تفسير سفر القضاة اصحاح 8 جـ1 Print

قتل زبح وصلمناع

بروح الاتضاع كسب جدعون رجال أفرايم الثائرين، وبروح الجهاد انطلق ليأتي بملكي مديان زبح وصلمناع ليقتلهما.

1. مصالحة رجال أفرايم             [1-3].

2. موقف سكوت وفنائيل             [4-9].

3. قتل ملكيّ مديان                  [10-21].

4. صنع أفود ذهبية                  [22-28].

5. موت جدعون                     [29-35].

1. مصالحة رجال أفرايم:

كان سبط أفرايم له قوته بين الأسباط، ويحتل أفضل أراضي الميعاد، حتى عندما انقسمت إسرائيل إلى مملكتين دعيت الأسباط العشرة بأفرايم (إر 31: ٩، ١٨، ٢٠). كان هذا السبط يتوقع طلبه من جدعون عند قيامه بالمعركة ضد المديانيين، وإذ لم يفعل هذا خاصمه بشدة [1]. وقد ظهرت قدرة جدعون القيادية الحكيمة في مواجهة هذا الموقف بلطف شديد واتضاع امتص غضبهم، فقد استغل قتلهم لأميري مديان غراب وذئب وقال لهم: "ماذا فعلت الآن نظيركم؟! أليست خصاصة أفرايم خيرًا من قطاف أبيعزر؟! ليدكم دفع الله أميري المديانيين غرابًا وذئبًا. وماذا قدرت أن أعمل نظيركم؟!" [٢-٣].

في اتضاع أعلن أن ما يبقى في كرم أفرايم (الخصاصة) لهو أفضل مما يقطف من كرم عشيرته "أبيعزر"، وإذ مدحهم على إتيانهم برأس الأميرين أي القائدين المديانيين ارتخت روحهم عنه. وكما يقول الكتاب: "الجواب اللين يصرف الغضب" (أم 15: ١).

كان يمكن لجدعون أن يوبخهم لأن المديانيين استعبدوهم 7 سنوات ولم يتحرك منهم أحد، لكنه كقائد حكيم أبرز فيهم الجانب الطيب، موضحًا أن ما عمله لم يكن إلاَّ استعدادًا للمعركة وأما هم فقاموا بالعمل اللائق بكرامتهم وعظمتهم، فكسبهم في صفة عوض أن يخسرهم كأعداء يقاومونه. لقد حسب أفرايم صغير النفس محتاجًا إلى كلمة تشجيع لا إلى مقاومة وتوبيخ!

2. موقف سكوت وفنائيل:

إذ لاحق الإعياء رجال جدعون خلال مطاردتهم للمديانيين، سأل جدعون أهل سكوت أمرًا لا يكلفهم شيئًا ألاَّ وهو القليل من الخبز لهؤلاء الرجال القليلين الذين يحاربون العدو لحساب كل الجماعة، خاصة وأنهم لم يتوقفوا عن الجهاد بل هم سائرون للإتيان برأسي ملكي مديان زبح وصلمناع. كان يليق بأهل سكوت أن يحاربوا مع جدعون للتحرر من عبودية المديانيين فإذ لم يكن لديهم الإيمان الكافي لهذا العمل فلا أقل من تقديم الخبز له ولجنوده. هؤلاء كانوا أكثر سوءًا من رجال أفرايم لأنهم باردون في مشاعرهم، مستسلمون للعبودية، ومثبطون لهمم العاملين، فكانوا أخطر من الأعداء أنفسهم. لم يتوقفوا عند عدم العطاء وإنما في سخرية حاولوا تثبيط هممهم بقول رؤسائهم له: "هل أيدي زبح وصلمناع بيدك الآن حتى نعطي جندك خبزا؟!" [6].

"سكوت" تعني (مظالاً)، وهو موضع شرقي الأردن وشمال يبوق، موقعه الآن تل أخصاص غربي دير علة بالقرب من اليبوق (نهر الزرقاء) على بعد 4 أميال شرقي الأردن. وقد حملت اسمه "سكوت" بعد أن أقام يعقوب فيه مظلات له ولبنيه ولمواشيه (تك 33: 17)، وهو من نصيب سبط جاد.

اضطر جدعون أن يهدد أهل سكوت، قائلاً: "لذلك عندما يدفع الرب زبح وصلمناع بيدي أدرس لحمكم مع أشواك البرية بالنوارج" [7]. بدا جدعون المتضع للغاية أمام الله (6: 15) وأمام رجال أفرايم حازمًا للغاية بل وعنيفًا مع أهل سكوت، إذ يود أن يعريهم ليغطي لحمهم بالأشواك ويدوس عليهم بالنوارج لعله كقاضي لإسرائيل رأى من واجبه تأديب هؤلاء القوم بعنف فارزًا التبن عن الحنطة بنوارج التأديب حتى لا تحل اللعنة بالشعب كله.

لو كان أهل سكوت حنطة لمجدتهم النوارج إذ تفرز الحنطة عن التبن، ولكن لأنهم أشواك تحطمهم النوارج وتجمعهم للحرق. الحنطة لا تخاف النورج بل تنتظره بفرح أما الشوك والتبن فيرهبانه !

ما هدد به جدعون لا يمس أهل سكوت وحدهم بل يلحق بكل إنسان يحمل في داخله لحمًا، وينبع في أرضه الداخلية أشواك اللعنة، بمعنى آخر يسقط تحت نورج جدعون المهلك من كان يعيش جسديًا (لحميًا) بفكره وقلبه وحياته، حاملاً أشواك لعنة الخطية فيه، أما من يسلك بالروح ويكون له الثمر السماوي فلا تستطيع النوارج أن تؤذيه بل بالحري تمجده.

لينزع الرب عنا فكرنا اللحمي وليحرق فينا أشواك الخطية الخانقة للنفس ليحطم فينا كل ما هو غريب بنورجه (صليبه) المقدس لكي نحيا بالحق كروحيين نسكن في السماويات.

وما فعله أهل سكوت بجدعون فعله أيضًا أهل فنوئيل، فأجابهم جدعون: "عند رجوعي بسلام أهدم هذا البرج" [9].

كلمة "فنوئيل" تعني (وجه الله)، وهو مخيّم شرقي الأردن، شرق سكوت، فيه نظر يعقوب الله وجهًا لوجه (تك 32: 30)؛ وقد كان يليق بناظري وجه الله أن ينزلوا مع جدعون ليحاربوا المديانيين، لكنهم احتموا في برج مدينتهم أثناء المعركة، وعندما انتهت رفضوا تقيم الخبز لجدعون ورجاله. إنهم يمثلون الإنسان الذي نال خبرة روحية مع الرب إلى حين، كمن رآه وجهًا لوجه، لكنه يرفض الجهاد الروحي متكلاً على بره الذاتي (برجه)... لهذا يستحق هدم هذه الذات حتى يرجع إلى الرب برجه الحقيقي الحصين.

بمعنى آخر إن كان أهل سكوت يمثلون الإنسان الجسداني الذي يستحق تحطيم لحمه وكسر أشواك شهواته الجسدية فإن أهل فنوئيل يمثلون الإنسان الذي له سمة الروح الخارجية لكنه متقوقع حول ذاته "الأناEGO ". الأول مصاب بالضربات الشمالية أي خطايا الجسد، والثاني بالضربات اليمينية أي البر الذاتي. الأول يحتاج إلى نورج جدعون أي صليب الرب لتحطيم شهوات جسده وصلبها والثاني يحتاج إلى آلات جدعون (صليبه) لتحطيم برجه الذاتي.


3. قتل ملكيّ مديان:

كان ملكيّ مديان زبح وصلمناع في قرقر ومعهما ما تبقى من الجيش 15 ألفا، بينما سقط 120 ألفًا من مخترطي السيف [10]. صعد جدعون في طريق ساكني الخيام شرقي نوبح ويجبهة وضرب الجيش، وإذ هرب الملكان تبعهما وأمسك بهما [12].

كلمة "زبح" تعني (ذبيحة)، ربما لأنه كان نذيرًا لآلهة المديانيين، وأما "صلمناع" فمديانية، تعني (الذي لم يقدم له ملجأ) أو (ليس له ظل) أو (الإله "صلم" أي "المظلم" أو "زحل" يحكم). وكلمة "قرقر" معناها (مسطح حتى الأرض) وهي مدينة قرب تخم جاد الشرقي ربما كانت في وادي سرحان.

كان مديان يعتز بجيشه البالغ 135 ألفًا من مخترطي السيف، لكنه لم يبقى مع الملكين سوى 15 ألفا منهكي القوى ويائسين، أما الملكان فيشيران إلى إبليس وأتباعه فالأول باسمه يعني أنه ذبيحة للأصنام والآخر يعلن مملكة الإله صلم أو الإله المظلم... والآن إذ قاد جدعون الحقيقي – يسوع المسيح – المعركة الروحية خلال رجاله حاملي الصليب لم يبق لإبليس إلاَّ أن يهرب إلى قرقر أي ينزل إلى (مستوى الأرض)، يفقد سلطانه ومهابته أمام المؤمنين.

إن كان العدو يبدو في البداية قويًا وعنيفًا له 135 ألفا من رجال الحرب، لكنه من يختفي في جدعون الحقيقي يستهين بإبليس ويسحقه تحت قدميه كمن هو ساقط على الأرض. وكما يؤكد ربنا يسوع: "رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء؛ ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19).

هذا ما أكده القديس يوحنا ذهبي لفم في كثير من مقالاته وكتاباته، بل وأفرد مقالات خاصة عن عدم قيام سلطان لإبليس علينا[91].

صعد جدعون في البرية، في طريق ساكني الخيام ليلحق بالملكين فذهب إلى شرقي نوبح ويجبهة حيث ضرب الجيش وإذ هرب الملكان اقتفى أثرهما وأمسك بهما. لقد ظن الملكان أنهما في أمان بعيدًا عن جدعون، لكنهما فوجئا به وسط البرية... وكان جدعون يمثل السيد المسيح الذي أٌصعد بروحه القدوس إلى البرية ليدخل مع إبليس في معركة على الجبل انتهت بنصرة الرب لحسابنا وهزيمة العدو.

"نوبح" كلمة عبرية تعني (نباح)، مدينة في نصيب جاد. وقد جاء الاسم موافقًا للمعركة فكثيرًا ما يُشبه إبليس بالكلب الذي ينبح عند داره بعنف لكنه لا يقدر أن يؤذي إلاَّ الخائف... يشتم رائحة الخائف من إفرازات جسمه الناتجة عن الخوف فيهاجمه، أما الثابت الشجاع فتهرب الكلاب منه. هكذا تُرهبنا الشياطين بنباحها، لكنها تتسم بالجبن الشديد وتهرب أمام المؤمنين الحقيقيين.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر القضاة +
+ عودة لتفسير سفر القضاة +