تفسير سفر التكوين اصحاح 17 جـ2 Print


-  يمكننا القول بأن أيدينا وأرجلنا ونظراتنا وحواسنا ولمساتنا تحتاج أيضًا إلى ختان. لكي يكون رجل الله كاملاً تمامًا يلزم اختتان كل أعضائه، فتمتنع اليدان عن السرقة والقتل وتمتدان لعمل الرب. يليق بالرجلين أن يُختنا فلا تسرعان إلى سفك الدم (مز ١٤: ٣)، ولا إلى حيث مشورة الأشرار (مز ١: ١)، ولا يهدفان إلاّ إلى بلوغ ربنا والوصول إليه. يجب ختن العينين فلا تحسدان الأقرباء على الخير ولا تنظران إلى امرأة لتشتهياها (مت ٥: ٢٨)... وهكذا حتى إن كنا نأكل أو نشرب أو نفعل  شيئا لمجد الله (١ كو ١٠: ١٣). أنظر كيف يطلب الرسول الختان حتى في المذاق؟...

في الحقيقة عندما تخدم أعضاؤنا الظلم تكون غير مختتنة، ولا تكون في عهد مع الله، أما إن كانت تخدم البر (رو ٦: ١٩) لتبلغ القداسة فيتحقق فيها الوعد المعطى لإبراهيم.

العلامة أوريجانوس[272]

ليتنا إذن نحن الذي قبلنا الختان الروحي بالروح القدس في مياه المعمودية نجاهد أن نبقى مختونين في كل أعضائنا وحياتنا الداخلية، حتى ننعم بالوعد الإلهي ونكون في عهد أبدي مع الله.

يرى العلامة أوريجانوس أننا إذ اعترفنا بالمسيح يسوع بشفاهنا ولم نظهر عهده في لحمنا خلال حياتنا العملية نكون كاليهود الذين يفتخرون بختان الجسد وينكرونه بأعمالهم[273]. ويعلق أيضًا على العبارة الإلهية: "فيكون عهدي في لحمكم عهدًا أبديًا" بقوله: [إن استطعنا أن ننجح في إيجاد توازن بين الأعضاء وإقامة وحدة بينها، فتكون حركتنا كلها متفقة مع ناموس الرب، بهذا يكون عهد الرب في لحمنا... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أبحث كيف يكون عهد ربنا عاملاً في الجسد ومتحققًا فيه؟ إن أمتنا أعضاءنا التي على الأرض (2 كو ٣: ٥) نحقق عهد الرب في جسدنا. إن كنت حاملاً في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع (٢ كو ٤: ١٠) يكون عهد المسيح في جسدي. إن كنا نصبر معه فسنملك أيضًا معه، بهذا أظهر عهده في لحمي[274]].
٣. تمتع سارة بالبركة:

إن كان إبرام قد غير أسمه إلى إبراهيم، فإن ساراى أيضًا تمتعت بتغيير أسمها إلى سارة. كان إبرام إنسانًا مكرمًا في الرب، إذ كلمة "إبرام" معناها "أب مكرم"، لكنه إذ دخل مع الله في عهد الختان باسم الكنيسة كلها دُعي "إبراهيم" أي "أب الجمهور" [٤]. وساراى أيضًا كان أسمها يعني "أميرتي"، والآن إذ حملت أمومة للمؤمنين دعيت اسمها "سارة" أي "أميرة". فلم تعد خاصة بإبراهيم (أميرتي) إنما يعتز بها جميع المؤمنين كأم لهم وكأميرة للكل.

لأول مرة يعلن الله صراحة أن الوارث لإبراهيم يكون من سارة زوجته: "وأباركها وأعطيك أيضًا منها ابن، أباركها فتكون أممًا وملوك وشعوب منها يكونون" [١٦].

لم يحتمل إبراهيم هذا الوعد: "فسقط إبراهيم على وجهه وضحك، وقال في قلبه: هل يولد لابن مئة سنة وهل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة؟!" [١٧]. إن ضحكه لا يعني عدم إيمانه، وإنما يعلن شدة دهشته لعمل الله معه، الذي يقيم نسلاً لشيخ بلغ المئة من عمره وزوجته العاقر ابنة تسعين سنة... أما علامة إيمانه فهو سقوطه على وجهه يقدم الشكر. لم يشك إبراهيم في وعد الله، بل كما قال الرسول: "فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء لكي يصير أبًا لأمم كثيرة كما قيل هكذا يكون نسلك، وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتًا إذ كان ابن مئة سنة ولا مماتية مستودع سارة، ولا بعدم إيمان أرتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله" (رو ٤: ١٨–٢٠). لقد كان مستودع سارة أي أحشاؤها في حكم الموت وكان هو شيخًا، وعلى خلاف الرجاء آمن مترجيًا في مواعيد الله أن يقيم نسلاً حيًا من هذا الموت. وبهذا كان إيمان البعض أن أحشاء سارة كانت أشبه بالحجارة التي بلا حياة وغير قادرة على الإنجاب، لكن الله أقام من الحجارة أولادًا لإبراهيم. لعله لهذا السبب قال القديس يوحنا المعمدان للفريسيين والصدوقيين: "لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت ٣: ٩)، في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أن هذا التشبيه جاء عن ولادة هذا الشعب خلال إسحق الموهوب لإبراهيم خلال رحم سارة العقيم كما لو كان متحجرًا[275]].


٤. بين إسحق وإسمعيل:

"وقال إبراهيم لله: ليت إسمعيل يعيش أمامك" [١٨].

لم يتذمر إبراهيم على الله قط حينما كان يدرك أن كل غناه يرثه غريب الجنس... وعندما ولدت هاجر حسبه ابنها الوارث له... والآن إذ بلغ الابن ثلاث عشرة سنة جاء الوعد بابن له من سارة لم يتشكك إبراهيم في الأمر، وإن كان قد حسبه عظيمًا للغاية فضحك، والآن يصلي لله معلنًا اقتناعه بما وهبه خلال الجارية كوارث له... أما الله الذي راعى ظروف إبراهيم بكونه أول ما نال وعدًا كهذا أن ينجب في هذا السن وامرأته مسنة وعاقر، عاد ليؤكد له: "بل سارة تلد لك ابنا وتدعو أسمه إسحق وأقيم عهدًا أبديًا لنسله من بعده" [١٩]. أكد له الوعد وحدد له أسم الابن حتى ينزع من أفكاره أن الابن الطبيعي حسب قوة الطبيعة (الجسد) يكون وارثًا، إنما الذي يرث هو ابن الموعد الذي لم يكن ممكنًا أن ينجبه الجسد حسب الطبيعة، وإن كان من أجل صلاة إبراهيم عن الأول وعده بالبركات الزمنية وأقامته أمة عظيمة.

يقارن القديس أغسطينوس بين الابنين، قائلاً: [هنا وعود أكثر دقة بإقامة الأمم في اسحق، أي في ابن الموعد، حيث يُشار إلى النعمة لا الطبيعة. فالابن وُعد به لشيخ مسن وامرأة مسنة عاقر. فإن كان الله هو العامل حتى في الولادة الطبيعية، لكن حينما يظهر ضعف الطبيعة أو فشلها يظهر دور الله، وتعلن النعمة بالأكثر[276]].

إسحق إذن يمثل لا المولود حسب الجسد بل حسب الروح خلال التجديد بواسطة نعمة الله في مياه المعمودية، لهذا إن كانت نفوسنا لا تزال تسلك حسب الجسد، فالأمر يحتاج إلى من يصرخ إلى الله كإبراهيم أب الآباء: "ليت هؤلاء يعيشون أمامك! ليتهم يتمتعون بالميلاد الجديد بنعمتك، فيصيرون "إسحق" الجديد!"

إن كان الله قد وهب إبراهيم "إسحق" ابنا له، الذي يعني "ضحك" إذ ضحتك سارة في شيء من الشك وضحك إبراهيم من فرط الدهشة، فإن إنساننا الجديد الذي نلناه في مياه المعمودية هو إسحق الحقيقي، نقبله كضحك من فرط العطية الموهوبة لنا!


٥. تحقيق الختان:

دخل إبراهيم في العهد مع الله واختتن هو وإسمعيل وكل ذكر في بيته... وكان الختان ختمًا للعهد.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +