إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

يجب ألا تأخذ القوة أسلوباً شمشونياً أو عالمياً ، ولا تعنى القوة الإنتصار على الغير وإنما كسب الغير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التكوين اصحاح 45 جـ2 PDF Print Email


٢. دعوتهم لدخول مصر:

إذ سمع فرعون وعبيده بلقاء يوسف مع إخوته فرحوا جدًا [٦]، إذ كان الكل يحب يوسف، وكان فرعون سخيًا للغاية إذ طلب من يوسف: "قل لإخوتك افعلوا هذا: حملوا دوابكم وانطلقوا واذهبوا إلى أرض كنعان، وخذوا آباءكم وبيوتكم وتعالوا إليَّ فأعطيكم خيرات أرض مصر وتأكلوا دسم الأرض. فأنت قد أمرت، افعلوا هذا، خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ونساءكم واحملوا أباكم وتعالوا. ولا تحزن عيونكم على أثاثكم، لأن خيرات جميع أرض مصر لكم" [١٧–٢٠].

ما هي خيرات أرض مصر وما هو دسم أرض مصر التي اشتهى فرعون أن يقدمها لإخوة يوسف محبة في أخيهم المحبوب لديه إلاَّ إشارة إلى أسرار ملكوت الله وفيض غنى السماء الذي صار لنا من قبل الله خلال يوسف الجديد المحبوب لدى الآب. لقد سألهم أن يأخذوا عجلات لهم ولأولادهم ولنسائهم ويأتوا لينعموا بخيرات جميع أرض مصر لتكون لهم. ما هذه التي تحملنا إلاَّ أعمال الله الخلاصية ووسائط الخلاص من تمتع بكلمة الله وأسرار الكنيسة مع الصلوات والمطانيات الأمور التي تلهب القلب لينطلق بالروح القدس لا لينعم بخيرات أرض مصر إنما بخيرات السماء عينها. من بين هذه العجلات الإلهية سرّ المعمودية كمثال. فنسمع القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس يقول: [الاستنارة هي المعمودية. الاستنارة مركب تسير نحو الله، مسايرة المسيح، رأس الدين، تمام العقل. الاستنارة مفتاح ملكوت السموات، استعادة الحياة، عتق العبودية، انحلال الرباطات[435]]. أما العجلة الثانية التي تنطلق بنا إلى المجد فهي ذبيحة الأفخارستيا، فقد جاء في قداس آدم وماري السرياني: [هذه التقدمة التي لخدامك... فلتكن غفرانًا عن معاصينا ومحوًا لخطايانا، ونورًا عظيمًا للقيامة من بين الأموات، وحياة جديدة في ملكوت السموات]... هكذا نقول أن أعمال الروح القدس في حياة الكنيسة هي أشبه بعجلات إلهية قادرة أن ترفعنا إلى حضن الآب خلال تثبيتنا في المسيح يسوع ربنا.

نعود إلى فرعون لنجده يقول: "أنت قد أمرت"، مع أنه واضح من سياق الحديث أن فرعون لم يسمع عن يوسف أنه أمر بإحضار عائلته، لكن فرعون يحسب ما يصدر عنه كأمر لحساب يوسف وعائلته كأنما صدر من يوسف نفسه، وما يصدره يوسف من أمر لصالح مصر إنما كأنه قد صدر عن فرعون. أقول مع الفارق ما يهبنا الآب بأمره أنما يكون في المسيح، وما يهبه لنا المسيح إنما هو خلال الآب!

ما أعذب الكلمات التي قالها فرعون: "لا تحزن عيونكم على أثاثكم، لأن خيرات جميع أرض مصر لكم" [٢٠]. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لم تكن بالأمر السهل أن يترك إسرائيل الشيخ وبنوه وأحفاده وعبيده أرضهم بالرغم مما لحق بهم بسبب المجاعة ما لم يتطلعوا إلى الوعد "لأن خيرات جميع أرض مصر لكم". ونحن أيضًا لا نستطيع أن نتخلى عما لنا في أرض غربتنا ما لم يفتح الرب بصائرنا لنرى المجد الأبدي المعد لنا إن رحلت قلوبنا إلى هناك... فبولس الرسول إذ انفتحت عيناه الروحيتان لتعاينا هذا المجد قال: "ما كان لي ربحًا فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة، بل إني أحسب كل شيء أيضًا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت كل شيء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح" (في ٣: ٧، ٨). وجد القديس بولس في السيد المسيح اللؤلؤة كثيرة الثمن التي من أجلها باع كل شيء بفرح وسرور. أكتشف فيض الغنى فيه فترك كل شيء منطلقًا بقلبه وفكره وكل أحاسيسه، وجد فيه كل الشبع الحقيقي.

نعود إلى يوسف الذي في حب عجيب أراد أن يؤكد لهم صفحه عن الماضي، إذ وهبهم عجلات وحلل وثياب علامة الكرامة كما قدم لأخيه بنيامين ثلاثمائة من الفضة مع خمس حلل ثياب، وأرسل لهم عشرة حمير حمالة من الخيرات وعشر أتن حاملة حنطة وخبزًا وطعامًا لأبيه لأجل الطريق من كنعان إلى مصر... كما أوصاهم: "لا تتغاضبوا في الطريق" [٢٤]، إذ خشي أن يلوم أحدهم الآخر على ما سبق ففعلوه به، إنه ليس وقتًا للوم، بل للإسراع بالعودة إليه مع أبيهم ونسائهم وأولادهم وكل ما لهم.

ما هذه الثياب التي قدمها يوسف لاخوته إلاَّ الاتحاد بالسيد المسيح، فنكون معه وفيه، نختفي فيه فيصير لنا كثوب يستردنا أبديًا، وبه يحق لنا الدخول إلى حضن أبيه.

أما الفضة التي أعطاها لأخيه الأصغر فهي كلمة الإنجيل التي سلمها السيد المسيح لكنيسته أو للبشرية بكونها الأخ الأصغر، وكما سبق فرأينا في تفسيرنا سفر القضاة[436] أن رقم ٣٠٠ في اليونانية يمثل حرف تو "T" أي الصليب، وكأن الثلاثمائة من الفضة التي تسلمها بنيامين إنما هي قبول شركة الصلب والألم مع السيد المسيح خلال الكرازة بكلمة الإنجيل المفرحة. وأما الخمس حلل التي وهبها لبنيامين فهي تقديس حواسنا الخمس لتحمل سمات السيد المسيح، وتتقدس لحسابه بروحه القدوس.

إن كل ما وهبنا يوسف الحقيقي إنما هو "طعام لأجل الطريق" [٢٣]، أما ما وراء هذا الطعام فهو تمتع بأمور لا ينطق بها، أو كما يقول الرسول: "ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه" (١ كو ٢: ٩). ما نناله هنا هو عربون وزاد للطريق حتى نبلغ إلى المجد لننعم بكمال العطية الإلهية.


٣. إسرائيل يسمع عن يوسف:

"فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم وأخبروه قائلين: يوسف حيّ بعد، وهو متسلط على كل أرض مصر. فجمد قلبه لأنه لم يصدقهم، ثم كلموه بكل كلام يوسف الذي كلمهم به، وأبصر العجلات التي أرسلها يوسف لتحمله، فعاشت روح يعقوب أبيهم، فقال إسرائيل: كفى، يوسف ابني حيّ بعد، أذهب وأره قبل أن أموت" [ ٢٥-٢٨].


صعد الرجال من مصر وجاءوا إلى أبيهم الذي سمع عن خبر ابنه فجمدت كل أحاسيسه وعواطفه من هول الموقف، كان الموقف أكبر من أن يحتمله الشيخ يعقوب، حتى خيل إليه أن قلبه قد توقف عن النبض. إذ استفاق لنفسه شيئًا فشيئًا وتأكد من صدق الخبر برؤية للمركبات انتعشت نفسه من جديد وحسبها أعظم عطية إلهية أن يرى يوسف ابنه ويموت... لم تشغله المركبات ولا المجد الذي بلغه ابنه وإنما قال: "أذهب وأراه". وكأنه يعلن ما قاله المرتل: "من لي في السماء، معك لا أريد شيئًا على الأرض" (مز ٧٣: ٢٥).

وللعلامة أوريجانوس تعليق طويل على هذا النص تقتطف القليل منه مع تعليق من جانبنا:

أولاً: يعلق على عبارة "فصعدوا من مصر وجاءوا إلى كنعان" [٢٥]، موضحًا أن الكتاب لا يذكر النزول إلى أماكن مقدسة بل الصعود إليها والعكس أيضًا[437]. فإن كانت مصر قد تباركت بوجود يوسف فيها فصارت مصدر شبع، لكنها في العهد القديم كانت رمزًا للعالم أو لمحبته، لذلك يقال: "صعدوا من مصر"،  فمن يرتفع عن العالم نحو كنعان السماوية. ويمكننا القول بأن مصر قد صارت بركة لا بحلول يوسف فيها بل بمجيء السيد المسيح نفسه مع أمه والقديس يوسف إليها.

ثانيًا: يرى العلامة أوريجانوس أن كلمة "عاشت" في العبارة "عاشت روح يعقوب أبيهم، فقال إسرائيل: كفى يوسف ابني حيّ" جاءت في اللاتينية بمعنى "أضاءت أو استنارت". وكأن يعقوب بعيدًا عن يوسف كان كسراج ينطفئ استنار بالحياة إذ قيل "الحياة كانت نور الناس" (يو ١: ٤)[438].

يمكننا أن نقول بأن نفوسنا كيعقوب متى ابتعدت عن يوسف الحقيقي انطفأ الروح فيها (١ تس ٥: ١٩)، ومتى تعرفنا عليه أنه حيّ، أي قائم من الأموات تستنير نفوسنا في داخلنا ببهجة قيامته العاملة فينا.

إن كان يعقوب قد أشتاق أن يختم حياته برؤيته يوسف حيًا، إنما يمثل البشرية التي اشتاقت أن تتمتع برؤية السيد المسيح القائم من الأموات حتى ترقد على رجاء.

ثالثًا: يقول العلامة أوريجانوس أن إسرائيل دهش إذ سمع أن يوسف "متسلط على كل أرض مصر"، أي غالب كل خطية من شهوات وزنا ودنس[439].

ليتنا نتحد بيوسفنا الحقيقي فنحمل فيه كل غلبة، ونكون بالحق متسلطين على مدينة أو اثنين أو ثلاثة بل على كل جسدنا (مصرنا الرمزية)، به نضبط الفكر وبه نحيا مقدسين في الحواس والعواطف وبه نسلك بوقار!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 45 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +
 


30 هاتور 1736 ش
10 ديسمبر 2019 م

استشهاد القديس أكاكيوس بطريرك القسطنطينية
استشهاد القديس مكاريوس
تكريس بيعة القديسين قزمان ودميان وأخوتهما وأمهم
استشهاد القديس الراهب يوحنا القليوبى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك