تفسير سفر القضاة اصحاح 16 جـ1 Print

شمشون ودليلة

إن كان روح الله قد لازم شمشون فوهبه قوة، لكن إذ سقط شمشون في حب دليلة واتكأ برأسه علي ركبتيها فقد مجد نذره، وحرم من بصيرته، وصار سخرية للعدو.

1. شمشون في بيت زانية            [1-3].

2. حبه لدليلة                        [4-5].

3. مخاتلته لدليلة                              [6-15].

4. كشف سره لدليلة                 [16-17].

5. سقوط شمشون                   [18-22].

6. موت شمشون                    [23-31].

١. شمشون في بيت زانية:


"ثم ذهب شمشون إلى غِزة ورأى هناك امرأة زانية فدخل إليها، فقيل للغزيين: قد أتى شمشون إلى هنا. فأحاطوا به وكمنوا له الليل كله عند باب المدينة، فهدأوا الليل كله قائلين: عند ضوء الصباح نقتله. فاضطجع شمشون إلى نصف الليل ثم قام في نصف الليل وأخذ مصراعي باب المدينة والقائمتين وقلعهما مع العارضة ووضعهما على كتفه وصعد بها إلى رأس الجبل الذي مقابل حبرون" [1-3].

إذ استطاع شمشون بفك حمار أن يقتل ألف رجل، فكر في الذهاب إلى أكبر مركز للفلسطينيين ألا وهي غزة، فقد وثق أنه يستطيع بروح الرب أن يدخل إليهم ويخرج دون أن يصيبه منهم ضرر. ذهب إلى بيت زانية فسمع أهل غزة، وجاءوا إلى أبواب المدينة يحرسوها طوال الليل حتى متى خرج في الصباح يمسكوه ويقتلوه وقد أخطأ في هذا بلا شك وإن كان رأي القديس أغسطينوس[122] أن هذا التصرف بكل دقائقه يمثل صورة حية لعمل الرب الخلاصي بدخوله إلى الجحيم – بعد الصليب- ليحطم متاريسه واهبًا لمؤمنيه قوة قيامته. ففي رأيه أن شمشون يكون غير طاهر لو أنه ذهب إلى المرأة الزانية بلا هدف سليم، أما إن كان قد ذهب كنبي فقد حمل في شخصه رمزًا للسيد المسيح الذي دخل إلى الجحيم كما بيت الزانية مفتوح للجميع بلا عائق. ويعلل القديس أغسطينوس ذلك بأن الكتاب لم يذكر عن شمشون أنه اتحد مع الزانية وإنما زارها لينام أو يضطجع هناك. لقد انتظره الأعداء عند باب المدينة ليمسكوه عند خروجه. وكأنما قد جلس الحراس عند القبر للامساك بالرب القائم من الأموات، لكنهم لم يقدروا على معاينته. لقد قام في نصف الليل وحمل معه أبواب المدينة إلى الجبل بعدما ترك بيت الزانية. فإن كانت الزانية تُشير إلى المجمع الذي حكم عليه بالموت، فإنه بعد انفصال المجمع عنه قام الرب خفية كما في منتصف الليل نازعًا أبواب المدينة أي محطمًا أبواب الهاوية. لقد نزعها ولم يردها، وكأنه يحمل صورة السيد الذي حطم أبواب الموت. لقد صعد إلى قمة الجبل، ونحن نعلم بالحق أن السيد المسيح قام وصعد إلى السموات.

إن كان القديس أغسطينوس قد رأي جانبًا رمزيًا في القصة، لكننا لا ننكر أن كثيرًا من الآباء قد رأوا في تصرف شمشون خطأ... إذ لا يليق به أن يدخل بيت زانية ويضطجع هناك حبًا فيها.

يقول القديس أمبروسيوس: [غلب شمشون القوي الشجاع الأسد لكنه لم يستطع أن يغلب هواه. قطع وُثق أعدائه لكنه عجز عن قطع حبال شهوته. أحرق أكداس الظالمين الكثيرين، لكن أحرقه لهيب اللذة الممنوعة التي أوقدتها فيه امرأة واحدة]. والقديس أغسطينوس نفسه لا يبرر تصرفات شمشون، إذ يقول: [عندما حقق شمشون فضائل ومعجزات كان يمثل السيد المسيح رأس الكنيسة، وعندما كان يعمل بحكمة كان صورة للذين يسلكون في الكنيسة بالبر، لكنه عندما كان يُغلب ويسلك بالتهاون فكان يمثل الخطاة في الكنيسة[123]].

2. حبه لدليلة:

"وكان بعد ذلك أنه أحب امرأة في وادي سورق اسمها دليلة، فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين، وقالوا لها: تملقيه وانظري بماذا قوته العظيمة، وبماذا نتمكن منه لكي نوثقه لإذلاله، فنعطيكِ كل واحد ألفًا ومئة شاقل فضة" [4- 5].

إن كان روح الرب قد حلّ على شمشون في أكثر من موقع فكان يقوم بدور قيادي ناجح، لكنه إذ سقط في حب دليله انهار تمامًا، وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [كثير من الرجال هلكوا في الزواج مثل شمشون، ولكن ليس بسبب الزواج في ذاته وإنما بسبب إرادتهم المنحلة[124]]. ويقول الأب أفراهات: [حارب (العدو) شمشون خلال امرأة حتى سلبه نذره[125]].

أما كلمة "دليلة" فهي اسم عبري يعني (مدللة) أو (معشوقة)، يرى بعض الدارسين أنها حملت هذا الاسم بعدما كبرت وصارت موضع حب الكثيرين وعشقهم، إذ عاشت كزانية. وكانت محبة للمال لهذا عندما جاءها أقطاب الفلسطينيين الخمسة، أمراء المدن الرئيسية (جت وأشدود وغزة وأشقلون وعقرون)، ووعدوها بتقديم كل واحد منهم ألف ومئة شاقل فضة لتسليم شمشون. وكما يقول أمبروسيوس: [أليست محبة دليلة للمال هي التي خدعت شمشون أكثر الرجال شجاعة؟! هذا الذي مزق الأسد الزائر بيديه...[126]].

نشأت دليلة في وادي سورق، أي (وادي الكرم المختار) وهو يدعى حاليًا وادي الصّرار ويبدأ على بعد 13 ميلاً غرب أورشليم ويمتد إلى البحر الأبيض المتوسط كما يوجد وادِ شمال هذا الوادي اسمه "خربة سوريق".

3. مخاتلته لدليلة:

إذ أحب شمشون دليلة صارت تسأله ثلاث مرات: "أخبرني بماذا قوتك العظيمة؟ وبماذا توثق لإذلالك؟" [6، 10، 13]. لقد ظنت دليلة كأقطاب الفلسطينيين أن شمشون يحمل قوة فائقة نتيجة عمل سحري إن أُبطل فقد قوته وصار إنسانًا عاديًا يمكن التغلب عليه، لهذا كانت دليلة تلح عليه لتعرف هذا السر. ومن جانب آخر نري الفلسطينيين كانوا يكمنون في البيت وينتظرون حتى تلاطفه دليلة وتعرف سرّ قوته ليواجهوه بعد سحب طاقته الغريبة. أما من جهة شمشون نفسه فقد عرف منذ اللحظة الأولى هدفها من السؤال ولهذا خاتلها وخدعها، وكان يجب أن يهرب من بيتها لكن حبه الشديد لها أو بمعنى أخر استعباده لشهوته من نحوها جعله يتهاون في الأمر واثقًا أنه لن يكشف لها سره وإنما يحقق رغبته من جهتها، لكنه لم يستطع المقاومة كثيرًا إذ سقط في حبال الشر وانهار.

في المرة الأولى قال لها أنه يضعف إن أوثق بسبعة أوتار طرية لا تجف، أي سبعة حبال من الكتان أو غيره من النباتات... عوض أن ينتهرها ويوقف سؤالها كذب عليها ففقد صدقة وحكمته ومهابته أمامها.

وفي المرة الثانية إذ ألحت عليه قال لها أنه يضعف إن أوثق بحبال جديدية لم تستعمل من قبل.

وفي المرة الثالثة قال لها إنه يضعف إن ضفرت خصله السبع مع السدى، وهي الخيوط الطويلة التي تستخدم في آله النسيج، بخلاف اللحمه وهي الخيوط العريضة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وقد فعلت ذلك وهو نائم ومكنتها بالوتد... وهنا أقترب إلى كشف السر إذ بدأ يحدثها عن شعره وخصله السبع.

على أي الأحوال في المرة الأولى قطع الأوتار كما يقطع فتيل المشاقة إذا شم النار؛ المشاقة هو ما يسقط من الكتان عند مشقه أو تمشيطه ليُغزل ويستخدم كفتائل للسرج. أما في المرة الثانية فقطع الحبال الجديدة عن ذراعيه كخيط، وفي الثالثة انتبه من نومه وخلع وتد النسيج والسدى.

4. كشف سره لدليلة:

"ولما كانت تضايقه بكلامها كل يوم وألّحت عليه ضاقت نفسه إلى الموت، فكشف لها كل قلبه وقال لها: لم يعل موسى رأسي لأنيّ نذير الله من بطن أمي فإن حُلقت تفارقني قوتي وأضعف وأصير كأحد الناس" [16-17].

كانت دليلة تضيق عليه بقولها له: "كيف تقول أحبكِ وقلبك ليس معي، هوذا ثلاث مرات قد ختلتني ولم تخبرني بماذا قوتك العظيمة؟" [15]، فضاقت نفسه إلى الموت. إذ انحنت نفسه لشهوات جسده الشريرة تضيق نفسه منجرفة نحو الموت، عوض اتساعها بالحب الإلهي لتقبل الله في داخلها فتنفتح لخليقته.

إذ ضاقت نفسه جدًا حتى الموت لم يستطع أن يتكتم أسراره الروحية فكشف لها عن كل قلبه، قائلاً لها إنه كنذير لا يعل موسى رأسه، فإن حُلقت تفارقه قوته. وقد علق بعض الآباء على هذا التصرف، منهم القديس غريغوريوس النزينزي[127] حينما تحدث عن القديس أثناسيوس كعمود في الكنيسة، شبّه مقاومة الأشرار للكنيسة بما فعله الأشرار بشمشون، إذ نزعوا عنه شعره سرّ قوته؛ هكذا قاوم الأشرار القديس أثناسيوس كراعٍ قوي يسند شعبه حتى إذ يحلقون شعر الكنيسة أي ينزعون عنها مجدها يكونون قد نطقوا عليها بالشر.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر القضاة +
+ عودة لتفسير سفر القضاة +