إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصلاة هى تسليم الحياة لله ليدبرها بنفسه " لتكن مشيئتك "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التكوين اصحاح 22 جـ1 PDF Print Email

ذبح إسحق


إن كان نجم إبراهيم أب الآباء قد تلألأ في سماء الروح إنما من أجل إيمانه الذي رفعه فوق الأحداث، فكانت العطايا تزيده شكرًا لله دون تعلق بها، والضيقات تزكية أمام الكل... لقد عاش سنوات غربته سلسلة من النصرات غير المتقطعة. الآن إذ فرح مع امرأته سارة من أجل إسحق ابن الموعد اللذين قبلاه في شيخوختهما عطية إلهية فائقة. فقد طلبه الرب منه ذبيحة حب. وبقدر ما قست التجربة جدًا تمجد إبراهيم وإسحق ابنه، فصارا يمثلان صورة حية لعمل الله الخلاصي خلال ذبيحة الصليب وإعلان قيامة المسيا.

1. امتحان الله لإبراهيم               1-2

2. إسحق في الطريق                3-8

3. إقامة المذبح وتقديم الذبيحة       9-14

4. تجديد الوعد الإلهي                15-19

5. أولاد ناحور                       20-24
1. امتحان الله لإبراهيم:


إن كانت الكنيسة تعتز بيوم "الخميس الكبير" أو "خميس العهد" الذي فيه نذكر تقديم السيد المسيح ذبيحة العهد الجديد لتلاميذه قائمة على الصليب، لم تجد الكنيسة صورة أوضح من تقدمه إبراهيم إسحق ابنه محرقة للرب كصورة حية لعمل الصليب، حيث يقدم الآب ابنه فدية عن خلاص العالم، لهذا جاءت "قسمة قداس خميس العهد" منصبة على ذبح إسحق. وستبقى الأجيال كلها ترى في هذا العمل الإيماني مثلاً حيًا وفائقًا يكشف عن ذبيحة السيد المسيح.

يقول الكتاب: "وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له: يا إبراهيم. فقال: هأنذا. فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق، وإذهب  إلى أرض المريا واصعده هناك على أحد الجبال الذي أقول لك" [1-2].

امتحان الله لإبراهيم لا يعني عدم معرفة الله قلب إبراهيم، فإنه عارف بكل أسرارنا الداخلية، لكنه إنما سمح بالتجربة لكي يذكّيه أمام الكل ويعلن إيمانه التقوى الخفي، فيكون مثلا حيًا للآخرين. وكما يقول القديس أغسطينوس: [جُرب إبراهيم بتقديم ابنه الحبيب إسحق ليزكي طاعته الورعة، ويجعلها معلنة لا لله بل للعالم. ليست كل تجربة هي للومنا وإنما يمكن أن تكون لمدحنا[313]]. ويرى العلامة أوريجانوس أن هذه التجربة كشفت أعماق إبراهيم  وأفكاره الخفية من جهة إيمانه بالقيامة، إذ يقول: [بالروح عرف الرسول بولس - على ما أظن - عاطفة إبراهيم وأفكاره، معلنًا إياها بقوله: "بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مُجرب، قدم الذي قبل المواعيد وحيده، الذي قيل بإسحق يدعى لك نسل، إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات" (عب 11: 17). لقد سلمنا الرسول أفكار هذا الرجل المؤمن، إذ كانت أفكاره هكذا من جهة إسحق، وهذه هي أول مرة يظهر فيها الإيمان بالقيامة، فقد ترجى إبراهيم قيامة إسحق[314]]. هكذا كشفت التجربة عن قلب إبراهيم أب الآباء كإنسان يؤمن بالقيامة من الأموات.

إن كان إبراهيم قد دخل ليجرب أقسى تجربة يمكن أن يجتازها إنسان شيخ وهى تقديم الابن الوحيد المحبوب محرقة بيديه، فإن إبراهيم تمتع وسط التجربة برؤية ربنا يسوع المسيح قائمًا من الأموات خلال علامة معينة ملأت قلبه تهليلاً كقول الرب نفسه: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56). فإن كان بالإيمان انطلق بابنه نحو المذبح، فقد رجع من التجربة يحمل إسحق وكأنه قائم من الأموات، رمزًا للسيد المسيح الذبيح القائم من الأموات.

يبدأ الكتاب عرض التجربة بالقول: "وحدث بعد هذه الأمور" [١]، وكأن الله لم يسمح لإبراهيم بالتجربة إلاَّ بعد أن ظهر له في بلوطات ممرا وأكد له الوعد من جهة إسحق، وبعدما صنع ميثاقًا مع أبيمالك مظهرًا له كيف أعطاه مهابة ورهبة حتى أمام الملوك. بمعنى آخر أعده لها بطرق كثيرة، وكما يقول الرسول: "لكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13). هيأ قلبه وفكره وأعد كل حياته لقبول التجربة، كما رافقه أثناء التجربة أيضًا بطريقة خفية وكان سندًا له، وفي النهاية تجلى في حياته بطريقة أو أخرى. وهكذا مع كل تجربة يقوم الرب نفسه بمساندتنا قبل لتجربة وأثناءها وبعدها، حتى يحقق غايته فينا إن قبلنا عمله في حياتنا.

لماذا طلب الله من إبراهيم أن يقدم ابنه ذبيحة، مع أن الشريعة الموسوية فيما بعد حرمت الذبائح البشرية ؟

بلا شك كان الوثنيون يقدمون أبكارهم ذبائح لآلهتهم، وكانت هذه التقدمات لا تحمل حبًا من جانب مقدميها بقدر ما تكشف عن روح اليأس الذي يملأ قلوبهم، إذ كانوا يودون غفران خطاياهم بأي ثمن، كما كانوا يودون استرضاء آلهتهم المتعطشة إلى الدماء! لهذا فإن الله طالب إبراهيم خليله بهذه التقدمة ليعلن للوثنيين قلب إبراهيم المحب لله، إذ هو مستعد أن يقدم أثمن ما لديه، وفي نفس الوقت إذ قدم الله كبشًا عوض إسحق أعلن عدم قبوله الذبائح البشرية، ليس عن جفاف في محبة المؤمنين لله، وإنما في تقدير الله للإنسان، إذ لا يطلب سفك دمه وهلاكه! الله لا يطيق الذبائح البشرية، إذ هو محب للبشر، يشتهى حياتهم لا هلاكهم، مقدمًا ابنه الوحيد فديه عنهم، هذا الذي وإن صار إنسانًا لكنه وحده لا يقدر الموت أن يملك عليه ولا الفساد أن يقترب منه!

يقول القديس أغسطينوس: [لم يكن إبراهيم يؤمن قط بأن الله يقبل الذبائح البشرية ومع ذلك عندما دوى صوت الوصية الإلهية (بتقديم إسحق) أطاع بغير جدال. كان إبراهيم يستحق المديح إذ كان يؤمن تمامًا أنه إذ يقدم ابنه محرقة يقوم ثانية، كقول الرب له عندما كان إبراهيم غير راغب في تحقيق رغبة امرأته بطرد الجارية وابنها "بإسحق يدعى لك نسل" (21: 12)... لذلك إذ كان الأب متمسكًا بالوعد منذ البداية الذي يتحقق خلال هذا الابن الذي أمر الله بذبحه لم يشك قط أن ذاك الذي كان قبلاً لم يترج ولادته يمكن أن يقوم بعد تقديمه محرقه[315]]. بمعنى آخر أدرك إبراهيم الفارق بين تقديم ابنه ذبيحة وبين الذبائح البشرية التي كانت تقدم للأوثان. هو آمن بالله الذي وهبه إسحق بعدما كان رحم سارة مماتًا وحسب ولادته أشبه بقيامة  من الأموات فلا يصعب عليه أن يقيمه بعد تقدمته محرقة؛ أما الوثنيون فكانوا يقدمون أبكارهم استرضاءً لآلهتهم المحبة لسفك الدماء، يقدمونهم بلا رجاء!

أخيرًا طلب إليه أن يقدمه محرقة على أرض المريا في الموضع الذي يظهره له... ويرى البعض أن الجبل الذي أقام فيه إبراهيم المذبح ليقدم عليه ابنه هو بيدر أرونه اليبوسي (2 صم 24: 24،1 أي 21: 24)، أي في المكان الذي بُني عليه الهيكل حيث كانت الذبائح تقدم بلا انقطاع تنتظر مجيء الذبيحة الفريدة التي لحمل الله ربنا يسوع المسيح. وفي التقليد السامري أن أرض المريا في منطقة جبل جرزيم شمال أورشليم. ويقول الأب قيصريوس أسقف Arles أن جيروم الكاهن يؤكد خلال لقاءاته مع شيوخ اليهود أن السيد صُلب في ذات الموقع الذي فيه قُدم إسحق محرقة[316].

أما كلمة "مريا" فتعني (الرب راء أو معد)، حيث أعد الرب كبش المحرقة؛ وربما تعني (الرب معلم)... فقد علمنا عن الحب العملي خلال ذبيحة ابنه الوحيد!
2. إسحق في الطريق:

"فبكَّرَ إبراهيم صباحًا وشّد على حماره وأخذ اثنين من غلمانه ومعه إسحق ابنه وشقق حطبًا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله" [٣].


إذ سمع إبراهيم الأمر الإلهي مع ما بدا كمتناقض لمواعيده السابقة في طاعة قام لينفذ الأمر. انطلق للعمل "باكرًا" في الصباح دون تراخ من جانبه، وبغير جدال أو شك في مواعيد الله.

كان إبراهيم عجيبًا في طاعته كما كان ابنه أيضًا " الشاب " عجيبًا في استسلامه بين يدي أبيه... فقد أسرع إبراهيم للعمل حسب الأمر الإلهي وإسحق معه لا يعارضه في شيء.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عدم استشارة إبراهيم لزوجته سارة في هذا الأمر، بقوله: [إبراهيم الذي كانت له زوجة عجيبة عندما أراد تقديم ابنه أخفي ذلك عنها، مع أنه لم يكن يعلم ماذا حدث، لكنه قد صمم أن يقدم ابنه... إن كان لنا شخص عزيز لدينا كعضو في العائلة ليتنا لا نظهر له أعمال محبتنا ما لم تحتم الضرورة[317]].

أما عن دور إسحق الإيجابي بطاعته لأبيه في الرب فيعلق عليه القديس أمبروسيوس، قائلاً: [خاف إسحق الرب إذ كان بالحق ابن إبراهيم، فخضع لأبيه حتى لم يرد أن يرفض الموت حتى لا يخالف إرادة أبيه، يوسف أيضًا مع أنه حلم بأن الشمس والقمر والكواكب تسجد له مع ذلك خضع لإرادة أبيه في طاعة كاملة (تك 37: 12)[318]].

هكذا إذ كان إبراهيم مطيعًا للرب بحب فائق بلا جدال وهبه إسحق مطيعًا له بحب حقيقي بلا جدال، وكأن الله كافأ إبراهيم في ابنه قبل أن يمتعه بالمكافأة الأبدية.

والعجيب في إبراهيم إنه شقق الحطب في الصباح الباكر قبل أن يخرج، حتى لا يوجد عائق يمنعه عن تحقيق أمر الرب له. هذا الحطب إن كان يشير إلى الصليب الذي يعلق عليه إسحق الحقيقي، فإذ شققه إبراهيم بيديه قبل خروجه إنما يرمز لإعلانات الآب عن الصليب خلال الرموز والنبوات في العهد القديم قبل أن يحمله السيد المسيح، ويرتفع هو عليه كمحرقة! لقد كشف الله عن سر الصليب بطرق متنوعة وإن كانت عيون الكثيرين قد انطمست عن معاينته.

"وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد" [٤].

سار إبراهيم لا يومًا ولا يومين بل ثلاثة أيام حتى رأى الموضع من بعيد، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [أن اليوم الثالث إنما يشير إلى قيامة السيد المسيح، وكأن إبراهيم قد دخل مع الرب في القبر وعاش معه آلامه حتى انبثق نور قيامته في فجر الأحد (اليوم الثالث) فرفع عينيه وأبصر الموضع من بعيد. كانت عيناه قبلاً منخفضتين نسبيًا ومتذللتين، ربما حاربه العدو بسارة التي تركها الآن في الخيمة ولم يخبرها عن خروجه مع ابنه ليذبحه، ربما حاربه بابنه... لكن على أي الأحوال لم يتوقف إبراهيم عن السير في الطريق ثلاثة أيام، وكأنه ببني إسرائيل الذين طلب إليهم الرب أن يقدموا ذبيحة على مسيرة ثلاثة أيام (خر 5: 3)، إذ لا تقبل ذبيحة خارج دائرة قيامة ربنا يسوع المسيح. هكذا في اليوم الثالث رأى إبراهيم علامة القيامة بطريقة أو بأخرى فرفع عينيه وأبصر الموضع من بعيد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ما هو هذا الموضع إلا السيد المسيح نفسه الذي فيه يرى إسحق ابنه قائمًا من الموت معه وبه أيضًا!

سبق لنا الحديث عن سرّ الأيام الثلاثة[319] التي خلالها ننعم لا بذبيحة إسحق بل ذبيحة السيد المسيح القائم من الأموات. ويرى القديس أكليمنضس الإسكندري أن هذه الأيام الثلاثة التي يليق بنا أن نجتازها لنعاين الموضع من بعيد إنما هي: التطلع إلى الأمور الصالحة، شهوات النفس الحسنة، أدرك النفس للأمور الروحية. وكأن النفس لا تقدر أن تعاين سر ذبيحة الصليب ما لم تتطلع إلى الصالحات وتشتهيها في أعماقها وتدركها، أما الذي يفتح العينين لمعاينة هذا السر فهو السيد المسيح نفسه، إذ يقول: [تنفتح عينا الفهم بواسطة المعلم الذي قام من الأموات[320]].

هكذا وسط التجربة وبين ضغطات الألم، وعند كثرة الهموم، امتلأت نفس إبراهيم تعزية انفتاح بصيرته الداخلية في اليوم الثالث لمعاينة سرّ المصلوب القائم من الأموات، فتهلل في داخله إذ رأى يوم الرب (يو 8: 56). تحول أتون التجربة إلى ندى سماوي بظهور السيد المسيح المصلوب القائم من الأموات أمام بصيرة إبراهيم أب الآباء.

"فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما" [٥].

يقول الأب قيصريوس: [الخادمان اللذان أمرهما إبراهيم بالبقاء مع الأتان يشيران إلى الشعب اليهودي الذي لم يسطع أن يصعد ويبلغ إلى موضع الذبيحة، إذ لم يريدوا الإيمان بالمسيح. الآتان تشير إلى المجمع اليهودي، والكبش الموثق في الغابة بقرينه يبدو أنه يرمز إلى الرب، لأن المسيح أوثق بين الأشواك بقرون إذ علق على خشبة الصليب وسُمر بالصليب[321]].

لقد شاهد الغلامان إسحق ورأيا الخشب يشققه إبراهيم لكنهما لم يستطيعا الانطلاق إلى حيث قُدم إسحق ذبيحة، وكأنهما بالشعب اليهودي الذي رأى السيد حسب الجسد ونظر الصليب لكنه لم يقدر إدراك قوة الصليب. وكما يقول الرسول بولس: "نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة... لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (1 كو 1: 23، 25).

لقد جلس الغلامان مع الحمار ولم ينطلقا مع إبراهيم وإسحق لينظرا سرّ الله، وهكذا كل إنسان يرتبط بالفكر الترابي ويحيا لحساب بطنه وشهوات جسده يكون كمن يجلس مع الحمار، لا يقدر أن ينطلق لمعرفة أسرار الله الروحية التي ترفعه إلى السمويات.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +
 


4 هاتور 1736 ش
14 نوفمبر 2019 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك