تفسير سفر التكوين اصحاح 45 جـ1 Print

يوسف يعلن ذاته


قلنا أن اللقاء الأول كان يشير إلى تمتعنا بالشركة في آلام السيد المسيح وصلبه، واللقاء الثاني يشير إلى الدفن مع السيد المسيح، أما هذا اللقاء فيشير إلى قيامتنا مع السيد المسيح الذي أعلن ذاته لنا كواهب الحياة وغالب الموت.

١. يوسف يعلن ذاته                  ١-١٥

٢. دعوتهم لدخول مصر              ١٦-٢٤

٣. إسرائيل يسمع عن يوسف        ٢٥-٢
٨


١. يوسف يعلن ذاته:

"فلم يستطع يوسف أن يضبط نفسه لدى جميع الواقفين عنده، فصرخ: أخرجوا كل إنسان عني. فلم يقف أحد عنده حين عرّف يوسف إخوته بنفسه. فأطلق صوته بالبكاء، فسمع المصريون وسمع بيت فرعون. وقال يوسف لإخوته: أنا يوسف، أحيّ أبي بعد؟! فلم يستطع إخوته أن يجيبوه لأنهم ارتاعوا منه" [١-٣].

إذ روى يهوذا الحديث الذي دار بينه وبين أبيه إسرائيل، من خلاله استشف كيف ترك غياب يوسف أثرًا عميقًا في نفس أبيه لن يمكن انتزاعه، وأن إسرائيل أباه قد تعلقت نفسه ببنيامين حتى قدم يهوذا نفسه فدية عوضًا عن بنيامين كي لا يرى أباه يصيبه شر بسبب عدم رجوع بنيامين... أمام هذه المشاعر مع الحنين الملتهب في قلب يوسف نحو أبيه لم يحتمل الموقف، حتى صرخ: أخرجوا كل إنسان عني، وهنا يعلن يوسف نفسه لإخوته وقد انفجرت عيناه بالدموع وصار يبكي بصوتٍ عالٍ سمعه المصريون في الخارج!

كان يوسف يضبط نفسه في اللقاءين السابقين، وكانت أحشاؤه تلتهب حبًا وحنينًا وكان يبكي من وراء اخوته... أما الآن فلم يستطع أن يخفي مشاعره، ولم يقدر إلاَّ أن يعلن ذاته بعد إخراج الغرباء.

كان اللقاء الأول في حضرة الكثيرين، والثاني أيضًا، أما الثالث فلم يعلن يوسف ذاته إلاَّ بعد أن أخرج الغرباء. هكذا تحقق اللقاء الأول مع السيد المسيح عند الصليب أمام الجميع وشهد لكل أحداث الصلب، وأيضًا في الدفن إذ كان الجند حول القبر، أما في القيامة فلم يعلن ذاته إلاَّ لأحبائه، الذين يشتاقون إلى الحياة المقامة. بمعنى آخر تحقق الصلب وأيضًا الدفن علانية معلنًا الله لجميع البشر، أما سرّ القيامة فلا ينعم به إلاَّ الذين يرغبون في التعرف على أسراره والتمتع بحياته المقامة. فقيامة السيد المسيح إنما هي سرّ تجلي المسيح غالب الموت وإعلان ذاته في كنيسته التي تنعم بالحياة معه وتثبت فيه.

يقول الكتاب: "فسمع المصريون وسمع بيت فرعون"... سمعوا صوت البكاء مع صرخة يوسف لكنهم لم يفهموا ما يحدث في الداخل: هل هو بكاء الفرح أم الدهشة أم الحزن؟! لقد كانوا كالحراس عند القبر شاهدوا بهاءً شديدًا وأحسوا بالزلزلة لكنهم لم يكونوا قادرين على معرفة سرّ قيامة السيد المسيح ولا قبوله فيهم، إذ هم في الخارج! أقول إنهم كانوا كالمرافقين لشاول الطرسوسي الذين شاهدوا بهاءً شديدًا وصوتًا من السماء لكنهم لم ينعموا بفهم صوت القائم من الأموات ولا عاينوه... إنما كان اللقاء مع شاول وحده.

"قال يوسف لإخوته: أنا يوسف"... وكأنه يرمز إلى السيد المسيح الذي قال من السماء: "أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن ترفس مناخس" (أع ٩: ٥). وكما ارتاع إخوة يوسف من هذا اللقاء، ارتاع أيضًا شاول وتحير!

ليتنا نسمع صوت يوسفنا الذي بعناه بخطايانا: أنا يوسف أخوكم الذي أحببتكم وقدمت لكم كل حنو، فبعتموني بفضة غاشة! أنا يوسف الذي دفعتموني إلى المذلة... "لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا، لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم" [٥]. بعناه بالفضة الغاشة، فإذا به يُصلب ليهبنا حياة أبدية.

أقول ليتنا لا نخاف من اللقاء مع ربنا يسوع القائم من الأموات فإنه رقيق غاية الرقة حتى في عتابه معنا!

إذ أعلن ذاته لهم، قال: "أحيّ أبي بعد؟!" [٣]. لقد عرف منهم قبلاً أنه حيّ، لكنه يسأل في دهشة، وكأنه يقول: كيف احتمل أبي التجربة؟! ألعله ينتظر مترجيًا أن يراني إنما ليكشف لنا أن ما يشغل فكر يوسفنا الجديد حين نلتقي به خلال القيامة هو تقديم ذبيحته الكفارية طاعة للآب الذي هو "حيّ" ويشتاق أن يهب حياة لكل إنسان.

"فلم يستطع إخوته أن يجيبوه لأنهم ارتاعوا منه" [٣]. ما هو سرّ خوفهم؟ لقد رأوا يوسف كمن قد مات وقام! لم يكونوا يتوقعون رؤية أخيهم بعد، خاصة في هذا المجد العظيم. ولعلهم تذكروا أحلام يوسف التي استهانوا بها وسخروا بها، واليوم تتحقق في أروع صورة! أو لعلهم حسبوا أنفسهم قد وقعوا في فم الأسد، فالذي ألقوا به في الموت بلا رحمة قد قام فجأة يحمل السلطان!

في رقة عجيبة أراد يوسف أن ينزع كل خوف عنهم، إذ قال لهم: "تقدموا إليّ" [٤]. لعلهم من هول الموقف وشدة اضطرابهم قد تراجعوا إلى الوراء... لكن يوسف العذب في حنو يستدعيهم: "تقدموا إليّ". بالخطية نصير بعيدين عن يوسفنا، لكننا إذ نسمع صوته ونقبل عمل قيامته فينا نقترب إليه، وكما يقول الرسول بولس: "ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذي كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح" (أف ٢: ١٣).

ولكي يدفعهم للاقتراب إليه لا بأجسادهم فقط وإنما بكل قلوبهم، قال لهم: "والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا، لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم... فالآن ليس أنتم أرسلتموني إلى هنا بل الله" [٥-٨]. إن كان قد كشف لهم عن إثمهم بقوله: " أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر" [٤]، لكن بسرعة قدم لهم الدواء، فقد استخدم الله حتى هذا الشر لخيره وخيرهم، فقد انقضى عامان على المجاعة وتتبقى خمسة أعوام، والآن أرسله الله لإنقاذهم طوال هذه الأعوام القاسية حتى لا يموتوا. بنفس الفكر يعلن السيد المسيح لخاصته أنهم وإن باعوه وأسلموه للموت فقد انقضى على العالم عامان جوع، ويبقى العالم جائعًا خمسة أعوام حتى يأتي انقضاء الدهر. لقد عال كلمة الله العالم في العهد القديم والآن يعولهم في العهد الجديد حتى تعبر مجاعة الحياة الزمنية وندخل إلى كمال الشبع الأبدي.

ما أجمل أن نلتمس خطة الله وتدبيره إذ يحول كل الأمور للخير، حتى وإن أراد إخوتنا الخلاص منا ببيعنا إلى مصر.

يقول أيضًا: "هوذا قد جعلني أبًا لفرعون وسيدًا لكل بيته ومتسلطًا على كل أرض مصر" [٨]. قديمًا كان فرعون يدعو الوزير الأول أبًا له، إذ يترك له تدبير كل أمور الدولة كما يسلم الابن حياته في يديّ أبيه. هذا وإن كان فرعون يمثل العالم الأممي الدولة كما يسلم الابن حياته في يديّ أبيه. هذا وإن كان فرعون يمثل العلم الأممي في ذلك الحين، فقد صار السيد المسيح أبًا للأمم وسيدًا على كل حياتهم ومتسلطًا على أجسادهم (كل الأرض) كما على أرواحهم. هكذا يهتم يوسف الحقيقي بجماعة الأمم الغرباء بضمهم إليه كأعضاء جسده.

الآن إذ نزع يوسف عنهم الخوف سألهم أن يسرعوا إليه بأبيه: "أسرعوا اصعدوا إلى أبي وقولوا له: "هكذا يقول ابنك يوسف قد جعلني الله سيدًا لكل أرض مصر، أنزل إليّ لا تقف. فتسكن في أرض جاسان وتكون قريبًا مني أنت وبنوك وبنوا بنيك وغنمك وبقرك وكل ما لك، وأعولك هناك لأنه يكون أيضًا خمس سنين جوعًا لئلا تفتقر أنت وبنوك وكل مالك... وتخبرون أبي بكل مجدي في مصر" [٩–١٣].

لم يكن يوسف يفكر في الماضي بمنظار بشري سقيم، وإنما ببصيرة روحية هي في الحقيقة عطية إلهية، فعوض توبيخ اخوته على ما ارتكبوه في حقه ظلمًا وما سببوه له من متاعب طوال السنوات الماضية، رأى يدّ الله القديرة وخطته الفائقة لخلاصه وخلاص أبيه وإخوته وأبنائهم من الموت. لم يجد وقتًا للحديث بل أراد أن يكرم الكل بالعمل الجاد، قائلاً: "أسرعوا اصعدوا إلى أبي"، وسألهم أن يقولوا لأبيه: "انزل إليّ لا تقف! إنه ليس وقت للكلام بل للعمل والخلاص من موت يتعرض له العالم لخمس سنوات قادمة!

أما أرض جاسان التي أختارها يوسف لأبيه واخوته وكل أولادهم، وهي تقع شمال شرقي الدلتا، مكانها الآن محافظة الشرقية، تسمى أيضًا أرض رعمسيس (تك ٤٧: ١١). ومن أجود الأراضي، كانت أرضًا للرعي وقد أقام بها إسرائيل في أيام يوسف يرعون غنم فرعون وأغنامهم، وبقي إسرائيل بها حتى وقت الضيقة.

أخيرًا فقد حسب المجد الذي له هو لأبيه واخوته، إذ يقول لهم: "وتخبرون أبي بكل مجدي في مصر" [١٣]. انه على عكس كثيرين حينما يغتنون أو ينالون كرامة يتجاهلون عائلاتهم ويتشامخون عليهم. لقد شعر يوسف أن ما قد بلغ إليه لا فضل له فيه إنما هو عمل الله من أجل أبيه واخوته لكي يتمجدوا ويحيوا. وبهذا صار صورة للسيد للمسيح الذي ترك مجده لأجلنا وعاد فتمجد بالمجد الذي له من قبل إنشاء العالم (يو ١٧: ٥) لكي يرفعنا معه في مجده، كورثة للميراث.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 45 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +