تفسير سفر التكوين اصحاح 24 جـ1 Print

زواج اسحق

حمل تتابع الأحداث صورة رمزية لأحداث الخلاص، فإن كان ذبح إسحق بكر سارة يشير إلى صليب المسيح وقيامته، فإن موت أمه سارة يحمل من جانب رفض الأمة اليهودية التي أنجبت السيد المسيح حسب الجسد ولم تقبل الإيمان به، أما إرسال كبير بيت إبراهيم لإحضار رفقة زوجة لإسحق من مدينة ناحور بحاران فيشير إلى عمل الروح القدس الذي اجتذب الأمم من أرضهم الشريرة - عباد الأوثان - ليقيمها عروسًا لإسحق الحقيقي ربنا يسوع المسيح عوض سارة.

1. إرسالية كبير بيت إبراهيم                   1-9

2. في مدينة ناحور                            10-14

3. لقاء مع رفقة                              15-27

4. في بيت رفقة                               28-49

5. نجاح مهمة كبير بيت إبراهيم               50-60

6. رفقة زوجة إسحق                         61-67
1. إرسالية كبير بيت إبراهيم:


ماتت سارة وعمرها 127 عامًا، أما إبراهيم فكان قد بلغ 137 عامًا... ويبدو أنه بعد ثلاث سنوات من موت سارة استدعى إبراهيم عبده كبير بيته مدبر كل أمواله وسأله أو يضع يده تحت فخده ليحلف بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا يأخذ زوجة لابنه من نبات الكنعانيين الذين يسكن في وسطهم بل يذهب إلى عشيرته في منطقة ما بين النهرين (الميصة) ويأتي إليه بزوجة من عشيرته. سأله الرجل وإن رفضت المرأة أن تتبعه إلى هذه الأرض (كنعان) فهل يرجع بابنه إلى حيث عشيرته، فأجاب إبراهيم معلنًا إيمانه بالله الذي وعده بالأرض أنه يرسل ملاكه ليعد لابنه الزوجة، محذرًا الرجل من الرجوع بابنه إلى الأرض التي خرج منها إبراهيم.

ماذا يعني وضع اليد تحت فخذ إبراهيم ؟ يقول القديس أغسطينوس: [إنها تشير القسم بالمتجسد من نسله[332]]. وكأن إبراهيم قد تحدث بروح النبوة معلنًا أن الرب إله السماء وإله الأرض إنما يحمل جسدًا من صلبه.

خرج إبراهيم من أور الكلدانيين، من وسط عشيرته، ووضع في قلبه خلال طاعته للدعوة الإلهية ألا يرجع ثانية ولا يدفن فيها زوجته أو يرد إليها ابنه ليتزوج. حقًا لقد طلب أن يتزوج ابنه من عشيرته حتى لا يرتبط بكنعانية تسحب قلبه عن محبة الله وتشوه أفكاره وتفسدها، لكنه في إصرار رفض أن يذهب ابنه إلى هناك، مؤمنًا بأن الله الذي دعاه هو يرسل لابنه الزوجة التي تعينه في طريق الرب كما كانت سارة معينة له.

لم يهتم إبراهيم في اختيار زوجة لابنه أن تكون غنية أو جميلة إنما كان هدفه الأول أن تكون مقدسة ومؤمنة تعين ابنه في حياته الروحية ولا تكون عائقًا له في الطريق... لذلك أعطى الرب إسحق رفقة، امرأة جميلة المنظر والروح، كانت سرّ تعزية وفرح له كل أيام غربته.
2. في مدينة ناحور:

مدينة ناحور قريبة من حاران في شمال غربي الميصة. (ما بين النهرين)، عرفت في الوثائق الأشورية ووثائق مارى. لعل الاسم قد أخذ من ناحور جد إبراهيم (تك 11: 22-25) أو من أخيه جد رفقة (تك 11: 27-31)، أو من اسم القبيلة ككل. هذا وان ناحور يظهر كسلف لعدد من القبائل الآرامية (تك 22: 20-24) [333].

يقول الكتاب: "ثم أخذ العبد عشرة جمال من جمال مولاه ومضى وجميع خيرات مولاه في يده، فقام وذهب إلى آرام النهرين إلى مدينة ناحور، وأناخ الجمال خارج المدينة عند بئر الماء وقت المساء وقت خروج المستقيات، وقال: أيها الرب إله سيدي إبراهيم يسر ليَّ اليوم واصنع لطفًا إلى سيدي إبراهيم..." [10-12].

إن كان رئيس بيت إبراهيم يشير إلى الروح القدس الذي أرسله الابن وحيد الجنس من عند الآب، فقد جاءنا إلى حياتنا كما إلى مدينة ناحور لينطلق بنا من أرضنا على جمال سيدنا إلى أرضه، أي يحملنا إلى سمواته لنوجد مع العريس السماوي إلى الأبد.

إن كان رقم 10 يشير إلى الوصايا العشر، فإن الروح القدس يعمل فينا ليحملنا خلال الوصية الإلهية الروحية، مقدمًا لنا خلال "جميع الخيرات" أي غنى الروح وسلام العقل وشبع النفس حتى نقبل الروح فينا، منطلقًا بنا من مجدً إلى مجدً.

ربما رقم 10 أيضًا يشير إلى حياتنا الزمنية كما أن رقم 1000 يشير إلى حياتنا السماوية، فالروح القدس وهو منطلق بنا إلى أرض الموعد، أورشليم العليا، يقدم لنا في حياتنا الزمنية من الخيرات الأبدية ما نقدر أن نقبله وننعم به هنا كعربون للتمتع بالخيرات الأبدية في كمالها. إننا ننعم بنصيب من المهر لا بالمهر كله، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ أقام المسيح معنا عقدًا (زواجيًا) عين لي مهرًا، لا من المال بل بالدم، هذا المهر هو عربون الصالحات: "ما لم تره عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على بال إنسان" (1 كو 2: 9). عين لي الأمور التالية مهرًا: الخلود، تسبيح الملائكة، الخلاص من الموت، التحرر من الخطية، ميراث الملكوت العظيم، البر، التقديس، الخلاص من الشرور الحاضرة، اكتشاف البركات المقبلة. عظيم هو مهري!... جاء وأخذني، وعين لي مهري،  قائلاً: أعطيك غناي. هل فقدت الفردوس؟ أرده لك... ومع هذا لم يعطني المهر كله هنا: لماذا ؟ لكي أعطيه لك عندما تدخل الوضع الملوكي. هل أنت أتيت إليَّ؟ لا، بل أنا الذي جئت إليك.... لا لكي تمكث في موضعك، إنما آخذك معي، وأرجع بك. فلا تطلب منى المهر وأنت هنا في هذه الحياة، بل كن مملوءًا رجاءً وإيمانًا![334]].

يأتينا الروح القدس كما على عشرة جمال لكي يقدم للكنيسة من غنى الله ويسحبها على الدوام نحو السماء لتنعم بكمال المجد. والعجيب أن الرجل جاء إلى بئر الماء وقت المساء ليطلب لإسحق عروسًا. ما هذا البئر إلاَّ مياه المعمودية التي فيها يلتقي السيد المسيح بكنيسة كعروس له. وكما يقول الآب قيصريوس أسقف Arles: [لو أن الكنيسة لم تأت إلى مياه المعمودية لما ارتبطت بالمسيح[335]]. كما يقول: [انظروا أيها الاخوة خادم إسحق، فقد وجد رفقة عند البئر وبدورها وجدت رفقة إسحق عند البئر [٦٢]. فالمسيح لا يجد الكنيسة ولا الكنيسة تجد المسيح إلاَّ بسر المعمودية [336]].

ويرى العلامة أوريجانوس في البئر إشارة إلى الكتاب المقدس الذي فيه تلتقي النفس بعريسها، إذ يقول: [كانت رفقة تذهب إلى البئر كل يوم لتستقى ماءً فالتفت مع خادم إبراهيم وتزوجت باسحق... تعلموا أن تأتوا إلى بئر الكتاب كل يوم لتستقوا مياه الروح القدس بلا انقطاع[337]]، كما يقول: [أتريدون أن تخطبوا للمسيح؟ إنه يرسل لكم الخادم، أي الكلام الموحيّ به الذي بدونه لا تقدرون أن تنالوه ولا أن تتزوجوا به[338]].

نعود إلى كبير بيت إبراهيم فنراه كسيده يثق في الله كمدبر لكل الأمور، لهذا عندما بلغ البئر بدأ يصلى مسلمًا الأمر بين يدي الله، وبعد الاختيار نجده يقدم الشكر لله الذي أنجح طريقة [٤٨]. هذا الرجل كما قلت يشير إلى الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة في ملء الأزمنة ليقدسها عروسًا مقدسة للسيد المسيح، وإن كان البعض يرى في هذا الرجل رمزًا للرسل الذين جاءوا يكرزون بين الأمم لتقديمهم عروسًا للرب بالروح القدس العامل فيهم.]].



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 24 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +