إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التوبة هيَ : بدء الطريق إلى اللَّـه ، ورفيق الطريق حتى النهاية

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر القضاة اصحاح 16 جـ2 PDF Print Email

وللقديس أغسطينوس تعليق على هذا الأمر نقتطف منه الآتي: [لنحذر أيها الأخوه المحبوبون قدرما نستطيع لئلا نعاني روحيًا ما عاناه شمشون جسديًا. لنفهم العقل بكونه الرجل (شمشون) والجسد ترمز له المرأة (دليلة). إن كان الإنسان يخضع لجسده عندما يتملقه بلطف للانهماك في الملذات فسيعاني من جسده ما عاناه شمشون من المرأة (دليلة). لذلك يليق بنا أيها الأعزاء المحبوبون بمعونة الله أن نجاهد ما استطعنا محقيقين قول الرسول عن نفسه: "أقمع جسدي وأستعبده (أخضعه)" (1 كو 9: 27). لنحذر بمعونة الله من موسى العدو الذي حلق رأس الجنس البشري عندما انخدع آدم وحواء بحيلة لئلا يعلو رأسنا نحن أيضًا، لأن رأسنا هو المسيح. إن كنا نستسلم لامرأة أي لشهوات الجسد المتملقة أو للشرور الأخرى فإننا ننخدع ونُحرم من النعمة الروحية ونكون كمن نُزع عنه شعر النذر... يوجد موسى يقطع بطريقة نافعة وآخر بطريقة ضارة، موسى الشفاء واهب الجمال لنا هو المسيح ربنا، الذي يقطع من قلوبنا أفكار الشر الضارة. إنه يحلق الرذائل عن النفس، ينير الرأس، ويهب الذهن جمالاً ويحررنا من الشعر المميت الذي للعبودية البائسة ويجعل حياتنا مقدسة وفي طهارة وتدبير عندما تنمو كشعر النذير من جديد... انظروا لقد أظهرت الموسى الذي نطلبه، أما الآخر فنرفضه ونتجنبه. الموسى المكرم هو المسيح والموسى المهلك هو الشيطان. المسيح هو رأسنا كقول الرسول، والشعر إما أن يكون فضائل أو رذائل، لذلك عندما تحدث النبي عن خطاياه قال: "أكثر من شعر رأسي (الذي يبغضونني بلا سبب)" (مز 69: 4). فالفصائل والرذائل يرمز لها بالشعر، عندما نحلق بالمسيح نتحرر من كل الرذائل، وعندما نحلق بالشيطان نُحرم من كل الفضائل[128]]. كما يقول: [إن خضع إنسان لشهوة أو انهمك في ملذة يفعل به جسده ما فعلته دليلة بشمشون[129]].

مرة أخرى يقول القديس أغسطينوس: [الآن ماذا يعني أن شمشون يحمل قوة في شعره؟ لاحظوا هذا بدقة أيها الأخوة. أنه لم يحمل قوة في يديه ولا في قدميه ولا في صدره ولا في رأسه وغنما في شعره. ما هو الشعر؟ يجيب الرسول أن الشعر غطاء (1 كو 11: 15)، وكأن المسيح حمل القوة في الغطاء عندما أختفي (احتمي) في ظلال الشريعة القديمة... ماذا يعني أن سرّ شمشون قد صار موضوع خيانة (من دليلة) وأن رأسه قد حُلقت؟ الشريعة قد احُتقرت والمسيح صُلب! لو لم يزدروا بالشريعة (حلق الرأس) لما قتلوا المسيح، إذ عرفوا أنه ليس من حقهم قتله. لقد قالوا للحاكم: "لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا " (يو 18: 31)[130]].

5. سقوط شمشون:

إذ سلم شمشون نفسه لدليلة وكشف لها أسراره أنامته على ركبتيها [19]... وفي هذه المرة لم يقل الكتاب: "حلّ عليه روح الرب" بل قال: "أخرج حسب كل مرة وأنتفض" [20]. حينما يُسلم الإنسان لشهوات جسدية فتذله الشهوات يفقد رعاية الله له، فيخرج لينتفض، وكأنه يخرج بذاته متكلاً على قوته. وهكذا تلتحم محبة الشهوات بالأنا، وعوض انطلاقه بالروح للجهاد ينحصر في الأنا على ركبتي ملذاته.

لقد سقط الجبار لا على ركبتي دليلة وإنما على ركبتي ملذاته الزمنية؛ بسبب هذه الملذات فتح باب النقاش مع دليلة كما مع الحية فلم يصمد كأبويه الأولين بالرغم مما أتسم به من قوة. لو أنه أغلق باب الحوار كيوسف مع امرأة فوطيفار، القائل في قوة وصراحة: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟!" وهرب دون نقاش أو عتاب وانتصر بقوة الله.

"لم يعلم أن الرب قد فارقه" [20]، هذه هي كارثته أنه فقد معية الرب، فخسر سرّ قوته، انحط إلى المذلة بين يدي العدو، وفقد بصيرته، وأقتيد إلى حيث لا يريد، وأوثق بسلاسل وصار يطحن في بيت السجن كإحدى الحيوانات. صار سخرية في عيني الأشرار بعدما كانوا يهابونه ويرتعبون منه. في هذا يقول القديس أغسطينوس: [حقًا إن الشيطان عدونا يسخر بالخطاه بشدة عندما تُنتهك نعمة المسيح، حدث عندما نزع عن شمشون شعره. إنه يُفقدهم بصيرة أعينهم، ويضعهم في السجن، ويجعلهم كالحمير يدورون في حجر الطاحونة[131]]. كما يقول: [نصحنا ربنا خلال النبي: "لا تكونوا كفرس أو بغل بلا فهم" (مز 32: 9)، حتى لا نفشل في إخضاع عنقنا لنير المسيح ونصيره كالحمار مؤهلاً أن يدور في الطاحونة... بالحقيقة كان الإنسان مكرمًا لكنه سقط في الرذيلة، كما فعل شمشون عندما ترك الحكمة والنعمة فعوقب بالعمي والطحن. هكذا يتأهل الإنسان لممارسة عمل الحيوانات إن حرم نفسه من نور العقل. فمن يخضع لجسده ولملذاته خلال تملق الشريرات يصير كالحيوانات يطحن، يصير كحمار أو بغل يُربط في حجر الرحى بعد عصب عينيه الجسديتين فتضعفان. النفس التي تسقط في الملذات تكون أعين ذهنها قد أصابتها العمى خلال فساد الحياة، وتدور في فكرها الأخطاء كما لو كانت تطحن في طاحونة الشهوات القاسية، بدون بصيرة وتحت قيادة آخر: من يقف في طريق الخطاة يُربط بقيود شهواته، ويكون في سجنه مملوءًا بظلمة خطاياه... يعاني في داخله من قيود الطاحونة. إنه يدير صخرة قلبه الذي تقسي خلال تمسكه بالشر فصار كحجر رحى، ويطحن دقيقًا للعدو خلال الحنطة الفاسدة التي لنفسه[132]]... وأيضًا يقول: [من يمارس الخطايا يطحن حنطة للعدو خلال نخاع حياته ليطعم الشيطان؛ بينما تصير النفس خبزًا له تكون هي مصدر جوع لنفسها[133]].

6. موت شمشون:

ظن أقطاب الفلسطينيين أن إلههم داجون (نصفه الأعلى على شكل إنسان والأسفل بدن سمكة) هو الذي أسلم لهم شمشون عدوهم ولم يدركوا أن سقوط شمشون هو ثمرة مفارقة الرب له بسبب انحلال حياته في علاقته مع دليلة. على أي الأحوال كان لزامًا لشمشون أن يتأدب حتى يرجع إلى الرب إلهه بكل قلبه بعد أن يذوق ثمرة شره، وفي نفس الوقت يتأدب الوثنيون أيضًا على شرهم، فإن كان الله قد أسلم شمشون في يدهم ليسخروا به كيفما شاءوا إنما حين يرجع بقوة أعظم ويُحسب من رجال الإيمان.

في احتفالهم بإلههم وتقديم ذبائح له جاءوا بشمشون ليراه الشعب عبدًا ذليلاً فاقد البصيرة فيسخرون منه ويمجدوا إلههم، وإمعانًا في إذلاله إذ طابت قلوبهم جعلوه يرقص أمامهم ليسخروا به ويكون موضع تسليتهم...

حقًا من يستطيع أن يعبر عن مشاعر شمشون غالب الآلاف وهو أعمى يطحن كالحيوانات في بيت السجن ويلعب لتسليه أعدائه... كل هذا بسبب شهوة وقتية زائلة! ما هي مشاعره نحو دليلة التي سلمته جسدها إلى حين لتسليمه لأعماق العبودية والذل!!!

على أي الأحوال إذ بدأ شعر رأسه بنبت وتذلل قلبه في داخله أدرك أن الرب يكون معه، لذا صرخ قلبه: "يا سيدي الرب اذكرني وشددني يا الله هذه المرة فأنتقم نقمة واحدة عن عيني من الفلسطينيين" [ 28]. لقد أدرك وسط الضيق أن الله هو سرّ قوته، ولم يعد يخرج لينتفض متكلاً على ذاته. قبض "على العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائمًا عليهما واستند عليهما الواحد بيمينه والآخر بيساره، وقال شمشون: لتمت نفسي مع الفلسطينيين. وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي فيه كان الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياته" [٢٩-٣٠].

يعلق القديس أغسطينوس على الأحداث الأخيرة في حياة شمشون بقوله: [السجن والطاحونة هما عمل هذا العالم؛ عمى شمشون يشير إلى الذين أصابهم العمى بجحودهم ولم يعرفوا المسيح ولا اختبروا سلطانه وصعوده إلى السموات. هذا العمى يُشير إلى ما أصاب اليهود، إذ امسكوا المسيح وقدموه للموت، فإذا به يقتل قاتليه. لهذا أحضره أعداؤه ليلعب كبهلوان (بلياتشو) أمامهم. لاحظ هنا صورة الصليب. شمشون يبسط يديه للعمودين كما لعارضتي الصليب، لذلك بموته غلب أعداءه، لأن آلامه صارت هلاكًا لمضطهديه. لذلك يقول الكتاب: "فكان الموتى الذين أماتهم في موته أكثر من الذين أماتهم في حياته" [30]. لقد تحقق السرّ بوضوح في ربنا يسوع المسيح، إذ أكمل الخلاص بموته هذا الذي أعلنه أثناء حياته[134]]. كما يقول: [الحقيقة المذكورة بأنه أهلك الأعداء في موته أكثر مما في حياته تعلن سرّ آلام المسيح، فخلالها سقط بيت الشيطان وتهشمت مملكة الموت. حقًا أن البيت الذي ضم أقطاب الفلسطينيين يرمز إلى بيت مملكة الشيطان (فيه يُعبد الإله داجون)، وقد جاء عنه أنه يرتكز على عمودين... هما بلا شك الطمع والملذات، فلا يوجد شر نفهمه إلاّ وينبع عن هذين الشرين... كما هو مكتوب: "لأن محبة المال أصل لكل الشرور" (1 تي 6: 10)، أما عن الملذات فقيل أنها تكدر الجسد (أم 11: 8). هذا وأن شمشون يُشير إلى ربنا يسوع المسيح، أما دليلة القاسية فتُشير إلى المجمع، شمشون اقتنصته دليلة، والمجمع اضطهد المسيح وصلبه على الجلجثة. أما كون شمشون الممثل للمسيح قد أُعمى فيُشير إلى المسيحيين الأشرار الذين آمنوا بالمسيح إلى حين ولم يثابروا على الإيمان والأعمال الصالحة... شمشون وُضعَ في السجن بينما نزل المسيح إلى الجحيم. شمشون بسط يديه للعمودين فانهار بيت الفلسطينيين بأقطابه، وبسط المسيح يديه لعارضتي الصليب كما لعمودين فانطرح بيت الشيطان أو مملكته وتدمر مع ملائكته[135]].

ويرى القديس إيريناؤس: [الغلام الذي قاد شمشون بيده يُشير إلى يوحنا المعمدان الذي أظهر للناس الإيمان بالمسيح، أما البيت الذي اجتمعوا فيه فيُشير إلى العالم الذي يقطنه أمم وثنية متنوعة جاحدة للإيمان تقدم الذبائح للأوثان، وأن العمودين هما العهدان إن حقيقة اتكاء شمشون على العمودين تُشير إلى تعلم الشعب سرّ المسيح (الذي يهدم الوثنية)[136]].




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر القضاة +
+ عودة لتفسير سفر القضاة +
 


12 هاتور 1736 ش
22 نوفمبر 2019 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك