إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

يجب ألا تأخذ القوة أسلوباً شمشونياً أو عالمياً ، ولا تعنى القوة الإنتصار على الغير وإنما كسب الغير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر القضاة اصحاح 6 جـ1 PDF Print Email

ملاك الرب وجدعون

إذ سقط الشعب تحت المذلة للمديانيين أرسل الله جدعون قاضيًا ومخلصًا للشعب.

١. إذلال المديانيين للشعب           [١-٦].

٢. الحاجة إلى مخلص               [٧-١٠].

٣. ظهور ملاك الرب لجدعون        [١١-2٤].

٤ . هدم مذبح البعل                  [٢٥-٢٧].

٥. هياج المدينة عليه                [٢٨-٣٢].

٦. جدعون وجزّة الصوف            [٣٣-٤٠].

١. إذلال المديانيين للشعب:

إذ استراح بنو إسرائيل أربعين سنة (٥: ٣١)، نسوا الرب وصنعوا الشر في عينيه، فأسلمهم ليد مديان للتأديب سبع سنوات، وكأن دائرة الخطية فالتأديب ثم الخلاص تتكرر.

جاء بنو مديان من نسل قطورة سارية إبراهيم (تك ٢٥: ١-٢)، وهم جماعة من البدو سكنوا شرقي وجنوب شرقي البحر الأسود. وكانوا مملوئين عنفًا حتى اضطر الإسرائيليون إلى الهرب من جورهم إلى الكهوف في الجبال [٢]. وقد اتفقوا مع العمالقة وبني المشرق (قبائل من عرب البادية) على مضايقة الإسرائيلين، فكلما زرع الإسرائيليون قاموا بإتلاف الحقول مع سلب حيواناتهم، حتى لم يتركوا لهم القوت الضروري للحياة [٤]. كانوا ينزلون إليهم كغزوات مثل الجراد في الكثرة [٥] ليدمروا كل مالهم من مجيئك إلى غزة [٤]، أي من الأردن حتى يصلون الحد الأقصى لإسرائيل في غزة.

هذه هي الصورة المتكررة لا في عصر القضاة فقط وإنما في حياة الإنسان اليومية، عندما يستريح عوض أن يشكر الرب ويسبحه إذا به ينساه فيسقط تحت مذلة الخطية التي تتسلم سلطانًا عليه خلال تراخيه فتسطوا على حقوله الداخلية وتفقده حتى قوته الضروري. وكل خطية تسحب معها خطية أخرى حتى تصير الخطايا كحملة من الجراد تسطو على القلب والفكر والأحاسيس وتبتلع كل إمكانيات الإنسان وطاقاته وتجرده من كل حيوية.

٢. الحاجة إلى مخلص:

مضايقة المديانيين لإسرائيل إنما جذبته للصراخ لله من أجل الخلاص، فأرسل الله لهم نبيًا يكشف لهم جراحاتهم معلنًا لهم رحمة الله التي قوبلت بعصيانهم. وهكذا إذ لم يكرسوا قلوبهم للرب خلال الراحة سلمهم للضيق لأجل خلاصهم، وكأنه يلزمهم بالتوبة خلال مرارة التأديب. وكما يقول القديس بفنوتيوس: [بينما ننشغل بغنى هذه الحياة وأطاييبها إذ تحلق بنا تجربة فجأة فتهددنا بخسارة أو بموت أحد الأعزاء لنا... فما يدفعنا للاقتراب نحو الله استهنا بالسير معه أيام ترفنا. هذه الدعوة الإلزامية غالبًا ما نجد لها أمثلة في الكتاب المقدس عندما نقرأ أنه بسبب خطايا بني إسرائيل يسلمهم لأعدائهم. وبسبب طغيان الأعداء وعبوديتهم القاسية يرجعون ثانية ويصرخون إلى الرب... في هذا يقول المرتل: "إذ قتلهم طلبوه ورجعوا وبكروا إلى الله، وذكروا أن الله صخرتهم والله العلي مخلصهم" (مز ٧٨: ٣٤-٣٥). وأيضًا: "فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فخلصهم من شدائدهم" (مز ١٠٧: ١٩)[69]].

هكذا أرسل الرب لهم الضيق ليسحبهم للخلاص، وبعث إليهم نبيًا يكشف لهم عن محبة الله الفائقة، يقول لليهود أنه فينحاس بن العازار بن هرون. يبدو أن النبي تحدث معهم أثناء احتفالهم بأحد الأعياد، وكما هي العادة يذكرهم بأعمال الله مع آبائهم ليبعث فيهم روح الرجاء واليقين... خاصة أحداث الخروج من أرض العبودية وطرد الأمم من أمامهم ليرثوا أرض الموعد؛ الخط الواضح في معاملات الله مع شعبه في أغلب كتابات الأنبياء.

٣. ظهور ملاك الرب لجدعون:

"وأتى ملاك الرب وجلس تحت البطمة التي في عُفرة التي ليوآش الأبيعزري، وإبنه جدعون كان يخبط حنطة في المعصرة لكي يهربها من المديانيين، فظهر له ملاك الرب، وقال له: الرب معك يا جبار البأس" [١١-١٢].

"ملاك الرب" هنا هو أحد ظهورات إبن الله، هذا واضح من قوله لجدعون: "أما أرسلتك؟!... إني أكون معك" [١٤-١٦]، فالملاك لا يرسل الأنبياء أو القضاة من عنده، ولا يقل "أنا أكون معك"، إنما هذه كلمات إبن الله الذي يعلن معيته مع رجال الله. وقد دُعي إبن الله "ملاك العهد" (مل ٣: ١)، و "ملاك الحضرة" (إش ٦٣: ٩).

ظهر إبن الله جالسًا تحت شجرة البطمة في قرية "عفرة" التي تعني (غزالة) أو (ترابي "عفار")، تقع غربي الأردن، سكنها الأبيعازريون من سبط منسى، ربما كان بها مقدس (هيكل) قبل أيام الإسرائيليين، وهي قرية الطيبة التي تبعد حوالي ثمانية أميال شمالي بيسان[70]. ظهر إبن الله لجدعون، الذي يعني إسمه "مخطب بشدة" أو "مصارع"[71]، وكان يضرب سنابل الحنطة بالعصا لينتزع منها الحبوب، ربما لأنه ان قد فقد أدوات الدرس بسبب هجمات المديانيين. كان يخبط الحنطة خفية في معصرة، غالبًا ما كانت في كهف أو مغارة، حتى لا يراها المديانيون وينهبونها... هكذا كان حال الشعب في ذلك الحين.

يرى القديس أمبروسيوس في جدعون رمزًا للمخلص الحقيقي يسوع المسيح، فقد وُجد جدعون تحت البطمة وكأنه تحت ظلال حكمة الصليب الخشبة المحيية، وكان جدعون يخبط الحنطة بعصا وكأنه كان يتنبأ بما يفعله المخلص خلال التجسد العتيد أن يتم بطريقة سرية. فالعصا في رأي القديس أمبروسيوس هي الصليب الذي يعزل الحنطة عن التبن، فيظهر القديسون المختارون المختفون من الذين هم بلا نفع بل نفاية. بالصليب يعلن الحق المُختبر (الحنطة) مفرزًا من أعمال الإنسان العتيق. تظهر الحنطة بالصليب في الكنيسة كما في المعصرة، لأن [الكنيسة هي معصرة الينبوع الدائم الذي يفيض بثمر الكرمة السماوية[72]].

هكذا يعمل جدعون الحقيقي – السيد المسيح- داخل كنيسته كما في المعصرة، يضرب بصليبه سنابل الحنطة ليفرز الحبوب من التبن، ويهرب الحنطة من المديانيين [١١] خفية حتى يقدمها طعامًا! يفرز الرب القديسين ويخفيهم فيه حتى لا يسلبهم عدو الخير بأعماله الشريرة (المديانيين)، فيقدمهم للرب طعامًا سماويًا، أو ثمر حقله السماوي المفرح!

نعود إلى الحوار الذي تم بين ملاك الرب وجدعون، فقد بدأ ملاك الرب بالتحية: "الرب معك يا جبار البأس" [١٢]. لعل جدعون كان معروفًا بالشجاعة والقوة، إن كان كما يقول هو: "ها عشيرتي هي الذلى في منسى وأنا الأصغر في بيت أبي" [١٥]. إختار الله جدعون الشجاع القوي لئلا يظن أحد أن الله لا يعمل إلاَّ بالضعفاء وقليلي المواهب... إنه بكثير أو قليل يخلص على كل حال قومًا. لكن فيما هو قوي وشجاع كان يدرك بالمذلة من جهة سبطه وعشيرته ومن جهة نفسه، فسبطه هو سبط منسى القليل العدد والكرامة فهو ليس بالسبط البكر جسديًا كرأوبين ولا من سبط اللاويين المقدس للرب... الخ، هو نفسه الأصغر بين إخوته في السن كما في الكرامة.

كان جدعون رمزًا للسيد المسيح "جبار البأس" إذ هو كلمة الله القدير الذي به كان كل شيء، القادر أن يقيم من الأموات ويخلق من العدم، وبالتجسد صار كمن هو أصغر الجميع، إذ صار عبدًا وخادمًا للبشرية، مرذولاً ومهانًا، يدخل حتى إلى موت الصليب!

كان جدعون أيضًا مملوءًا غيرة من جهة إخوته لهذا عندما قال ملاك الرب: "الرب معك يا جبار البأس"، أجاب: "أسألك يا سيدي إن كان الرب معنا فلماذا أصابتنا كل هذه؟ وأين كل عجائبه التي أخبرنا بها آباؤنا، قائلين: ألم يصعدنا الرب من مصر؟! والآن قد رفضنا الرب وجعلنا في كف مديان" [١٣]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لم يشك في كلمات الرب لكنه في دالة المحبة يعاتب إن كان الله معهم، ولم يقل "معي"، إذ لا يستطيع جدعون أن يتذوق معية الله الشخصية بينه وبين الله خارج الجماعة المقدسة، فكيف يُصاب الشعب بهذا كله بواسطة مديان؟! لا ينكر أعمال الله العجيبه مع آبائه، لكنه يستفسر إن كان الله معهم فلماذا لا يتمتع جيله بما تمتعت به الأجيال السابقة؟! حقًا ما أجمل قلب جدعون الحامل للغيرة المتقدة نحو إخوته في الرب، فيقف بقلب متسع وبدالة يعاتب الرب نفسه ليغتصب منه مراحمه!

"فالتفت إليه الرب (يهوه) وقال: إذهب بقوتك هذه وخلص إسرائيل من كف مديان، أما أرسلتك؟!" [١٤]. هنا يتحدث عن ملاك الرب أنه يهوه، الذي التفت إلى جدعون، فإذ أعلن جدعون غيرته ودخل مع الرب في حوار مفتوح إستحق أن يكون موضوع التفاته، إذ يفرح الرب بقلب كهذا، فيلتفت ليستخدمه إناءً للبر. لقد سأله أن يذهب بقوته هذه، ربما يقصد بغيرته المقدسة، ولعله أراد توبيخه على إتكاله على قوته الشخصية... لكن الواضح من سياق الحديث أن الرب يدعوه للعمل، قائلاً: "أما أرسلتك؟!" وكأنه يقول: لا تخف مما أصابكم فإني أرسلك لأعمل بك كما عملت مع آبائك! وكما سبق فقال ليشوع: "أما أمرتك؟!" (يش ١: ١، ٩).

هنا يقف جدعون في إتضاع لا ليعتذر عن العمل وإنما ليغتصب العمل الإلهي بروح الإتضاع بقوله: "أسألك ياسيدي بماذا أخلص إسرائيل؟! ها عشيرتي هي الذلى في منسى وأنا الأصغر في بيت أبي" [١٥]. هنا يدعوه "سيدي" وبالعبرية "دوناوي" وهو لقب خاص بالله وحده، يعترف جدعون بمذلة عشيرته وبصغره هو شخصيًا. هذا هو منهج كل العاملين بالحق في دائرة الرب، إذ يشعرون بضعفهم مع ثقتهم بالله العامل فيهم يتمتعون بالقوة. فنرى موسى يقول: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون، وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر؟!" (خر ٣: ١١)، فكانت إجابة الرب في الحال: "أنا أكون معك" (خر ٣: ١٢). بنفس الروح يعلن إشعياء في بدء عمله النبوي: "ويل ليّ إن هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين" (إش ٦: ٥)؛ وأيضًا يقول أرميا النبي: "آه يا سيد الرب، إني لا أعرف إن أتكلم لأني ولد" (أر ١: ٦).

إذ تمتع جدعون بالدعوة للعمل بالرغم من إعترافه بضعفه وعجزه، وجاء الصوت الإلهي يؤكد معية الرب له وتقديم النصرة له، طلب جدعون علامة من الرب الذي يكلمه، قائلاً: "إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فاصنع ليّ علامة إنك أنت تكلمني" [١٧]. لماذا طلب جدعون علامة ليتأكد إن الذي يحدثه هو الرب؟ لعله استكثر على نفسه أن يرى الرب نفسه فحسب ما يحدث حلمًا أو خيالاً، أو لأنه استكثر على نفسه أن يتسلم رسالة كهذه فأراد التأكد من شخصية من يحدثه. أما العلامة التي طلبها فهي ليست عملاً خارقًا مجردًا وإنما أراد تقديم (منحة) للضيف ليعلن الرب قبوله هذه التقدمة. سأله أن ينتظر حتى يقدم له لحمًا (جدي معزي) في سل ومرقًا في قدر وفطيرًا أي خبزًا غير مختمر. فسأله ملاك الرب أن يضع اللحم والفطير على صخرة ويسكب المرق عليهما، إذ مدّ ملاك الرب طرف العكاز الذي بيده صعدت نار من الصخرة وأكلت اللحم، عندئذ اختفى ملاك الرب.

كانت العلامة أن ملاك الرب إنتظر حتى يقدم جدعون التقدمة على الصخرة التي قامت بدور المذبح، فأرسل نارًا لتأكل التقدمة بعد سكب المرق عليها كماء يمنع من الاحتراق (١ مل ١٨: ٣٣– ٣٥)، معلنًا قبوله الإلهي للتقدمة (لا ٩: ٢٤؛ ١ مل ١٨: ٣٨).




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر القضاة +
+ عودة لتفسير سفر القضاة +
 


11 هاتور 1736 ش
21 نوفمبر 2019 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك