزيجة المحرمة لا كأوامر تلتزم بها الجماعة قسرًا وإنما كطريق تتمتع فيه الجماعة بالحياة المقدسة التي لم ينعم بها الأمم، ولكي تتأهل الجماعة لأن تُحسب شعبًا لله القدوس، وأخيرًا حتى لا ينجسوا الأرض بالشر فتلفظهم عنها.

1. مقدمة للشرائع                            [1-5].

2. الزيجات المحرمة                 [6-18].

3. الإنحرافات الجسدية               [19-23].

4. نتائج الأباحية                     [24-30].

1. مقدمة للشرائع:


إن كان الرب يفتتح هذه الشرائع بشربعة "الزيجات المحرمة" فلئلا يظنوا في الشريعة أنها حرمان ومنع أعلن غايتها: "أنا الرب إلهكم، مثل عمل أرض مصر التي سكنتم فيها لا تعملوا ومثل عمل أرض كنعان التي أنا آت بكم إليها لا تعملوا، وحسب فرائضهم لا تسلكوا، أحكامي تعملون وفرائضي تحفظون لتسلكوا فيها، أنا الرب إلهكم، فتحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها الإنسان يحيا بها. أنا الرب" [2-5].

يلاحظ في هذه الإفتتاحية الآتي:

أولاً:
أنه يبدأها بقوله: "أنا الرب إلهكم"، ويختمها بقوله: "أنا الرب"، وفي المنتصف أيضًا يقول: "أنا الرب إلهكم"، مكررًا هذا التعبير أثناء حديثه في نص الشرائع ذاتها. وكأنه يود أن يقول أنا الرب إلهكم، أنا هو البداية، وأنا النهاية، وأنا هو طريقكم... ما أقدمه لكم من شرائع ليس حرمانًا ولا تركًا لشيء إنما هو اقتناء ليّ أنا مشبعكم! الله هو غاية الوصية، نقبل وصيته وشريعته لكي نكتشفه ونقتنيه كسرّ حياتنا.

ثانيًا:
أوضح في هذه الإفتتاحية أنه بهذه الشرائع أراد أن يفرزهم له، فإن كان قد أطلقهم من أرض العبودية ووهبهم كنعان ميراثًا فلا يليق بهم أن يسلكوا بذات سلوك من استعبدوهم ولا بسلوك من اقتنوا أرضهم. يليق بشعب الله، وبكل عضو فيه أن تكون له شريعته الروحية التي تميزه عن محبي العالم.

ثالثًا: يرى القديس أكليمندس الإسكندري[232] في هذه العبارة أن مصر تُشير إلى محبة العالم وأهل كنعان إلى الخداع، وقد جاءت الوصية الإلهية تحذرنا من محبة العالم كما من الخداع.

رابعًا: يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة "فتحفظون فرائضي وأحكامي التي إذا فعلها الإنسان يحيا بها" قائلاً: [لا يوجد طريق آخر به يكون الإنسان بارًا إلاَّ بحفظ الناموس كله، لكن هذا ليس في استطاعة أحد قط، فقد فشل اليهود في التمتع بهذا البر[233]]. لذلك كانت الحاجة إلى من يحفظ الناموس ولا يكسر وصيه منه، وهو ربنا يسوع المسيح، الذي انحنى تحت الناموس ليتممه بإرادته عاتقًا إيانا من لعنته التي حلت بنا خلال كسرنا وصياه. لهذا قال الرسول بطرس: "إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟!" (يو 6: 68).

2. الزيجات المحرمة:

بعد الإفتتاحية السابقة عرض للزيجات المحرمة، مانعًا الإقتراب إلى جسد الأقرباء، وكشف عورتهم بمعنى الإمتناع عن الإتحاد معهم في علاقة زوجية، وقد حدد الزيجات الممنوعة هكذا:

أ. الزواج من الأب أو الأم [7]، حتى لا يسقط أحد فيما فعله إبنتا لوط (تك 19: 30-38) فأنجبتا للعالم موآب وعمون اللذين أقاما أمتين مقاومتين لله.

ب. الزواج من إمرأة الأب [8] سواء في حياة والده أو بعد وفاته. لقد تمررت نفس يعقوب عندما سمع أن إبنه البكر رأوبين اضطجع مع سريته بلهة (تك 35: 22)، حاسبًا إياه أنه دنس مضطجع أبيه، وبسبب هذا فقد بكوريته (تك 48: 22). إرتكب إبشالوم نفس الخطأ عندما ثار على أبيه داود وأقام نفسه ملكًا واضطجع مع سراري أبيه (2 صم 16: 22)

ج. الزواج من الأخت [9].

د. الزواج من الحفيدة [10].

ه. الزواج من بنت إمرأة الأب [11] متى كانت مولودة من أبيه... ربما يقصد بهذا أن إبنة إمرأة أبيه حتى وإن كانت ليست من أمه ولا من أبيه، لكنها تحسب مولودة من أبيه لإرتباط أمها به كزوجة. بمعنى آخر لا يجوز الزواج بإبنة إمرأة الأب حتى وإن كانت من أب آخر لأنها هي إبنة لأبيه خلال اتحاد أمها معه.

و. الزواج بالعمة أو الخالة [12، 13].

ز. الزواج من زوجة العم [14].

ط. الزواج من الكنة [15].

س. الزواج من إمرأة وبنتها، أو من إمرأة وإبنة إبنها أو إبنة بنتها [17].

ش. الزواج من أخت كضرة لأختها [18]، بمعنى ألا يتزوج إنسان أخت زوجته بعد تطلق أختها حتى لا تشعر الأولى بالكراهية نحو أختها، وبالأولى أيضًا لا يتزوج إنسان أختين معًا في حياتهما كما فعل يعقوب حين تزوج ليئة وراحيل قبل الشريعة.

والآن: لماذا جاءت الشريعة تحرم الزواج من هؤلاء القريبات جسديًا؟

أولاً:
جاء التحريم ليحفظ قدسية الحياة العائلية خاصة وقد عاشت العائلات تحت سقف واحد، فالشاب يتطلع إلى والديه وأخوته وعمه وخاله وزوجة العم أو الخال وبنات الخال والعم بقدسية، خاصة إنهم من لحمه ودمه... فهو يدرك أنه لا يتزوح أحدًا منهم فيتعامل بحب أخوي أو بنوي طاهر، بنظرة بعيدة كل البعد عن أي فكر جسداني.

ثانيًا: من الناحية الصحية يرى علماء الوراثة أن الزواج من الأقرباء كأبناء العم يعرض النسل لأمراض وراثية أكثر مما لو تزوج الإنسان من غير الأقرباء.

ثالثًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[234] أن الإمتناع عن الزواج من أهل الزوجة أو الزوج المقربين إنما يعني الدخول في رباطات حب قوية حتى يحسب الإنسان أهل زوجته أهله، فلا يلتصق بهم بالزواج لأنه التصق بهم خلال زوجته. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وبنفس الفكر يرى القديس باسيليوس الكبير[235] أن الرجل لا يستطيع أن يتزوج أخت زوجته حتى بعد وفاتها، لأن الشريعة تمنع الزواج من الأقارب الملتصقين به. فبالزواج إذ صار الإنسان واحدًا مع زوجته لا يجوز له الزواج بأمها أو إبنتها بكونهما أمه وإبنته، وهكذا لا يجوز له الزواج بأختها بكونها قد صارت له أختًا.

رابعًا: هذه الزيجات المحرمة ربما توسع دائرة الإرتباط الأسري، فلا تتقوقع كل عائلة حول نفسها... بل يأخذ الأبناء من عائلات أخرى فترتبط العائلات معًا.

3. الإنحرافات الجسدية:

بعد منعه من الزواج بالمقربات جدًا، حذرت الشريعة من الإنحرافات الجسدية التي كانت منتشرة في بعض الشعوب الوثنية مثل:

أولاً: "لا تقترب إلى امرأة في نجاسة طمثها لتكشف عورتها" [19]. تمنع الشريعة من معاشرة الرجل لإمرأته في أثناء مرضها الشهري أو إذا كان بها نزف دم... فإن تم ذلك عمدًا يقطع الإثنان من الشعب (20: 18)، أما إن كان سهوًا يُحسب الرجل نجسًا سبعة أيام (15: 19).

المنع يقوم على أساس صحي، إذ غالبًا ما تكون الزوجة من الجانب الصحي والنفسي غير مستعدة للمعاشرة الزوجية. أما الأساس الروحي، فكما جاء في قوانين الرسل: [إنهم يفعلون هذا لا لإنجاب أطفال بل لأجل اللذة. يليق بمحب الله ألا يكون محبًا للذة[236]].

ثانيًا: الإمتناع عن الزنا [20]، وكان عقاب الرجل الذي يزني مع إمرأة رجل آخر الموت رجمًا هو والمرأة (20: 10، تث 22: 22).

ثالثًا: الإمتناع عن تقديم الأطفال كذبائح بشرية كملوك إله عمون، بإجازتهم في النار أما الصنم [21].

رابعًا: الإمتناع عن الشذوذ الجنسي كمعاشرة الذكور [22]، أو الحيوانات [23].

4. نتائج الإباحية:

إن كان الله في الإفتتاحية أعلن شوقه نحو شعبه أن يحيا مقدسًا ليتسم الشعب بما يليق بإلهه، وأن يكون له سمته الخاصة التي تفرزه عن الأمم الوثنية، الآن في نهاية هذه الشريعة يكشف عن الجانب السلبي، وهو ثمر الخطية خاصة الإباحية الجسدية:

أولاً: حينما يلهو الإنسان في الرجاسات تتنجس الأرض به، ثم تعود فتقذفه خارجًا، وكأنها تجازيه عما فعله بها [25]. إن كان الله قد خلق العالم من أجل الإنسان، فإذ يفسد الإنسان سيد الأرض يفسد الأرض فلا تطيقه بل تتقيأه.                 

في القديم أخطأ آدم وحواء، فسقطت الأرض تحت اللعنة تنبت شوكًا وحسكًا (تك 3: 17)، وحينما سفك قايين دم هابيل، قيل: "لا تعود تعطيك الأرض قوتها" (تك 4: 12)... ويقول الرسول: "فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن" (رو 8: 22). والآن إذ نرجع إلى الرب مقدسين في دمه تباركه الخليقة وتمجده!      

ثانيًا
: إن كانت الأرض أو الخليقة لا تطيق الفساد فتقذفه، فبالأولى لا تطيق كنيسة الله المقدسة الشرير المصرّ على شره بل تفرزه وتطرده من العضوية في الجسد المقدس: "كل من عمل شيئًا من جميع هذه الرجسات تقطع الأنفس التي تعملها من شعبها" [29]. كان القطع في العهد القديم غالبًا ما يكون بالرجم، أما في العهد الجديد فبالحرمان من الشركة، كقول الرسول بولس عن ذاك الذي صنع شرًا مع إمرأة أبيه: "فإنيّ أنا كأنيّ غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت كأنيّ حاضر في الذي فعل هذا هكذا، باسم ربنا يسوع المسيح أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 3-4). إنه كمن يسلمه للشيطان بطرده من شركة الحياة، لا عن كرهية وإنما لكي إذ تتمرر حياته يرجع تائبًا فيسمع كلمات الرسول نفسه عن ذات الشخص: "تسامحونه بالحرى وتعزونه لئلا يبتلع مثل هذا الحزن المفرط" (2 كو 2: 7).



+ إقرأ إصحاح 18 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

القداسة والمعاملات

إذ تحدث عن الإمتناع عن الزيجات المحرمة والعلاقات الجسدية الخاطئة، يحدثنا هنا عن ترجمة الحياة المقدسة عمليًا خلال علاقتنا بالله والوالدين والإخوة حتى في تصرفاتنا مع الحيوانات والنباتات.

1. علاقتنا بالله القدوس                        [1-2].

2. إكرام الوالدين                              [3].

3. حفظ السبت ورفض الوثنية                 [3-8].

4. شرائع خاصة بالحصاد                     [9-10].

5. شرائع خاصة بالإخوة                      [11-18].

6. شرائع خاصة بالحيوانات والزراعة         [19].

7. شريعة السقوط مع جارية                  [20-22].

8. شريعة بكور الأشجار                       [23-25].

9. أحكام عامة                                [26-27].

1. علاقتنا بالله القدوس:

"وكلم الرب موسى قائلاً: كلِّم كل جماعة بني إسرائيل وقل لهم: تكونون قديسين لأنيّ قدوس الرب إلهكم" [1-2].

الله هو سرّ قداستنا، إذ ندخل معه في شركة بثبوتنا في الإبن القدوس بواسطة روحه القدوس الساكن فينا نحمل سماته فينا فنحسب قديسين. وكأن القداسة ليست امتناعًا عن الشر فحسب ولا حتى مجرد ممارسة لأعمال فاضلة إنسانية، إنما هي قبول لله القدوس وتمتع به، فنحمل سماته هبة من عندياته. القداسة هي هبة الله القدوس لأولاده، إذ يقول: "لأجلهم أقدس أنا ذاتيّ ليكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق" (يو 17: 19).

أدرك القديس أغسطينوس هذه القداسة كهبة إلهية ننعم بها خلال تمتعنا بالقدوس ذاته خاصة خلال مياه المعمودية، لذا قال: [بالبر الذي تهبني إياه أصير بارًا، فليكن برّي هو برك لأنك تهبني إياه[237]]. كما يقول: [الذي نال نعمة القداسة ونعمة المعمودية وغفران الخطايا (1 كو 6: 11)... يقول لإلهه، إنيّ قديس لأنك تقدسني، ليس لأن القداسة هي من عندي، إنما لأني تقبلتها، ليس لأني أستحقها إنما أنت وهبتني إياها[238]]. وأيضًا: [إن كان كل المسيحيين المؤمنين الذي يتعمدون يلبسونه كقول الرسول: "لأن كلكم (كثيرين) الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غلا 3: 27)، إن كانوا قد صاروا أعضاء في جسده ومع هذا يقولون إنهم ليسوا قديسين  فإنهم يسيئون إلى الرأس الذي هم أعضاؤه وغير مقدسين. أنظروا أين أنتم ومن هو رأسكم فتنالون كرامة[239]]. بأكثر وضوح يقول: [تقديس المسيحي يتحقق بالمسيح نفسه، فهو قوة التقديس لله فيه... لذلك يتم التقديس في المعمودية وهناك ينتعش ويتلألأ[240]].

يقدم لنا العلامة أوريجانوس مفهومًا للتقديس من جانب آخر، إذ يرى أن التقديس يعني تكريس الإنسان بكليته لحساب مملكة الله، حتى الأمور الزمنية إنما تتقدس بتقديمها للرب، معطيًا لذلك أمثلة أن البكور التي تقدس للرب إنما تُسلم له، والملابس الكهنوتية الأواني المقدسة وأدوات الهيكل أو الخيمة تتقدس بمعنى أنها لا تستخدم إلاَّ في خدمة الرب... وهكذا الإنسان المقدس إنما يكون بكل طاقاته وإمكانياته وكل نسمات حياته لحساب مملكة النور. إنه يقول: [إن فهمنا بأي معنى يكون الحيوان (الذبيحة) والأشياء والملابس مقدسة يمكننا بمنطق جيد أن نفهم الإنسان كقديس. بالحقيقة يلزمنا أن نكرس أنفسنا للرب ولا ننشغل بأي عمل علماني حتى نرضي من جندنا (2 تي 2: 4). لنبتعد عن الذين يعيشوا جسديًا ويتمسكون بالزمنيات ولننفصل عنهم، إذ قيل: "إهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 1-2)،  بهذا نستحق أن نحسب قديسين... يجب أن نتجنب "كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب تعليم (الرسولي) الذي أخذه منا" (2 تس 3: 6)، وكما قيل: "إعتزلوا إعتزلوا أخرجوا من هناك لا تمسوا نجسًا، أخرجوا من وسطها، تطهروا يا حاملي آنية الرب" (إش 52: 11، رؤ 18: 4). إبتعدوا عن الأرضيات، أتركوا شهوات العالم "لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم" (1 يو 2: 16). لتترك هذا كله ولتكرس نفسك للرب... هذا ولا يقصد بالإعتزال ترك المكان إنما ترك الأعمال، فلا نترك الموضع إنما نغير طريقة الحياة. فإن كلمة قدوس باليونانية hagios تعني الإرتفاع فوق الأرضيات. فمن يكرس نفسه للرب يظهر فوق الأرض والعالم، ويمكنه أن يقول وهو بعد سالكًا على الأرض: "لنا مدينة في السماء"[241]].

2. إكرام الوالدين:

جاءت الوصية "تهابون كل إنسان أمه وأباه" [3] مباشرة بعد قوله: "تكونون قديسين لأنيّ قدوس الرب إلهكم" [2]، وكأن أول علامات القداسة تظهر في حياتنا العملية خلال علاقتنا بأبينا وأمنا، فإن الأبوة والأمومة تمثلان أبوة الله وأمومة الكنيسة.

إحتلت وصية إكرام الوالدين مكانًا في الوصايا العشرة (خر 20: 12)، كما في مواضع كثيرة، وكما يقول الرسول بولس إنها وصية بوعد (أف 6: 2).

في الوصية الخامسة جاء الأب قبل الأم، وهنا يذكر الأم أولاً، ليعلن المساواة بين الأب والأم وعدم التحيز لطرف على حساب الآخر، بل تكون كرامتهما واحدة في عيني الإبن أو الإبنة.

3. حفظ السبت ورفض الوثنية:

إهتم الرب بحفظ السبت كوصية إلهية (خر 20: 8)، وكعهد بين الله وشعبه، علامة راحة الله في شعبه وراحة الشعب في إلهه وحده، لذلك فإن السبت يعتبر عيدًا أسبوعيًا له طقسه الخاص، نتحدث عنه في الأصحاح الثالث والعشرين إن شاء الرب وعشنا.

حذرهم الرب أيضًا من الإلتفات إلى الأوثان أي الإهتمام بها [4]، أو صنعها، وتقديم ذبائح لها... هذه الوصية تقدم لنا حتى لا نقيم لأنفسنا آلهة نتعبد لها، سواء كانت هذه الآلهة هي بطوننا أو كرامتنا أو غنانا أو شهوة جسدية! ليته لا يحتل القلب آخر غير الرب، له وحده نتطلع وإياه نشتاق ونتعبد.

أوصاهم أيضًا أن يأكلوا ذبيحة السلامة يوم ذبحها أو في اليوم الثاني، أما ما يتبقى في اليوم الثالث فيحرق بالنار[6]... وكما سبق فقلنا أن هذا التصرف يُشير إلى قبولنا الرب القائم من الأموات في اليوم الثالث. بقاء الذبيحة بعد ذلك يعرضها للفساد، وإذ هي تُشير للمسيح يسوع الذبيح القائم من الأموات فإن جسده لم يصبه فساد.

4. شرائع خاصة بالحصاد:

"وعندما تحصدون حصيد أرضكم لا تكمل زوايا حقلك في الحصاد، ولقاط حصيدك لا تلتقط" [9].
هذه الوصية تمس حياة المؤمن نفسه، فإذ يحمل في قلبه إتساعًا نحو إخوته المحتاجين والغرباء يقدم لهم من الحصاد دون إحراج لمشاعرهم، فيطلب من الحصادين أن يتركوا زوايا الحقل بلا حصاد ولا يلتقطوا ما يسقط من الحزم من سنابل أثناء نقلها، حتى لا يتحرج  المسكين أو الغريب، إذ يدخل الحقل ليجد في جوانبه ما يستطيع حصاده دون خجل أو يلتقط الساقط من الحصادين كما فعلت راعوث الموآبية.

كأن هذه الوصية تحثنا لا على العطاء للفقراء والمساكين بل بالأكثر على عدم مس كرامتهم أو جرح مشاعرهم، فنعطيهم حبًا من القلب قبل أن نعطيهم طعامًا أو كساءً لذلك يقول الحكيم: "المستهزئ بالفقير يعيّر خالقه" (أم 17: 5).

بنفس الروح يقول: "كرمك لا تعلله" [10]، أي لا تجمعه عدة مرات حتى تجرد الكروم من كل ثمارها فلا يجد الغريب أو الفقير نصيبًا. وقد جاءت الترجمة السبعينية "لا تعد إلى خصاصة الكرم"، أي لا تجني الفضلات الباقية. يقول أيضًا "ونثار كرمك لا تلتقط" بمعنى ما يسقط من الأشجار على الأرض طبيعيًا أو خلال الجني أتركه للمساكين والغرباء.

5. شرائع خاصة بالأخوة:

بعد أن حدثنا عن علاقتنا بالله نفسه وبالوالدين والمساكين والغرباء قدم لنا دستورًا يمس علاقتنا بالإخوة، أهم بنوده:

أ. "لا تسرقوا" [11]: جاءت الوصية صريحة "لا تسرق" (خر 20: 15)، فالمؤمن الحقيقي ليس فقط لا يسرق ما هو للآخرين إنما يشتاق أن يقدم ما لديه للآخرين، إذ يقول الرسول: "لا يسرق السارق فيما بعد بل بالحرى يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطي من له احتياج" (أف 4: 28). إنه يحمل روح سيده الذي يتعب ليهب شبعًا لكل محتاج، وراحة لكل نفس متعبة!

ب. "ولا تكذبوا" [11]: يقول القديس يوحنا كليماكوس: [الكذب يدمر المحبة، واليمين الكاذبة إنكار لله[242]]، [الطفل لا يعرف شيئًا عن الكذب وكذلك النفس المنزهة عن الشر[243]].

ج. "ولا تغدروا أحدكم بصاحبه" [11]: يقصد بالغدر الخيانة بكل صورها وعدم انفتاح القلب بالحب للآخرين، كما غدر قايين بأخيه هابيل (تك 4: 8)، وأخوة يوسف بأخيهم (تك 37)، ويهوذا بمعلمه السيد المسيح (مت 26: 47-49). يقول القديس يوحنا الدرجي: [إن حقدت فاحقد على الشياطين، وإن عاديت فعاد (شهوات) جسدك كل حين[244]]، [متوحد حقود يشبه أفعى في وكرها تحمل سمًا مميتًا في داخلها[245]].

د. "لا تحلفوا بإسمي للكذب، فتدنس إسم إلهك" [12]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن أورشليم مدينة الله التي حملت في داخلها الهيكل وتابوت العهد وتمتعت بالأنبياء ومواعيد الله هلكت خلال القسم الباطل[246]]. وقد جاءت الوصايا العشر تنهي عن القسم الباطل (خر 20: 7)، سمحت بالقسم في العهد القديم علامة إعتزاز الشعب بالإله، وحتى لا يقسم بالآلهة الوثنية، لكنها شددت ألا يكون باطلاً، أما وقد جاء السيد المسيح فنهى عن القسم تمامًا، قائلاً: "ليكن كلامكم نعم نعم لا لا، وما زاد على ذلك فهو شرير" (مت 5: 37).



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email


ه. "لا تغصب قريبك ولا تسلب، ولا تبت أجرة أجير عندك إلى الغد"  [13]. هكذا تحذرنا الشريعة من اغتصاب حقوق الأخوة وسلبهم ما لهم سواء كان أمرًا ماديًا أو معنويًا... وقد قدم نوعًا من الظلم الذي قد يحدث عفوًا، كأن يؤجل إنسان أجرة الأجير إلى اليوم التالي بينما يكون هذا العامل وعائلته في عوز للأجرة. كأن الظلم لا يقف عند سلب مال الإنسان وإنما حتى تأخير إعطائه حقه يُحسب ظلمًا وسلبًا وسرقة! في وضوح يقول: "لا تظلم أجيرًا مسكينًا وفقيرًا من أخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك، في يومه تعطيه أجرته ولا تغرب عليها الشمس لأنه فقير وإليها حامل نفسه لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطية" (تث 24: 14-15)، وقد ندد معلمنا يعقوب بالسالبين حقوق العمال والأجراء بقوله: "هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المنجوسة منكم تصرخ وصياح الحصادين قد دخل إلى أذنيّ رب الجنود" (يع 5: 4).

و. "لا تشتم الأصم، وقدام الأعمى لا تجعل معثرة، بل إخش إلهك، أنا الرب" [14].

يقدم نوعًا آخر من الظلم يقوم على استغلال ضعف الآخرين عوض مساندتهم، فنشتم الأصم الذي لا يسمع ليدافع عن نفسه، ونعثر الأعمى عوض إقامته من العثرة، وقد اعتبر الرب هذه الإهانات موجهة له شخصيًا، إذ هو أب المساكين والمعتازين والمعوقين، إذ يقول "بل إخش إلهك".

لعله يقصد بالأصم الذي نشتمه، ذاك الذي نغتابه من خلف فلا يسمع إساءتنا له، والأعمى الذي نضع أمامه العثرة الضعيف روحيًا الذي ندينه ونحطمه عوض مساندته بروح الرجاء وإقامته من ضعفه.

يحذرنا القديس مقاريوس الكبير عن شتم الأصم مطالبًا إيانا بالهروب من كلمة النميمة، قائلاً: [إحفظوا ألسنتكم وذلك بأن لا تقولوا على إخوتكم شرًا، لأن الذي يقول على أخيه شرًا يغضب الله الساكن فيه. ما يفعله كل واحد برفيقه فبالله يفعله[247]]. ويقول القديس جيروم: [إذا سمعت أحدًا يثلب غيره إهرب منه كهروبك من حية سامة، حتى يخجل ويتعلم ألا يتكلم بهذا مرة أخرى[248]].

أما عن عدم وضع معثرة للأعمى فيقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نضع زيتًا مرطبًا على جراحات الضعفاء لا مواد ملتهبه تزيد آلامهم].

ز. لا ترتكبوا جورًا في القضاء، لا تأخذوا بوجه مسكين، ولا تحترم وجه كبير، بالعدل تحكم لقريبك" [15]. يليق بنا أن نحكم بالعدل بغير ظلم، فالمسكين لا يشفع فيه فقره لنحابيه، والغني لا يسنده غناه وجاهه لنجامله.

ط. "لا تسع في الوشاية بين شعبك، لا تقف على دم قريبك، أنا الرب" [16].

يقصد بالوشاية الإفتراء على الآخرين أمام أصدقائهم أو عائلاتهم أو رؤسائهم وكما يقول إرميا النبي "علموا ألسنتهم التكلم بالكذب وتعبوا في الإفتراء" (إر 9: 5). أما الوقوف ضد دم القريب أو ضد حياته فيعني ألا يكون سببًا في هلاكه أو تحطيمه جسديًا أولاً: معنويًا خلال شهادة زور أو الإمتناع عن الدفاع عنه... إلخ. أما قوله "أنا الرب"، فكأنه يقول: إن كنت تشي بأخيك أو تحطم حياته، فأنا الرب أدافع عن كرامة المظلومين وحياة المحطمين!

ظ. "لا تبغض أخاك في قلبك، إنذارًا تنذر صاحبك، ولا تحمل لأجله خطية" [17].

إن أخطأ إليك أخوك فلا تبغضه في قلبك إنما عاتبه وانذره (مت 18: 15-17)، فقد تكون أسأت فهمه أو وشى به أحد ظلمًا، وقد يكون قد تصرف هو عن عدم فهم... إعط لنفسك فرصة ألا تحمل في قلبك كراهية أو بغضة، واعط لأخيك فرصة للدفاع عن نفسه وكشف نيته أو توبته ورجوعه عما فعله بك، وقد سبق لنا الحديث في هذا الموضوع في دراستنا لإنجيل متى (أصحاح 18).

أما قوله "ولا تحمل لأجله خطية" فيعني أنك إذ تبغض أخاك حتى وإن كان قد أخطأ إليك، فإنك بهذه البغضة تفسد قلبك وتحمل خطية في داخلك. لذلك يرى القديس أغسطينوس في قول الرسول: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1 يو 3: 15)، أن الغضوب يقتل نفسه الداخلية بحمله روح البغضة، إذ يقول: [إن وجدتم في منازلكم عقارب وحيات، ألا تجتهدوا في طردها حتى  تعيشوا في أمان منها في منازلكم؟! ومع ذلك فها أنتم غضبى، وهوذا الغضب يتأصل في قلوبكم، وينمي فيها حقدًا وخشبًا كثيرًا وعقارب وحيات، ومع هذا فلا تنقون قلوبكم التي هي مسكن الله!![249]].

لاحظ القديس يوحنا كاسيان أن الشريعة أرادت استئصال الشر من جذوره، بالقول: "لا تبغض أخاط من قلبك"، قبل أن يتحول الغضب الداخلي والبغضة التي في القلب إلى انتقام وحقد [18]. يقول: [لماذا نتحدث بعد عن الوصايا الإنجيلية والرسولية إن كان حتى الناموس القديم الذي يُظن إلى حد ما أنه ليس صارمًا يحذرنا من الغضب بالقول: "لا تبغض أخاك في قلبك"... ها أنت ترى الشر يُصد ليس في تنفيذه فقط وإنما وهو بعد في الفكر الداخلي إذ جاءت الوصية تمنع الكراهية من جذرها وهي في القلب[250]].

ع. "لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، بل تحب قريبك كنفسك أنا الرب" [18].

الله لا يطيق الكراهية أو البغضة خاصة إن صارت نقمة أو حقدًا... يقول العلامة ترتليان: [لم يضع الخالق حدودًا للمغفرة بل يأمرك ألا تحمل كراهية ضد أخيك بلا حدود، ولا تهب من يسألك فقط بل ومن لا يسألك. إرادته لا أن تغفر أية معصية بل تنساها[251]].

أخيرًا فإن علاج هذا كله هو: "تحب قريبك كنفسك، أنا الرب". بمعنى أن المؤمن إذ يحب نفسه بحق ويشتهي خلاصها ومجدها الأبدي يفرح بخلاص أخيه ويتسع قلبه له، فيراه عضوًا معه في الجسد الذي الرب نفسه رأسه. ويرى القديس أغسطينوس[252] أن الإنسان لكي يحب نفسه يليق به أن يحب الله من كل قلبه وكل نفسه وكل فكره (تث 6: 5)، فتكون أفكاره كلها وحياته ممتصة في الله واهب الحياة، وتفيض قنواته الداخلية بالحب بلا نقصان، وهكذا إذ يحب قريبه كنفسه إنما يحب أن يكون قريبه محبًا لله أيضًا من كل قلبه وكل نفسه وكل فكره. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). بهذا حتى في محبة الإنسان لقريبه يتجه بمحبته لله ولقريبه إلى قناة حب الله التي لا تنضب.

أخيرًا يعلق القديس أغسطينوس على هذه الشرائع الخاصة بعدم الحقد... قائلاً: [لا يفهم هذا صوت وصية موجهة إلى إنسان بار بل بالحرى صوت سماح مقدم لإنسان ضعيف[253]].

6. شرائع خاصة بالحيوانات والزراعة:

يبدأ هذه الشرائع بقوله "فرائضي تحفظون" [19]، ليؤكد أن هذه الشرائع سواء الخاصة بعلاقة المؤمن بوالديه أو بإخوته أو بالمساكين أو حتى بالحيوانات والزراعة إنما هي "فرائض الله" يلزم أن نحفظها من أجل علاقتنا واتحادنا معه... نحب الوصية لأنها وصية إلهنا المحبوب الذي يقدمها ليضمنا إليه بالحب.

"لا تُنز بهائمك جنسين، وحقلك لا تزرع صنفين، ولا يكون عليك ثوب مصنف من صنفين" [19].

جاءت الوصية تمنع التهجين بين جنسين من الحيوانات لإنجاب جنس ثالث، أو زرع صنفين في حقل واحد، أو نسج نوعين من الخيوط (كالصوف والكتان) في نسيج واحد... فما الهدف من هذه الوصية؟

أولاً:
يرى البعض أن الله منع التهجين حتى لا يظن الإنسان إنه يقول بعمل "خلقة" لإجناس جديدة فيدعى لنفسه الألوهية. والعجيب أن الله يسمح بالجنس الجديد غير قادر على الإنجاب، كظهور البغل ثمرة للتهجين بين الحمار والحصان.

هذا وقد استخدم اليهود "البغل" كحيوان للنقل وحمل الأثقال، يشترونه من الشعوب المجاورة لكنهم لا يقومون بعملية التهجين للحصول عليه، إلاَّ إذا حصلت هذه العملية بطريقة لا إرادية غير مقصودة.

ما هو هذا الحيوان الذي هو ثمرة التهجين بين جنسين مختلفين والعقيم غير القادر على الإنجاب إلاَّ الجسد الذي يفسده الإنسان بالشهوات والملذات المتضاربة، فيحمل الجسد إنقسامًا وتضاربًا بين أفكار الملذات والكبرياء، ولا يكون له ثمر روحي لائق يفرح قلب الله. أما جسد المؤمن الحقيقي فيحمل إنسجامًا داخليًا فيما بينه، وأيضًا إنسجامًا مع النفس بكونه خاضعًا لروح الله القدوس بجسده كما بنفسه. وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن الروح القدس هو روح الوحدة أما روح إبليس فهو روح الإنقسام والإنشقاقات، فمن يسلك بروح الرب إنما يحمل روح الوحدة، أما من يسلك بروح إبليس فيحمل إنقسامًا وانشقاقًا ليس فقط ضد إخوته لكن حتى في داخله بين جسده ونفسه].

ثانيًا: منع الله زراعة صنفين في حقل واحد، ربما يُقصد بذلك عدم خلطهما معًا... الأمر الذي يجعل الحصاد صعبًا أو مستحيلاً. ويرى البعض أن زراعة صنفين معًا يسبب تدهورًا لمحصولهما.

على أي الأحوال هذا الحقل الذي يُزرع بصنفين ليس بكنيسة الله التي تضم صنفًا واحدًا، هم أولاد الله القديسين، أو هو ليس بقلب المؤمن الحقيقي الذي يضم نورًا دون ظلمة.

الحقل الذي يضم صنفين هو القلب المتذبذب. الذي يخلط بين النور والظلمة، فلا يسلك بروح الإفراز والتمييز، بل يعرج بين الطريقين. أما قلب المؤمن فبسيط له هدف واحد، يسلك في النور ويرفض الظلمة، يقبل الحق ولا يطيق الباطل!

ثالثًا: يرى البعض أن وجود نوعين من الخيوط في النسيج كالكتان مع الصوف (تث 22: 11) يسبب التهابات جلدية وحساسية[254]. على أي الأحوال كنيسة المسيح هي توبة الذي من نسيج واحد، هو نسيج الروح الواحد والفكر الواحد غير المنقسم.

إذن في اختصار نقول أن الحيوان غير المهجّن يُشير إلى الجسد المقدس في الرب المثمر روحيًا والمنسجم مع النفس المقدسة، والحقل ذو الصنف الواحد يُشير إلى كنيسة الله التي تسلك في النور دون الظلمة، لها روح التمييز والإفراز، والثوب ذو النسيج الواحد هو وحدانية الروح والفكر!



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 19 جـ3 PDF Print Email

7. شريعة السقوط مع جارية:

من يسقط في الخطية مع جارية لم تتحرر بعد ولم يفدها خطيبها يسقط الإثنان تحت التأديب غالبًا "الجلد"، ويقوم الزاني بتقديم ذبيحة إثم أما الجارية فإذ لا تملك شيئًا تُعفى من تقديم ذبائح. على أي الأحوال لابد من تقديم دم للتطهير حتى إن سقط الإثنان تحت التأديب.

إن كانت الأمة المخطوبة قد تحررت قبل السقوط ترجم مع من ارتكبت معه الخطية.

لعل سبب التساهل إلى حد ما بالنسبة للعبيد والجواري هو معاملة الله للشعب القديم كمبتدئين روحيًا، خاصة لإختلاطهم بالشعوب الوثنية المحيطة بهم. أما الآن إذ نضج المؤمنون فلا تمييز بين العبد والحر، بل كلاهما واحد في الرب (غل 3: 28).

8. شريعة بكور الأشجار:

قدمت لهم شريعة خاصة بثمار الأشجار التي يغرسونها في أرض الموعد، هذه نصها: "تحسبون ثمرها غرلتها، ثلاث سنين تكون لكم غلفاء لا يؤكل منها، وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قدسًا لتمجيد الرب، وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها، لتزيد لكم غلتها، أنا الرب إلهكم" [23-25].

من الناحية الزراعية يطالبهم حين يغرسون أشجار فاكهة ألا يأكلوا منها ثلاث سنوات، وذلك حتى متى ظهرت أي ثمار تقطع في بدايتها وتلقى، فلا تصاب الشجرة بعجز... ففي شجر الزيتون مثلاً لو فرح الغارس بالثمار في السنوات الأولى تمتص الثمار العصارة ويصيب الشجرة العجز، أما إن نُزعت الثمار في السنوات الأولى تنمو الشجرة، وفي السنة الرابعة يكون الثمر كثيرًا فيقدم كبكور لله، فتتقدس الشجرة وتبقى بقية عمرها لغارسها.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه الشريعة بقوله: [أيها الإخوة الأحباء، إننا لا نقدم البكور متى كانت فقيرة وضعيفة بل عندما تكون غنية ولائقة... لو أن الثمرة الأولى هي البكور لكان ما يجمع في السنة الأولى للرب. لكننا نجده يقول: "ثلاث سنين تكون لكم غلفاء، لا يؤكل منها" أتركها تسقط لأن الشجرة صغيرة، إنها ضعيفة وثمرها غير ناضج. لكنه يقول إنه في السنة الرابعة تكون مقدسًا للرب، وهنا نلاحظ حكمة المشرع الذي يمنع الأكل (في الثلاث سنوات الأولى) حتى لا يسبق أحد ويأخذ ثمرًا قبل الرب، ويمنع أيضًا تقديمها للرب حتى لا تقدم ثمرة غير كاملة... ها أنتم ترون كيف أنه لا تدعى الثمرة الأولى بالبكور بل الثمرة المتأهلة للتقديم[255]]. بهذه النظرة يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن آدم الأول هو ثمرة السنة الأولى الضعيفة بسبب الخطية فلم يُحسب بكرًا، لكن آدم الثاني، ربنا يسوع المسيح هو الثمرة اللائقة، البكر الحقيقي يشتمه الآب رائحة رضا.

يمكننا أن نقول إن الإنسان في السنة الأولى داخل الفردوس لم يعرف أن يقدم ثمرًا كبكور لله، وأيضًا بعد الطرد من الفردوس إذ خضع للناموس الطبيعي كما في السنة الثانية فشل أيضًا، وفي السنة الثالثة حين صار تحت الناموس الموسوي لم يجد الله من يصلح بكرًا بلا عيب، أما في السنة الرابعة عهد النعمة فقد وجد السيد المسيح البكر الحقيقي الذي قدمته البشرية من شجرتها للآب فتتقدس الشجرة كلها بسببه. هذا هو ثمر السنة الرابعة الذي به تقدسنا عبر العصور كلها!

9. أحكام عامة:

يختم هذا الأصحاح ببعض الأحكام العامة التي تمس قداسة شعب الله، جاءت غالبيتها تحذر من الأخطاء التي سقطت فيها الشعوب الوثنية المحيطة بهم، منها:

أولاً: "لا تأكلوا بالدم" [26]. يرى علماء اليهود أن هذه الشريعة تتضمن الآتي[256]:

أ. عدم أكل لحم الحيوان بدمه كما تنص الشريعة، وعدم أكل الدم نفسه.

ب. عدم أكل لحم الحيوان بعد ذبحه مباشرة إنما يجب الأنتظار حتى يُصفي دمه.

ج. الحديث هنا خاص بلحم الذبائح، لا تؤكل إلاَّ بعد تقديم الدم على المذبح للتكفير.

د. عدم أكل القضاة لحمًا في يوم حكموا فيه على إنسان بالموت.

ه. يقصد بها تحاشي الشراهة في الأكل إذ حسبها معلمو اليهود أكل دم.

ثانيًا: "لا تتفاءلوا ولا تعيفوا" [26
]. وهما دربان من فنون السحر والشعوذة يستخدمان لمعرفة المستقبل، ففي سفر التكوين (44: 5، 15) أظهر يوسف كيف يتفاءل المصريون بكأس الخمر الذي يشربونه، وذلك خلال الفقاعات التي تظهر على الخمر. أما العيافة فهي استخدام الطير في السحر ومعرفة الغيب.

ثالثًا: "لا تقصروا رؤوسكم مستديرًا، ولا تفسد عارضيك" [27]. أراد الله من شعبه ألا يتمثل بشيء مع الشعوب الوثنية، فمن عادات بعض الشعوب يقص الرجال شعرهم ويبقون جزءًا في شكل سطح مستدير وسط الرأس إرضاء لآلهتهم، لذلك دعاهم الوحي "مقصوصي الشعر مستديرًا" (إر 9: 26). أما العارضات فهما جانبًا اللحية يقصونها وتترك اللحية في الجزء الأسفل يغطى الذقن، هذا ما قصده بقوله "لا تفسد عارضيك".

تان العادتان من قص شعر الرأس مستديرًا وإفساد العارضين كانا إشارة إلى تكريس الإنسان لعبادة آلهة معينة وثنية، أما مكرسو الرب أو النذيرون فلا يعلو موسى رؤوسهم أو لحاهم. بقاء شعر الرأس يُشير إلى الكنيسة المجتمعة حول السيد المسيح رأسها، بدونه يفقد الشعر جماله وقيمته. كأن كل نفس تعتزل مسيحها تكون كشعر رأس سقطت عن مصدر حياتها لا تستحق إلاَّ إلقائها في سلة المهملات. أما بقاء شعر اللحية فيُشير إلى كرامة الكهنوت، فالمسيحي إذ يدخل مياه المعمودية يصير كاهنًا روحيًا بالمفهوم العام، يليق أن يحافظ على شعر لحيته الروحية أي سلوكه بما يليق كإبن لله وكاهنه.

رابعًا: "ولا تجرحوا أجسادكم لميت" [28]. كان الوثنيون في إفراطهم في الحزن على ميت يدهنون وجوههم بصبغة سوداء وزرقاء (هذه العادة كانت بصعيد مصر إلى وقت قريب" ويمزقون ثيابهم وأحيانًا يجرحون أجسادهم... كانت هذه التصرفات تكشف عن فقدان الرجاء وعدم الإلتصاق بالسماويات، لهذا يحذرنا الرسول بولس: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم، لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضًا معه" (1 تس 4: 13-14).

أولاد الله إذ يرون الرب القائم من الأموات لا يجرحون أجسادهم بسبب حزنهم على الراقدين بل يقولون مع المرتل: "أنا ذاهب وأما هو فلا يرجع إليّ" (2 صم 12: 23)، مشتاقين أن ينطلقوا ليكونوا مع المسيح يسوع القائم من الأموات.

خامسًا: "وكتابة وشم لا تجعلوا فيكم" [28]. كانت الشعوب القديمة ترسم آلهتها الوثنية على أجسادهم كوشم علامة تعلقهم بهذه الآلهة والتمتع ببركتها. وها نحن الآن في الغرب البعض يرسم وشمًا على صدره أو ذراعيه لنساء عاريات أو حيوانات مرعبة وشياطين... ويا للعجب، عوض أن يقدم الإنسان جسده آلة برّ لحساب الله يسلمه حتى في تزينه للأثارة الجسدية والأرواح الدنسة!

سادسًا: "لا تدنس إبنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة" [29]. قديمًا كان بعض الرجال يسلمون بناتهم للزنى لأجل مكسب مادي أو كعمل تعبدي للآلهة الوثنية كناذرات أنفسهن للدنس والرجاسة لحساب الهياكل الوثنية. من هي هذه الإبنة التي ندنسها إلاَّ النفس التي تنحرف عن غايتها فتجري وراء شهوات الجسد فتمتلئ أرضنا "جسدنا" رذيلة.

سابعًا: "سبوتي تحفظون، ومقدسي تهابون، أنا الرب" [30]. إذ يحذرهم من التصرفات الوثنية يذكرهم بحفظ السبت لا خلال ممارسة طقس السبت الذي نتحدث عنه في الأصحاح 23، ولا بالإمتناع عن العمل وإنما بحفظهم من دنس الأمم ورجاستهم وتقديس حياتهم الداخلية، لذلك يقول "ومقدسي تهابون"... أي تكرمون بيتي ومقدساتي.

ربما قصد هنا بحفظ السبت وتكريم بيته طهارة الجسد كما أمر يعقوب بنيه عندما كان يستعد لإقامة بيت الرب في بيت إيل (تك 25: 2-3)... على عكس كثير من الوثنيين كانوا يجدون في العبادة فرصة للإباحية والدنس.

ليتنا نقدس يوم الرب وبيت الرب الداخلي بسلوكنا بما يليق كأولاد لله القدوس.

ثامنًا: "لا تلتفتوا إلى الجان ولا تطلبوا التوابع فتتنجسوا بهم، أنا الرب إلهكم" [31]. إذ سبق فمنعهم من التفاءل والعرافة [26] أي من أعمال السحر لمعرفة المستقبل، متكلين على الرب إلههم الذي يدبر كل مستقبل حياتهم، والآن يحذرهم من التشبه بالوثنيين الذين يلجأون إلى الأرواح الشريرة (الجان) والأرواح النجسة مثل روح العرافة الذي أخرجه الرسول بولس (أع 16: 16-18)... فيكون الرب نفسه هو معين لهم والمعتني بكل دقائق حياتهم.

تاسعًا: "من أمام الأشيب تقوم وتحترم وجه الشيخ، وتخشى إلهك، أنا الرب" [32].

يربط بين احترام الأشيب (الشخص المسن) والشيخ وخشية الرب، فكل وقار نقدمه للآخرين من أجل الوصية إنما هو خلال اتحادنا في الرب، نقدمه للرب نفسه.

كان عادة اليهود ألا يجلس إنسان صغير السن في حضرة شيخ ما لم يسمح له الأخير بذلك.

عاشرًا: "وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه" [33].
غالبًا ما يضم الغريب مع اليتيم والأرملة في الوصية من جهتهم (تث 10: 18)، إذ يشعر الغريب كمن هو متيتم ليس له معين... لهذا يليق بالمؤمن ألا يظلم غريبًا بل يترفق به ويسنده، متذكرًا أنه هو أيضًا غريب على الأرض يحتاج إلى مساندة الله وترفقه به.

حادي عشر: "لا ترتكبوا جورًا في القضاء، ولا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل" [35]. هكذا يختم الوصايا هنا بالإلتزام، بالعدالة وعدم الغش أو الظلم. ليكن لنا كيل حق، يأخذ كل إنسان حقه.

ولعل الكيل الحق يُشير إلى روح التمميز الداخلي، فنعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله. لنعطِ للجسد حقه في الحياة بلا لذات وترف، وللنفس حقها في حمل صورة خالقها ومثاله حتى تستريح في أحضانه ويستريح معها الجسد.

ويرى الأب ثيؤناس أن الموازين الصالحة غير الظالمة تعني ألا نزن أنفسنا بميزان التساهل وللآخرين بميزان القسوة والعنف، إذ يقول: [يجدر بنا ألا تكون في قلوبنا موازين ظالمة، ولا موازين مزدوجة في مخزن ضمائرنا، بمعنى أنه يجب علينا ألا نحطم من يجب أن نكرز لهم بكلمة الرب بشرائع حازمة مبالغ فيها أثقل مما نحتمله نحن، بينما نعطي لأنفسنا الحرية ونخفف عنها... لأننا إن كنا نزن لإخوتنا بطريقة ولأنفسنا بأخرى يلومنا الرب بأن موازيننا غير عادلة ومقاييسنا مزدوجة وذلك كقول سليمان بأن الوزن المزدوج مكرهة عند الرب، والميزان غير صالح في عينيه (راجع أم 20: 10) [257]].



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 20 PDF Print Email

الأوثان والزنا

في الأصحاحين السابقين إذ قدم لنا الوحي شريعة التقديس معلنًا أن غايتها الإلتصاق بالله القدوس، ومكررًا للعبارة "أنا الرب إلهكم" في نهاية كل وصية تقريبًا، مطالبًا إيانا أن نتقدس له فتكون لنا سماته عاملة فينا تفرزنا عن الوثنين... الآن يقدم عقوبات صارمة ضد مرتكبي الشر خاصة السحر والزنا. أما علة هذه الصرامة فهو الكشف عن فاعلية الشر داخل النفس، هذا من جانب ومن جانب آخر تطهير الجماعة المقدسة من الخميرة الفاسدة حتى لا يفسد الكل.

إن كانت العقوبات تناسب رجال العهد القديم لكنها في نفس الوقت ترعبنا كرجال عهد جديد، إذ توضح لنا بشاعة الخطية والتزامنا الهروب منها.
1. مقدمة في العقوبات الكنسية

2. عقوبة السلوك الوثني             [1-8].

3. عقوبة إهانة الوالدين             [9].

4. عقوبة الزنا                       [10-21].

5. تأكيد الإلتزام بالوصية             [22-27].
1. مقدمة في العقوبات الكنسية:


كانت العقوبات في العهد القديم قاسية، ربما لأن الله كان يتعامل مع شعب بدائي في معرفته لله غليظ الرقبة، فمن محبته لهم استخدم الشدة لا للإنتقام وإنما لردع الكل بسقوط البعض تحت عصا التأديب القاسية. فما سمح الله به من تأديبات أو عقوبات كان علامة إهتمام الله بشعبه ورغبته في خلاصهم وتقديسهم. هذا بجانب ما كان لهذه التأديبات من كشف عن فاعلية الخطية في القلب والحياة الداخلية... فرجم الزاني إنما يكشف عما أصاب قلبه في الداخل من هلاك حقيقي وموت أبدي، فإن كنا نئن لرجم إنسان يليق بنا بالحرى أن نحترق من أجل هلاك نفسه. أما في العهد الجديد فإن الكنيسة لا تستخدم العقوبات الجنائية القاسية إذ تتعامل مع أولادها على مستوى النضوج، لكنه من حقها فرض العقوبة التأديبية لتجتذب الساقطين نحو التوبة، كما فعل بولس الرسول مع الشاب الذي إرتكب الشر مع إمرأة أبيه (1 كو 2: 6-7). إذ أفرزه عن الكنيسة حتى قدم توبة صادقة، فأسرع الرسول يكتب إلى الكنيسة أن تقبله حتى لا يهلك من فرط الحزن (2 كو 2ك 6-7).        من جانب آخر العقوبات الواردة في العهد القديم تمثل القانون الجنائي بعقوباته، أما في العهد الجديد فتركت المسيحية التشريعات المدنية والجنائية... إلخ، يضعها رجال القانون بما يناسب العصر والبلد، إذ جاءت المسيحية تهب الفكر والنضوج وتترك التنظيم والتشريع للجماعة.
2. عقوبة السلوك الوثني:

جاء الحكم على من يعطي من زرعه أي من نسله للإله مولك ذبيحة بشرية يُرجم [2]، سواء كان يهوديًا أو متهودًا (الغرباء النازلون في إسرائيل)، فإن تهاونت الجماعة في أمره ولم ترجمه يقف الرب نفسه ضد ذلك الإنسان [3] ويحسبه مقطوعًا من الشعب [3] كما يقف ضد عشيرته كلها.

هذا الحكم أيضًا ينطبق على من يلجأ إلى الجان يستشيره أو يطلب معونته [6]، ومن يجري وراء الأرواح الشريرة (التوابع)، فيُحسب زانيًا، إذ ترك الله عريس نفسه وطلب لنفسه عريسًا آخر [6].

وقد جاء الحكم بالرجم في الحالات الآتية:  تقديم الإنسان من نسله ذبائح بشرية  للإله مولك (20: 2)، الزنا مع الأم (20: 11)، أو مع زوجة الأب (20: 12)، أو الكنة (20: 12)، أو مع عذراء مخطوبة (22: 23-24)، أو من يضاجع ذكرًا (20: 15)، أو بهيمة (20: 16)، أو يلجأ إلى السحرة (20: 27)، ومن يسب أحد الوالدين (20: 9)، أو من يدعى النبوة كذبًا (تث 13: 6)، أو من يجدف (24: 10-16)، أو من يكسر السبت (تث 20: 32-36)، أو يحث الناس على عبادة الأوثان (تث 13: 6-11)، أو يمارسها (تث 17: 2-5)...إلخ[258].

وكان الرجم يتم بأحد طريقتين: الأول، كان المحكوم عليه يُطاف به في المدينة حتى إن كان لأحد اعتراض يتقدم، ومن ناحية أخرى ليكون عبرة للكل. وقبيل الرجم كان يلزم أن يعترف بخطاياه أولاً ليظهر أن الحكم عليه عادل ولكي تتزكى روحه ويجد رحمة لدى الله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). تُربط يداه وهو على مكان مرتفع في أسفله حجر ضخم، يقوم الشاهد الأول بدفعه من المكان المرتفع ليسقط مرتطمًا بالحجر السفلي، ثم يقوم الشاهد الثاني بإلقاء حجر كبير على صدره، فإن لم يمت ترجمه الجماعة حتى الموت. أما الطريقة الثانية فتتلخص في الرجم بالحجارة مباشرة، وغالبًا ما يعطى للمحكوم عليه خمرًا ممزوجًا بمرارة تخفف آلامه.
3. عقوبة إهانة الوالدين:

"كل إنسان سب أباه وأمه فإنه يقتل... دمه عليه" [9]. من يسب الله أباه والجماعة المقدسة أمه خلال تقديم إبنه أو إبنته ذبيحة بشرية لمولك إله العمونيين يُرجم، وأيضًا من يسب أباه أو أمه حسب الجسد يُرجم.

يعلق العلامة أوريجانوس على هذه الشريعة بقوله: [من بين الخطايا التي عقوبتها الموت في الناموس الإلهي: "كل إنسان سب أباه أو أمه فإنه يُقتل". لقب "أب" يعني سرًا عظيمًا، وأيضًا لقب "أم" يحمل كرامة. حسب الروح الله هو أبوك وأورشليم السماوية هي أمك (غلا 4: 26، عب 12: 22). هذا ما نتعلمه من التصريحات النبوية والرسولية، إذ يكتب موسى في نشيده:  "أليس هو أباك ومقتنيك؟!" (تث 32: 6)، ويقول الرسول عن أورشليم السماوية: "هي أمنا جميعًا، فهي حرة" (غلا 4: 26). الأب الأول بالنسبة لك هو الله الذي ولد روحك، إذ يقول "ربيت بنين ونشأتهم" (إش 1: 2)، ويقول الرسول بولس: "إخضعوا لأبي الأرواح فتحيا" (عب 12: 9). أما الأب الثاني فهو أبوك الجسدي الذي أنجبك فجئت إلى هذا العالم... فلأن لقب "أب" مقدس وذو جلال لذلك من سب أباه أو أمه يُقتل... فإنك إن لم تكرم أباك الجسدي تكون إهانتك له موجهة إلى أبي الأرواح (عب 12: 9). إن شتمت أمك الجسدية فإن هذا السب يُنسب للأم أورشليم السماوية. من يهين العبد (أباه أو أمًا) يسيىء إلى إله المجد[259]].

مرة أخرى يقول: [إن كان الحكم هذا لمن يسب أسرته الجسدية، فكم بالأكثر من يهين الله بكلمات سب وينكرون إنه خالق العالم؟! أو من يسيئ إلى أورشليم السماوية التي هي أمنا كلنا (غلا 4: 26)؟![260]].

ربما يتساءل البعض إن كانت شريعة العهد القديم قد حكمت برجم من يسب أباه وأمه، فهل صمت العهد الجديد عن إصدار حكم كهذا يعني تساهله؟ يُجيب العلامة أوريجانوس هكذا: [يقول بولس الرسول: "فكم عقابًا أشر تظنون أنه يحسب مستحقًا من داس إبن الله؟!" (عب 10: 29)... لا تظن أن الإنجيل سهلاً بطريقة مطلقًا من أجل فتحه باب المغفرة[261]]. كأن العهد القديم حكم على من يسب أحد والديه بالرجم، أما العهد الجديد فحسب ذلك إهانة لدم إبن الله نفسه.

يؤكد الآباء إلتزام المؤمن بالطاعة للوالدين لكن في الرب، فمن كلمات القديس كيرلس الأورشليمي: [عندما تكون مشاعرنا نحو آبائنا الأرضيين مضادة لعلاقتنا بالآب السماوي يلزم العمل بقول الرب "من أحب أبًا أو أمًا أكثر منيّ فلا يستحقني" (مت 10: 37). لكنهم ماداموا لا يعارضون تقوانا نُحسب ناكرين للجميل إن احتقرنا حسناتهم نحونا ونستوجب الحكم: "من لعن أباه أو أمه فليقتل قتلاً" (خر 21: 7، مت 15: 4)[262]].
4. عقوبة الزنا:

بعد أن أعلن عقوبة العبادة الوثنية، سبّ أحد الوالدين، تحدث عن عقوبة الزنا بوجه عام ثم حدد بعض الحالات الشائنة، ويلاحظ في حديثه عن هذا الأمر الآتي:

أولاً: جاء الحكم بقتل الزاني والزانية إن كانت الزانية متزوجة [10]، ويكون ذلك بالرجم. وينطبق ذات الحكم على المخطوبة لرجل وأخطأت بإرادتها (تث 22: 23-24)، أما إذا كانت غير مخطوبة، فيلتزم الزاني بدفع غرامة والزواج من الفتاة.

أما إذا أخذ رجل إمرأة وأمها، سواء وهما على قيد الحياة أم ماتت الواحدة فتزوج بالأخرى فجاء الحكم هكذا: "بالنار يحرقونه وإياهما لكي لا يكون رذيلة بينكم" [14]. ويسقط تحت ذات الحكم إن سقطت إبنة كاهن في الزنا (تث 21: 9)، أو سقط إنسان في الخطية مع إبنته أو حفيدته، أو مع بنت زوجته أو حفيدتها أو من يرتكب الخطية مع أم حماته أم حميه....‎ يتم الحرق غالبًا بعد الرجم، فإن كان الرجم بالحجارة  يكشف عما فعلته الخطية بالإنسان، إذ جعلته  كحجر بلا إحساس، أو كأن الإنسان الزاني يرجم نفسه بنفسه بقلبه الحجري، أما حرقة بالنار فيُشير إلى بشاعة شره إذ ألهبت مشاعرة بنيران تهلك نفسه.

أما العقوبة الأخرى فهي متى ارتكب إنسان شرًا مع إمرأة عمه يقول: "يموتان عقيمين" [20]، ويسقط الإنسان تحت نفس الحكم إن صنع شرًا مع إمرأة أخيه [12]. هنا ربما يعني أن الله يضربهما بالعقم (هو 4: 10)، أو بموت نسلهما وحرمانهما منه، أو أن هؤلاء الأولاد يُحسبون نغولاً لا بنين، أي أولاد غير شرعيين ليس لهم حق البنين.

ثانيًا: تبرز الشريعة مدى كراهية الله للنجاسة بحكمه حتى على البهيمة التي بلا ذنب ارتكب معها الشر بالقتل [16]، حتى لا يُترك أثر للخطية... أو لإعلان إنها مفسدة حتى للخليقة غير العاقلة.

ثالثًا: حين يرتكب الإنسان شرًا مع سيدة يُهين رجلها، فإن ارتكبه إنسان ما مع إمرأة أبيه مثلاً يقول: "فقد كشف عورة أبيه" [11]. فإن كانت السيدة شريرة وقبلت برضاها الخطية فإنها تنجست وفي نفس الوقت أساءت لرجلها لأنها معه جسد واحد.
5. تأكيد الإلتزام بالوصية:

يختم حديثه هنا بتأكيد الإلتزام بالوصية الإلهية حتى لا تقذفنا الأرض نفسها كما سبق فقذفت الكنعانيين بسبب شرهم، ولكي يكون لنا سمة خاصة وشهادة حق لله القدوس العامل فينا، أما ما هو أهم من هذا كله فهو كما يقول الرب: "وتكونون ليّ قديسين لأنيّ قدوس" [26]. يريدنا له نحمل سماته لنشاركه أمجاده كأولاد مقدسين فيه... إنه يؤكد: "تكونون ليّ"!



+ إقرأ إصحاح 20 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

شرائع خاصة بقداسة الكهنة

إذ قدم شرائع السابقة التي تمس حياة الجماعة كلها – شعبهًا وكهنة – يقدم الآن شرائع خاصة بالكهنة ليمارسوا الحياة المقدسة التي تليق بهم ككهنة الرب القدوس [6]، الذين يقدمون له القرابين [6-8]، وكقادة روحيين [8]، إذ كلما ازدادت المسئولية إلتزم الإنسان بحياة أكثر تدقيقًا.

1. الكهنة وحالات الوفاة             [1-6].

2. الكهنة والزواج                    [7-8].

3. سقوط إلنة كاهن                  [9].

4. شرائع خاصة برئيس الكهنة      [10-15].

5. الكهنة والعيوب الخلقية           [16-24].

1. الكهنة وحالات الوفاة:

يليق بالكاهن وقد قبل الأبوة في المسيح يسوع أن يرتفع فوق العواطف البشرية الخاصة، فيرى في الكل أولاده وإخوته وأحباءه بلا تمييز، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الكاهن بما أنه وكيل الله، فيلزمه أن يهتم بسائر البشر، لكونه أبًا للعالم كله[263]]. خلال هذه الأبوة العامة طالبته حتى شريعة العهد القديم ألا يحزن لموت أحد أقربائه ويتنجس "لموت في قومه" [1]، وقد استثنى من ذلك الأب والأم والإبن والإبنة والأخ والأخت غير المتزوجة [2-3].

هذه الشريعة قدمها رب المجد بفكر إنجيلي حينما قال: "دع الموتى يدفنون موتاهم" (مت 8: 22، لو 9: 60)، إذ يليق بالخادم ألا يرتبك حتى بهذه الواجبات العائلية من أجل خدمته للجماعة كلها. وكما يقول العلامة ترتليان: [إنه يكرس نفسه لله... أظن أنه يليق بالنذير ومن نال وظيفة الكهنوت أن يُلهم بالكرازة بملكوت الله[264]...].

حسب الشريعة الموسوية الكاهن لا يلمس ميتًا من أقربائه عدا أقرب الذين ذكرناهم، وحتى في حزنه على هؤلاء يليق به ألا يمارس العادات الوثنية الممنوعة حتى بالنسبة للشعب مثل حلق شعر الرأس فيصير أقرع، وحلق عوارض اللحية، وتجريح الجسد. إن كانت هذه الأمور لا تليق بالشعب فكم بالأكثر بالنسبة للكاهن الذي يقرب وقائد الرب [6] ويخدم الأقداس!

2. الكهنة والزواج:

حسب الشريعة الموسوية لا يجوز للكاهن أن يتزوج من زانية حتى وإن تابت ولا من مدنسة أو مطلقة... حتى يكون هو وزوجته بلا عيب في عيني الله والناس، بكونهما قدوة صالحة للشعب. أما رئيس الكهنة فلا يجوز له حتى الزواج بأرملة بل يتزوج عذراء، لأنه يُشير إلى السيد المسيح رئيس الكهنة الأعظم الذي اقتنى الكنيسة عذراء له عفيفة (2 كو 11: 2).

3. سقوط إبنة الكاهن:

"وإذا تدنست إبنة كاهن بالزنى فقد دنست أباها، بالنار تُحرق" [9].

إذ يقبل الكاهن نعمًا إلهية كثيرة يلزمه أن يكون هو وزوجته وأولاده بلا عيب، كل خطأ يرتكبه أحدهم يُعاقب بحكم أقسى مما يسقط تحته الشخص العادي. وكما يقول القديس كيرلس الإسكندري: [في حالة عائلة الكاهن تزداد العقوبة، لأن كل من أعطى كثيرًا يُطلب منه الكثير" (لو 12: 48)[265]].

4. شرائع خاصة برئيس الكهنة:

رئيس الكهنة أو الكاهن الأعظم كما يدعوه هنا [10]، إذ يرمز للسيد المسيح رئيس كهنتنا الأعظم خضع لشرائع خاصة به، منها:

أولاً: "الذي صب على رأسه دهن المسحة وملئت يده ليلبس الثياب لا يكشف رأسه ولا يشق ثيابه" [10]. لا يجوز له أن يكشف رأسه التي مسحت بدهن المسحة، فإن الرأس الممسوحة تُشير إلى السيد المسيح (راجع تفسير لا 2)، وكأنه إذ قبلنا المسيح يسوع فينا نخفيه في أعماقنا، قائلين: "أمسكته ولم أرخِه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حبلت بيّ" (نش 4: 12)، إنما هي الجنة التي حملت في داخلها مسيحها شجرة الحياة، والينبوع الذي يمتلىء بمياه الحياة والينبوع الذي لا ينضب لأن رب المجد في داخله!

ليكن عريسنا في داخلنا كما في جنة مغلقة وعين مقفلة وينبوع مختوم... نفرح به ونتحد معه ونشاركه أمجاده الداخلية!

أما عدم شق الثياب، فلأن الثوب يُشير إلى الكنيسة التي يلتحف بها السيد المسيح. لتبق كنيسة واحدة بلا انشقاق، فإن عريسها واحد!

ثانيًا: "ولا يأتي إلى نفس ميتة ولا يتنجس لأبيه أو أمه" [11]. يقصد بذلك أنه لا يمس ميتًا حتى وإن كان أباه أو أمه... بكونه رمزًا للسيد المسيح فإنه كواهب حياة لا يشترك مع الموت، إن مس ميتًا لا يحتمل الموت لمسته بل يهرب!...

هكذا إذ حمل الرسول بولس في داخله السيد المسيح الذي لا شركة له مع الموت أو الهاوية، بجسارة قال: "أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟! أما شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس، ولكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (1 كو 15: 55-56).

ثالثًا: "ولا يخرج من المقدس لئلا يُدنس مقدس إلهه، لأن إكليل دهن مسحة إلهه عليه" [12]. يعني بهذا إنه متى كان يؤدي خدمته في بيت الله لا يجوز أن يخرج من خيمة الإجتماع ولا يتوقف عن العمل أيًا كان السبب حتى إن مات له أقرب المقربين، فإن تركه للخدمة يُحسب إمتهانًا لهذا العمل القدسي واحتقارًا للمجد الذي زينته به المسحة على رأسه.

يعلق القديس جيروم على هذه الشريعة بقوله: [بالتأكيد إذ نؤمن بالمسيح نحمله فينا، وبسبب زيت المسحة التي تقبلناها يلزمنا ألا نفارق الهيكل، أي لا نترك عملنا المسيحي، ولا نخرج خارجًا فنرتبك بأعمال الأمم غير المؤمنين إنما نبقى في الداخل على الدوام كخدام مطيعين لإرادة الرب[266]].

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم[267] في هذه الشريعة صورة حية لقلب المؤمن الذي يصير مقدسًا لله ومسكنًا له (رو 6: 16)، فلا تمارس فيه أعمال بشرية بل ما هو إلهي. لذلك كل كلمة تخرج من فمه تكون خارجة من عند الله، فلا تخرج منه كلمة دنسة ولا يبتهج بالمزاح وكثرة الضحك. بمعنى آخر إذ نتبرر بربنا يسوع المسيح تصير مسكنًا لرئيس الكهنة الذي لا يفارقنا، لأننا مقدسه، وتكون تصرفاتنا إنما هي تصرفاته فينا وبنا.

بنفس المعنى يقول الأب نسطور: [هذا يعني إنه لا يخرج (السيد المسيح) من قلبه، إذ وعد أن يسكن فيه إلى الأبد، قائلاً: "إنيّ أسكن فيهم وأسير بينهم" (2 كو 6: 16)[268].

رابعًا: "هذا يأخذ إمرأة عذراء" [13]. يشترط أن تكون زوجته عذراء من قومه [14]. وقد استنتج بعض المفسرين أن رئيس الكهنة كان يلتزم أن يكون بعل إمرأة واحدة، يأخذها عذراء. هذه الإمرأة هي بكر، وكما يقول الرسول "كنيسة أبكار مكتوبين في السموات" (عب 12: 13).

إنها من قومه وليست أجنبية، إذ صرنا في مياه المعمودية جسد المسيح، لسنا أجنبين عنه، بل أعضاء جسده، ووهب لنا روحه القدوس ساكنًا فينا!



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 21 جـ2 PDF Print Email


5. الكهنة والعيوب الخلقية (الجسدية):

إشترطت الشريعة في الكاهن الذي يمارس الأعمال الكهنوتية كتقديم الذبيحة والبخور... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ألا يكون به عيب، فلا يكون أعمى أو أعرج ولا أفطس ولا زوائدي ولا أحدب ولا أكشم ولا من في عينه بياض ولا أجرب ولا أكلف ولا مرضوض الخصي [18-19]. لذلك عندما يبلغ أبناء الكهنة السن القانوني لاستلام العمل الكهنوتي يفحصهم الشيوخ أعضاء مجمع السنهدريم ويفرز الذين بلا عيب للعمل الكهنوتي الكامل أما من به عيب فيقوم ببعض أعمال كهنوتية بسيطة مثل إيقاد النار... إلخ.

في العهد الجديد إشترط بولس الرسول في الأسقف أن يكون بلا عيب (1 تي 3: 2)، وأن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج (1 تي 3: 7). وقد رأى البابا غريعوريوس (الكبير) في الشريعة التي بين أيدينا فهمًا رمزيًا لشروط الكاهن، إذ يجب ألا يقبل من كان أعمى أو أعرج أو أفطس... روحيًا، وفيما يلي مقتطفات من كلماته التي وردت في حديثه عن "الرعاية":

[الأعمى هو الذي لا يعرف ضياء التأمل السمائي، فالذي أدركته ظلمة العالم الحاضر لا يستطيع أن يدرك النور الآتي لأنه لا يشتاق إليه. لذلك فهو لا يعرف أن يخطو أو يعرف إلى أين يمضي، ومن ثم قالت حنه النبية: "لأجل أتقيائه يحرس والأشرار في الظلام يصمتون" (1 صم 2: 9).

الأعرج هو الذي يعرف حقًا الطريق لكنه لا يستطيع أن يسير فيه بثبات بسبب نفسه العليلة، ولأنه لا يستطيع أن يرتفع بعاداته القبيحة إلى مستوى الفضيلة، فإنه لا يملك القوة ليسلك تبعًا لإرادته. لذلك قال القديس بولس الرسول: "قوِّموا الأيادي المسترخية والركب المخلعة واصنعوا لأرجلكم مسالك مستقيمة لكي لا يعتسف الأعرج بل بالحرى يُشفي" (عب 12: 12-13).

الأفطس هو الذي يعجز عن التمييز، فنحن نميز بحاسة الشم الروائح الذكية من العفنة. إن هذه الحاسة تُشير حقًا إلى حاسة التمييز التي بها نختار الفضيلة ونرفض الرذيلة. لذلك قيل في مدح الكنيسة العروس: "أنفك كبرج لبنان" (نش 7: 4). فالكنيسة المقدسة تدرك تمامًا بالتمييز التجارب التي تُثار عليها بأسباب متنوعة، وتعرف مقدمًا    - من فوق برجها - معارك الشر المزمعة أن تحدث.

الزوائدي... بعض الناس ينشغلون دائمًا بأسئلة فضولية أكثر من اللازم، وهم لا يعترفون أنهم أغبياء، ولكنهم يفرطون في الثقة بنفوسهم، لذلك أضاف الكتاب قائلاً: "ولا زوائدي". ومن الواضح أن الأنف الكبير المنحني يعبر عن إفراط في التمييز، وهذا الإفراط يشوه كمال هذه الحاسة وجمالها.

الرجل الذي فيه كسر رجل وكسر يد هو الذي لا يستطيع مطلقًا أن يسير في طريق الله وقد تجرد تمامًا من نصيب الأعمال الصالحة. في هذا يختلف عن الأعرج الذي يمكنه - ولو بصعوبة - الإشتراك في الأعمال الصالحة، أما المكسور فقد تجرد منها تمامًا.

الأحدب هو الذي يرزح تحت ثقل الهموم العالمية فلا يمكنه أن يرفع عينيه إلى ما هو فوق بل يُثبتها على موطئ الأقدام حيث أدنى الأشياء. وهو إن سمع أخبارًا سارة عن مسكن الآب السماوي فإنه - تحت ثقل عاداته الشريرة - لا يستطيع أن يرفع محيا قلبه ولا يستطيع حتى أن يرتفع بفكره الذي ربطته الهموم العالمية إلى الأرض. هذا الإنسان يقول عنه المرتل داود: "لويت إنحنيت إلى الغاية" (مز 38: 6). ويقول الإله المتجسد عن هؤلاء رافضًا آثامهم: "والذي سقط بين الشوك هم الذين يسمعون ثم يذهبون فيختنقون من هموم الحياة وغناها ولذاتها ولا ينضجون ثمرًا" (لو 8: 14).

أما الأكشم أو من على عينيه غشاوة فهو الذي بنظراته الطبيعية يضيئ بمعرفة الحق لكن عينيه اظلمتا بالأعمال الجسدية، فالعين التي عليها غشاوة تكون حدقتها سليمة لكن الجفون تضعف وتنتفخ بسبب الإفرازات وتذبل بسبب سيل الدموع فتضعف حدقة العين. إن البعض تضعف بصريتهم بسبب الحياة الجسدية، هؤلاء كان لهم قدرة تمييز الخير لكن بصيرتهم اظلمت بسبب اعتيادهم فعل الإثم. الذي على عينيه غشاوة هو الذي كان له بالفطرة فطنة الحواس لكنه شوهها بحياته الفاسدة. لمثل هؤلاء يقول الملاك: "كحل عينيك بكحل لكي تبصر" (رؤ 3: 18). إن كحلنا عيوننا بكحل لنبصر فإننا نقوى عيون أفهامنا بأدوية الأعمال الصالحة لتبصر بريق النور الحقيقي.

أما الذي في عينيه بياض فهو الذي حرم من معاينة النور الحقيقي بسبب عماه مدفوعًا بادعاء الحكمة والصلاح. إن حدقة العين تبصر إن كانت سوداء لكن إن كان بها بياض فهي لا تبصر شيئًا، فمن الواضح أنه حينما يدرك الإنسان أنه أحمق وأثيم فإنه يفهم بقوى عقله مدى وهج الضياء الداخلي، لكنه إذ يعزي إلى نفسه إشراق الحكمة والصلاح فإنه يحجز عنها ضياء المعرفة الفائق، أما بالنسبة لكبرياء مجده الذاتي فإنه يعبث إذ يحاول إدراك بريق النور الإلهي فقد قيل عن البعض: "بينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رو 1: 22).

أما الإنسان الأجرب فهو الذي يسوده دائمًا بطر الجسد. ففي حالة الجرب تنتثر الحرارة الداخلية على الجلد، وهذه الحالة تمثل الدعارة تمامًا. وهكذا عندما يُترجم إغراء القلب بالأفعال فإننا نستطيع أن نقول أن الحرارة الداخلية تنتثر كما ينتثر الجرب على الجلد، أما الأذى الظاهر الذي يلحق بالجسد فإنه يطابق هذه الحقيقة. إنه كما أن الشهوة إذا لم تخضع في الفكر فإنها تسود بالفعل، لذلك كان بولس مهتمًا بتطهيرها كما لو كانت جربًا على الجلد فقال: "لم تصبكم تجربة إلاَّ بشرية" (1 كو 10: 13). وكأنه يُريد أن يوضح أنه كبشر لابد أن نقاسي من تجارب الفكر، ولكن إن تغلبت علينا في وسط حربنا معها واستقرت في قلوبنا فإن هذا يكون من الشيطان.

أما الأكلف فقد أتلف الطمع عقله، فإن لم يضبط هذا الطمع في الأمور الصغيرة فإنه سيسود على حياته كلها. إن الكلف يغزو الجسد لكنه لا يسبب آلامًا، وينتشرعلى المريض دون أن يُضايقه، لكنه يشوه جمال الأعضاء، وهكذا الطمع أيضًا إذ يملأ عقل ضحيته بالسرور إلاَّ أنه يُنجسه. وإذ يضع أمام الفكر أشياء ليقتنيها فإنه يثيره بالبغضة والعداوة. أما أنه لا يسبب آلامًا فهذا لأنه يعد النفس العليلة بأشياء كثيرة وفيرة ثمنًا للخطية. أما أن جمال الأعضاء يتشوه فهذا لأن الجشع يشوه جمال الفضيلة، أي أن الجسد كله يفسد حقًا إذا ملأت الرذائل نفس الإنسان، لذلك يقول القديس بولس بحق: "لأن محبة المال أصل لكل الشرور" (1 تى 6: 10).

أما مرضوض الخصي، مع أنه لا يفعل النجاسة إلاَّ أنه يرزح تحت نير التفكير الدائم فيها بإفراط، ومع أنه لم يتدنس أبدًا بالفعل إلاَّ أن قلبه افتتن بلهو الدعارة دون أي وخز للضمير. إن مرض إرتضاض الخصية يحدث نتيجة دخول سائل داخلي في الخصية فيسبب مضايقات وتورم معيب. فمرضوض الخصي إذن هو الذي يترك لفكره العنان في الأمور التي تحرك الشهوة، وبذلك يحمل في قلبه حملاً دنيئًا لا تستطيع نفسه أن تلقيه عنها وهو يفتقر في نفس الوقت إلى القوة ليرتفع بنفسه إلى التدرب العلني على الأعمال الصالحة إذ هو يرزح تحت ثقل أعماله الفاضحة الخفية.

إذن فليمتنع كل من به إحدى هذه العيوب التي سبق ذكرها عن تقديم خبز الرب، لأنه لا يستطيع إنسان أن يكفر عن ذنوب الآخرين مادامت نقائصه الشخصية تملك عليه[269]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 22 PDF Print Email

شرائع خاصة بقداسة المقدسات

من أجل تقديس شعب الله قدم شرائع خاصة بالشعب حتى يتجنبوا كل ما يمكن أن يسيئ إلى حياتهم المقدسة في الرب، وألزم الكهنة أن يسلكوا بحياة مقدسة تليق بمن يخدم لأجل تقديس الشعب، وأخيرًا يتحدث عن الذبيحة المقدسة التي من خلالها يتقدس الشعب بكونها رمزًا للسيد المسيح الذبيح واهب القداسة.

1. الإستعداد لتناول الذبيحة المقدسة           [1-9].

2. فرز الذين لهم حق تناولها                  [10-16].

3. فرز الذبيحة ذاتها قبل تقديمها              [17-28].

4. أكل ذبيحة الشكر في ذات اليوم             [29-33].

1. الإستعداد لتناول الذبيحة المقدسة:


في هذه الشرائع يعلن الله قدسية الذبيحة، لذا يُحذر الكهنة من أكل نصيبهم منها بلا استعداد، إذ يقول: "كلم هرون وبنيه أن يتوقوا أقداس بني إسرائيل التي يقدسونها ليّ، ولا يدنسوا إسمي القدوس، أنا الرب" [2]. وكأنه يقول لرئيس الكهنة والكهنة أن ما يتمتعون به من أنصبة في الذبائح ليست عطية لإشباع بطونهم أو شهواتهم، إنما هو عمل قدسّي يلزم ممارسته بفكر روحي واستعداد خاص، يلزمهم ألا يقتحموا أقداس الله ويدنسوا إسمه القدوس بأكلهم من الذبيحة بغير استعداد. يقول "أنا الرب"، أنا أغير إسمي ومقدساتي التي تتدنس بالكهنة المستهترين.

إن كان الله في حبه للإنسان جعل من البشر كهنة ينالون نصيبًا من الذبيحة يُحسب كنصيب للرب، فيليق بهم كوكلاء الله أن يقابلوا الحب بقدسية ومهابة لا باستهتار واستخفاف. أما الإستعداد الذي التزم به كهنة العهد القديم للتمتع بنصيبهم في الذبيحة المقدسة فهو: ألا يكون الكاهن أبرصًا أو مصابًا بسيل (ص 15)، ولا مس ميتًا أو أشياء تتعلق بميت (ص 21)، ولا مس حيوانًا نجسًا، ولا اقترب من زوجته... فإن كان الكاهن قد تنجس بلمسه شيئًا أو إنسانًا دنسًا يبقى طول يومه نجسًا يحرم من ممارسة عمله الكهنوتي ومن التمتع بنصيبه ككاهن بالأكل من الذبيحة حتى المساء حيث يرحض جسده [6]، ثم يأكل من الأقداس بكونه طاهرًا.

إذا صارت الذبيحة في ملكية الله، وقدمت على مذبحه، فإن أكل الكهنة منها كان إشارة إلى الشركة بين الله والإنسان، وإتمامه المصالحة. هذه الشركة أو المصالحة تتحقق بين الله القدوس والإنسان الذي يتقدس به وفيه. لهذا ألزمت الكنيسة كهنتها وشعبها ألا يشتركوا في التناول من الذبيحة المقدسة باستهتار، وإنما يلزم الإستعداد لها روحيًا وجسديًا. يغتسل الإنسان بدموع التوبة ويعترف بخطاياه في انسحاق مقتربًا إلى مذبح الله في مهابة ليتقبل السرّ المقدس.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كثيرون من المؤمنين أمعنوا في الجهالة والتهاون العظيم فيتقدمون لمناولة الأسرار المقدسة في الأعياد، مملوئين بالخطايا وغير مهتمين لنفوسهم، ولا عالمين أن وقت المناولة المقدسة لا يحده عيد أو فرح، بل الضمير النقي والحياة التي لا عيب فيها[270]].

2. فرز الذين لهم حق تناولها:

يتمتع بأكل الذبيحة الكاهن ومولود بيته ومن اشتراه الكاهن بفضة، ولا يأكل معه في هذه المقدسات أجنبي أي عبراني ليس من نسل هرون (عد 1: 15)، أو من كان غريب الجنس أو عبدًا ثقبت أذنه يبقى حتى سنة اليوبيل (خر 21: 6)، أو من كان نزيلاً (ضيفًا) أو أجيرًا، كما لا تشاركه إبنته التي تزوجت بمن ليس من نسل هرون إلاَّ إذا كانت قد ترملت أو طُلقت ورجعت إلى بيت أبيها [13].

هذه الشريعة التي خضع لها رجال العهد القديم هي كلمة الله التي لا تبطل في روحها، إنما تبقى دستورًا للكنيسة، إذ يقدم السيد المسيح ذبيحته المقدسة ليتناولها الكاهن، سواء الكاهن الذي تمتع بسر الكهنوت لممارسة الأسرار المقدسة أو الذي نال الكهنوت العام في مياه المعمودية. يقدمها أيضًا لمولود البيت، أي لذاك الذي نال الميلاد الجديد في مياه المعمودية بالروح القدس، كما يقدمها لمن اشترى بفضة، أي اقتناه الله بكلمته المصفاة كالفضة سبع مرات (مز 12).

تُحذرنا الكنيسة من تقديم الذبيحة لأجنبي، أي لإنسان تغرب عن الله ورفض الشركة معه كإبن، أو لإنسان ثقب أذنيه ليعيش عبدًا لا يطلب الحرية الروحية. لا يتمتع بها النزيل ولا الأجير، فإن الله يطلب أن نعيش معه على مستوى الشركة الدائمة والحياة معه وفيه لا أن نلتقي به كنزلاء إلى حين ولا كأجراء نطلب أجرة، إنما كأبناء نطلب أبانا نفسه. أما الإبنة التي تتزوج بغريب فهي النفس التي قبلت الميلاد الجديد ثم عادت لتلتصق بعريس أجنبي أي بإله آخر لها قد يكون شهوة البطن أو لذة الجسد أو محبة المال أو طلب الكرامة الزمنية... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). مسكينة هي النفس التي تحرم نفسها بنفسها من التمتع بالمقدسات خلال اتحاد شرير، لتُطلق الخطية وليمت رجلها (الشر) فتعود إلى بيت أبيها من جديد، لتجده يعد لها الوليمة المقدسة ليفرح بها وهي تفرح به!

3. فرز الذبيحة ذاتها قبل تقديمها:

في دراستنا للذبائح (ص 1-7) رأينا التزام المؤمن بتقديم الذبيحة بلا عيب، صحيحة... وهنا يُحذرنا من تقديم الأعمى والمكسور والمجروح والبثير (الذي بجسمه بثور) والأجرب والأكلف (ما كان بجسمه كلف أي بقع مرضية مثل النمش الذي يُصيب الجلد) والزوائدي (كأن يكون به الأعضاء غير متناسبة معًا أو بها زيادات) والأقزم ومرضوض الخصية ومسحوقها ومقطوعها [22-23].

غنى عن البيان أن الله لا يطلب كثرة الذبائح بل نوعيتها، إذ هي تمثل السيد المسيح نفسه الذي بلا عيب، القادر وحده أن يردنا إلى أبيه لينزع كل عيب فينا واهبًا إيانا الحياة المقدسة فيه.

هذا وقد اشترط ألا يقدم حيوان كذبيحة ما لم يكن قد مضى عليه سبعة أيام تحت أمه ويرضع، من اليوم الثامن فصاعدًا يمكن تقديمه قربانًا للرب [27]. ولعل الحكمة من ذلك أن كثيرًا من الحيوانات تحزن بمرارة إن نُزع رضيعها في الأيام الأولى... وكأن الله يترفق حتى على الحيوان الأم فلا يحزنها خلال تقديم قربان له. هذا وكان اليهود يعتقدون أن لحم الحيوانات الرضيعة لا تصلح للأكل في أسبوع ولادتها الأول، فما لا يصلح للإنسان لا يقدم ذبيحة لله! أخيرًا فإن بقاء الرضيع سبعة أيام ليذبح في اليوم الثامن فصاعدًا يُشار إلى تقديسه، إذ يكون قد مرّ عليه سبت فتقدس!

أيضًا طالبهم ألا يقدموا حيوانًا وأمه في يوم واحد [28]... ولعل الحكمة من هذا أنه أراد لهم أن يكونوا مترفقين بالحيوانات، فقد جاء في سفر الأمثال "الصديق يُراعي نفس بهيمته" (أم 12: 10). ولعله أراد أن يحثهم على الإهتمام بالروابط الدموية حتى بالنسبة لتقديم الذبائح بين الحيوانات.

4. أكل ذبيحة الشكر في ذات اليوم :

سبق لنا دراسة هذا الأمر في الأصحاح السابع (لا 7: 15).



+ إقرأ إصحاح 22 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 23 جـ1 PDF Print Email

المحافل المقدسة

كانت الأعياد المقدسة تمثل جزءًا حيًا ورئيسيًا في العبادة اليهودية، خلالها يجتمع الشعب معًا في محافل مقدسة يذكرون أعمال الله المستمرة معهم. كما يعلن الله فرحه بهم إذ يود لهم راحتهم الحقة وفرحهم الأبدي غير المنقطع. وكانت هذه المحافل تمثل ترمومترًا يكشف عن العلاقة المتبادلة بين الله وشعبه، فإن انحراف الشعب رفض الله أعيادهم بل وكرهها (إش 1: 14)، ومتى رجعوا إليه بالتوبة حسبها الله أعياده وأفراحه يسكب فيها من فيض نعمته.

1. السبت                   [1-3].

2. الفصح وعيد الفطير     [4-8].

3. عيد الباكورة            [9-14].

4. عيد البنطقستي          [15-22].

5. عيد الهتاف              [23-25].

6. عيد الكفارة              [26-32].

7. عيد المظال              [33-44].

1. السبت:


كان حفظ السبت وصية هامة يلتزم بها الشعب، لذا جاء الحكم قاسيًا على أول من كسر الوصية بجمعه حطبًا، إذ مات رجمًا (عد 15: 32-36)... وقد تعرضنا لهذه الوصية كثيرًا إذ لم يخل سفر من أسفار العهد القديم من الحديث عنها تقريبًا بصورة أو آخرى، إنما ما نريد أن نؤكده هنا أن وصية حفظ السبت لم تكن وصية ثقيلة يسقط تحتها المؤمنون، ولا واجبًا ينحنون تحته في شكليات وحرفية وإنما كان السبت عيدًا وفرحًا، عطية إلهية لشعبه.

حقًا لقد قدم لنا الكتاب المقدس "حفظ السبت" من الجانب كثيرة، لكنه ركز عليه كعيد مفرح وراحة في الرب القدوس. فمن الجانب الظاهري كان السبت إمتناعًا عن العمل، حتى عن جمع المن النازل كهبة إلهية (خر 16: 21-30). من يعمل يتعرض للغضب الإلهي. وجاء السبت يحمل فكرًا إجتماعيًا روحيًا فقدم كراحة للغرباء والأجراء والعبيد حتى الحيوانات، فيه يذكر الشعب أنه كان قبلاً متغربًا في مصر تحت العبودية فلا يقسوا على خليقة الله (خر 23: 12، تث 5: 12-15). وحمل السبت فكرًا أخرويًا إنقضائيًا بكونه رمزًا للراحة المقبلة (إر 17: 21-27، عب 4)[274].

وأخيرًا فإن السبت هو فرصة لا للخمول والتوقف عن العمل بل للتمتع بالعبادة لله القدوس لينعم الكل بشركة الحياة الإلهية (لا 23: 3، عد 28: 9-10). وكأن السبت كما يحدثنا عنه سفر اللاويين هو التقاء مع الله خلال العبادة المقدسة والذبيحة لا لنكرم الله بعبادتنا لكن ما هو أعظم لكي ننعم بعمل الله فينا واهبًا إيانا الشركة معه لندخل به إلى قداسته[275].

إذن تقديس السبت في جوهرة هو تمتع بالراحة، إذ كلمة "سبت" في العبرية تعني "راحة"، سرها اتحادنا مع ربنا يسوع المسيح القدوس لننعم به بالحياة الجديدة المقدسة. لقد دعاه إشعياء النبي: "مسرة"، "مقدس يهوه"، "المكرم" (إش 38: 53)، وقدم لنا سفر المزامير تسبحة خاصة بالسبت هي تسبحة فرح وحمد لله (مز 92).

السبت هو عيد التمتع بالراحة في الرب السماوي. فيه نذكر راحة الله في اليوم السابع (تك 2: 3) كرمز ليوم الرب الأبدي. كما يقول القديس أغسطينوس الذي فيه [نستريح ونرى، نرى ونحب، نحب ونسبح، هذا ما سيكون في النهاية التي بلا نهاية[276]]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هو عيد الراحة لا من عبودية فرعون (تث 2: 15) وإنما من عبودية الشر، كقول القديس أكليمندس الإسكندري: [إننا نتمسك بالسبت الروحي حتى مجئ المخلص، إذ إسترحنا من الخطية[277]]. هو عيد مفرح ننعم به هنا كعربون للحياة السماوية كعيد تسبيح لا ينقطع، وكما يقول القديس جيروم معلقًا على مزمور يوم السبت (مز 92): [لا يمكن أن يوجد سبت مالم يسبقه ستة أيام. نحن نعمل الستة أيام لنستريح في السابع. لا نقدر أن نسبح الرب إلاَّ في يوم السبت (مز 92) مادمنا مشغولين بأعمال العالم، أي مادمنا في الستة أيام لا نستطيع أن نُغني للرب... ليس أحد في يوم السبت أي في راحة الرب يعمل عملاً دنيئًا، أي يرتبك بأعمال العالم، إنما يلزمه أن يعمل ما يخص السبت. أتريد أن تعرف أنه في السبت يعمل الكهنة في هيكل الرب بينما لا يسمح لأحد أن يقطع فيه حطبًا، ففي الحقيقة الرجل الذي اكتشف أنه يجمع حطبًا في البرية رُجم للموت (عد 15: 32-36). في السبت لا يشعل أحدًا نارًا ولا يمارس أي عمل... إذن لنرى أنه يليق بنا أن نسبح في السبت عندما نترك أعمال هذا العالم[278]].

كان اليهود يتطلعون إلى السبت كرمز لقداسة الله ولحفظ العهد معه، لكن عوض تمتعهم به كعيد مفرح للقلب حولوه في مهابته إلى مباحثات فكرية وجدلية نحو الأعمال الممنوعة يوم السبت حتى لنجد مدرسة شمعي اليهودية تطلب الراحة يوم السبت لا للإنسان والحيوان فحسب بل تمتد إلى الجماد، فلا يجوز للإنسان أن يبدأ عملاً يوم الجمعة لتستمر فاعليته يوم السبت حتى وإن توقف الإنسان عن العمل، مثال ذلك لا يطرح الكتان في الشمس يوم الجمعة ليجف يوم السبت. ولا يوضع صوف في مصبغة يوم الجمعة ليمتص الصوف مادة الصبغة يوم السبت. هذا الفكر وإن رفضته مدرسة هليل لكنه يكشف عن حرفية اليهود في فهمهم للسبت. وقد بلغ بهم الأمر أن يمتنعوا عن الدفاع عن بلدهم إذا ما هاجمهم عدو حتى يعبر السبت، الأمر الذي رفضه الكابيون، ووضعوا حق الدفاع عن النفس والوطن في يوم الرب[279]. لذلك عندما جاء المسيح كشف عن كرامة يوم السبت كعيد مفرح، فقدم فيه أعمال للشفاء ليعلن أن السبت تحرر من الضعف والخطية (لو 6: 9)، مؤكدًا أنه يوم عمل إلهي (يو 5: 19-20). لقد كشف عن نفسه أنه رب السبت (مت 12: 1-6) يقدم شريعة السبت بفهم جديد لم يكن الفكر اليهودي قادرًا على إدراكه. وقد إختار السيد أن يُقبر في يوم السبت ويقوم في فجر الأحد، لكي يقبر حرفية الفكر القديم مقيمًا لنا الأحد سبتًا جديدًا فيه تمتع الكثيرون بالرب القائم من الأموات (يو 20: 11-18، لو 24: 34)، وفيه تمتعت الكنيسة بحلول الروح القدس عليها كيوم ميلادها الحق، وفيه صارت تجتمع الكنيسة الأولى للعبادة الأسبوعية كيوم الرب الحقيقي (أع 20: 7).

أخيرًا فإن سبتنا الحقيقي هو ربنا يسوع المسيح، هو عيدنا وراحتنا، فيه نعيد بالإتحاد مع الآب القدوس وفيه نستريح بالنبوة لله وسكني روحه القدوس فينا وتمتعنا بالعضوية في جسد المسيح. إنه راحة للآب إذ يجدنا في المسيح يسوع أولاده متبررين بدم صليبه وراحة لنا فيه[280].

ولكي نتعرف على السبت كعيد مفرح باتحادنا في السيد المسيح القدوس نقدم طقس يوم السبت عند اليهود في نقاط مختصرة:

أولاً:
كان اليهود يتطلعون إلى السبت بفرح، فيترقبونه كعروس مزينة تنتظر عريسها، فلم يكن الصوم والحزن ممنوعين تمامًا فيه فحسب وإنما كان اليهود يتمتعون فيه بالطعام والملبس وكل ما يليق بعيد مفرح. فيه كان يجوز إعداد طعام فصح، وفيه يمارس الكهنة أعمالهم في الهيكل، وفيه يشعلون نار الموقد في الهيكل... إلخ، كأنهم كانوا يلتقون لا بيوم راحة جسدية إنما بالسيد المسيح نفسه خلال الرمز. يتزينون له ويبتهجون دون صوم أو حزن لأن العريس معهم، ويمارسون الأعمال الإلهية خاصة في الهيكل، إذ بالسيد المسيح تنطلق حياتنا لممارسة الأعمال الإلهية الفائقة.

ثانيًا
: يبدأ السبت من غروب يوم الجمعة ويستمر حتى غروب السبت، يختلف حساب الغروب ليس فقط حسب إختلاف فصول السنة وإنما أيضًا حسب مواقع البلاد وجغرافيتها، فالبلاد المنخفضة تبدأه قبل البلاد المرتفعة، وكان الوقت يُحسب عندما تنطلق الطيور نحو أعشاشها.

يبدأ السبت في غروب الجمعة حيث يدعى "عشية السبت" أو "الإستعداد" (مر 15: 42، يو 19: 31). ونحن أيضًا نتمتع بالسبت هنا في هذا العالم كما في عشية إذ ننعم بسبتنا المسيح كمن في مرآة خلال الإيمان، حتى متى جاء صباح السبت أي مجيئه الأخير ننعم به في سبت أبدي خلال العيان... إننا في عشية السبت المفرحة نترقب بشوق شديد الصباح الحقيقي للسبت الأبدي.

ثالثًا:
يصل الكهنة الذين عليهم نوبة العمل في الأسبوع الجديد إلى أورشليم بعد ظهر الجمعة ليستعدوا بالأحتفال بالسبت في الهيكل مع الكهنة الذين تنتهي نوبتهم. ويعلن عن الإحتفال بثلاث نفخات من أبواق الكهنة ليتوقف الكل عن العمل ويُشعل مصباح السبت، ويرتدي الكل ملابس العيد.

في هذا العمل صورة رمزية لرجال العهد الجديد (الكهنة القادمون لأسبوع الجديد)، الذين التقوا مع رجال العهد القديم يتسلمون منهم الأسفار المقدسة والنبوات والعهود وكل ميراث روحي. أما ضرب الكهنة بالأبواق ثلاث نفخات فيُشير إلى أبواق الرموز والنبوات التي أعلنت عن حلول السبت الجديد أي مجئ ربنا ليتوقف الكل عن أعمال الجسد ويلتهب بمصباح الروح القدس ويرتدي السيد المسيح نفسه ثوب عيد مفرح!

رابعًا: مرة أخرى يضرب الكهنة بالأبواق بثلاث نفخات لإعلان بدء السبت فعلاً حيث يكون الكهنة الجدد قد بدأوا بغسل مذبح المحرقة من آثار الدم، ويسلم الكهنة الخارجون للداخلين مفاتيح الهيكل والأواني المقدسة وكل ما في عهدتهم.

إن كانت الأبواق السابقة تُشير إلى صوت الآباء والأنبياء والناموس التي أعدت للسبت، فإن هذه الأبواق التالية هي إعلان الكرازة بالإنجيل، فقد التزم رجال العهد القديم بتسليم كل ما في عهدتهم لرجال العهد الجديد، الذين غسلوا المذبح من الحرفية ودماء الحيوانات ليتقبلوا ذبيحة المسيح الفريدة.

خامسًا:
يلقى رؤساء العشائر قرعة لمعرفة دور كل واحد منهم في أيام الأسبوع في الخدمة... وكأن العيد الروحي هو انطلاقة عمل روحي في الهيكل وليس تراخيًا وكسلاً!

سادسًا: أول عمل يقوم به الكهنة هو تجديد خبز الوجوه الذي أُعد يوم الجمعة، فإن كان يوم الجمعة عيدًا يعد بعد ظهر الخميس. هذا هو عمل كهنة العهد الجديد تقديم جسد ربنا يسوع المسيح خبز حياة سماوي، أعده الرب بنفسه يوم الجمعة حين علق على الصليب باذلاً إياه لأجلنا، كما قدمه بعد ظهر خميس العهد...

سابعًا: يحضر الكهنة القادمون والخارجون السبت معًا، فيقدم الخارجون ذبيحة الصباح والجدد ذبيحة المساء. ولعل في هذا العمل رمزًا لوحدة العمل بين رجال العهد القديم والعهد الجديد، فالكل يلتقون معًا في المسيح يسوع، السبت الواحد. الأولون يلتقون خلال الرمز، والجدد خلال الحقيقة!

ثامنًا: تمارس العبادة اليومية مع إضافة ذبائح محرقة إضافية والطعام والسكيب (عد 28: 9-10)، إذ هو يوم لقاء مع الله القدوس خلال الذبيحة وبشبع (الطعام)، وفرح روحي (السكيب).

تاسعًا
: عند سكب السكيب العادي يرنم اللاويون تسبحة السبت (مز 92) على ثلاث مراحل، ويقترب الكهنة من بعضهم البعض، وينفخون بالأبواق، ثم يبدأ الشعب في العبادة. إنه يوم فرح للكنيسة كلها، الكل يشترك إما بالتسبيح أو النفخ بالأبواق أو العبادة. يشترك الكهنة مع الشعب في العبادة المفرحة وبهجة القلب.

عاشرًا: في نهاية ذبيحة السبت الإضافية وسكيبها يغني اللاويون مزمور موسى (تث 32) في ستة أقسام (1-6، 7-12، 13-18، 19-28، 29-39، 40 إلخ)، يتخللها نفخات من أبواق الكهنة مع إشتراك الشعب في العبادة.

هذا ويلاحظ أنه إن جاء السبت في العيد الشهري أي رأس الشهر، فتغنى تسبحة السبت مفضلة عن تسبحة رأس الشهر. وإن كان الوقت عيدًا فتقدم ذبيحة السبت قبل ذبيحة العيد.

الحادي عشر:
أخيرًا يختتم الإحتفال بعيد السبت بترنم تسبحة موسى الواردة في خروج 15 ليعلنوا أن السبت هو عبور من عبودية فرعون (إبليس) وانتصار روحي على جنوده للإنطلاق خلال البرية إلى أرض الموعد أو أورشليم العليا.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 23 جـ2 PDF Print Email

2. الفصح وعيد الفطير:

هما عيدان متمايزان، يحتفل بعيد الفصح في اليوم الرابع عشر من نيسان كأول عيد سنوي تفتتح به السنة، أما عيد الفطير فيبدأ بالخامس عشر من نيسان لمدة سبعة أيام أي حتى الحادي والعشرين منه، ونظرًا لالتصاقهما صارا فيما بعد كعيد واحد في الكتاب المقدس، ووضعهما يوسيفوس المؤرخ اليهودي كعيد الثمانية أيام[281].

في دراستنا لسفري الخروج والعدد تحدثنا عن مفهوم الفصح والفطير واقتبسنا بعضًا من أقوال الآباء عنهما، كما تعرضنا لطقسيهما[282]، وأيضًا في دراستنا للأفخارستيا[283].

ما نوضحه هنا أن عيد الفطير كان يدعى "خبز الحزن" (تث 17: 3)، إذ كان يرمز للمرارة التي عاشها الشعب في عبوديته لفرعون، وقد تحول الحزن إلى فرح وبهجة، وصار من أكثر الأعياد المفرحة. وبعد أن كان الإمتناع عن أكل الخمير إشارة إلى سرعتهم في الخروج من مصر (خر 12: 33، 39، تث 16: 3)، صار علامة ترك خمير الحياة القديمة والتمتع بحياة جديدة (إش 52: 11-12) لا ترتبط بخمير الماضي.

3. عيد الباكورة:

ارتبط عيد الباكورة بعيدي الفصح والفطير من جانب وبعيد الخمسين من جانب آخر، إذ يحتفل به خلال أيام الفطير بينما يأتي عيد الخمسين بعده بسبعة أسابيع [5]، أي في اليوم الخمسين منه.

يعتبر هذا العيد أول الأعياد الزراعية، مارسه الشعب بعد دخولهم أرض الموعد، وقد اتسم بطقس بهيج للغاية، غايته تقديم الشكر لله واهب الخيرات من جانب ومن جانب آخر لكي بتقديم حزمة البكور يتقدس الحصاد كله. في هذا العيد إذ تقدم حزمة البكور لتقديس الحصاد إنما يعلن تقديس البشرية المؤمنة خلال البكر الوحيد يسوع المسيح، فيه نتبرر لدى الآب ونحسب بقديسين.

يمارس طقس هذا العيد بطريقة شعبية مفرحة، ففي اليوم السابق لعيد الفصح يخرج ثلاثة شيوخ من مجمع السندريم بعد غروب الشمس ليحصدوا في الحقول المجاورة لأورشليم من الشعير بين هتافات الجماهير وتهليلهم. يحمل كل شيخ منجلاً وسلة ويسأل عدة أسئلة مكررًا كل سؤال ثلاث مرات، والجماهير تجاوبه بالإيجاب بعد كل سؤال. أما الأسئلة فهي: أهذه هي السلة؟! أهذا هو المنجل؟! أهذا هو السبت؟! هل أحصد؟! أخيرًا يبدأ يحصد ويضع في السلة، ليحمله إلى الهيكل لأجل تقديمه.

يقول الكتاب: "فيردد الحزمة أمام الرب للرضا عنكم، في غد السبت يرددها الكاهن" [11]. يردد الكاهن حزمة الشعير أمام الرب ليرضي عن شعبه ويكلل السنة الزراعية بالبركة ويفيض عليهم بنعمه. والترديد كما سبق فرأينا هو رفع التقدمة على يدي الكاهن إلى أعلى، ملوحًا بها نحو الأربع اتجاهات كمن يقدمها لله الموجود في كل مكان، ثم يردها ثانية لتصير من نصيب الكهنة، كأنما يتسلمونها منه. يرى البعض أن الكاهن يردد الحزمة بسنابلها بعد غمسها في الزيت، ثم يوقد منها على المذبح مقدار قبضة يده مع اللبان، ويكون الباقي للكهنة. ويرى آخرون أن الترديد يتم بعد ضرب السنابل بعصا واستخراج حبوب منها تشوى بالنار، يلت الكاهن مقدار عمر منها بالزيت ثم يأخذ ملء قبضة يده ليوقده... أما الرأي الأرجح فهو إتمام الترديد بعد تحميص الحبوب وطحنها في هاون ونخل الدقيق خلال 13 منخلاً ليقدم الكاهن ملء قبضة يده من الدقيق الناعم بعد أن يلته بالزيت ويردده أمام الرب...

على أي الأحوال تمثل الحزمة شخص السيد المسيح الذي يقدم حياته تقدمة سرور للآب على نار الصليب، لكي يتبارك فيه كل الحصاد، وينعم المؤمنون برائحته الذكية والشركة معه في طبيعته.

يتم هذا العمل في "غد السبت"، ويرى الصدوقيون أن الترديد يتم يوم الأحد فعلاً، بعد السبت الذي في أيام الفطير، لكن الرأي الأرجح أن الترديد يتم يوم 16 من نيسان أيًا كان موقعه من أيام الأسبوع، بكون يوم 15 من نيسان يُحسب سبت عطلة للرب ومحفلاً مقدسًا (خر 12: 16) بكونه أول أيام الفطير. هذا هو الرأي الفريسيين، وما أكده يوسيفوس المؤرخ[284] وفيلون اليهودي الإسكندري[285].

أما تقدمات وقرابين هذا اليوم فهي:

أولاً: محرقة الصباح الدائمة ومحرقة المساء الدائمة مع تقدمتهما وسكيبهما (عد 28: 1-8).

ثانيًا: بجانب التقدمات اليومية يقدم تقدمات أيام الفطير السبعة (عد 28: 19-22).

ثالثًا: يمتاز هذا اليوم بترديد حزمة الشعير وتقديم قبضة يد الكاهن منها.

رابعًا: ذبيحة محرقة عبارة عن خروف صحيح حولي [12].

خامسًا: تقدمة طعامية هي عشران من دقيق ملتوت بزيت وسكيبه ربع الهين من الخمر، حيث يوقد الكاهن قبضته منه ملتوتًا بالزيت والباقي للكهنة.

يختم حديثه عن عيد الباكورة بقوله: "وخبزًا وفريكًا وسويقًا لا تأكلوا إلى هذا اليوم عينه إلى أن تأتوا بقربان إلهكم فريضة دهرية في أجيالكم في جميع مساكنكم" [14]. لم يكن ممكنًا أن يأكل أحد من المحصول الجديد في أي صورة من الصور، سواء في شكل خبز أو فريك أو سويق (ربما يقصد به الحبوب المحمصة المطحونة، أو السنابل الخضراء الطرية قبل أن تشوى)، حتى يتم ترديد حزمة الباكورة ليكون الله أولاً، ولكي لا تمتد يد للمحصول قبل تقديسه خلال تقديم الحزمة البكر... فبمجرد ترديد الحزمة تعرض الغلة الجديدة في الأسواق ويمكن أكلها.

أخيرًا فإن عيد الباكورة إرتبط بعيدي الفصح والفطير... فإن كان الفصح يُشير إلى موت السيد المسيح لكي نخلص من إنساننا العتيق أو من خميرة الفساد التي تسللت إلينا فإن عيد الباكورة الذي يلي الفصح ويتخلل الفطير يُشير إلى قيامة السيد المسيح وصعوده، بكونه "البكر من الأموات"، الذي اخترق طريق الموت ليهبنا فيه القيامة ويرفعنا به إلى حضن أبيه، فنحيا في السموات. إنه بكر كل خليقة (كو 1: 15)، خلاله تمتعنا بالبكورية، فصرنا كنيسة أبكار وتم فينا روحيًا قول الآب "إسرائيل ابني البكر" (خر 4: 22)، وكما قال الرسول يعقوب: "شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" (يع 1: 28).

4. عيد الخمسين:

ارتبط عيد الخمسين بعيد الفصح وعيد الباكورة، إذ يحتفل به بعد سبعة أسابيع من عيد الباكورة، لذا دُعي "عيد الأسابيع" (خر 34: 22، تث 16: 10)، كما دعي "عيد الخمسين" وباليونانية "البنطقستي" (أع 2: 1؛ 20: 16)، فيه حلّ الروح القدس على الكنيسة المجتمعة في العليا. وهو أيضًا عيد زراعي كالباكورة، يُسمى "عيد الحصاد" (خر 23: 16)، إذ يأتي في ختام موسم الحصاد.

إن كان بعض اليهود يرون أن الفصح والفطير يمتزجان معًا كعيد واحد متكامل، فإنهم أيضًا يرون أن عيد الفطير يمتد حتى يوم الخمسين كفرح غير منقطع حتى يتم عيد الخمسين، فإن كان هذا العيد هو عيد حلول الروح القدس على الكنيسة، فإن غاية صليب ربنا يسوع المسيح أن يرسل روحه القدوس على كنيسته لكي يهبها المصالحة خلال الدم والشركة مع الثالوث القدوس ويمنحها سمات عريسها المصلوب، وكأن الصليب في واقعه يدخل بنا إلى الحياة الخمسينية ليعمل الروح القدس فينا بقوة صليب ربنا يسوع .

قديمًا كان اليهود يربطون بين الأعياد فيرون في الفصح تحررًا من عبودية فرعون، وفي الفطير تخلصًا من خمير مصر (محبة العالم) وفي الباكورة بدء الحياة الجديد خلال تقديس الحزمة الجديدة، وفي الخمسين تمتعًا بكامل خيرات أرض الموعد، وكما يقول المرتل: "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج" (مز 126: 5). ونحن أيضًا نربط بين هذه الأعياد فنرى في الفصح ذبيحة السيد المسيح الفريدة وموته لتحريرنا من سلطان فرعون الحقيقي أي إبليس، وفي الفطير خلع الإنسان العتيق بخميرته الفاسدة، وفي الباكورة تمتع بالإنسان الجديد خلال الإتحاد مع الله في إبنه البكر، أما في الخمسين فيتحقق هذا بالروح القدس الذي يمتعنا بالمسيح البكر خلال حياة الشركة التي تنطلق من مياه المعمودية. بمعنة آخر خلال "عيد الخمسين" أي "عيد حلول الروح القدس على الكنيسة" تتحقق الأعياد السابقة فينا فيكمل فصح المسيح في حياتنا بروحه القدوس وننعم بقوة قيامته والصعود معه إلى سمواته.

غاية هذا العيد هو تقديم الشكر لله بمناسبة حصاد القمح، خلال طقس مفرح جماعي، فيه يعلن الكل فرحه بالله صانع الخيرات، متذكرين قول الحكيم: "إكرم الرب من مالك ومن كل باكورات غلتك فتمتلئ خزائنك شبعًا وتفيض معاصرك مسطارًا" (أم 3: 9).

كان اليهود يرون في هذا العيد تذكارًا لاستلام الشريعة في سيناء، إذ اعتقدوا أن موسى النبي استلمها في هذا اليوم. لذلك كانوا يستعدون له بالإعتراف بخطاياهم والإغتسال للتطهير، وكثيرًا ما كانوا يقضون ليلة العيد في التسبيح والعبادة.

أما بالنسبة لطقس العيد وتقدماته فأهم ما يتسم به هذا العيد هو صنع رغيفين، حيث يطحن القمح في دار الهيكل وينخل خلال 12 منخلاً ثم يعجن بالخمير، ويصنع رغيفان كل رغيف من عشر إيفة من الدقيق [17]، وذلك قبل العيد بيوم، فإن كان اليوم سبتًا يعملان في اليوم الذي قبله. هذان الرغيفان يرددان أمام الرب ويأكلهما الكهنة، ولا يوقدان على المذبح لأن بهما خمير. أحد الرغيفين يأخذه رئيس الكهنة، والثاني يقوم بتوزيعه على بقية الكهنة.

ويلاحظ في الرغيفين أن بهما خمير، فبالرغم مما أعطى لهما من قدسية خاصة، لكنهما إذ يمثلا شعب إسرائيل المحتاج إلى ذبيحة تُكفر عما إرتكبه (الخمير).

لعل الرغيفين يشيران إلى الخبز الأرضي والخبر السماوي، وكأنه في عيد الخمسين تطلب الكنيسة أن يعمل فيها الروح القدس لتقديس الحياة الزمنية (الخبز الزمني) والحياة التعبدية السماوية. ولعل أيضًا هذين الرغيفين يُشيران إلى كنيستي العهد القديم والعهد الجديد بكونهما يتباركان بعمل الروح القدس فيهما، أو لعلهما جماعة الأمم واليهود.

رقم 2 يُشير إلى المحبة[286]، كأن عمل الروح القدس في يوم الخمسين هو سكب روح الحب والشركة ليكون لنا القلب الملتهب الناري في محبته لله والناس.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 23 جـ3 PDF Print Email


بجانب هذا الطقس تقدم الذبائح والتقدمات الآتية:

أولاً: المحرقة الدائمة الصباحية والمحرقة الدائمة المسائية وتقدماتهما وسكيبهما.

ثانيًا: ذبيحة محرقة من ثور وكبشين وسبعة خراف حولية مع تقدماتها وسكيبها.

ثالثًا: ذبيحة خطية هي تيس من المعز.

رابعًا: ذبيحة سلامة من خروفين حوليين.

خامسًا: تقدمات العيد الإضافية (عد 28: 26-31)، عبارة عن محرقة من ثورين وكبش وسبعة خراف حولية مع تقدماتها وسكيبها، وذبيحة خطية من تيس من المعز أو تيسين.

سادسًا: تقدمات تطوعية يقدمها الشعب حسب ما تسمح به أيديهم، يأكل منها اللاويون والغرباء والفقراء (تث 16: 9-12).

في وسط هذا الفرح العام يحثهم ليس فقط على تقديم تقدمات يتمتع بها الغرباء والفقراء... وإنما يؤكد لهم ألا ينسوهم في طريقة الحصاد عينها، إذ يوصيهم: "وعندما تحصدون حصيد أرضكم لا تكمل زوايا حقلك في حصادك، ولقاط حصيدك لا تلتقط، للمسكين والغريب تتركه، أنا الرب إلهكم" [22].

والآن نستطع القول بأن عيد الخمسين قد كمل في "عيد الخمسين" المسيحي، أو "عيد حلول الروح القدس". فإن رقم خمسين هو ثمرة إضافة سبعة أسابيع على عيد الباكورة، فإن كان رقم 7 يُشير إلى الكمال، فإن الكمال يتحقق بحلول الروح القدس الذي يأخذ مما للمسيح البكر ويعطينا. هذا وقد رأى كثير من اليهود في عيد البنطقستي إعلانًا للعهد الإلهي إذ رأوا فيه تذكارًا للعهد أو الميثاق للذي قدمه الله لنوح وتجديدًا له[287]، وأيضًا ميثاق الله مع إبراهيم (تك 15)، إذ قيل: [في هذا اليوم أقمنا عهدًا مع إبراهيم كما أقمناه مع نوح في نفس الشهر. وقد جدد إبراهيم العيد وجعله وصية أبدية[288]]. هكذا كانوا يتطلعون إلى هذا العيد كعيد تجديد العهد مع الله، ودخول أعضاء جدد في العهد معه[289]. لذلك عندما حلّ يوم الخمسين واجتمع التلاميذ في علية صهيون كان اليهود من حولهم يعيدون بتجديد العهد مع الله متذكرين ما حدث مع آبائهم حين سلم الله عهده وشريعته لموسى النبي وما صاحب ذلك من رعود وبروق وأصوات بوق ودخان حتى ارتعب الكل (خر 20: 18)... في هذا اليوم حلّ الروح القدس على التلاميذ وسمع أيضًا صوت هبوب عاصف وارتعب الكل وحدث تجديد للعهد خلال الروح القادر أن يجدد القلوب والأذهان، ويكتب الشريعة والعهد في قلوب المؤمنين (إر 31: 31-34)... صار للكنيسة الروح الإلهي الناري الذي يغير الطبيعة الداخلية ويهب روح النبوة فنتقبل عهدًا جديدًا.

5. عيد الهتاف:

هو عيد بداية السنة المدنية، وبداية الشهر السابع من السنة الدينية، لذا فهو عيد تقديس الشهور (الشهر السابع). أهم ما يمتاز به هذا العيد هو "الهتاف"، حيث يحتفل به اليهود بالهتاف في الأبواق، لهذا دعى "عيد الهتاف" أو "عيد الأبواق"، كما دعى "عيد ميلاد العالم".

أما غاية هذا العيد فهو:

أولاً: بدء السنة الجديدة، وكأن عيد رأس السنة.

ثانيًا: تقديس العالم كله بكون الشهر السابع (دينيًا) هو بكر الشهور، فيه تُقام أعظم الأعياد.

ثالثًا: يرى البعض في هذا العيد إعدادًا للشعب للإحتفال بعيد الكفارة في منتصف الشهر حين يبلغ القمر كماله، فتنعم الكنيسة بكمالها خلال كفارة الصليب.

رابعًا: تذكار للشريعة التي رافقتها أصوات الرعود والبروق.

هذا العيد كغيره من الأعياد اليهودية لم تحتقره كنيسة العهد الجديد بل قدسته، خلال فكر روحي جديد. فإن كانت الأبواق والهتافات قد حملت معنيين رئيسيين ومتكاملين هما تحطيم مملكة الشر وقيام مملكة الله، لذا نسمع عن هدم أسوار أريحا التي للشر (يش 6: 5-21) خلال الأبواق، وأيضًا نجد إعلان ملكوت الله، وتكريم تابوت العهد خلال الهتافات والأبواق (1 مل 17: 20، 4: 5-8، 2 مل 6: 15)، وقد جاءت المزامير تُشير إلى الهتافات الليتورجية التي تصاحب عرش الله (مز 46: 1-7، مز 80: 2-4). كأن عيد الهتاف لم يكن طقسًا لتحديد بدء السنة أي تحديد الزمن، وإنما كان في جوهره إعلانًا عن مملكة الله وتأكيد سلطانه على الزمن[290]. وفي العهد الجديد نسمع عن طقس هذه الأبواق أو الهتاف لا لإعلان بدء سنة زمنية وإنما لإعلان بدء الأبدية أو السنة التي بلا نهاية، فيحدثنا الرسول بولس عن الأبواق التي تدعو المختارين لهذه السنة التي بلا نهاية (1 تس 4: 16، 5: 2)، كما يربط السيد المسيح مجيئه الأخير بأصوات الأبواق (مت 24: 29-31). بهذا يظهر العيد اليهودي كعنصر أساسي في تشكيل الإستخاتولوجي (الحياة الأخروية) المسيحي[291]... إنه عيدنا الروحي الذي فيه بصوت البوق نحطم أسوار أريحا التي للشر لتعلن مملكة المسيح فينا، فتبدأ فينا سنة لا تنتهي، أو أبدية دائمة.

أما ذبائح وتقدمات هذا اليوم فهي:

أولاً: محرقة الصباح الدائمة ومحرقة المساء الدائمة وتقدمتهما وسكيبهما (عد 28: 1-8).

ثانيًا: قرابين رأس الشهر (الهلال) عبارة عن محرقة من ثورين وكبش وسبعة خراف حولية وتقدمتها والسكيب، وذبيحة الخطية من تيس من المعز (عد 28: 21- 25).

ثالثًا: محرقة ثور وكبش وسبع خراف حولية وتقدمتها وسكيبها (قرابين العيد).

رابعًا: ذبيحة خطية من تيس من المعز خاصة بالعيد.

أما طقس هذا اليوم فيبدأ بتقديم المحرقة الصباحية اليومية، بعدها تقدم قرابين الشهر الجديد، وبعد ذلك قرابين العيد حيث ينفخ الكهنة في أبواق القرن، ويعزف اللاويون على آلات موسيقية ويترنم الشعب بالمزامير من بينها (مز 81). يبارك الكاهن الشعب بالبركة المقدسة، قائلاً: "يباركك الرب ويحرسك، يضيئ الرب بوجهه عليك ويرحمك، يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا" (عد 6: 24-26). ويلاحظ في هذه البركة يذكر إسم يهوه ثلاث مرات، إذ يتمتع الشعب ببركة الثالوث المقدس، وكانوا يتمتعون ببركة الله وهم منطرحون وساجدون على الأرض.

بعد نوال البركة الإلهية كان الشعب - في أيام الهيكل - يتوجه إلى المجامع حيث تُقرأ عليهم فصول من الكتاب المقدس (تك 21: 1-34، عد 29: 1-6، 1 صم 1: 1، 10، تك 22: 1-24، إر 31: 2-20). ثم يترنمون بالمزامير ويعودون إلى منازلهم.

في المساء يعود الشعب إلى الهيكل ليشاهد تقديم محرقة المساء اليومية، ويطلب الصفح عن خطاياه التي إرتكبها في السنة السابقة وبركة الرب في السنة الجديدة، ثم يهنئ بعضهم البعض بالعام الجديد.

6. عيد الكفارة:

سبق لنا الحديث عنه في تفسيرنا للأصحاح السادس عشر.

7. عيد المظال:

هو آخر الأعياد والمواسم المقررة في الناموس، وبه يختتم العام الزراعي. وقد سمى "عيد المظال" لأنهم كانوا يسكنون خلاله في مظال مصنوعة من أغصان الشجر [42]، كما دعى "عيد الجمع" (خر 23: 16، 34: 22)، إذ فيه ينتهون من جني جميع المحاصيل كالكروم والزيتون.

غاية هذا العيد هو تقديم الشكر لله على انتهاء العام الزراعي، وفي نفس الوقت يحمل هذا العيد تذكارًا لتغربهم في البرية حيث كانوا يعيشون في خيام، وتمجيدًا لله الذي أدخلهم أرض الموعد.

أهم سمات هذا العيد هو اتسامه بالفرح الشديد، السكنى في المظال، طقسه الفريد.

أولاً:
اتسامه بالفرح الشديد، فقد عُرف هذا العيد بكثرة الذبائح والعطايا من الأغنياء ليفرح الكل (تث 16: 14)، خاصة وأنه يأتي بعد الحصاد، فيُقدم الكل مما وهبه الله حتى لا يظهروا فارغين أمام الرب. يقول يوسيفوس أن من لم ير أفراح عيد المظال لا يعرف ما هو الفرح.

ثانيًا: السكنى في المظال لمدة سبعة أيام يليها اليوم الثامن الذي يُحسب عيدًا مستقلاً بذاته له طقسه الخاص به وذبائحه ولا يبقى الشعب في المظال فيه. فقد اعتاد اليهود أن يذهبوا إلى أورشليم قبل العيد بيوم، وكان بعضهم يذهب إليها قبل اليوم العاشر من الشهر ليشترك في عيد الكفارة ويقيم هناك حتى يحتفل بعيد المظال. يبدأون في إقامة المظلات بمجرد انتهائهم من عيد الكفارة. وقد حددت المشناة أبعاد المظال، ولا يعفى من السكني فيها سوى المرضى ومرافقيهم. إذ كان الجو ممطرًا بشدة يمكن عدم البقاء الدائم فيها.

خلال السكنى في المظال يرتبط تمتع الشعب بالخيرات وفرحهم بالمحصول (تث 16: 13-16) بتذكار عمل الله معهم الذي أخرجهم من أرض مصر وأسكنهم في المظال أو الخيام حتي يستقروا في أرض الموعد (لا 23: 41-43). فإن كان هذا العيد هو عيد زراعي مفرح فهو أيضًا عيد الغربة لأجل الاستقرار في المظال الأبدية.

تحقق هذا العيد في صورة أكمل وأعمق في العهد الجديد، حين تجلى السيد المسيح على جبل تابور أمام ثلاثة من تلاميذه، وإذ رأى بطرس الرسول أن الحصاد الحقيقي قد تم إذ ظهر السيد المسيح في بهائه وحوله رجاله موسى وإيليا والتلاميذ اشتهى أن يقيم عيد مظال لا ينقطع، سائلاً السيد أن يصنع ثلاث مظال واحدة للسيد وأخرى لموسى وثالثة لإيليا، ليبقى التلاميذ في هذا العيد أبديًا (مت 17: 5)... لكن السيد المسيح أرسل مظلة سماوية من عندياته هي "سحابة منيرة ظللتهم" لكي يسحب قلب التلاميذ إلى العيد الآخروي حين يأتي السيد على السحاب لا ليقيم لهم مظال أرضية بل ليدخل بهم إلى حضن أبيه... وقد دعى السيد الحياة الأبدية "المظال الأبدية".



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 23 جـ4 PDF Print Email


ثالثًا:
اتسم هذا العيد بطقسه الفريد، الذي تميز بظاهرتين متكاملتين هما سكب الماء والإنارة.

فمن جهة سكب الماء يذكر التلمود أنه ابتداء من اليوم الأول ولمدة سبعة أيام يخرج في الفجر موكبان عظيمان، أحدهما يتوجه لجمع أغصان الزيتون وسعف النخيل والأشجار الأخرى، والثاني يتوجه إلى بركة سلوام ومعه أحد الكهنة يحمل أبريقًا ذهبيًا ليغرف فيه من ماء البركة ويملأ الأبريق. وكان يرافق الموكبين جماعات المرنمين ليعود الموكبان بين الهتافات والترانيم ويصل الكل إلى الهيكل في وقت واحد، فتُقدم محرقة الصباح. ويقيم حاملو الأغصان مظلة جميلة على المذبح بينما يستقبل الكهنة زميلهم الذي يحمل الأبريق الذهبي بالنفخ ثلاثًا في الأبواق. يصعد الكاهن على درج المذبح ومعه كاهن آخر يحمل أبريقًا آخر من الذهب به الخمر، فيسكبان سكيب المحرقة من الماء والخمر في طاسين من الذهب مثقوبين ومثبتين على المذبح، فينساب السكيب إلى أسفل المذبح، وكان الناس يستقون الماء بفرح من بركة سلوام في أيام العيد تذكارًا لخروج الماء من الصخرة على يد موسى النبي وشرب آبائهم منها، متذكرين كلمات إشعياء النبي: "أيها الجياع جميعًا هلموا إلى المياه والذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا، هلموا واشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرًا ولبنًا"، "فتستقون مياها بفرح من ينابيع الخلاص" (إش 55: 1، 12: 3).

كان الصدوقيون يرون الإقتصار على سكب الخمر وحده دون الماء. ففي حوالي عام 95 ق.م. كان رئيس الكهنة اسكندر بانياس من الصدوقيين قد سكب الماء على الأرض بعيدًا عن المذبح فثار ضده الفريسيون وأرادوا قتله، فقامت معركة بين الصدوقيين والفريسيين، وانتهت بنصرة الفريسيين، بعد أن قتل أكثر من ستة آلاف شخص.

على أي الأحوال إذ كان الماء والخمر يسكبان على المذبح تُعزف موسيقى الهيكل وترنم مزامير الهليل (مز 113-118). وكانوا عندما يأتون إلى المقاطع التالية: "احمدوا الرب لأنه صالح"، "يا رب أنقذ"، "احمدوا الرب" (مز 118: 1، 25، 29)، يلوح المتعبدون بالأغصان حول المذبح.

هذا ويظهر مدى ارتباط هذا العيد بالماء أن اليوم الثاني من العيد كان يسمى "الاحتفال الأصغر" يقام فيه احتفالات مسائية مبهجة مع بقية الأيام تسمى "فرح مجاري المياه". وقد جاء في التلمود بكل وضوح : "لماذا دُعي اسمه "مجاري المياه"؟ من أجل تدفق الروح القدس حسب ما قيل: بالفرح تنفجر المياه من ينابيع الخلاص[292]].

هذا الطقس الخاص بسكب المياه على المذبح وشربها من بركة سلوام وقد التحم بطقس الأغصان وتلويحها مع التهليل والترنم، ارتبط بطقس آخر هو طقس "الإنارة"، ففي هذا العيد تُضاء في دار الهيكل أربع منارات عالية تبلغ ارتفاع الواحدة نحو 50 ذراعًا، في أعلى كل منها أربعة سرج كبيرة من الذهب، وكانت فتائلها من ملابس الكهنة القديمة وكانت أنوارها تُرى في كل المدينة. وكان الشعب أيضًا يضيئون مصابيح في الشوارع لتصير المدينة كلها أشبه بكتلة من النور البهيج، كما كانوا يزينون المنازل بالزهور. وقد ارتبط النور بالفرح، فكان الكهنة يرقصون ويترنمون وهم على الدرجة الخامسة عشر من درجات الهيكل.

أما علة ارتباط الماء بالنور في هذا العيد فبحسب التقليد اليهودي أن عمود السحاب (الماء) والنار (النور) ظهر لأول مرة لليهود في 15 تشري، أول أيام العيد، كما أنه في نفس اليوم نزل موسى من الجبل وأعلن عن إقامة خيمة الإجتماع، وفي نفس اليوم دشن هيكل سليمان ونزلت الشكينة (1 مل 8، 2 أي 7).

هذا العيد الذي اتسم بالماء مع النور قد تقدس، بالأكثر في العهد الجديد، يحتفل به المؤمنون خلال تمتعهم بالحياة المسيانية ودخولهم إلى الأبدية. فالعصر المسياني في حقيقته هو عصر فيض المياه الحية على أرضنا البرية لتحويلها إلى فردوس حق، وكما جاء في سفر أشعياء: "أفتح على الهضاب أنهارًا وفي وسط البقاع ينابيع، أجعل القفر أجمة ماء والأرض اليابسة مفاجر مياه، أجعل في البرية الأرز والسنط والآس وشجر الزيت، أضع في البادية السرو والسنديان والشربين معًا، لكي ينظروا ويعرفوا ويتنبهوا ويتأملوا معًا أن يد الرب فعلت وقدوس إسرائيل أبدعه" (إش 41: 18-20)، وقد رأى حزقيال النبي في الهيكل الجديد المياه الحية تخرج من عتبة البيت نحو المشرق عن جنوب المذبح... وإذ بأشجار كثيرة جدًا هنا وهناك ترتوي على هذه المياه (حز 47)، وحين تحدث زكريا النبي عن يوم صلب السيد المسيح قال: "ويكون في ذلك اليوم أن مياهًا حية تخرج من أورشليم" (زك 14: 8)... وإذ جاء السيد المسيح لم يعلن أنه هو موضوع هذا العيد، وإنما هو العيد[293]، تحول العيد إلى شخص ننعم به ونرتوي ونستنير، إذ يقول الإنجيلي: "وفي اليوم الأخير من العيد وقف يسوع ونادى قائلاً: إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب، من آمن بيّ كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو 7: 37-38). بهذا فإن السيد المسيح قد أعلن نفسه أنه الطقس العيّدي الذي فيه لا يشربون كآبائهم من الصخرة التي تابعتهم ولا من بركة سلوام بل يفيض في داخلهم ينابيع مياهه الحية. هذا أيضًا ما أكده السيد المسيح للمرأة السامرية: "كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أعطيه أنا يصير فيه ينبوع مياء ينبع إلى حياة أبدية" (يو 4: 13-14). من يشرب من ماء الطقس اليهودي يعطش أيضًا، لكنه إذ جاء الأصل قدم لنا روحه القدوس الماء الذي يفجر فينا ينابيع مياه حية تنبع إلى حياة أبدية، أي قادرة لا على إروائنا فحسب وإنما على تجديد طبيعتنا لننطلق إلى الحياة الأبدية السماوية. هذا هو النهر الصافي من ماء الحياة اللامع كالبللور الذي رآه القديس يوحنا الحبيب خارجًا من عرش الله والحمل (رؤ 22: 1).

وما نقوله عن المياه نكرره أيضًا بخصوص النور، فقد أكد لنا السيد المسيح: "أنا هو نور العالم" (يو 8: 12). وكما يفجر فينا ينبوع مياه حية، فإنه إذ هو العيد الحق يحولنا إلى شركة الحياة معه فنصير نحن أيضًا نور العالم (مت 5: 14).

بجانب هذين الطقسين المتكاملين "سكب الماء والإنارة"، فإننا إذ نرى الجماهير وقد تحولت إلى موكب تلوح حول المذبح بالأغصان، إنما نرى السيد المسيح "الكاهن والذبيحة في نفس الوقت"، وقد خرجت الجماهير في أحد الشعانين تلوح بالأغصان الزيتون وسعف النخل وتفرشه على الطريق (مت 21: 8)... هو عيدنا المفرح واهب النصرة! نلوح له هنا بأغصان الإيمان علامة قبولنا ملكه فينا فيهبنا سعفًا لنخل جديد في ملكوته الأبدي علامة غلبتنا به وملكنا معه (رؤ 7: 9).

أما عن طقس العيد فيبدأ هكذا في مساء اليوم الرابع عشر ينفخ الكهنة في الأبوق إعلانًا عن قدوم العيد، وينظفون مذبح المحرقة، وبعد منتصف الليل مباشرة يفتحون الأبواب حتى يتسنى للشعب أن يدخل للإشتراك في الإحتفالات العظيمة بالعيد.

بجانب الطقوس السابق ذكرها تقدم التقدمات والذبائح التالية (عد 29: 12-19):

أولاً: المحرقة الصباحية الدائمة وأيضًا المسائية مع تقدمتهما وسكيبهما.

ثانيًا: محرقة العيد يبدأ اليوم الأول بثلاثة عشر ثورًا ثم يتناقص كل يوم ثورًا فيبلغ كل الثيران سبعين ثورًا، كما يُقدم أيضًا كبشان وأربعة عشر خروفًا حوليًا كل يوم مع تقدمتهم.

ثالثًا: ذبيحة خطية للعيد من تيس من المعز.

رابعًا: ما يقدمه الشعب من ذبائح السلامة والنذور والنوافل والقرابين التطوعية إبتهاجًا بالعيد.

هذا ومع انسحاب الشعب من المذبح في نهاية كل خدمة يومية يترنمون قائلين: "ما أجملك أيها المذبح" أو "نشكرك يارب (يهوه) ونشكرك أيها المذبح"[294].

أما بالنسبة لليوم الثامن، كما قلنا يُحسب عيدًا مستقلاً، وقد دعى بالإعتكاف، حيث يتوقف الكل عن العمل ويتفرغ للعبادة... في هذا اليوم لا يسكنون المظال ولا يلوحون بالأغصان. أما تقدمات هذا اليوم وذبائحه فهي:

أولاً: المحرقة الصباحية الدائمة وأيضًا المسائية مع تقدماتهما وسكيبهما.

ثانيًا: ذبيحة محرقة من ثور وكبش وسبعة خراف مع تقدماتها وسكيبها.

ثالثًا: ذبيحة خطية من تيس من المعز.

رابعًا: ما يقربه الشعب من ذبائح تطوعية (عد 29: 35-29).

نختم حديثنا عن المظال بما جاء في سفر التثنية وهو أن الشريعة تُقرأ أمام كل إسرائيل في هذا العيد في كل سنة سبتية "السنة السابعة" (تث 31: 9-13).




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 24 PDF Print Email

الفرح الداخلي

إذ تحدث عن الأعياد المقدسة والمحافل المفرحة أراد أن يعلن عن سرّ الفرح الحقيقي الداخلي خلال الإهتمام بالمنارة الذهبية للتمتع بالنور، والخبز الأسبوعي للتمتع بالشبع، أما سرّ فقدان الفرح فهو إهانة الله بالتجديف على إسمه والإساءة إلى الآخرين.

1. المنارة والزيت النقي              [1-4].

2. المائدة وخبز الوجوه              [5-9].

3. تجديف إبن شولمية               [10-16].

4. شرائع مختلفة                    [17-23].

1. المنارة والزيت النقي:

ليس عجيبًا أن يتحدث عن المنارة والزيت النقي بعد حديثه عن الأعياد والمواسم مباشرة، فإن كان الله يود أن ينعم على شعبه بفرح دائم لا ينقطع فسرّ هذا الفرح هو استنارته غير المنقطعة بزيت الروح القدس فيه، الذي يهيئ النفس كعذراء لاستقبال العريس (مت 25: 1-10).

"أوصِ بني إسرائيل أن يقدموا إليك زيت زيتون مرضوض نقيًا للضوء لإيقاد السرج دائمًا. خارج حجاب الشهادة في خيمة الإجتماع يرتبها هرون من المساء إلى الصباح أمام الرب دائمًا فريضة دهرية في أجيالكم. على المنارة الطاهرة يرتب السرج أمام الرب دائمًا" [2-4].

أوصى الرب الشعب بتقديم زيت زيتون مرضوض، أي مستخرج برضه أو دقه في الهاون وتصفيته، وأن يكون نقيًا. وكان على هرون وبنيه أن يرتبوا السرج السبعة التي للمنارة الذهبية في المساء حتى الصباح أمام الرب بالسهر عليها حتى لا تنطفئ. ويذكر المؤرخون أن جميع السرج كانت تضاء طول الليل، أما في النهار فيضاء ثلاثة منها فقط.

لقد سبق فرأينا في دراستنا لسفر الخروج أن المنارة لم تكن لمجرد الإضاءة لكنها حملت مفاهيم لاهوتية روحية تمس علاقتنا بالثالوث القدوس، النور الحقيقي. وأن الكنيسة الأولى إهتمت بالإضاءة حتى في النهار داخل الكنيسة كطقس روحي يمس حياة المؤمنين، وأن الكاهن يبارك الشعب بالصليب ملتحمًا بشموع منيرة علامة عمل الله في حياتهم الداخلية[295].

يعلق الأب ميثوديوس على طقس الإضاءة من المساء حتى الصباح في القدس قائلاً: [لقد أوصوا أن يكون لهم نور ضعيف من المساء حتى الصباح، لأن نورهم يبدو أنه يمثل الكلمة النبوية... كانت هناك ضرورة أن يوقد حتى يأتي النهار، إذ يقول "يرتبها إلى الصباح"، أي حتى مجئ المسيح. فإنه إذ يشرق شمس الطهارة والبر لا تكون هناك حاجة لنور آخر[296]].

ويقول العلامة أوريجانوس:

[قبل مجئ ربنا يسوع المسيح، الشمس التي لم تشرق على بني إسرائيل، كانوا يستخدمون نور السرج، إذ كان عندهم كلمات الناموس والأقوال النبوية كسراج مغلق عليه في سور ضيق لا تشرق أنواره في الأرض كلها. فقد كان العلم الإلهي محصورًا في يهوذا وحده، كقول النبي: "الرب معروف في يهوذا" (مز 75: 1). لكن إذ أشرق شمس البر (ملا 4: 2، 3: 20)، ربنا ومخلصنا، إذ وُلد ذاك الذي كتب عنه أن "الشرق إسمه" (زك 6: 2 "الترجمة السبعينية")، إنتشر نور العلم الإلهي في العالم كله. باختصار كانت كلمات الناموس والأقوال النبوية سراجًا منيرًا يشتعل داخل القدس، لا يمكن أن ينطلق خارجًا ليشع بجماله وبهائه.

كلمات الناموس والأنبياء هي السرج، هذا ما علمنا إياه الرب بنفسه من يوحنا المعمدان (كممثل للعهد القديم بناموسه وأنبيائه): "كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة" (يو 5: 35)... كان هذا السراج يشتعل، إذ هو يوحنا الذي به تم الناموس والأنبياء. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). مادام الشعب له زيت يقدمه للإضاءة لا ينطفئ السراج، لكنهم عندما أخطأوا ولم يصر لهم زيت الرحمة ولا الأعمال الصالحة والنقاوة إنطفأ السراج بسبب الحاجة إلى زيت نقي للإضاءة.

لكن ماذا نقول بالنسبة لنا نحن؟... يليق بالمسيحي أن يهتم بالأكثر أن يكون له زيت، فبدونه كما يقول الرب تُسمى العذارى جاهلات، إذ لا يحملن زيتًا في آنيتهن، فلا يضئن سرجهن وبالتالي يحرمن من الحجال الزوجي. وعندما قرعن الباب إذ لم يكن لهن زيت أمر العريس بعدم فتح الباب (مت 25).

إنيّ أذكر ما سبق فقلته بخصوص المزمور 118: "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (مز 118: 105)، موضحًا بقدر الإمكان الفارق بين السراج والنور. فقد خصص السراج للرجل بكونها عضو سفلي للجسم، أما النور فخصص للسبل التي تُدعى في موضع آخر "الطرق السماوية". فبحسب التفسير السري... يضيئ سراج الناموس للذين هم في العالم كرجل للخليقة كلها (رجال العهد القديم)، أما النور الأبدي فمخصص لسبل الدهر الآتي[297]].

يرى القديس أغسطينوس[298] أن الزيت يُشير إلى "المحبة" التي بدونها لن تدخل العذارى إلى العرس ولا يلتقين بالعريس في حجاله السماوي. ويقول العلامة أوريجانوس: [أما يظهر لك أن من يطفئ نور المحبة يطفئ السراج؟! من يحب أخاه (1 يو 4: 21) يبقى في نور المحبة ويستطيع أن يقول بكل ثقة: "أما أنا فمثل زيتونة خضراء في بيت الله" (مز 52: 8)، "بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك"(مز 128: 3)[299]].

2. المائدة وخبز الوجوه:

سبق لنا الحديث عن المائدة وطقس خبز الوجوه في دراستنا لسفر الخروج (أصحاح 25)[300]. هنا يؤكد: "وتجعل على كل صف لبانًا نقيًا فيكون للخبز تذكارًا وقودًا للرب" [7]. فإن كان الخبز يوضع على صفين، كل صف يحوي ست خبزات فوق بعضها البعض ويوضع بين الخبز صفائح ذهبية منحنية تسمح بمرور الهواء حتى لا يفسد الخبز، فإنه يوضع إناء ذهبي من اللبان فوق كل صف يوقد ليذكر الرب تقدماتهم ويقبلها رائحة ذكية.

إن كان الخبز يُشير إلى الكنيسة المقدسة التي التحم برأسها المسيح، فإن اللبان يُشير إلى عملها الدائم ألا وهو الصلاة والتسبيح بلا انقطاع.

يرى العلامة أوريجانوس في المائدة المقدسة صورة للمائدة التي يقدمها لنا رب المجد، مائدة الأفخارستيا، إذ يقول: [لنرجع إلى الخبز النازل من السماء واهب الحياة (يو 6: 33) خبز الكفارة الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره (رو 3: 25). لننظر لهذا التذكار الذي تحدث عنه الرب: "إصنعوا هذا لذكري" (1 كو 11: 25)، ففي هذا التذكار يخدم الرب الناس. لنذكر بكل دقة أسرار الكنيسة، وندرك كيف حملت شرائع الناموس صورة مسبقة للحق المقبل (عب 10: 1)[301]].

هذا الخبز هو طعام المقدسين يأكلونه "في مكان مقدس" [9]. إنه طعام الذين صاروا جنسًا مختارًا وكهنوتًا ملوكيًا (1 بط 2: 9)، يأكلونه وهم مستعدون بالحياة المقدسة، وكما يقول العلامة أوريجانوس[302]: [إن "المكان المقدس" هنا ليس موضعًا مكانيًا لكنه يعني "النفس الطاهرة"].

3. تجديف إبن شولمية:

بعد أن كشف عن سرّ فرح النفس بزيت المنارة المضئ، وشبعها بخبز المائدة المقدس حدثنا عن سرّ مرارة النفس وفقدانها سلامها بل وحياتها، خلال قصة تنازع إبن شولمية مع رجل إسرائيلي، حيث سّب الأول الله. لم يتسرع موسى النبي في الحكم من عندياته بل أخذه وطلب مشورة الله، فجاءت الشريعة تعلن أن من يجدف على الله سواء كان يهوديًا أصيلاً أو متهودًا يقتل رجمًا خارج المحلة، ففعلوا هكذا بإبن شولمية.

قدم لنا العلامة أوريجانوس[303] مفهومًا رمزيًا لهذه القصة، إذ رأى في إبن شولمية الذي من أب مصري وأم يهودية إشارة للهراطقة الذين ينتسبون للكنيسة كأم لهم لكنهم خلال هرطقتهم يقبلون فرعون أبًا لهم. هؤلاء بانحرافهم يفقدون أبوة الله بينما ينسبون أنفسهم للكنيسة ليدخلوا في صراع مع أبنائها، ويجدفون على الله بفساد إيمانهم. إنهم حسب الحرف أو المظهر منتسبون للكنيسة لكنهم هم خارجها والله ليس بأبيهم، لذلك أُخرج إبن شولمية خارج المحلة.

من يجدف على الله أيضًا بتصرفاته يحرم نفسه من العضوية الكنسية الحقيقية: [من يخرج عن طريق البر وعن ناموس الرب... يخرج عن جماعة القديسين وصفوفهم[304]]. [من يخرج عن الحق يخرج عن مخافة الرب والإيمان والمحبة، بهذا يخرج عن محلة الكنيسة حتى ولو لم يصدر حكمًا من الأسقف بطرده... فقد يكون في داخلها (بالجسد) لكنه في الحقيقة هو خارجها[305]].


+ إقرأ إصحاح 24 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 25 جـ1 PDF Print Email

شرائع الحرية الداخلية

أعلن الله غايته نحو الإنسان بالدخول به إلى الأعياد ومحافل مقدسة مستمرة ليتقبل الله نفسه كعيد له ينبوع فرحه وتحريره. ففي الأصحاح السابق حدثنا عن الفرح والشبع، والآن يحدثنا عن الحرية الداخلية خلال بعض الشرائع التي تمس الفقراء والعبيد والحقول والبيوت.

1. شريعة السنة السابعة                      [1-7].

2. شريعة سنة اليوبيل                         [8-22].

3. شرائع بيع الأراضي                        [23-28].

4. شرائع بيع البيوت                          [29-33].

5. شرائع قروض الإخوة                      [35-38].

6. شريعة العبد العبراني                       [39-43].

7. شريعة العبد الأجنبي                        [44-46].

8. شريعة العبراني المستعد لأجنبي            [47-55].

1. شريعة السنة السابعة:

إهتم الله بحفظنا للسبت لتقديس كل بقية أيام الأسبوع، وبنفس الفكر إهتم أن نحفظ سبت السنوات أي السنة السبتية أو السنة السابعة، في هذه السنة لا يجوز زرع الأرض أو حصدها حتى الأشجار المثمرة، إنما يجوز الزراعة في حدود تقديم الجزية أو الضريبة، وأيضًا ما هو للتقدمات كحزمة الترديد ورغيفي التقدمة وخبز الوجوه. كما يصرح بحرث الأرض وتهيئتها للزراعة، وبالصيد والتجارة وتربية النحل... إلخ.

أما غاية السنة السبتية فهي:

أولاً: من الجانب الزراعي، لم يكن لليهود أو آبائهم خبرة في هذا المضمار، ففي مصر عاشوا كرعاة غنم، ورأوا المصريين يزرعون الأرض سنويًا وأحيانًا أكثر من مرة في السنة بسبب خصوبة الأرض وطمي فيضان النيل، أما أرض فلسطين فتحتاج أن تترك كل فترة لتستعيد قوتها ولا تستهلك.

ثانيًا: من الجانب الإنساني والإجتماعي، فإن السنة السبتية هي سنة الشركة العامة، فيستطيع الفقير والغريب بغير خجل أن يدخل أي حقل ويجمع ما تبقى من السنوات السابقة ويقطف من أشجار الفاكهة ما يريد... وكأن الأرض في السنة السابعة تصير مشاعًا للكل، أن يقطف ما يريد دون أن يقوم بالتخزين أو تحويلاً إلى منتجات أخرى كالنبيذ... إلخ، حتى بالنسبة لصاحب الأرض. ولا تقف الشركة عند البشر وحدهم، بل تترك الحيوانات حتى البرية منها لتتمتع بنصيبها من منتجات الأرض بلا عائق.

هذا ومن ناحية أخرى كانت هذه السنة راحة للجميع، ليس فقط للرجل وعائلته، وإنما حتى العبيد والأجير والغريب بل والحيوانات أيضًا.

يرى البعض أن هذه السنة هي سنة إبراء فيها يتحرر العبيد من الرق... وإن كان البعض يرى أن التحرر يتم في السنة السابعة من شراء العبد، وليس بالضرورة في السنة السبتية العامة.

ثالثًا: من الجانب الروحي فهي سنة راحة من العمل اليومي للإنشغال بالعمل الروحي، ففي هذه السنة تقرأ فصول من الشريعة في عيد المظال (تث 31: 10-13) لكي تكون أشبه بذخيرة للسنة كلها... وكانت القراءة تتم بطقس جميل فيه يسلم رئيس المجمع التوراة لرئيس الكهنة، وهذا بالتالي يسلمها للملك الذي يقف ليقرأ الشريعة على الشعب في مهابة. بعد القراءة يعطي رئيس الكهنة البركة للشعب، سائلاً من أجل الشريعة والخدمة والإعتراف والتمتع بمغفرة الخطايا ومن أجل أورشليم والهيكل والشعب والكهنوت المقدس.

هذا وكانت السنة السبتية تعتبر درسًا عمليًا في الإيمان أن الله يبارك في إمكانياتهم ويشبعهم، وأن سرّ البركة لا في كثرة العمل وإنما في رضا الله...

2. شريعة سنة اليوبيل:

كما يقدس الإنسان اليوم السابع ليبارك الرب كل أيام الأسبوع، والشهر السابع ليبارك كل الشهور، والسنة السابعة ليبارك الست سنوات الأخرى، فإنه يقدس أيضًا السنة الخمسين التي تأتي كسبت لكل وحدة تتكون من سبع سنوات، هي سبت أسابيع السنين، لذلك يعتبر هذا العيد "اليوبيل" هو كمال النظام السبتي، وضعه الرب لشعبه.

كلمة "يوبيل" من أصل يوناني تعني "قرن"[306]، إذ كان يعلن عنها خلال النفخ في بوق في اليوم العاشر من الشهر السابع، إذ تبدأ بعيد الكفارة.

دعى هذا العيد بسنة العتق (حز 46: 17)، ففيه يتم عتق العبيد وترجع الأراضي المباعة والمرهونة إلى أصحابها، والدائنون يعفون عن المدينين... لذلك كان هذا العيد الذي يتكرر كل خمسين عامًا من أروع الأعياد وأبهجها على نفوس الشعب.

أما طقس هذا العيد فهو:

أولاً: "تقدسون السنة الخمسين وتنادون بالعتق في الأرض لجميع سكانها، تكون لكم يوبيلاً، وترجعون كل إلى ملكه وتعودون كل إلى عشيرته" [10]. هذا هو أبرز ما في الطقس، ألا وهو عتق الأرض وتحريرها، فيسترد كل إنسان أرضه وتسترجع كل عشيرة ممتلكاتها من بيوت قروية أو حقول سواء كانت قد بيعت أو رهنت، وكان غاية ذلك الآتي:

أ. يشعر الكل بالغربة [23]، فإن كان قد اغتنى واستطاع بماله أن يرهن أو يشتري نصيب غيره، يتركه في السنة اليوبيلية بإرادته قبل أن يترك الكل كل شيء بغير إرادتهم. ولعل السنة اليوبيلية تحمل ظلاً للحياة الأبدية حيث لا يوجد فيها غنى وفقير بل يفرح الكل بنوال نصيبه دون طمع فيما هو للغير.

ب. تأكيد أن الأرض هي ملك للرب [23]، وهبها لنا لنستغلها لكن ليس على حساب إخوتنا الفقراء، فنرد لهم نصيبهم ليس منحة منا إذ هي ليست ملكنا بحق بل ملك الرب.

ج. أن يحتفظ كل سبط وكل عشيرة وكل أسرة بنصيبه في الأرض التي وهبت لهم على يدي موسى النبي ويشوع بن نون.

ثانيًا: وضع لهم مبدأ هامًا للتعامل: "فمتى بعت صاحبك مبيعًا أو اشتريت من يد صاحبك فلا يغبن أحدكم أخاه" [14]. يلزم ألا يستغل أحد اليوبيل فيبيع أرضه قبل الموعد بثمنها ليستردها في السنة الخمسين، إنما يُقدر ثمن البيع حسب المدة الباقية لحلول اليوبيل، فلا يغبن أحد الآخر. وفي نفس الوقت لا يليق بالمشتري أن يستغل احتياج البائع فيقدم ثمنًا بخسًا، إنما ليقيم الثمن حسب النفع الذي يعود عليه خلال الفترة الباقية حتى عيد اليوبيلي. ليكن التعامل لا على أساس بلوغ أكبر مكسب من الغير وإنما على أساس خشية الرب، إذ يقول "فلا يغبن أحدكم صاحبه بل إخش إلهك، إنيّ أنا الرب إلهكم" [17]. وكأن كل غبن لإخواتنا هو إهانة للرب نفسه الذي يدافع عن المظلومين والمغبونين.

ثالثًا: سنة اليوبيل كالسنة السبتية، سنة راحة، إذ قيل: "لا تزرعوا ولا تحصدوا زريعها ولا تقطفوا كرمها المحول (أي الباقي عليها من الحول أو السنة السابقة)" [11]. هذا التصرف يقوم على جانب إيماني، أن الله يعولهم ببركته، أكثر مما يتمتعون به هم بعملهم، إذ يقول: "فإنيّ آمر ببركتي لكم في السنة السادسة فتعمل غلة لثلاث سنين" [21]. أكد لهم أن حصاد السنة السادسة يكون ثلاثة أضعاف يكفيهم أيضًا في السنة السابعة والثامنة حتى يأتي حصادها في بدء التاسعة...

إن كان الله يطالبنا بالعمل لكننا في العمل إنما نتكئ على بركة الرب نفسه واهب الخيرات.


3. شرائع بيع الأراضي:

إذ وزع موسى ويشوع الأراضي لتمتلكها الأسباط، كان كل سبط وكل عشيرة وكل أسرة تلتزم ما استطاعت أن تحتفظ بأرضها كعلامة لتعلق القلب لا بأرض الموعد بل بالأرض الجديدة أي الحياة الأبدية، كنعان العليا، وقد ظهر هذا بقوة في قصة نابوت اليزرعيلي الذي عرض حياته للموت ولم يسلم بستان آبائه بالرغم من إغراءات الملك له.

إن اضطر أحد أن يبيع أرضه فإنه يستطيع هو أو وليه أن يفك الأرض [25]، كما فعل بوعز حين فك أرض أليمالك وتزوج بإمرأة إبنه "راعوث" ليهب للميت إبنًا ويتمتع بميراث جده.

يستطيع الإنسان أو وليه أن يفك الأرض في أي وقت بعد أن يدفع الثمن الذي يتناقص مع مرور السنوات لأجل استغلال المشتري للأرض... فإن لم يستطيع الإنسان أو الولي أن يفي يأتي اليوبيل لترجع الأرض لصاحبها مجانًا.

إن كنا قد فقدنا ميراثنا الأبدي بسبب الخطية، مقابل شهوة أرضية أو جسدية كما باع عيسو باكورته مقابل أكلة عدس، فإننا لم نستطع أن نفي نحن ولا ولينا الأول أي الناموس بل فقدنا كل شيء حتى جاءت سنة اليوبيل، السنة الخمسون، حيث أرسل الرب روحه القدوس في عيد العنصرة في يوم الخمسين، وصار لنا حق استرداد أرضنا الروحية بعد أن دفع السيد المسيح دمه ثمنًا للفكاك.

في دراستنا السابقة[307] رأينا رقم 50 يُشير إلى "الحرية" وهذه التي ننالها بالروح القدس الذي يرفع نفوسنا وقلوبنا وأفكارنا وكل حواسنا كما بجناحي حمامة لنرتفع نحو السمويات، متحررين من رباطات العالم وإغراءاته وفخاخه! لتكن أيامنا كلها يوبيلاً مستمرًا، فيه ننعم بالروح القدس الناري ملتهبًا بلا انقطاع، هذا الذي استراح فينا في سر الميرون، وهو يهبنا الحرية في المسيح يسوع، مثبتًا إيانا فيه، لا ليكون لنا أرض ميراث بل يكون لنا موضع في حضن الآب.

ما هي هذه الأرض أو هذا الحقل الذي بيع لكن تم فكاكه إلاَّ كنيسة الله التي باعها قادة اليهود لحساب كرامتهم وشبعهم الزمني، لكن في ملء الزمان جاء السيد المسيح الولي الحقيقي الذي فكها مقدمًا دمه ثمنًا للكنيسة (رؤ 5: 9).


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 25 جـ2 PDF Print Email


4. شرائع بيع البيوت:

يقدم لنا الوحي الإلهي شرائع تخص بيع البيوت أو رهنها وكيفية فكها من الرهن، مقدمًا لنا خلال الحرف مفاهيم روحية عميقة تمس حرية نفوسنا الداخلية. وقد ميزت الشريعة بين أربع حالات:

أولاً: المنازل التي في المدن المسورة           [29-30].

ثانيًا: المنازل التي في القرى                   [31].

ثالثًا: منازل اللاويين في مدنهم                 [32-33].

رابعًا: حقول اللاويين                           [34].

أولاً: المنازل التي في المدن المسورة:

إذا باع إنسان ما بيته في مدينة (مسورة) يستطيع أن يفك البيت خلال سنة من بيعه، هو أو وليه أو وريثه إن كان قد مات. بهذا يعطي الفرصة للبائع الذي اجتاز ظرفًا قاسيًا أن يرجع ويستقر مع عائلته في منزله. فإن لم يفك البيت خلال سنة من البيع يستحوز عليه المشتري ولا يرده حتى في اليوبيل لأن البائع ووليه وورثته قد أضاعوا الفرصة على أنفسهم، فيلزم أن يُعطي للمشتري حقه في الإستقرار. أما سبب عدم رد البيوت التي في داخل المدن في اليوبيل، فلأن المنازل لم تُعط للشعب بالقرعة مثل الأراضي بل بنوها بأيديهم حسب إرادتهم.

ثانيًا: المنازل التي في القرى:

أما بالنسبة للمنازل المقامة في مدن غير مسورة أي في قرى، فيمكن أن تُفك خلال عام كالسابقة، فإن لم يستطع البائع أو وليه أو ورثته على الفكاك يبقى البيت حتى سنة اليوبيل ليرده إلى البائع أو عائلته إن كان قد مات. لعل الحكمة في هذا أن هذه البيوت هي في حقيقة أمرها ملحقات لأراضٍ زراعية أو أراضٍ للرعي لا يمكن فصلها عنها، فلكي يبقى كل سبط محتفظًا بأرضه مع ملحقاتها ترد الأراضي ومعها المباني الزراعية.

ثالثًا: منازل اللاويين في مدنهم:

يؤكد الوحي الإلهي: "وأما مدن اللاويين بيوت ومدن ملكهم فلها فكاك مؤبد للاويين" [33]. كأن اللاوي إذا اضطر لبيع قطعة أرضه السكينة أو بيته يستطيع في أي وقت مطلقًا أن يفكها، لا يفقد حقه في الفكاك حتى إن مضى عام على البيع. وإن قام أحد إخوته من اللاويين بالفكاك يبقى المنزل تحت يده حتى سنة اليوبيل فيرده إلى صاحبه الأصلي [33].

رابعًا: حقول اللاويين:

كانت مدن اللاويين تحيط بها مسارح بعرض ألف ذراع من حدود المدينة من كل جهة من الجهات الأربع. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). والمسارح تحيط بها حقول بعرض ألفي ذراع من كل جهة، تخصص المسارح لإقامة الحظائر الخاصة بحيوانات اللاويين وأغنامهم أما الحقول فيزرعونها لا لاستغلال الزراعة للبيع أو التجارة. وكان لا يجوز للاويين أن يبيعوا شيئًا من مسارحهم أو حقولهم فهي ملكهم أبديًا.

المفهوم الروحي لبيع البيوت وفكاكها:

يعلق القديس بولس الرسول على الشريعة الخاصة بالإهتمام حتى بالثور فلا يكم وهو يدرس ليأكل مما يدرسه (تث 25: 4) وبقوله: "ألعل الله تهمه الثيران؟! أم يقول مطلقًا من أجلنا أنه من أجلنا مكتوب: لأنه ينبغي للحراث أن يحرث على رجاء وللدراس على الرجاء أن يكون شريكًا في رجائه" (1 كو 9: 9-10). بنفس الروح نقول: ألعل الله تهمه البيوت والحقول؟! أم هي كتبت لأجلنا بكوننا بيت الله المقدس وحقله؟!

يقول العلامة أوريجانوس: [لنسرع ونطبق شرائع البيوت علينا، فإننا متى تبعنا شريعة المسيح لا يُسمح لنا بملكية أرض أو منازل في مدينة، فماذا إذن تعني هذه الشريعة الخاصة بالبيوت؟ إن كان لا يسمح لنا أن نملك أكثر من ثوب (مر 6: 9)، ولا أن نجمع مالاً كثيرًا، إذ مكتوب: "إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما" (1 تي 6: 8)... إذن فلنتأمل الشرائع الخاصة بالبيوت التي في مدن مسورة أو التي في قرى بلا أسوار.

في مواضع أخرى في الكتاب المقدس تستخدم كلمة الله تعبير "بيت" بمعنى سري فيقال عن يعقوب في مدحه: "كان يعقوب إنسانًا كاملاً (بسيطًا) يسكن الخيام" (تك 25: 27)، ومن ناحية أخرى مكتوب عن القابلتين: "وكان إذ خافت القابلتان الله أنه صنع لهما بيوتًا" (خر 1: 21)، وكأن صنع البيوت لهما كان بسبب مخافتهما لله... إذن ما هو هذا البيت؟ ما هذا البناء الذي يعرض له بولس الرسول في أكثر وضوح بقوله: "إننا نعلم أنه إن نُقِض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد أبدي" (2 كو 1: 5). هذا هو البيت الذي لا يستطيع أحد أن يبنيه ما لم تكن له مخافة الرب. هذا هو البيت الذي لا يقدر أحد أن يقيمه أو يسكنه إن لم يحمل بساطة الروح ونقاوة القلب. لكن إذ يحدث عادة أن الذي يقيم بيتًا سماويًا بأعماله الصالحة وسلوكه الحسن واستقامة إيمانه يسقط في خطية يكون كمن نقل أعماله لآخر... "فإن نالت يده ووجد مقدار فكاكه" [26]، أي مقدار هذا؟! إنه بلا شك دموع التوبة الغزيرة، وممارسة العمل الصالح، ففي هذه السنة، التي يمكن أن تفهم على أنها السنة التي أعلن عنها المسيح "سنة مقبولة" (إش 49: 8، 2 كو 6: 2)، يسمح فيها بنوال المغفرة والتمتع بالخلاص للذين يعترفون بخطاياهم[308]].

ماذا يعني بالبيوت التي في مدن محاطة بأسوار؟ لعلها تعني أولئك الذين يقولون مع الرسول بولس: "سيرتنا نحن هي في السموات" (في 3: 2)، وكما نعلم أن أورشليم السماوية محاطة بسور (رؤ 21: 14)، فمن بلغ الحياة السماوية وتذوق عربون المجد الأبدي ليحذر لئلا يبيع بيته بالخطية خاصة التي تمس إيمانه فيفقده... وإن سقط فليسرع لئلا تعبر سنة حياته فيفقد بيته أبديًا ولا يمكن استرداده!

أما صاحب البيت الذي في قرية بلا أسوار فيرى العلامة أوريجانوس أنه يُشير إلى الذين يسلكون في بساطة قلب ويتعرضون لأخطاء عابرة مستمرة... وهم في حاجة إلى توبة مستمرة غير منقطعة حتى لا يفقدوا ميراثهم الأبدي.

بالنسبة لبيوت الكهنة واللاويين أو حقولهم فيقول العلامة أوريجانوس[309] عن الكاهن أنه يمثل النفس المكرسة للرب، واللاوي يمثل من كان في حضرة الرب بلا توقف وفي خدمة إرادته. الكاهن يمثل كمال الإيمان والفهم، واللاوي يمثل كمال الأعمال. مثل هذه النفوس المقدسة خلال الإيمان الحيّ العامل إن تعرضت لأي خطأ تتمتع بالغفران والفداء، بيوتهم الداخلية تفتدي على الدوام وحقولهم لا تمس. إن انتزعت عنهم بيوتهم يكون هذا مؤقتًا تفتدي في أي وقت لترجع إليهم. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [ملكية القديسين وبيوتهم لا تضيع أبدًا، ولا تنزع عنهم قط. إذ كيف يمكن أن ننزع عن الكهنة البيت الذي تأسس "على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه هو حجر الزاوية" (أف 2: 20)... لكن إن باع البيت لمشتٍر دنيء أي للشيطان... الله لا يسمح! فإنه يفتدي نفسه سريعًا، ويسترها مادام يوجد وقت للسترة وموضع للتوبة. لنطلب بإلحاح ألا نفشل في التمتع بالمسكن الأبدي، لنتأهل لقبولنا في المساكن الأبدية (لو 16: 9) بالمسيح يسوع الذي له كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين[310]].

5. شرائع قروض الإخوة:

كما اهتم الله بحريتنا الداخلية معبرًا عنها خلال شرائع السنة السبتية [1-7] وشرائع اليوبيل [8-22]، خاصة تحرير الأرض والبيوت [23-33]، فإنه يودنا أن نحمل سماته فنشتهي حرية الآخرين. فإن كان إنسان عليه دين وقد قصرت يده عن سداد الدين وفوائده [35]، سواء كان هذا الأخ يهوديًا أو غريبًا أو متهودًا، يلزم الترفق به وعدم طلب الربا أو الفائدة منه.

هكذا تحرم الشريعة الموسوية الربا أي الفائدة، والمرابحة وهي نوع من الربا في شكل نوال محاصيل أو هدايا وليس في شكل مال نقدي... هذا التحريم يقوم على أساس أن الدين قدم لإنسان في احتياج. الأمر يختلف بلا شك إن كان القرض أعطى لإنسان غني يستخدمه في إضافة أرباحه أرباحًا، لذا يوضح الكتاب أن المدين قد "قصرت يده عنك" [35].

6. شريعة العبد العبراني:

سبق لنا الحديث بتوسع عن شريعة العبد العبراني وتحريره بعد ست سنوات، فإن رفض تثقيب أذنه بمثقب عند الباب، فيبقى عبدًا بإرادته حتى سنة اليوبيل، ورأينا هذا العبد يُشير إلى السيد المسيح الذي وهو سيد الكل قبل أن يصير عبدًا وقد أعلن قبوله لا بثقب أذنه بل بجراحاته حتى يحررنا فيه وننعم بالبنوة لله[311].

7. شريعة العبد الأجنبي:

إن كان الله قد ترفق بشعبه وطالب الإخوة ما استطاعوا أن يحرروا إخوتهم من العبودية، فلماذا سمح لهم باستعباد الشعوب الغريبة؟

أولاً: الله لم يأمر بالعبودية لكنه سمح لهم بها في حدود معينة تحت ظروف خاصة، وهي تأديب الساقطين في الشر، حتى يدركوا عبوديتهم المُرّة للخطية وذلهم الداخلي لعدو الخير. لذلك قيل: "ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته" (تك 9: 25).

ثانيًا: حمل هذا المفهوم للسلطان الروحي، فالمؤمن يحمل سلطانًا مستعبدًا جسده بكل طاقاته وإمكانياته، وكأنه يسمع هذا الوعد الإلهي: "من يغلب ويحفظ أعمالي إلى النهاية فسأعطيه سلطانًا على الأمم" (رؤ 2: 26). فإن كان سقوط الأمم تحت العبودية يكشف عن عبوديتهم للخطية، فإن سيادة المؤمن في العهد القديم كانت تُشير إلى سلطانه الروحي لا على الآخرين بل على نفسه.

8. شريعة العبراني المستعبد لأجنبي:

إذا اغتنى غريب واشترى عبرانيًا قد افتقر، يليق بعمه أو إبن عمه أو أحد أقاربه أن يفكه من العبودية ويعتقه منها، وإن استطاع الشخص نفسه أن يفك فليفعل ذلك. والعجيب في هذه الوصية إنه يطالب من يفك أخاه العبراني ألا يغبن الأجنبي بل يدفع له ما يستحقه، مقدار الثمن حسب الخدمة الباقية كعبد حتى سنة اليوبيل.

إنه كان يحثهم على فك إخوتهم وإنقاذهم من المذلة لكن دون غبن للغرباء!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 26 جـ1 PDF Print Email

البركات واللعنات

غاية هذا السفر هو التمتع بالحياة المقدسة بالله القدوس، وقد جاء هذا الأصحاح أشبه بخاتمة للسفر يكشف عن البركات التي تحل بالإنسان الذي يقبل عمل الله في طاعة لوصاياه كما أعلن اللعنات التي تحل بمن يرفض الوصية ولا يقبل الحياة المقدسة، هذه اللعنات هي ثمرة طبيعية للخطية والعصيان.

1. عبادة الله القدوس                          [1-2].

2. بركات الطاعة لله القدوس                  [3-17].

3. اللعنات الحالة على العصاة                 [18-39].

4. قبول الخطاة التائبين                        [40-46].

1. عبادة الله القدوس:


إذ يطالبهم بالإرتباط به سألهم ألا يقيموا تمثالاً منحوتًا من الحجارة أو نصبًا من الخشب ولا يصوروا حجرًا ليسجدوا له للعبادة كما يفعل الوثنيون.

أما علامة ارتباطهم به فهي "سبوتي تحفظون ومقدسي تهابون أنا الرب" [2]... هذه الوصية بفرعيها أي حفظ السبت أي تقديسه للرب والسلوك بمهابة في مقدس الرب أو بيته هما علامة حبنا لله وإرتباطنا. حفظ السبت يعني تقديس الزمن لحساب الرب، ومهابة المقدس يعني تقديس المكان، وكأن المؤمن يقدس كل زمان حياته وكل موضع ليكون مكرسًا للرب بلا انقطاع. نحفظ السبت حتى يرفعنا الله بروحه القدوس إلى ما هو فوق الزمن، أي ينطلق بنا إلى أبديته، ونهاب مقدسه لكي ننعم بمقادسه السماوية، بهذا نحيا للرب أبديًا على مستوى سماوي.

2. بركات الطاعة لله القدوس:

إذ يدعونا للعبادة له دون سواه، معلنين قبولنا ملكوته بتقديس سبته أبديًا ومهابتنا لمقدسه السماوي، يكشف لنا بركات هذا اللقاء مع الله، خاصة خلال الطاعة لوصيته وحفظنا وصاياه، متجاوبين مع القدوس بالخضوع لدستوره المقدس:

أولاً: التمتع بالمطر في حينه "إذا سلكتم في فرائضي وحفظتم وصاياي وعملتم بها، أعطي مطركم في حينه" [3-4]. فالمطر في صورته الحرفية هو عطية الله للكل، إذ يمطر الله على الأبرار والظالمين (مت 5: 45)، وليس مكافأة خاصة بحافظي وصاياه وحدهم. أما في المفهوم الروحي فهو خاص بالعصر المسياني، ففي دراستنا لكثير من أسفار الأنبياء رأينا المطر هو إحدى سمات هذا العصر الأساسية، إذ هو عطية الروح القدس التي وهبت بفيض على الكنيسة في يوم الخمسين لكي يحيا المؤمنون ثابتين في المسيح بالروح القدس، الذي يمطر عليهم ليحول قلبهم القفر إلى فردوس مثمر وجنة سماوية تبهج قلب العريس.

ويرى العلامة أوريجانوس في المطر إشارة إلى التمتع بالكلمات الإلهية بإدراكها روحيًا، هذه التي تنعش نفوسنا، إذ يقول: [إبحث في الكتب المقدسة أي مطر يوهب للقديسين وحدهم؟!... جاء في سفر التثنية: "إنصتي أيتها السموات فأتكلم، ولتسمع الأرض أقوال فمي يهطل كالمطر تعليمي ويقطر كالندى كلامي" (تث 32: 1-2). هل هذا القول هو من عندياتي؟! ألم يعلن موسى هذا المطر؟!... بجانب ما جاء في الأنبياء أن الله يفتح فمه فينزل كلماته كالمياه على وجه الأرض (خر 34: 26)، يقول الرسول بولس: "لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة وأنتجت عشبًا صالحًا للذين فلحت من أجلهم تنال بركة من الله، ولكن إن أخرجت شوكًا وحسكًا فهي مرفوضة وقريبة من اللعنة التي نهايتها للحريق" (عب 6: 7-8). يقول الرسول عن هذه الأرض أنها تنال بركة الرب متى شربت المطر وأنتجت الثمر، وتحل عليها اللعنات من عند الرب متى حُرمت من المطر فأخرجت شوكًا وحسكًا. فإن استقبلت أرضنا - أي قلبنا - مطر تعليم الناموس الذي يسقط علينا دائمًا، وإذا حملت ثمار الأعمال تتمتع بالبركات. وبالعكس إن لم يكن لها أعمال روحية يكون لها الشوك والحسك أي هموم هذا العالم وشهواته فتكون قريبة من الهلاك وتستحق الحرق[312]].

إذن لنتقبل كلمة الرب كمطر سماوي يروي أرضنا الداخلية فتأتي بالثمر المتزايد وتتحول أعماقنا إلى جنة مفرحة، هذا المطر يسقط "في حينه"، لا بمعنى أنه يُقدم في وقت ولا يقدم في وقت آخر، وإنما يقدم هذا المطر للمؤمنين حسب إمكانيتهم واستعدادهم، البعض يتقبله خفيفًا والآخر كسيول سريعة، إذ تقدم كلمة الله تارة كلبن للأطفال (1 كو 3: 2)، وأخرى كدسم بيته من نهر نعمته (مز 36: 8). ولعل قوله "في حينه" يُشير إلى فيض عطية الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة كمطر غزير بعد صلب السيد وقيامته وصعوده.

ثانيًا: "وتعطي الأرض غلتها" [4]، ما هي هذه الأرض التي تعطي غلتها إلاَّ الجسد الترابي الذي يتقدس بمطر الروح القدس فيُنزع عنه قفره ويتحول إلى فردوس روحي مثمر؟! ما هذه الأرض التي أثمرت إلاَّ جسدنا الذي عاش زمانًا هذا مقداره بلا ثمر حتى أخذه كلمة الله بتجسده فقدم ثمرًا فائقًا يبهج قلب الآب؟! لذا يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: [باركت طبيعتي فيك[313]].

يرى البعض أن هذه الأرض التي أثمرت هي القديسة مريم التي هي أرض مثلنا قدمت أعظم ثمر، هو ربنا يسوع المسيح بتجسده في أحشائها.

ثالثًا: "وتعطي أشجار الحقل أثمارها" [4].
رأى حزقيال النبي في الهيكل الجديد إذ تفيض المياه من عتبة البيت من جهة المذبح فصارت أشبه بنهر عظيم إذا بأشجار من كل نوع على الجانبين (حز 47)، ويشبه المرتل المؤمن بشجرة مغروسة على مجاري المياه تعطي ثمرها في حينه.

يحدثنا العلامة أوريجانوس عن الأشجار الداخلية فيقول: [في داخلنا أشجار إما صالحة أو رديئة (مت 7: 18)، فالأبرار لا يمكنهم أن يحملوا ثمارًا رديئة، بل أشجارًا تأتي بثمار جيدة. أتريد أن أعرفك بأسماء الأشجار التي في داخل نفوسنا؟ إنه لا يوجد فيها شجر تفاح أو كرم عنب، إنما توجد شجرة تسمى البر وأخرى تسمى اليقظة، وأيضًا القوة والإعتدال. إن أردت أن تعرف ففي داخلنا أنواع كثيرة من الأشجار تمثل جنة الرب، يزرعها الرب بنفسه. بالحق توجد أشجار التقوى والحكمة والتعليم ومعرفة الخير والشر، وفوق هذا كله توجد شجرة الحياة (تك 2: 9)[314]].

رابعًا "ويلحق دراسكم بالقطاف، ويلحق القطاف بالزرع، فتأكلون خبزكم بالشبع" [5].
يقصد بالدارس درس الغلات فيمتد موسم الدرس من كثرة المحصول حتى يأتي وقت قطاف الثمار من الأشجار، ويقطفون ثمار الأشجار حتى يأتي وقت الحصاد، وكأن حياتهم تتحول إلى فيض لا ينتهي، يقضي المؤمن حياته كلها يجني كل يوم ثمرًا جديدًا ويتمتع بحصاد لا ينقطع، لذا قيل "يأكل الودعاء ويشبعون" (مز 22: 26). في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [لا يكون في حياتنا فراغ... "من يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية" (غلا 6: 8)[315]]. كما يقول: [لا أفهم القول "تأكلون خبزكم بالشبع" على أنه بركة جسدية، كما لو أن الذي يحفظ ناموس الرب ينعم بالخبز العادي حتى يشبع، فإنه حتى الملحدين والمجرمين يأكلون منه لا بشبع فحسب بل وبشهوة!... إنما لننظر إلى القائل: "أنا هو الخبز النازل من السماء، من يأكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (يو 6: 51). لنتأمل أن الناطق بهذا هو "الكلمة" (يو 1: 1)، الذي يشبع النفوس. هكذا نفهم الخبز الذي من عند الرب هو الخاص بالبركات... يقدم لنا سليمان إعلانات متشابهة في الأمثال، إذ يقول عن البار أن الصديق يأكل لشبع نفسه أما بطن الأشرار فتحتاج (أم 13: 5)... البار يأكل خبز الحياة على الدوام بغير توقف فتشبع نفسه بالطعام السماوي الذي هو كلمة الآب وحكمته[316]].

خامسًا: "وتسكنون في أرضكم آمنين" [5]. جاء في مناظرات القديس يوحنا كاسيان حين سُئل أحد الآباء: كيف يتحقق وعد الله بأن من يترك بيوتًا وأراضي من أجل الرب يرد له في هذا العالم مائة ضعف بينما نجد الرهبان تركوا ولم يملكوا شيئًا؟ أجاب الأب بأن الراهب قد ترك بيته كي يجد الكل إخوته، وترك أرضًا ليجد الأرض كلها بين يديه. ونحن نرى إلى يومنا هذا كمثال الأب الراهب عبد المسيح الأثيوبي كيف ترك الكثير لكنه نال حتى في الأمور الزمنية أعظم مما ترك، ينام في الصحراء في أي موضع بلا أبواب مغلقة ولا تستطيع الوحوش المفترسة أن تقترب إليه وتؤذيه، بينما كثيرون لهم بيوت ويحاولون تأمين الأبواب غير أن قلبهم مضطرب وحياتهم مهددة وسلامهم مفقود.

وللعلامة أوريجانوس تعليق على هذا الوعد الإلهي، إذ يقول: [لا يكون الظالم في أمان قط إنما هو في اضطراب مستمر، إنه محمول بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال (أف 4: 14)، أما البار إذ يحفظ ناموس الرب يسكن في أرضه آمنًا، له الفكر الصليب القائل للرب: "قويني يارب بكلامك" (مز 118: 28). لتقوني أمنًا، ولتغرسني فأسكن في الأرض الصخرة المؤسسة في الإيمان (كو 1: 23، أف 3: 17)، إذ لا يكون بيته مؤسسًا على الرمل (مت 7: 24، 26)[317]].

يكمل الرب وعده، قائلاً "وأجعل سلامًا في الأرض فتنامون وليس من يزعجكم" [6]. هذا هو السلام الذي يحل في أرض قلبنا الداخلية، "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (ف 4: 7). فبعد أن كانت أرضنا مسرحًا للإضطراب المستمر والقلق والمرارة إذ تقدست بربنا يسوع المسيح وتمتعت بعمل روحه القدوس صارت هيكلاً لله مملوءًا من سلام الله الفائق، لا يستطيع الأسد أي الشيطان بكل ملائكته أن يرهبها (رؤ 12: 7)، فيقول الإنسان مع المرتل "لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم يطير في النهار ولا من وباء يسلك في الدجى" (مز 91: 65)، وأيضًا: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف؟‍! الرب حصن حياتي ممن أرتعب؟!" (مز 27: 1)، وأيضًا: "إن نزل عليّ جيش فلا يخشى قلبي" (مز 27: 3).

خلال هذا السلام الفائق ننام حتى في وسط سجن الضيقات، لا نوم الخمول أو التراخي، إنما الإطمئنان كما فعل بطرس الرسول حين أيقظه الملاك في السجن ليخرج به ويعبر به حتى الباب الخارجي... بهذا نفهم الوعد الإلهي أن يعطي أحباءه نومًا!

سادسًا: "طرد الحيوانات الرديئة من الأراضي" [6]. إن كانت أبوابنا قد انفتحت لكل وحش رديء، وصارت حياتنا الداخلية مأوى لكل شر ودنس، إن كانت مدينتنا الداخلية بلا أسوار تتسلل إليها وحوش البرية بلا عائق، فقد جاء ربنا يسوع المسيح ليطرد هذه الوحوش الرديئة عن أرضنا التي هي أرضه، ليسكن هو فيها.

يقول العلامة أوريجانوس: [الحيوانات الرديئة الروحية هي التي يسميها الرسول "أجناد الشر الروحية في السمويات" (أف 6: 2). عن هذه الحيوانات يقول الكتاب: "الحية كانت أمكر من جميع الوحوش التي على الأرض" (تك 3: 1)... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). كما قيل: "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو فقاوموه راسخين في الإيمان" (1 بط 5: 8-9). إن أردت أن تعرف حيوانات أخرى رديئة يعلمك إشعياء النبي إذ دعاها في رؤى أنها الدابة في البرية، قائلاً: "في أرض شدة وضيق منها اللبوة والأسد الأفعى والثعبان السام الطيار يحملون على أكتاف الحمير ثروتهم وعلى أسنمة الجمال كنوزهم إلى شعب لا ينفع" (إش 30: 6). هل يتم هذا مع حيوانات البرية المادية؟! كيف يمكن للبوة والأسد والأفعى والثعبان السام أن يحملوا ثروتهم على ظهر حمار أو جمل؟! واضح إذن أن النبي المملوء بالروح القدس يعدد القوى العدوانية التي لأفظع الشياطين. يود أن يقول بأن الشياطين تضع ثروتها التي هي خداعاتها للنفوس، وذلك خلال الحماقة (الحمار) والدنس (الجمل)، ولكي لا نُسلم لهذه الوحوش يلزم للنفس التي تخاف الله أن تقول: "لا تسلم للوحش نفس يمامتك" (مز 74: 19)[318]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 26 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 26 جـ2 PDF Print Email

سابعًا: الأمان من السيف، يعلق العلامة أوريجانوس على العبارة: "لا يعبر السيف في أرضكم" [6]، بقوله: [كثيرة هي السيوف التي تعبر في أرضنا إن لم نحفظ ناموس الرب ونتبع وصاياه! ليدخل كل واحد إلى نفسه وليتأمل داخله لئلا تكون أرضنا أي جسدنا مثارة بروح الزنا أو مضطربة بروح الغضب والهياج، أو بحركة البخل، أو بقوس الشهوة واللذات... هذا يعرفه الرسول بولس إذ يقول: "هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله" (2 كو 10: 5)، فلا نخضع لهذا السيف ولتلك الحروب بل يحفظ الرب أرضنا في أمان[319]].

ثامنًا: "تطردون أعداءكم" [7]. يقول العلامة أوريجانوس: [أي أعداء هؤلاء إلاَّ الشيطان وملائكته، أي الأرواح الشريرة والشياطين الدنسة (لو 4: 33)؟‍! إذ نتبعهم فنطردهم، إن حفظنا الوصايا الإلهية يسحق الله الشيطان تحت أرجلنا (رو 6: 20)، فيسقط الأعداء تحت أقدامنا مائتين[320]].

"يطرد خمسة منكم مائة، ومائة منكم يطردون ربوة، ويسقط أعداءكم أمامكم بالسيف" [8]. من هم الخمسة الذين يطردون المائة، إلاَّ الحواس المقدسة التي تحمل قوة فتهزم جمهور الشر وجموع الخطية؟! ومن هم المائة الذين يطردون الربوة إلاَّ جموع أفكارنا المقدسة وجمهور طاقتنا المباركة بالرب إذ تطرد ربوات الأرواح الشريرة؟!

هكذا يمسك الإنسان بكلمة الله كسيف ذي حدين به يسقط الخطية كعدو ويفسد حيل الشياطين، فيدوس العدو تحت قدميه (1 كو 15: 5).

تاسعًا: النمو المستمر: "وألتفت إليكم وأثمركم وأكثركم" [9]. لا يقف الأمر عند تحطيمنا للعدو مهما بدا ضخمًا في عدده، عنيفًا في قوته، وإنما أيضًا نتزايد نحن قوة وعددًا، إذ قيل عن عمل الله حتى في العظام اليابسة التي لنا: "قاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا" (حز 37: 1)... "فتعلمون إنيّ أنا الرب تكلمت وأفعل يقول الرب" (حز 37: 14).

أما سرّ القوة الروحية فهي "ألتفت إليكم"... يكفي نظرة الله إلينا لتهب أثمارًا كثيرة. وكأن نظراته أشبه بأشعة الشمس التي إن أشرقت على الزراعة جاء المحصول متزايدًا، أما إن احتجبت الشمس عن حقلنا الداخلي فلا يستطيع أن يقدم حصادًا.

يلتفت إلينا لا ليديننا هنا وإنما ليفي ميثاقه معنا [9]، إذ يقول: "وأوفي ميثاقي معكم، فتأكلون العتيق المعتق وتخرجون العتيق من وجه الجديد" [9-10]. يقول العلامة أوريجانوس: [كيف نخرج العتيق ليجد الجديد له موضعًا؟.. نخرج حرف الناموس لكي نحفظه حسب الروح (جديدًا)... يمكننا أن نقول إنه قبل مجئ السماوي ويولد، كنا كلنا أرضيين ولنا صورة الترابي (1 كو 15: 47)، والآن جاء "الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله" (أف 4: 22)، فأخرجنا القديم بخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد (أف 4: 22)، الذي بحسب الإنسان الداخلي يتجدد يومًا فيومًا (2 كو 4: 16)[321]].

عاشرًا:
يختم الله حديثه عن بركات الطاعة لوصيته بأعظم وعد، ألا وهو حلوله وسط شعبه، وفي داخل مؤمنيه، إذ يقول: "وأجعل مسكني في وسطكم، ولا ترذلكم نفسي، وأسير بينكم وأكون لكم إلهًا وأنتم تكونون ليّ شعبًا" [11-12]. وفي وضوح يقول السيد ليلة آلامه: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)... وقد دعيت أورشليم السماوية "مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبًا والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ 21: 23). هذه هي العطية الأبدية، يسكن الله معنا ويقبلنا عنده كشعب سماوي له وهو يكون لنا إلهًا يتجلى فينا.

سكنى الله فينا ينزع عنا فراغنا الداخلي الذي لن يشبعه إلاَّ الله نفسه، إذ لا تشبع النفس التي على صورة خالقها إلاَّ بالأصل ذاته. يقول القديس ايريناوس: [إن الإنسان إما أن يكون فارغًا أو مملوءًا وفمن يقبل الله ساكنًا فيه يكون مملوءًا، أما من ليس له معرفة الآب السماوي وليس له الروح القدس ولا قبل فيه المسيح الحياة فيكون فارغًا[322]].

يقول القديس أغسطينوس: [ماذا يعني قوله بالنبي "وأكون لكم إلهًا وأنتم تكونون ليّ شعبًا" سوى أنني أكون كفايتهم، أكون كل شيء يطلبه الناس بوقار: الحياة والصحة والقوت والرخاء والمجد والكرامة والسلام وكل صلاح؟! هذا ما يفسره أيضًا قول الرسول "يكون الله الكل في الكل" (1 كو 15: 28). إنه يكون نهاية اشتياقاتنا التي بلا نهاية![323]].

3. اللعنات الحالة على العصاة:

بعد أن قدم الجانب الإيجابي معلنًا عطايا الله للإنسان الحافظ لوصيته، بدأ في الجانب السلبي يعلن الثمر الطبيعي لرفض الوصية، إذ يُحسب هذا نكثًا للميثاق معه [15] ورفضًا لشخصه، أما هذا الثمر المرّ فهو:

أولاً: "أُسلط عليكم رعبًا وسلاً وحمى تفنى العينين وتتلف النفس" [16]. إن كان الله يُعاقب الإنسان بالرعب وبمرض السل والحمى وفقدان البصيرة إنما هذا يتم بتخلي الله عن رافضه فيسقط الإنسان في هذه المرارة ليعيش بلا سلام داخلي ولا صحة جسدية وبدون بصيرة! يفقد قلبه (سلامه) وجسده وبصيرته! ولعل الله يسمح بهذه الأمور الظاهرة حتى يتفطن إلى ما أصابه داخليًا بسبب عصيانه، فيأتي التأديب كترمومتر يعلن الفساد الداخلي، ليقول "روحي تلفت، أيامي انطفأت" (أي 17: 1).

ثانيًا: "وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعداؤكم" [16]. إنهم يعملون لكن ليس لحساب الرب إنما يزرعون زرعهم الذاتي، فلا يباركه الرب إنما يصير نهباً للأعداء.

ثالثًا: "وأجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعداءكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم" [17]. إذ يفقد الإنسان سلامه الداخلي ويخسر شركته مع الله يصير ضعيفًا أمام الأعداء الروحيين حتى وإن كان العدو في ذاته كلا شيء، وكما يقول الحكيم: "الشرير يهرب ولا طارد" (أم 28: 1). سرّ الضعف والهزيمة لا في قوة العدو وإنما في إنهيار الإنسان داخليًا.

رابعًا: إن لم نستجب أمام هذه الضعفات بالتوبة يؤدب الله بتأديب مضاعفة، إذ يقول: "فأحطم فخار عزمكم وأصير سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس فتفرغ باطلاً قوتكم، وأرضكم لا تعطي غلتها وأشجار الأرض لا تعطي أثمارها" [19-20]. يبدأ الله بتأديب خلال الأمراض ونهب الأعداء فإن لم نتفطن يضاعف الضربات خلال المذلة لتحطيم كبريائنا، يقف الإنسان في مذلة إذ يجد الطبيعة ذاتها وكأنها تقسو عليه، فتصير السماء كالحديد لا تهطل مطرًا، والأرض كالنحاس لا تصلح للزراعة. إن رفع الإنسان عينيه إلى السماء لعلها تستجيب له يجدها حديدًا جامدًا، وإن تطلع إلى الأرض يجد كل من حوله قد صار نحاسًا لا يرق له.

إن كانت السماء تُشير إلى النفس البشرية والأرض إلى الجسد، فحينما       لا ينصت الإنسان للوصية الإلهية ولا يتجاوب مع كلمة الله، ينال مكافأته فورًا إذ تصير

نفسه كالحديد وجسده كالنحاس لا يخضعان له ولا يستجيبان لصوته الداخلي...

خامسًا: إفتراس الوحوش لهم "أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وتقلقكم فتوحش طرقكم" [22]
. حين تذمر الشعب في البرية ترك الحيات المحرقة تلدغهم (عد 21: 5-6)، وحين استهزأ بعض الأولاد بأليشع النبي سمح بدبتين قتلتا منهم إثنين وأربعين شخصًا، وحينما أرسل ملك أشور أناسًا وثنيين يسكنون أرض كنعان بعد سبيه للشعب الإسرائيلي أرسل الله وحوشًا تفترسهم (مل 17: 24، 26).

ما هذه الوحوش التي تنطلق علينا إلاَّ الخطايا التي يحفظنا الله منها مادمنا في حضرته نستجيب لصوته، فإن أعطيناه القفا لا الوجه ترك الوحوش تعدمنا أولادنا أي ثمارنا الداخلية وتقرض بهائمنا أي تفسد جسدنا؟!

سادسًا: ضربة السيف والوبأ [25]. بمعنى التأديب خلال سيف العدو، والسماح بالوباء حتى تنحل قوة الأشرار فلا يقدرون على مقاومة العدو.

سابعًا: ضربة القحط [26]، "بكسري لكم عصا الخبز تخبز عشر نساء خبزكم في تنور ويرددون خبزكم بالوزن، فتأكلون ولا تشبعون" [26]. يكسر الله لهم عصا الخبز أي يقطع عنهم خبز الحياة، الكلمة الإلهية، فتعيش نفوسهم في جوع لا تجد عصا تتكئ عليها. أما علامة القحط فهو عوض أن يكون لكل سيدة تنور خاص بها تضع فيه الخبز لتسويته، تستخدم كل عشر نساء تنورًا واحدًا، إذ ليس لديهم خبز يحتاج إلى تنور، أو ليس لديهن الوقود اللازم لإشعال أكثر من تنور. العلامة الثانية للقحط هي الحرص في الخبز فيستخدمونه بالوزن لقلة كميته وانتزاع البركة عنهم. ويصل القحط مداه حين تمتد أيدي الوالدين لأكل لحوم أولادهم، كما حدث في أيام يهورام بن آخاب ملك إسرائيل إذ اتفقت إمرأتان أن تطبخ كل منهما ولدها في يوم لتأكلاه معًا (2 مل 6: 24-30)، وأيضًا في أيام حصار ملك بابل لأورشليم، إذ قيل: "أيادي النساء الحنائن طبخت أولادهن، صاروا طعامًا لهن في سحق بنت شعبي" (مرا 4: 10)، وتكرر الأمر حين حاصر تيطس الروماني أورشليم.

حين نعطي ظهورنا للوصية الإلهية يصيبنا قحط داخلي يفقدنا الطعام الضروري، فتمتد أيدينا إلى أولادنا أي الثمار الداخلية لنأكلها ونموت!

ثامنًا: "وأضرب مرتفعاتكم، وأقطع شمساتكم، وألقي جثثكم على جثث أصنامكم وترذلكم نفسي" [30]. حين رفض الشعب الوصية عبدوا الأصنام في الأماكن المرتفعة، وأقاموا الشمسات أي التماثيل الخاصة بعبادة الشمس، أو ربما قصد أقاموا مظالاً يقيمون فيها عند عبادتهم على المرتفعات حتى لا تضربهم الشمس... الله في غيرته يُحطم الآلهة الغريبة التي اتكأ عليها مخالفو الوصية، معلنًا نهاية رفض الوصية: الموت المحتم وفقدان الآلهة التي من صنع أيدينا! بإلقاء الجثث تفوح رائحة الموت والنتانة لذلك يقول "ترذلكم نفسي".

تاسعًا: إذ يرفض الإنسان وصية الله تتحول المدن المحصنة إلى خراب، والمقادس إلى أماكن موحشة ليس من يلجأ إليها، حتى الأرض التي يسكنونها ترفضهم فتلقي بهم إلى الأمم ليصيروا مشتتين ومضطهدين. في شرهم لم يكونوا ملتزمين بالسنة السبتية لتستريح الأرض، وها هي الأرض تلقي بهم خارجًا عنها (تسبت) منهم.

يطردون ليعيشوا في أرض غريبة بروح الجبن، يسقطون بلا طارد حقيقي، إنما طاردهم هو شرهم الداخلي.

4. قبول الخطاة التائبين:

بعد أن أعلن مرارة ما يصل إليه الإنسان بسبب عصيانه لله يعود فيؤكد أن العلاج الوحيد لتمتع الإنسان بالبركة عوض اللعنة هو الرجوع إليه بالتوبة، فيذكر الله وعده، معلنًا إنهم حتى في أشر لحظاتهم لم يرد الله إبادتهم بل تأديبهم.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 26 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
تفسير سفر اللاويين اصحاح 27 PDF Print Email

النذور والبكور

إن كان سفر اللاويين هو سفر التقديس والمصالحة بين الله القدوس وشعبه خلال الذبيحة التي يقدمها الكاهن، وقد أعلن الله غايته من الإنسان أن يدخل به إلى فرح لا ينقطع خلال الأعياد المستمرة والمتنوعة، فإنه يختم السفر بإعلان شريعة النذور والبكور والعشور، وكأنه يعلن أن الحب بين الله والإنسان متبادل ومشترك، فيقابل الإنسان محبة الله الفائقة بنذر حياته وتكريسها له ونذر حيواناته وبيوته وحقوله بكامل حريته.

1. شريعة النذور           [1-25].

2. شريعة الأبكار           [26-27].

3. شريعة المحرمات       [28-29].

4. شريعة العشور                    [30-34].

1. شريعة النذور:


النذر لكي يكون صحيحًا يلزمه تحقيق شرطين: الأول حرية الناذر كأن يكون إنسانًا ناضجًا في غير وصاية أحد، فإن كان الناذر عبدًا يتحرر من النذر إن سمع سيده بالنذر واعترض حال سماعه، وأيضًا إن كان الناذر زوجة فلا تلتزم بالنذر إن اعترض رجلها عند سماعه بالنذور وهكذا الفتاة التي في بيت أبيها... أما الشرط الثاني فهو أن يكون موضوع النذر مقدسًا وليس نجسًا وإلاَّ دُفع عنه فدية، فلا يجوز تقديم حيوانات نجسة مثلاً في بيت الرب، ولا يجوز أيضًا تقديم النذر من ثمن خطية كأن تفي سيدة نذرها أجرة زناها.

إذن من هو هذا النذير الكامل الحرية الذي يقدم نذرًا مقدسًا يفرح قلب الآب إلاَّ كلمة الله المتجسد، الذي قدم حياته ذبيحة محرقة وطاعة للآب فاشتمها أبوه الصالح رائحة ذكية. ونحن أيضًا لكي نقدم نذرنا يلزمنا أن نختفي في النذير كأعضاء جسده فتفوح فينا رائحته السماوية قادرة أن تبهج قلب الآب.

أ. بدأت هنا الشريعة بنذر الأشخاص، كما نذرت حنه إبنها صموئيل للرب (1 صم 1: 11)، وكان يمكن للشخص أو وليه أن يفي بمبلغ معين فدية عن النذير، وتقدر

الشريعة الفدية هكذا:

أولاً:
يقوم موسى النبي نفسه بالتقويم للفدية [2]، وقد صار ذلك من حق الكاهن فيما بعد.

ثانيًا: تقدر الفدية على أساس "شاقل المقدس"، أي الشاقل المحفوظ في الهيكل، وتكون الفدية هكذا:

بالنسبة للذكر من سن20 إلى60 تقدر بخمسين شاقلاً،

بالنسة للأنثى في ذات السن تقدر بثلاثين شاقلاً،

بالنسبة للذكر (من سن 5-20) تقدر بعشرين شاقلاً،

بالنسبة للأنثى (من سن 5-20) تقدر بعشرة شواقل،

بالنسبة للذكر (من شهر- 5 سنوات) تقدر بخمسة شواقل،

بالنسبة للأنثى في ذات السن تقدر بثلاث شواقل.

ثالثًا: إن كان الشخص فقيرًا يقومه الكاهن حسب قدرة ما تنال يّد الناذر [8]... إذ يترفق الله بالإنسان!

ب. بالنسبة لنذر الحيوانات [9-13]، فإن كان النذر حيوانًا طاهرًا يمكن تقديمه ذبيحة لا يجوز إستبداله بما هو أردأ منه أو حتى بما هو أفضل منه، فإن أبدله الناذر يلتزم بتقديم الإثنين الحيوان الأصلي وبديله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أما إن كان الحيوان نجسًا أو به عيب فيقدم أمام الكاهن ويقدر الثمن ليباع ويدخل ثمنه في صندوق بيت الرب. إن أراد الشخص أن يقتني الحيوان فيقدر الثمن ليدفعه مضافًا إليه الخمس.

في هذه الشريعة الخاصة بنذر الحيوانات يؤكد الله مبدأين: الأول بعدم استبدال الحيوان الطاهر لأنه يطلب الإنسان الطاهر له دون استبدال، يحبه لنفسه. والثاني عدم استلام الحيوان الدنس لأنه لا يقبل في مقدساته شيئًا دنسًا. بمعنى آخر إن كان الله يحبنا ويطلبنا بأسمائنا كأولاد له، لكنه لا يقبل دنسين معه في أحضانه.

ج. بالنسبة لنذر البيوت [14-15]، إذا اشتاق إنسان أن يكرس بيتًا للرب يقيم الكاهن ثمنه ليباع ويضم الثمن إلى خزينة بيت الرب، أما إذا أراد صاحبه أن يقتنيه فيدفع الثمن مضافًا إليه الخمس.

د. بالنسبة لنذر الحقول [16-25]، يميز بين الحقل الذي ملك لصاحبه يتمتع به خلال الميراث، والآخر يكون قد اقتناه خلال الشراء. بالنسبة للحقل الموروث إذ يرجع إلى صاحبه في سنة اليوبيل لذا إن أراد صاحبه أن يفك بقدر ثمنه حسب عدد السنوات الباقية إلى اليوبيل مضافًا إليه الخمس إن لم يهتم صاحب الحقل أو وليه بفك الحقل لا يرجع إليه الحقل حتى في سنة اليوبيل بل يصير للكاهن الذي يزرعه على الدوام. كانت هذه الشريعة حافزة لكل إنسان أن يسترد حقله ولا يستهين بميراثه. أما بالنسبة للحقل المشترى فإن أراد استرداده تحسب قيمته حتى اليوبيل دون أن يضيف الخمس لأنه في اليوبيل يرجع الحقل إلى صاحبه الأصلي، وإن لم يسترده ففي اليوبيل تئول ملكيته لصاحبه الأول أي للبائع.

يمكننا أن نلخص الشرائع الخاصة بالنذور متطلعين إليها كشرائع تمس حياتنا وعلاقتنا بالله، فنذر الأشخاص يُشير إلى تكريس القلب الداخلي الذي افتداه ربنا يسوع لا بشواقل ذهب أو فضة وإنما بدمه الثمين. ونذر الحيوانات يُشير إلي تقديس الجسد ليكون مقدسًا للرب وآلات برّ تعمل لحساب ملكوته. أما نذر البيوت فيُشير إلى تقديم حياتنا كلها كمسكن لله، ونذر الحقول المثمرة تُشير إلى تقديس طاقاتنا وأعمالنا اليومية.

2. شريعة الأبكار:

في الحديث السابق أوضح النذور الإختيارية، أما بالنسبة للأبكار فهي قدس للرب، نلتزم بتقديمها للرب دون أن ننذرها. فإن كان الحيوان طاهرًا يفرزه للرب دون أن يستبدله، أما إن كان دنسًا إما أن يباع ويدفع ثمنه للخزينة أو يفديه صاحبه بدفع ثمنه مضافًا إليه الخمس.

البكر الطاهر هو ربنا يسوع المسيح الذي قبله الآب ذبيحة حب، خارجه لا يمكن أن يكون لنا موضع في بيت الرب بل نحسب دنسين ومطرودين من المقدسات الإلهية.

3. شريعة المحرمات:

يبدو أن المحرم هو الشخص أو الشيء الذي لا يجوز إستخدامه أو التعامل معه. فالشخص المحرم هو الإنسان الخطير الذي أفسد حياته بالعبادات الوثنية والرجاسات لذا أمرت الشريعة بقتله، الأمر الذي يبدو لنا فيه قسوة، لكننا إن عدنا إلى ذلك العصر لنجد بعض الشعوب الوثنية المحيطة يلذ لها تقديم أولادها البكور ذبائح بشرية للآلهة، مع ممارسة الزنا والرجاسات كجزء لا يتجزأ من العبادة لأدركنا لماذا حرم الله هذه الشعوب حتى لا تفسد الخميرة التي كان يجب أن تكون مقدسة.

أما المحرم من الحيوانات والحقول فكانت تستخدم في خدمة بيت الرب، يستخدمها الكهنة دون سواهم، أما المحرم من الذهب والفضة فيدخل خزينة بيت الرب.

4. شريعة العشور:

كان الشعب يقدم عشر المحاصيل الزراعية سواء من الحبوب أو الفاكهة قدسًا للرب، فإن أراد الأحتفاظ بالعشر يدفع ثمنه مضافًا إليه الخمس. أما بالنسبة للحيوانات فكانت العشور تقدم هكذا: يخرجون الأمهات خارجًا ثم يعبرون بالصغار من باب ضيق لا يسع إلاَّ واحدًا منها، فيكون عند مرورها يرفع الشخص عصا ليعد تسعة ويكون العاشر للرب فيضع عليه علامة تميزه، وبهذا لا يكون لصاحبها دخل في الإختيار، وليس من حقه إبدال حيوان بآخر حتى إن أراد أن يقدم ما هو أفضل، فإن أبدل حيوانًا يكون الإثنان للرب.

يحدثنا الأب ثيوناس عن العشور فيقول: [عندما نقدم لله العشور نكون لا نزال منحدرين إلى أسفل نحو الأرضيات تحت عبء الناموس، عاجزين عن الإرتفاع إلى علو الإنجيل الذي من يعمل بموجبه يُكافأ ليس فقط ببركات الحياة الحاضرة بل بالخيرات العتيدة... إذ يقول الرب لتلاميذه: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات" (مت 5: 3)، "كل من ترك بيوتًا أو إخوة أو أخوات أو أبًا أو أمًا أو إمرأة أو أولادًا أو حقولاً من أجل إسمي يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية (مت 19: 29)[324]].



+ إقرأ إصحاح 27 من سفر اللاويين +
+ عودة لتفسير سفر اللاويين +
 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


8 هاتور 1736 ش
18 نوفمبر 2019 م

تذكار الاربعة حيوانات الغير متجسدين
استشهاد القديس نيكاندروس كاهن ميرا
نياحة الاب بيريوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية
نوة المكنسة شمالية غربية شديدة المطر 4 أيام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك