تفسير سفر التكوين اصحاح 2 جـ1 Print

آدم في الفردوس

بعد العرض السريع لخلق العالم كله وتقديس اليوم السابع حيث استراح الرب عرض الوحي الإلهي لحال الإنسان الأول في الفردوس، مظهرًا مدي اهتمام الله بسعادته.

1. تقديس السبت                     1-3.

2. آدم في الفردوس                  4-14.

3. وصية الله لآدم                    15-17.

4. خلق حواء                        18-25.

1. تقديس السبت:


"فأكملت السموات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله في اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمله الله خالقًا" [١–٣].

ماذا يعني "استراح في اليوم السابع"؟ بلا شك الراحة هنا لا تعني التوقف عن العمل، وإنما استراح براحة خليقته، وكما يقول القديس أغسطينوس: [راحة الله تعني راحة الذين يستريحون في الله[79]]. راحته كأب سماوي أن يجد محبوبيه ينعمون بالراحة الداخلية الحقة، لذلك يقول القديس أغسطينوس: [إننا نستريح عندما نصنع أعمالاً صالحة. كمثال لذلك كُتب عن الله أنه "استراح في اليوم السابع"، وذلك عندما صنع كل أعماله وإذا بها حسنة جدًا. إنه لم يتعب ولا احتاج إلي راحة، كما أنه لم يترك عمله حتى الآن، إذ يقول ربنا المسيح بصراحة: "أبي يعمل حتى الآن" (يو 5: 17)[80]].

لقد ختم الرب حديثه عن أعمال الخلق بإعلان راحته في خليقته التي حملت آثار محبته خاصة الإنسان الذي حمل صورته ومثاله، ويبقي الله في راحته مادام الإنسان أيضًا يستريح في حضن أبيه السماوي. لهذا رأي كثير من الآباء أن وصية "حفظ السبت" والتي تعني في العبرية "الراحة" إنما هي رمز للثبوت في السيد المسيح بكونه راحة الآب، فيه يجد لذته من جهتنا، وراحتنا نحن إذ فيه ندخل إلي حضن الآب. وكأن السيد المسيح نفسه هو سبتنا الحقيقي[81]... هذا هو سر اهتمام الله بحفظ وصية السبت، وجعلها خطًا رئيسيًا في خطة خلاص شعبه، من يكسرها يكون قد نقض العهد الإلهي وحرم نفسه من عضويته في الجماعة المقدسة. لنحفظ إذًا السبت الحقيقي بقبولنا السيد المسيح القائم من الأموات كسر راحتنا الحقيقية، لنقبله قائمًا من الأموات فنحفظ السبت كل أيام حياتنا خاصة في اليوم الأول من الأسبوع، كما كان الرسل يجتمعون معًا في أول الأسبوع (الأحد) يمارسون العبادة الجماعية حول الأفخارستيا كموضوع راحتهم الحقة.

إن كان السيد المسيح هو "اليوم السابع" أو (السبت الحقيقي) الذي فيه تصالحنا مع الآب بدم صليبه، فإننا إذ نثبت فيه نحمل سماته فينا ونمتلئ ببره ونصير نحن أنفسنا موضع راحة فنحسب به "سبتًا" أو (يومًا سابعًا)، وكما يقول القديس أغسطينوس: [نصير نحن أنفسنا اليوم السابع عندما نمتلئ ببركات الله وتقديسه ونفعم بها[82]].

هذا ويلاحظ أن الكتاب المقدس لم يقل عن اليوم السابع: "وكان مساء وكان صباح يومًا سابعًا"، وكما يقول القديس أغسطينوس: [لا نجد في السبت مساءً، لأن راحتنا بلا نهاية، إذ يضع المساء نهاية[83]].

2. آدم في الفردوس:

إن كان الله قد خلق للإنسان المسكونة كلها من أرض وجلد وفضاء وكواكب... إنما ليلمس فيها أبوة الله ورعايته الفائقة. وقد كشف عن هذه الأبوة بالحديث بعد ذلك في شيء من التفصيل عن خلق الإنسان وإقامة جنة عدن شرقًا لأجله.

في القرن الثاني يبدو أن العلامة أوريجانوس تطلع إلي قصة آدم وحواء وما حدث معهما كقصة رمزية بحتة قدمها الوحي للكشف عن مفاهيم روحية تمس حياة الإنسان بالله، وان الجنة لم تكن علي الأرض بل في السماء الثالثة حيث كان آدم وحواء روحين بلا جسدين حقيقيين قبل السقوط، وأنهما هبطا من الفردوس أو الجنة إلي الأرض بسبب سقوطهما وأن ما نالاه من جسدين إنما هو من قبيل العقاب. هذه الأفكار هاجمها القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص في رسالته إلي القديس يوحنا أسقف أورشليم[84].

هذه الأفكار ترفضها الكنيسة تمامًا إذ تشوه من النظرة إلي العالم الذي خلقه الله كعلامة حب لنا، وتفسد نظرتنا لتقديس الجسد... هذا وقد أعلن السيد المسيح ورسله القديسين أحداث الخلق الأولي كأحداث واقعية لا رمزية:

أولاً: يقوم الكتاب بعهديه علي إعلان ذبيحة الخلاص التي احتاجت إليها البشرية بعد سقوط أبوينا آدم وحواء في جنة عدن... (راجع رو 5)، وأن سقوط آدم استلزم عمل المسيح الخلاصي لإقامة الإنسان ككل بروحه وجسده معًا، وليس لخلاص روحه وحدها فلو أن الجسد الإنساني وليد خطايا ارتكبها الروح قبلاً لما كانت هناك حاجة للتجسد الإلهي وخلاص الجسد مع الروح.

ثانيًا: حينما تحدث السيد المسيح نفسه عن الزواج قدم علي أساس ما حدث في بدء الخليقة كحقيقة تاريخية، مانعًا الطلاق (مت 19: 3-6؛ مر 10: 2-9).

ثالثًا: أشار السيد المسيح إلي قصة سقوط أبوينا في بدء الخليقة، موضحًا دور إبليس وخداعه (يو 8: 44).

رابعًا: حينما تحدث الرسول بولس عن الكنيسة كعروس السيد المسيح تحدث عن خداع الحية لحواء كقصة واقعية (1 كو 11: 3).

خامسًا: في نسب السيد المسيح ذكر الإنجيلي لوقا آدم كأول إنسان في الخليقة (لو 3)

سادسًا: تحدث الرسول بولس عن هابيل (ابن آدم وحواء) كشخصية واقعية وليس رمزًا (عب 11: 4).

إن كنا لا ننكر حقيقة هذه الجنة كتاريخ واقعي عاشه آدم، لكننا نري أيضًا في هذه الجنة رمزًا للسيد المسيح الذي جاءنا من الشرق، فيه يدخل آدم ليجد شبعه وفرح قلبه. فإن كانت كلمة "عدن" تعني (بهجة) أو (نعيم)، فإن السيد المسيح ربنا هو البهجة الحقيقية وسر نعيمنا الأبدي.

إن كانت الجنة ترمز للسيد المسيح بكونه سر بهجتنا، فإنها من الجانب الأخر ترمز للكنيسة بكونها جسد المسيح، تحمل في داخلها "شجرة الحياة" في وسطها كرمز للسيد المسيح رأس الكنيسة وسر حياتها.

لقد نزل السيد المسيح إلي العالم ليعلن عن ذاته أنه شجرة الحياة المغروسة في كنيسته من ينعم به يتمتع بالحياة والحكمة، وكما يقول القديس جيروم: [يقول سليمان: "هي شجرة حياة لممسكيها" (أم 3: 18)، متحدثًا عن الحكمة. فإن كانت الحكمة هي شجرة الحياة، فالحكمة بالحقيقة هي المسيح... إذ غُرست هذه الشجرة في جنة عدن، نُغرس نحن جميعًا هناك[85]]. بمعني آخر ما كان يمكن أن يكون لنا نصيب كأشجار حية مغروسة في الفردوس لو لم ينزل شجرة الحياة في وسطه ويعلن ذاته كسر حياة لنا.

أما شجرة معرفة الخير والشر فتشير إلي "المعرفة" التي في ذاتها هي نعمة وبركة، ولكنها إن اتجهت إلي خبرة الشر تصير علة للهلاك. يقول القديس ثاوفيلس الأنطاكي: [شجرة المعرفة في ذاتها صالحة، وثمرها صالح. ليست الشجرة هي التي حملت الموت كما يظن البعض، إنما العصيان هو الذي حمله في داخله، ليس شيء آخر في الثمرة سوي المعرفة وحدها، وهي صالحة إن استخدمت بفطنة[86]].

يروي الجنة نهر قيل عنه: "وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس" [١٠]. إن كانت شجرة الحياة تشير إلي السيد المسيح واهب الحياة، فإن النهر الذي يسقي الجنة هو الروح القدس الذي يفيض علي أرضنا خلال مياه الروح القدس فيحول قفرنا إلي جنة تفرح قلب الله. تحدث السيد المسيح عن هذا النهر، قائلاً: "من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو 7: 38). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ويعلق الإنجيلي علي هذه الكلمات الإلهية بقوله: "قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد". أما انقسامه إلي أربعة رؤوس فيشير إلي فيض الروح علي الكنيسة في العالم من المشارق إلي المغارب ومن الشمال إلي الجنوب.

إن كان النهر يشير إلي الروح القدس الذي يحل علي المؤمنين لتقديسهم فإن انقسامه إلي أربعة رؤوس إنما يشير إلي تقديسه للجسد الذي يرمز له برقم 4، بكونه مأخوذًا من الأرض (أربع جهات المسكونة)؛ وكأن الإنسان في علاقته بالله يصير بالروح القدس جنة عدن الجديدة التي يقدسها الروح القدس، عاملاً في النفس البشرية كما في الجسد.

أما بالنسبة لموقع الجنة فللآن لم يستقر اللاهوتيون والجغرافيون علي الموقع، فالبعض يظن أنها كانت في أرمينيا لأن الفرات ودجلة ينبعان فيها، أما الرأي السائد فهو أن نهر عدن الذي تفرع إلي أربعة رؤوس ما هو إلا نهر الفرات - دجلة الذي يصب في شط العرب، (في الخليج الفارسي) منقسمًا إلي عدة فروع، فجنة عدن في رأيهم هي القسم الجنوبي من العراق، حيث الخصب. ويعللون ذلك بأن أرض الحويلة حيث الذهب [١١] هي جزء من جزيرة العرب الذي يجاور العراف في جنوبه الغربي؛ أما أرض كوش
[١٣] فغالبًا ما تعني أرض عيلام التي عُرفت إلي زمان طويل باسم كاشو "Cashshu, Cossean" ، كما أن سهل بابل كان يدعي عدنو edinu[87].




السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر التكوين +
+ عودة لتفسير سفر التكوين +