إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بدلاً من أن تجرح الناس حاول أن تكسبهم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التكوين اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email

3. إنقاذ لوط وعائلته:

أعلن الملاكان خطة الله الخلاصية وطلبا من لوط أن يخرج ومعه زوجته وبنتاه وأصهاره، لكنه كان "كمازح في أعين أصهاره" [١٤]. كان يمكن لأصهاره أن يخلصوا حتى في اللحظات الأخيرة لكنه في كل جيل يرى الأشرار في إنذارات الله هزلاً ومزاجًا، يستخفون بها. أخيرًا إذ طلع الفجر كان الملاكان يعجلان لوطًا قائلين: قم خذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة... كانت دعوة الملاكين له في الفجر "قم". وكأنها دعوة السماء لنا أن نقوم مع السيد المسيح القائم من الأموات في فجر الأحد، تقوم نفوسنا ومعها أجسادنا (امرأته) وأيضًا تقوم طاقاتنا ومواهبنا (ابنتاه) بتقديسها في الرب.

كان لوط متوانيًا أو متباطئًا ربما بسبب بناته المتزوجات ورجالهن وبسبب بيته وممتلكاته... لكن الملاكين أخرجاه مع زوجته خارج المدينة وسألاهم أن يهربوا لحياتهم.

لقد طلب الملاكان من لوط أن يهرب إلى الجبل، لكنه لم يكن قادرًا على الانطلاق إلى الجبل فسأل أن يهرب إلى مدينة صغيرة قريبة منه دعيت صوغر، لأنها كانت أصغر مدن الدائرة، وقد كان اسمها قبلاً "بالع"، يغلب أنها على الشاطئ الشرقي لبحيرة لوط. لقد قبل الله طلبه ولم يلزمه بالذهاب إلى الجبل بل إلى مدينة صوغر، لكن لوطًا فقد في هذا الكثير! الله يريدنا أن نهرب إلى الجبل المقدس، لنرفع بروحه القدوس إلى القمم العالية، ونحن في ضعفنا نكتفي بصوغر!

يتحدث القديس جيروم عن صوغر التي اختارها لوط لنفسه، فيقول: [دُعيت صوغر بسبب الإيمان الصغير الذي كان للوط. فإنه وإن كان قد عجز عن إنقاذ الأماكن العظيمة لكنه على الأقل حفظ الأماكن الصغيرة. فإن الذي ذهب بعيدًا ليعيش في عمورة لم يستطيع أن يبلغ إلى أرض الظهيرة التي بلغها إبراهيم خليل الله (يع 2: 23) وصديق ملائكته (تك 18: 1)[299]].

لعل القديس جيروم قد تأثر بكلمات القديس أوريجانوس في عظته الخامسة على سفر التكوين: [لم يكن لوط قادرًا قط على السكنى في المرتفعات مع إبراهيم].

ما هو هذا الجبل المقدس الذي نهرب إليه لحياتنا إلاَّ الكتاب المقدس، فيه نجد حصنًا منيعًا ضد هجمات العدو الشرير إبليس؟! لهذا السبب عندما اجتاز السيد المسيح التجربة على الجبل لحسابنا وكمثال لنا، كان يصد كل هجوم شيطاني بعبارات من الكتاب المقدس، وكأنها بالجبل المقدس الذي يرفعنا إليه فلا يقدر العدو بحيله أن يتسلق إلينا. والجبل أيضًا يشير إلى كلمة الله ذاته الذي تحدث عنه دانيال النبي: "قُطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما... أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيرًا وملأ الأرض كلها" (دا 2: 34، 35). فالسيد المسيح - كلمة الله - هو الحجر الذي قطع بغير يدين، إذ هو ليس من زرع بشر، يقدر أن يسحق تمثال الشر القائم في أعماقنا، وإذ يحتل أرضنا الداخلية يملأها كجبل عظيم يملأ القلب كله!


4. هلاك سدوم وعمورة:

"وإذ أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر، فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء" [23-24].

ما أن أشرقت الشمس على الأرض حتى دخل لوط إلى صوغر، فإن كانت صوغر تعنى (صغير)، فإننا لا نستطيع أن ننعم بروح الاتضاع ونشعر بحجمنا كأحد الأصاغر ما لم يشرق شمس البر على أرضنا الداخلية، ويعلن ملكوت اتضاعه ومحبته فينا.

والعجيب أن الله لم يمطر على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عنده إلاَّ بعد دخول لوط إلى صوغر... إذ كان حريصًا كل الحرص على لوط كإنسان بار.

يظهر هنا سر التثليث بالقول: "أمطر الرب... من عند الرب"، كأن الابن الكلمة أمطر من عند الآب.


5. هلاك امرأة لوط:

"ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح" [٢٦].

فسر البعض صيرورتها ملحًا بتحول حرفي أو أنها اختنقت من الكبريت والدخان ثم غطى الملح جسدها فصار لها قبرًا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يرى البعض أنه بحدوث زلازل قذفت صخور ملح فقط بعضها على امرأة لوط فصارت عمود ملح. بهذا صارت كما يقول سفر الحكمة: "عبرة لغير المؤمنين" (حك 10: 7)، وكما قال السيد المسيح لتلاميذه: "اذكروا امرأة لوط" (لو 17: 32).

فيما يلي بعض تعليقات للآباء عن امرأة لوط:

*     إذ نظرت إلى الوراء صارت نصبًا تذكاريًا للنفس غير المؤمنة.

القديس جيروم[300]

*     فقدت امرأة لوط طبيعتها ذاتها لأنها تطلعت إلى الوراء، تطلعت إلى ما هو دنس ولو بعينين نقيتين.

القديس أمبروسيوس[301]

*     خلصت امرأة لوط من سدوم لكنها تطلعت في الطريق إلى الوراء، في الموضع الذي تطلعت فيه هناك بقيت.

القديس أغسطينوس[302]

*     "ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" (لو 9: 62). امرأة لوط عندما خلصت نظرت إلى الوراء مخالفة للوصية ففقدت ما انتفعت به من هروبها.

ليتنا لا نتطلع إلى الوراء حيث يدعونا الشيطان للتراجع، إنما ننظر إلى ما هو قدام حيث يدعونا المسيح. لنرفع أعيننا إلى السماء لئلا تخدعنا الأرض بمباهجها وباغراءاتها.

القديس كبريانوس[303]
6. تطلع إبراهيم إلى سدوم وعمورة:

"وبكر إبراهيم في الغد إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب، وتطلع نحو سدوم وعمورة ونحو كل أرض الدائرة ونظر وإذا دخان الأرض يصعد كدخان الأتون. وحدث لما أخرب الله مدن الدائرة أن الله ذكر إبراهيم وأرسل لوطًا من وسط الانقلاب" [27-29].

بالأمس تمتع إبراهيم باستضافة الرب وملاكيه ونال وعدًا بإنجاب ابن، الأمر الذي لم يشغله عن الشفاعة عن سدوم وعمورة، إذ هو صاحب القلب الكبير الأبوي لا يطلب ما لنفسه بل ما للآخرين. وفي شفاعته التزم بالجانب الموضوعي فلم يشفع عن أقربائه "ولوط وعائلته" بل عن الدائرة كلها. ويبدو أن الأمر قد شغل فكره طول الليل... لذا بكر ليقف في ذات الموضع الذي التقى فيه أمام الرب لينظر نحو سدوم وعمورة. لم ينطق إبراهيم بكلمة بخصوص لوط وعائلته لكن كان يتكلم بقلبه وفكره وعواطفه وأحاسيسه التي لا يسمعها إلاَّ الرب نفسه، وقد استجاب له، إذ يقول: "الله ذكر إبراهيم وأرسل لوطًا من وسط الانقلاب"، وكأن ما قد تمتع به لوط كان بسبب إبراهيم!! النفس الكبيرة في عيني الله تظلل على النفوس الصغيرة بالحب، والصلاة وتنهدات القلب الخفية، وتكون سرّ بركة لها. نذكر على سبيل المثال نفس يوسف العبد الشاب، كانت في عيني الله عظيمة ومباركة بسببها بارك حتى بيت فوطيفار المصري، "وكان بركة الرب على كل ما كان له في البيت وفي الحقل" (تك 39: 5). إنها ليست بركة إبراهيم في ذاته ولا يوسف في ذاته إنما هي بركة الرب التي تملأ القلب!
7. خطأ ابنتيْ لوط مع أبيهما:

يسدل الكتاب المقدس آخر فصل عن حياة لوط بحدث مؤلم للغاية، هو ثمرة طبيعية اجتناها لوط من الزرع الذي غرسه، فقد اختار سدوم مسكنًا له فشربت بنتاه من أهلها روح الشر.

إن كان كنعان قد سقط تحت اللعنة لأنه سخر بنوح عندما سكر فتعرى، فإن ابتني لوط قد اسكرتا والدهما لا ليتعرى فحسب وإنما لتنجبا منه نسلاً. وقد حاول بعض المفسرين تقديم الأعذار لهاتين الابنتين منها أنهما رأتا العالم كله - في نظرهما - يحترق، ووالتهما صارت عمود ملح، فلا علاج للموقف إلاَّ بإنجابها نسلاً من أبيهما حتى تنقذا العالم من الفناء. وكأنهما لم تلتصقا بأبيهما عن شهوة جسدية وإنما لتعمير الأرض. يقول العلامة أوريجانوس: [أن كثيرات من النساء لا تضبطن أنفسهن مع رجالهن حتى في أيام حملهن. أما هاتان الفتاتان فلم تطلبا الشهوة]، ويحاول القديس ديديموس الضرير أن يجد لهما عذرًا قائلاً: [بأنهما لم تطلبا العلاقة بقصد شهواني بدليل أن الكبرى طلبت من الصغرى في اليوم الثاني أن تدخل مع أبيها، وأنهما لم تطلبا الالتصاق بأبيهما مرة أخرى بعد حملها].

هذه النظرة رفضها كثير من الآباء إذ كان يلزمها ألا يستخدما الطريق البشرى لحل المشكلة مع تجاهل لعمل الله القادر أن يقيم أولادًا من الحجارة. في عدم إيمان سقطتا في أبشع خطية حتى صارتا رمزًا لفساد إسرائيل ويهوذا عندما رفضا الرب. وحسبتا كأهولة وأختها أهوليبة اللتين تحدثنا عنهما في سفر حزقيال (حز 23).

يرى القديس أغسطينوس أن هاتين الابنتين تمثلان صورة مرّة لمن يُسيء استخدام الناموس (الأب) فيرتبط جسديًا أو حرفيًا لا روحيًا لينجب ثمارًا ليست في الرب، كما أنجبت هاتان الابنتان موآب وعمون من أبيهما كرأسين لأمتين شريرتين، سبق لنا الحديث عنهما في سفر حزقيال (حز 25) وما يرمزان إليهما. ويلقى القديس جيروم باللوم على لوط حتى وإن كان ما قد ارتكبه بغير إرادته.

*     خير لنا أن نبقى بغير ثمر ولا نصير أمهات بطريقة كهذه!

كان هذا رمزًا للذين يفسدون الناموس... الذين يسيئون استخدامه فينجبون الموآبيين الذين يرمزون للأعمال الشريرة.

القديس أغسطينوس[304]

*     بالحقيقة لم يكن لوط يعرف ماذا كان يفعل، ولا كانت خطيته بإرادته، ومع هذا فخطأه عظيم إذ جعله أبًا لموآب وعمون عدوّى إسرائيل.

القديس جيروم[305]

وفي النهاية نقول أن لوطًا يمثل العقل الناضج الهارب من الشر ولكن كما بتضرر، أما امرأته فتشير إلى الجسد المرتد إلى الوراء بسبب الشهوات، والبنتان إلى المجد الباطل والغرور.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +
 


12 هاتور 1736 ش
22 نوفمبر 2019 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك