إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تخل قلبك من ذكر الله أبدا لئلا تغفل قليلا فينتصر عليك الأعداء المترصدون لإصطيادك

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر التكوين اصحاح 6 جـ2 PDF Print Email

3. فساد الأرض:

"وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت الأرض ظلمًا... إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه علي الأرض" [11، 12].

يلاحظ أن كلمة "الأرض" تكررت كثيرًا في هذا الأصحاح خاصة في العبارة
[5-13]، إذ فيها ذُكرت سبع مرات؛ ولكل تكرار الكلمة يكشف عن أن الله كان يشتاق أن يري في الحياة البشرية سمة سماوية، لكنه إذ فسد الإنسان صار أرضًا ترابية تحمل فسادًا. ولئلا نظن أن مادة الأرض قد فسدت أو ما حملته الأرض من موارد وثمار الخ... لذا أكد: "إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه علي الأرض"، وكأن فساد الإنسان هو الذي شوه المخلوقات غير العاقلة.

4. فلك نوح:

كشف الله لعبده البار نوح ما كان مزمعًا أن يفعله، إذ قال له: "نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلمًا منهم، فها أنا مهلكهم مع الأرض" [١٣]. كان يمكن لله أن يأمر نوحًا بصنع الفلك فيطيع في إيمان وثقة، لكن الله كمحب للبشر لا يشتاق أن يكون الآمر الناهي، إنما الصديق المحب الذي يحاور الإنسان ويكشف له حكمته وأسراره، وكما يقول المرتل: "سرّ الرب لخائفيه، وعهده لتعليمهم" (مز 25: 14). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لقد كشف له أنه وإن كان يهلكهم مع الأرض، فإن الهلاك هو ثمرة طبيعية لفساد هم اختاروه، ويظهر ذلك من قوله: "نهاية كل بشر قد أتت أمامي"، وكأنه يقول: لم أكن أود هذا لكنهم صنعوا بأنفسهم هلاكًا يجلب نهايتهم، اختاروه بمحض إرادتهم.

الآن إن كان الأشرار قد فعلوا هكذا بأنفسهم مقدمين هلاكًا حتى للأرض، فالله لا يترك أولاده يهلكون معهم، لذا قدم لنوح أمرًا بعمل فلك لخلاصه، وقد عرض لنا الكتاب المقدس قصة الفلك بدقة شديدة وفي شيء من التفصيل لما حمله الفلك من عمل رمزي يمس خلاصنا بالصليب.

أولاً- أهمية الفلك: في دراستنا للمعمودية[167] لاحظنا كيف سلطت الليتورجيات الكنيسة وأقوال الآباء الضوء علي فلك نوح بكون الطوفان رمزًا لعمل التجديد الحق للطبيعة البشرية، والفلك رمزًا للصليب الذي حمل المسيح معلقًا لأجلنا، فحمل فيه الكنيسة التي هي جسده المقدس. كان لابد من هلاك العالم القديم (الإنسان العتيق) في مياه المعمودية ليقوم العالم الجديد أو الإنسان الجديد الذي علي صورة خالقه يحمل جدة الحياة أو الحياة المقامة في المسيح يسوع (رو 6: 3، 4). كأن الطوفان وهو رمز للمعمودية يضع حدًا فاصلاً بين الحياة القديمة المظلمة والحياة الجديدة المشرقة بنور قيامة الرب يسوع. وقد جاء هذا الفكر الكنسي الآبائي امتدادًا للفكر الرسولي، إذ يقول الرسول بطرس: "وكانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح إذ كان الفلك يُبني، الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء، الذي مثاله يخلصنا نحن الآن في المعمودية، لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح" (1 بط 3: 20، 21).

وإذ سبق لنا عرض الفكر الليتورجي والآبائي في هذا الشأن[168] اكتفي ببعض كلمات قليلة:

-  خلق الله الإنسان من التراب، وجدده بالماء، ونماه بروحه، ودربه بكلمة للتبني والخلاص، موجهًا إياه بالوصايا المقدسة حتى يحول الإنسان مولود التراب إلي كائن مقدس سماوي عند مجيئه.

القديس أكليمنضس الإسكندري[169]

-  في الطوفان - أيام نوح - مات كل جسد أما نوح البار فُحفظ مع عائلته... فالإنسان الخارجي يفني، لكن الداخلي يتجدد. هذا يحدث ليس فقط في المعمودية وإنما أيضًا بالتوبة حيث تفني (شهوات) الجسد فتنمو الروح، كما يعلمنا السلطان الرسولي بالقول: "قد حكمت كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا... أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5: 3، 5).  

القديس أمبروسيوس[170]

ثانيًا- مادة الفلك: "اصنع لنفسك فلكًا من خشب جفرٍ" [١٤]، ربما يعني خشب السرو، وقد جاء في الترجمة السبعينية: "من عرائض مربعة"، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إنه يشير إلي الكنيسة[171]، أو إلي حياة القديسين الثابتة والراسخة فإن العرائض المربعة أينما حركتها تبقي واقفة[172]].

يقول القديس أمبروسيوس: [إنكم ترون الماء والخشبة والحمامة، فهل تقفون أمام السر حيارى؟ فالماء هو الذي يُغمر فيه الجسد لكي تغسل فيه كل خطية جسدية، ويُدفن فيه كل شر، والخشبة هي التي عُلق عليها الرب عندما تألم لأجلنا، والحمامة هي التي نزل الروح القدس علي هيئتها كما قرأتم في العهد الجديد، ذاك الذي يهبكم سلام النفس وهدوء الفكر، والغراب هو رمز الخطيئة التي تذهب ولا ترجع، إذ حفظ فيكم البر في الداخل والخارج[173]].

ويري العلامة أوريجانوس[174] في العرائض الخشبية المربعة التي تحمل شكلاً منتظمًا بزوايا قائمة إشارة إلي الأنبياء والرسل، خلالها تُقام مكتبة العلم الإلهي في النفس، إذ يري في الفلك رمزًا للدخول إلي أسرار معرفة الله وعلمه خلال كلمته الإلهية.

ثالثًا- أبعاد الفلك: إن كان الفلك يشير إلي التمتع بخلاص السيد المسيح المجاني والدخول في معرفة أسرار الله الفائقة خلال الصليب حتى دعاه العلامة أوريجانوس "مكتبة الكلام الإلهي" أو "مكتبة العلم الإلهي"، لذا جاءت أبعاده من طول وعرض وارتفاع تشير إلي الإيمان والمحبة والرجاء، إذ يقول: [من كان قادرًا أن يسمع كلام الرب والأمور الإلهية بالرغم من ثقل الشر وكثرة الرذائل، تاركًا عنه الأمور الفانية السريعة الزوال، فمثل هذا يبني في قلبه فلك الخلاص ويكرس في نفسه مكتبة الكلام الإلهي، فيعطى له الإيمان والمحبة والرجاء كطول وعرض وارتفاع. فالإيمان بالثالوث القدوس هو الطول الممتد إلي الخلود، والعرض هو المحبة التي تبسطها العواطف اللطيفة الرقيقة، وأما الارتفاع فهو الرجاء الذي يحمله إلي حيث الحق السماوي، إذ ونحن علي الأرض تكون "سيرتنا في السموات" (في 3: 20)[175]]. في أكثر تفصيل يقول بأن الطول 300 ذراعًا، لأن رقم 100 يشير إلي قطيع المسيح العاقل (لو 15: 4، 5) والذي يحرص السيد المسيح ألا يضيع منه خروف واحد. فإن هذا القطيع يتقدس خلال معرفته بالثالوث القدوس (100 × 3)، أو الإيمان به. أما عرض الفلك فهو 50 ذراعًا، وقد رأينا في دراستنا لسفر الخروج والعدد أن رقم 50 يشير إلي التمتع بغفران الخطايا[176]، كما كان يحدث مع اليوبيل (السنة الخمسين) حيث يتم عفو عام وشامل وتحرير للعبيد والأرض، وأيضًا كما حدث في يوم الخمسين حين حلّ الروح القدس علي التلاميذ في العلية ليهب الكنيسة طبيعة سماوية متحررة من الخطية. فالعرض يشير إلي المحبة، محبة الله الغافرة وحبنا الساتر لضعفات الآخرين. أما العلو فثلاثون ذراعًا يشير إلي ارتفاع الإنسان إلي الله كما انطلق يوسف في سن الثلاثين من السجن إلي القصر ليمسك بتدبير شئون المملكة... إذن ليُبْنَ الفلك الروحي فينا لتكون لنا المعرفة الحقة الاختبارية، طوله الإيمان الحيّ بالثالوث القدوس، وعرضه الحب الحق لله والناس، وارتفاعه الرجاء في السمويات.

ويري القديس أغسطينوس[177] في أبعاد الفلك رمزًا لجسد السيد المسيح، فالفلك أبعاده هكذا 300 × 50 × 30، والإنسان الكامل في نظر هذا القديس طوله من قمة رأسه حتى أخمص قدميه ستة أضعاف عرضه من جانبيه (300: 50)، وعشرة أضعاف ارتفاعه (سُمكه) من الظهر إلي الصدر (300: 30). وكأن الفلك يشير إلي كلمة الله الذي صار جسدًا، فحملنا فيه ليعبر بنا خلال الطوفان إلي الأرض الجديدة التي له.

رابعًا- طلاء الفلك بالقار من الداخل والخارج: فكما يقول العلامة أوريجانوس: [يريدنا أن نكون قديسين من الخارج وأنقياء في الداخل في القلب، محفوظين من كل جانب، محروسين بفضيلة الزهد (القار الخارجي) والطهارة (القار في الداخل)[178]].

خامسًا- الباب الجانبي: يقول القديس أغسطينوس: [بابه الجانبي يشير بالتأكيد إلي الجرح الذي في جنب المصلوب بواسطة الحربة، خلاله يدخل القادمون إليه، ومنه فاضت الأسرار التي بها ينضم المؤمنون به إلي عضويته[179]].

سادسًا- الطوابق الثلاثة: يري القديس أغسطينوس[180] في هذه الطوابق الثلاثة صورة حية للكنيسة التي اجتمعت من كل الشعوب والأمم، إذ استكملت من نسل أبناء نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وربما تشير هذه الطوابق إلي الفضائل الثلاث التي أمر بها الرسول: الإيمان والرجاء والمحبة. كما يري في هذه الطوابق الثلاثة المؤمنين الذين جاءوا وبثلاث كميات متباينة من المحاصيل مائة ضعف وستين وثلاثين (مت 13: 23، مر 4: 8)، أو يمثل المدينة السماوية أو الكنيسة الأبدية التي تضم في عضويتها متزوجين أطهارًا وأيضًا أرامل وبتوليين أنقياء.

ويري العلامة أوريجانوس[181] في الطوابق الثلاثة إشارة إلي طرق التفسير الثلاثة: التفسير الحرفي، التفسير السلوكي أو الأخلاقي، والتفسير الروحي. فمن يقف عند التفسير الحرفي يَكُنْ كمن استقر في الطابق الأسفل مع الحيوانات أما من يرتفع إلي السلوكي ثم ينعم بالروحي فيكون كنوح رجل الله وعائلته في لقاء مع الله.

سابعًا نوح وعائلته داخل الفلك: يقول العلامة أوريجانوس: [بصعودنا خلال أدوار الفلك المختلفة نصل إلي نوح نفسه الذي يعني (نياح) أو (بر)، فنوح هو يسوع المسيح، إذ لا ينطبق علي نوح القديم قول لامك أبيه: "هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب" (تك 5: 29)... انظروا إلي ربنا يسوع المسيح الذي قيل عنه: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يو 1: 29)، "المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من علق علي خشبة" (غلا 3: 3)، وأيضًا قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت 11: 28). ها أنتم ترونه بالحقيقة يهب راحة للبشرية، ويخلص الأرض من اللعنة[182]].

هذا وقد لاحظ القديس بطرس الرسول أن عدد النفوس التي خلصت خلال الفلك ثمانية (1 بط 20، 21)، هذا الرقم يشير إلى الكنيسة المختفية في صليب ربنا يسوع المسيح، أو يشير إلي طبيعتها السماوية وسمتها الجديدة خلال تمتعها بالحياة المقامة في المسيح يسوع. نحن نعلم أن رقم 8 يشير إلي الحياة ما بعد الزمن، حيث يشير رقم 7 إلي أيام الأسبوع، فكأن رقم 8 يعني تعدى حدود الزمن.




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 6 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +
 


4 هاتور 1736 ش
14 نوفمبر 2019 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك