تفسير سفر التكوين اصحاح 25 جـ1 Print

عبور إبراهيم

في هذا الأصحاح يسجل لنا الوحيّ الإلهي عبور إبراهيم عن هذا العالم بعدما تزوج قطورة وانجب أبناءً كثيرين لكنه وإن قدم عطايا لكل ابن من أبنائه وهب الميراث كله لابنه إسحق، سلمه رجاءه في الخلاص وتمتعه بالميثاق الإلهي،  ليسلم إسحق بدوره ذات الميراث لابنه يعقوب.

1. زواج إبراهيم بقطورة             1-6

2. إبراهيم يسلم الروح               7-11

3. مواليد إسماعيل                   12-18

4. ميلاد عيسو ويعقوب              19-26

5. يعقوب يشترى البكورية           27-34
1. زواج إبراهيم بقطورة:

تزوج إبراهيم بقطورة بعد موت امرأته سارة وأنجب أبناءً صاروا رؤساء أمم، لكنهم لم ينالوا ما ناله إسحق، إذ يقول الكتاب: "وأعطى إبراهيم إسحق كل ما كان له، وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحق ابنه شرقًا إلى أرض المشرق وهو بعد حيّ" [٦]. لم يترك إبراهيم أولاده من السراري بلا عطايا، لكنه صرفهم عن ابنه إسحق الذي تمتع بكل ما كان لأبيه: أعطاه إيمانه الحيّ وسلمه المواعيد وبعث فيه روح الرجاء بالخلاص الإلهي الخ... هذا هو التقليد (التسليم) الكنسي الذي ننعم به كميراث حيّ نعيشه.

مات إبراهيم لكنه لم يخسر ما قد جمعه في الرب إذ أودعه في قلب ابنه إسحق ليحمل ذات فكرة ويكون له ذات الإيمان العملي في الرب. بهذا وإن مات إبراهيم بالجسد لكنه يتهلل من أجل ما ناله ابنه.

ليتنا لا نكون كأبناء السراري نطلب من أبينا عطايا مادية إنما لنكن كإسحق ابن الموعد ننعم بكل ما في قلب أبينا، فنعيش أيامنا على الأرض كأولاد الله حاملين الغنى الروحيّ الذي لا يستطيع أحد أن يسلبه منا.

نعود إلى "قطورة" التي تزوجها إبراهيم في شيخوخته؛ فإن كلمة "قطورة" في رأى العلامة أوريجانوس[344]  تعني (رائحة ذكية)، وان إبراهيم يرمز للمؤمن وقد انطفأ جسده وكأنه يمارس إماتة الأعضاء (كو 3: 5)، أي تموت شهوات الجسد لينطلق الجسد مقدسًا في الرب حاملاً رائحة المسيح الذكية، فنقول: "لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون، لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة، ومن هو كفء لهذه الأمور؟!" (2 كو 2: 15، 16).

يرى البعض في زواج إبراهيم من قطورة التي تعني (رائحة ذكية) بعد موت سارة نبوة إلى كنيسة العهد الجديد الحاملة لرائحة المسيح الذكية بعدما فقد اليهود (سارة) حياتهم برفضهم للإيمان بالسيد المسيح مخلص العالم.
2. إبراهيم يُسلمَ الروح:

"وهذه أيام سني حياة إبراهيم التي عاشها: مائه وخمس وسبعون سنة، وأسلم إبراهيم روحه ومات بشيبة صالحة شيخًا وشبعان أيامًا وانضم إلى قومه" [7-8].

إن كان إبراهيم قد مات لكنه حيّ بالله، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [بالنسبة لموضوع موت إبراهيم نضيف ما حواه الإنجيل من كلمات الرب: "وأما من جهة الأموات أنهم يقومون، أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلاً: أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب؟! ليس هو إله أموات بل إله أحياء (مر 12: 26)، "لأن الجميع عنده أحياء" (لو 20: 37). إننا نشتهي موتًا كهذا: "نموت عن الخطايا فنحيا للبر" (1 بط 2: 24). إذ يليق بنا أن نفهم موت إبراهيم هكذا، أن أحضانه تتسع لتضم كل القديسين الذين يأتون من أربع جهات العالم، إذ تحملهم الملائكة إلى حضن إبراهيم (لو 16: 22)[345]].

بمعنى آخر يمكننا القول أن الموت لم يحطم إبراهيم أبانا وإنما بالعكس جعل أحضانه متسعة لتُضم فيها نفوس القديسين عبر العصور!

أسلم إبراهيم روحه وانضم إلى قومه لكي يتقبل في الرب أرواح أبنائه في الإيمان ويدخل معهم إلى الفردوس في المسيح يسوع ربنا، بعد أن تمتع بشيبة صالحة وكان شبعان أيامًا، وكما يقول القديس جيروم: [كانت حياته كلها أيامًا بلا ليال[346]].

انضم إبراهيم إلى قومه، إذ انطلقت نفسه لتحيا مع آبائه وأجداده، أما جسده فقد دفن مع جثمان سارة امرأته في مغارة المكفيلة التي اشتراها من بنى حث.

"وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك إسحق ابنه، وسكن إسحق عند بئر لحيّ رئي" [١١]. هذه هي البركة التي نالها إسحق؛ أنه سكن عند بئر الرؤيا. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [استحق إسحق أن يستمر في حالة رؤيا ويسكن هناك. ونحن أيضًا إذا استنرنا برحمة ربنا يمكننا أن نفهم بعض الرؤى وندركها، وننعم بإشعاعات رؤيا ربنا في عقولنا، عندئذ نقول أننا قضينا يومًا بالقرب من بئر الرؤيا. إن استطعت أن أقتنى شيئًا من الكتاب الإلهي حسب الروح لا الحرف، يمكنني القول إنني قضيت يومين بجوار بئر الرؤيا. فأنا لا أستطيع أن أفهم كل الكتاب الإلهي، لكنني على الأقل أداوم على سماعه وألهج فيه ليلاً ونهارًا (مز 1: 2)، ولا أتوقف قط عن البحث فيه والتأمل مصليًا للرب وطالبًا منه أن يهبني الفهم، إذ هو واهب العلم للإنسان، بهذا يمكنني القول أني أنا أيضًا أسكن بالقرب من بئر الرؤيا. أما من يسلك بالعكس فلا يسمع لكلمات ربنا في كنيسته ولا يأتي إلى الكنيسة إلاَّ في الأعياد وحدها، فمثل هؤلاء لا يسكنون عند بئر الرؤيا ولا يشربون من بئر الرؤيا. إذن أسرعوا وجاهدوا لكي تحل عليكم بركة ربنا فتجعلكم قادرين على السكنى بالقرب من بئر الرؤيا. ليفتح الرب أعينكم لتتأملوا بئر الرؤيا وتأخذون منها ماء الحياة (يو 4: 14)، ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية. اتركوني أريكم من الذي لا يبتعد عن بئر الرؤيا قط: بولس الرسول القائل: "ونحن جميعًا ناظرين مجد ربنا" (2 كو 3: 18). وأنتم أيضًا إن تعمقتم في الرؤيا على الدوام وطلبتم ما هو لنفعكم باستمرار، وتأملتم فيها بغير انقطاع تنالون من الرب بركة وتسكنون عند البئر، فيظهر لكم يسوع في الطريق ويفتح لكم الكتب لتقولوا: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32)، إذ يهتم الله بالذين يلهجون في ناموسه نهارًا وليلاً[347]].
3. مواليد إسماعيل:

ولد إسماعيل اثنى عشر ابنًا صاروا رؤساء لقبائل أو لشعوب كوعد الله لإبراهيم (17: 20). فإن الله لم ينس إسماعيل وأولاده، وإن كان لم ينعم بما ناله إسحق الذي جاء السيد المسيح من نسله متجسدًا، لكنه يذكر نسل إسماعيل حيث يأتي السيد ليضم كل الشعوب والأمم ويجعلهم واحدًا فيه.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +