إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التكوين اصحاح 25 جـ2 PDF Print Email

4. ميلاد عيسو ويعقوب:

يروى لنا الكتاب المقدس أن إسحق تزوج في سن الأربعين من رفقة بنت بتوئيل الأرامي، وإذ كانت عاقرًا صلى لأجلها إسحق، فاستجاب له الرب وحبلت رفقة امرأته بعد حوالي 20 عامًا وإذ كان في أحشائها جنينان تزاحما معًا فقالت: "إن كان هكذا فلماذا أنا؟" [٢٢].

كان تزاحمهما عنيفًا حتى جاءت في بعض الترجمات "تصارعًا"، وقد سبب ذلك آلامًا شديدة لرفقة خشيت على أثرها أن تموت أو يموت الجنينان، لذا قالت: "إن كان هكذا فلماذا أنا؟"، بمعنى إن كان هذا حال الجنينين فما الحاجة لهذا الحمل أو ما لحياتي من طعم بعد؟!

هذا الصراع بين عيسو ويعقوب ظهر وهما بعد جنينان وكأن الأحشاء الواحدة لم تحتملهما معًا، وقد تجسم بالأكثر بعد ولادتهما، وتزايد جدًا بين نسلهما: إسرائيل وأدوم. ويرى بعض الآباء في هذا الصراع صورة للصراع المستمر بين الشر والخير حتى في داخل أحشاء الكنيسة. يقول الأب قيصريوس: [تود النفوس الصالحة أن تغلب الشر، لكن الأشرار يشتاقون إلى تحطيم الأبرار. رغبة الصالحين هي إصلاح الأشرار، أما الأشرار فيسمعون لتحطيم الأبرار... الأعضاء التي في الكنيسة الجامعة وتنتمي لعيسو هي التي تميل إلى حب امتلاك الأرضيات، تحب الأرض وتشتهيها وتضع كل رجائها فيها. أيضًا الأعضاء التي ترغب في خدمة الله بقصد النمو في الكرامات الزمنية أو التمتع بمنافع مادية فهي تنتمي لعيسو أي للسعادة الأرضية. ففي عيسو تفهم النفوس الجسدانية أما النفوس الروحية فتفهم في يعقوب[348]].

إذ شعرت رفقة بالآلام وضاقت نفسها جدًا " مضت لتسأل الرب" [22]. بمعنى أنها كرست وقتًا أطول للصلاة ربما في مخدعها، تسأل الرب أن يعطيها سلامًا ويكشف لها الأمر. ويرى العلامة أوريجانوس أن كلمة "مضت" لا تعني تحركًا ماديًا ملموسًا، إذ يقول: [أين ذهبت رفقة لتسأل الرب؟... ألا يوجد الله في كل مكان؟! ألم يقل بنفسه: "أما أملأ أنا السموات والأرض؟!" (إر 23: 24). إذن أين ذهبت رفقة؟ لست أظن أنها ذهبت موضعًا آخر، لكنها عبرت من حياة إلى حياة أخرى، ومن عمل إلى عمل آخر، مما هو جيد إلى ما هو أفضل، تقدمت من المهم إلى الأهم، ومن القداسة إلى قداسة أعظم[349]]. بمعنى آخر إن أردنا الله أن يسمع لنا فلنذهب لنسأل الرب بالانطلاق نحو حياة أفضل والسلوك حسبما يرضيه فيسمع لنا.

كانت إجابة الرب لها: "في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب، وكبير يُستعبد لصغير" [٢٣]. كشف لها الرب سر المصارعة، إذ حملت في داخلها شعبين، أحدهما ينشأ عن الطفل الأصغر - يعقوب - لكنه يقوى على الآخر روحيًا، ويكون سيدًا له... أما سر القوة والسيادة فهو قبول وعد الله والتمتع بالبركة الإلهية، فيخرج من صلبه الأنبياء، ومن نسله يتجسد كلمة الله.

الأكبر هو البكر جسديًا لكنه بسبب فساد قلبه يخسر بكوريته وبركته، الأصغر بسبب جهاده واشتياقاته الروحية بإيمان ينعم ببكورية الروح ويتمتع بالبركة.

ويرى بعض الآباء في هذه العبارة الإلهية إشارة إلى كنيسة العهد الجديد، التي إن قورنت باليهود في معرفتها بالله تحسب الأصغر، إذ تعرفت عليه في آخر الأزمنة، لكنها صارت الأقوى روحيًا اغتصب منهم باكورة الروح وسحبت النبوات والعهود والمواعيد الإلهية والشرائع السماوية لحساب أبنائها. وكما يقول الأب قيصريوس: [الشعب الأكبر والأقدم هم اليهود الذين يخدمون الشعب الأصغر أي يخدمون المسيحيين. فقد عرف اليهود كخدام للمسيحيين إذ حملوا لهم الشريعة الإلهية في العالم لتعليم الأمم[350]]. يقول القديس أغسطينوس: [أنتم يعقوب الشعب الأصغر الذي يخدمه الشعب الأكبر[351]]، وأيضًا: [لقد تحقق هذا الآن أيها الاخوة، إذ يخدمنا اليهود بكونهم حاملين قمطرنا (شنطة الكتب). نحن ندرس وهم يحملون لنا كتبنا[352]].

ويقدم لنا العلامة أوريجانوس نفس الفكر وإن كان يضيف إليه تفسيرًا آخر رمزيًا يمس حياتنا الداخلية إذ يرى كل نفس أشبه برفقة تحمل في داخلها شعبين، شعب الفضائل يصارع مع شعب الرذائل في أعماق النفس، إذ يقول: [أعتقد أنه يمكن القول بأنه يوجد في كل أحد أمتان أو شعبان، فإن كان يوجد فينا شعب الفضيلة فانه يوجد أيضًا مثله شعب الرذيلة، لأنه من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنى، فسق، شهادة زور، تجديف (مت 15: 19)، وأيضًا يخرج منه بطر وأمثال هذه (غل 5: 20). ها أنتم ترون كيف أن الشعب الشرير فينا كبير. لكننا قد تأهلنا للنطق بما يقول القديسون: "هكذا كنا قدامك يارب حبلنا تلوينا، كأننا ولدنا ريحًا. لم نصنع خلاصًا في الأرض" (إش 26: 18). يوجد أيضًا شعب آخر هو جيل روحيّ، لأن "ثمر الروح فهي: محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان" (غل 5: 22). تجدون فينا هذا الشعب الآخر، وهو صغير أما الأول فكبير. الأشرار دائمًا كثيرون بالنسبة للأبرار، الرذيلة أكثر من الفضيلة. لكننا إن تشبهنا برفقة وكان لنا إسحق أي كلمة الله (عريسًا)، يقوى شعب على شعب، والكبير يُستعبد للصغير، فيخدم الجسد الروح، وتتراجع الرذائل أمام الفضائل[353]].

نعود إلى رفقة التي إذ كملت أيام ولادتها "خرج الأول أحمرًا، كله كفروة شعر فدعوا إسمه عيسو، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب، وكان إسحق ابن ستين سنة لما ولدتهما" [25-26].

دُعي الأول عيسو أي (كثير الشعر أو خشن) لأن جسمه كان مغطى بالشعر، ودُعي الأصغر يعقوب إذ كان ممسكًا بعقْب أخيه، وقد بقى كل عمره يتعقبه ليختلس منه البكورية والبركة.

يحمل هذان الطفلان رمزًا للإنسان الجسدي والإنسان الروحيّ، الأول مشعر أي كثير الشعر إشارة إلى ارتباطه بالجسد، يحب الجسديات ويعيش لأجلها. وقد دعي أيضًا "أدوم" من كلمة "دم" لأنه كان أحمر اللون... وكان يعيش كصياد محبًا لسفك الدماء وعنيفًا هذا ما اتسم به عيسو أو أدوم وأيضًا نسله "بنو آدوم"، إذ كانوا أرضيين في فكرهم قساة في تصرفاتهم، محبين لسفك الدم. أما يعقوب فيرمز للإنسان الروحي الذي يتعقب الكل لأجل اقتناء الأبديات. انه إنسان مصارع ومجاهد من أجل الروحيات، وكما يقول القديس جيروم: ["يعقوب" معناها (متعقب) أي شخص يبقى مصارًا على الدوام[354]].

كان عيسو رجل البرية محبًا للصيد، أما يعقوب فكان إنسان كاملاً يسكن الخيام [٢٧]. وقد أحب إسحق عيسو بسبب ما يقدمه له من صيد، أما رفقة فوجدت في يعقوب إنسانًا وديعًا تستريح له.
5. يعقوب يشتري البكورية:

ظهر عيسو كإنسان جسدي إذ باع بكوريته لأخيه يعقوب من أجل طبق عدس أحمر، وبسبب ذلك دعي إسمه أدوم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وقد ظهر استهتاره من قوله: "ها أنا ماضٍ إلى الموت فلماذا لي البكورية؟!" [٣٢]، ويعلق الكتاب: "واحتقر عيسو البكورية" [٣٤]... أما يعقوب وإن كان قد استغل إعياء أخيه وساومه في أمر البكورية، لكنه كإنسان روحيّ لم يبع طبق العدس بصيد مادي أو مال بل باقتناء البكورية. إن كان عيسو يمثل الإنسان المستهتر الذي يفرط في النعم الروحية والأمجاد الأبدية من أجل لقمة العيش وشهوات الجسد فإن يعقوب يمثل الإنسان المحب للروحيات.

صاحب البكورية يمثل رئيس العائلة الذي يرث عن أبيه حق ممارسة العمل الكهنوتي، إن صح هذا التعبير، فهو الذي يقدم الذبائح عن الأسرة... لهذا خرج من صلب يعقوب سبط لاوي الذي قام بالدور الكهنوتي.

يقول القديس أغسطينوس على سقوط عيسو انه ليس بسبب طبق العدس في ذاته إنما بسبب استهتاره، إذ يقول: [لكي يجعلنا نعرف أن الخطأ لا يكمن في خليقة الله بل في العصيان العنيد والشهوة المفرطة فإن الإنسان الأول لم يجد الموت في لحم خنزير بل في تفاحة (تك 3: 6)؛ وليس بسبب أكلة طيور بل بطبق عدس خسر عيسو بكوريته[355]].

إن كنا ننعم نحن بالبكورية باتحادنا مع الله في ابنه البكر، ليتنا لا نستهين بها من أجل لقمة العيش أو مباهج الجسد، بل نبيع كل شيء لنقتني البكر في حياتنا.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +
 


2 كيهك 1736 ش
12 ديسمبر 2019 م

نياحة القديس اباهور الراهب
نياحة القديس هرمينا السائح

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك