إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

سهل على أي إنسان أن يفعل الخير في فترة ما ! إنما الإنسان الخيِّر بالحقيقة ، فهو الذي يثبت فـــي عمـــل الخـــير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 8 جـ1 PDF Print Email

ضيقات القفر وبركاته

اهتمت الشعوب الوثنية في كنعان بالآلهة، خاصة تلك التي يظنون أنها مصدر الخصوبة والنمو والتكاثر؛ لذا أكد موسى النبي أن نعمة الله هي مصدر كل البركات. في هذا الأصحاح يكشف موسى النبي لشعبه السرّ وراء التِيه في القفر. هو أن يسمح الله لشعبه أن يدخلوا في الضيق، لكن عينيه تترفقان بشعبه في وسط الضيق، حتى يخرج بهم إلى السعة لكي يشكروا الرب ويدركوا إحساناته الفائقة إليهم.

الله في حبه للإنسان يهبه وصيته المحيية ليعطيه ذاته، يدخل معه في علاقة حب، ويقدم له بركات بفيضٍ. بذات الحب يدخل به في الطريق الضيق؛ لماذا؟

1. للتزكية: "لكي يذلَّك ويجربك ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا؟!" [2].

2. لتكليلنا، إذ تتزكى أمانتنا خلال الضيق نُحسب أهلا لنوال بركات أعظم: "لأن الرب إلهك آت بك إلى أرض جيدة أرض أنهار من عيون وغمار..." [7–10].

3. للتأديب: "كما يؤدب الإنسان ابنه قد أدبّك الرب إلهك" [5].

4. كي لا نسقط في كبرياء أو برّ ذاتي: "لئلاَّ تقول في قلبك قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة" [17].

5. كفرصة لرؤية الرب والتلامس معه والتمتع بأعماله في خبرات جديدة: "فأذلّك وأجاعك وأطعمك المنّ الذي لم تكن تعرفه ولا آباؤك" [3]. ففي وسط أتون النار نال الثلاثة فتية خبرة جديدة إذ ظهر معهم ابن الله يحوط بهم ويرافقهم محولاً النار إلى ندى. هكذا مع نار الضيق يختبر المؤمن رؤية جديدة لله وتذوق لطعامٍ سماويٍ يُحسب جديدًا بالنسبة له.

6. تحويل الطاقات من الشر إلى طاقات إيجابية للبنيان،
إذ نُخرج من صخرة الصوان ماء [15]. فإن كانت حواسنا وطاقاتنا قد تحجرت يُخرج الرب منها ينابيع مياه تروي النفوس الظمآنة، وتحول القفر إلى فردوس إلهي.

1. حفظ الوصية غاية القفر                    [1-2].

2. عينا الرب تترفقان وسط القفر              [3-4].

3. تأديب أبوي                                 [5].

4. سعة بعد القفر                              [6-9].

5. الشكر من أجل بركات الرب وتذكرها       [11-16].

6. عدم الاتكال على الذات                     [17-18].

7. عدم الاتكال على آلهة غريبة               [19-20].

1. حفظ الوصية غاية القفر:

رأينا الارتباط بين الالتقاء بشخص الرب نفسه والتمتع بوصيته؛ فالوصية التي يقدمها غايتها أن يتشكل الإنسان بروح الله ليعود إلى أصله، صورة الله ومثاله. بهذا تنجذب الصورة إلى الأصل، ويجد الأصل أي الله مسرته في صورته الحيّة المُعلنة في الإنسان. فإن كان قد سمح لشعبه ألاَّ يعبروا من مصر إلى كنعان في فترة وجيزة، بل يجتازوا البرية إلى سنوات، إنما لكي تُمتحن أعماقهم، حتى يحفظوا وصيته، ويتمتعوا بها، ويحيوا بها ويرثوا كنعان السماوية.

"جميع الوصايا التي أنا أوصيكم بها تحفظون لتعملوها، لكي تحيوا، وتكثروا، وتدخلوا، وتمتلكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم. وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر، لكي يذلّك ويجربك، ليعرف ما في قلبك أتحفظ وصاياه أم لا" [1-2].

واضح أن موضوع "الطاعة" أو التمتع بوصية الرب هو غاية الأربعين سنة في وسط البرية. فإن كانت هذه السنوات تُشير إلى حياتنا الزمنية، التي هي أشبه برحلة مستمرة خلالها نعبر من أرض العبودية لندخل كنعان السماوية، يليق بنا أن نركز على كلمة الله، ونتمتع بوصيته، ونجاهد بروحه القدوس لنمارس الطاعة لها. وذلك باتحادنا بالكلمة المتجسد الذي وهو الابن "تعلم الطاعة مما تألم به" (عب 5: 5). باتحادنا به ننعم بالكلمة، وننال شرف الشركة معه في طبيعته، أي شرف الطاعة الكاملة لله الآب.
ما هو التزامنا من جهة الوصية؟

أولاً: قبول جميع الوصايا، فالوصايا وِحدة واحدة لا تتجزأ؛ إما أن نقبلها بكليتها أو نُحسب رافضين لها. لأن قبول الوصايا في أعماقها هو قبول شخص الكلمة الإلهي عاملاً فينا؛ إما أن نقبله فنسكن فيه ويثبت فينا، أو نصير خارجًا عنه ولا نتمتع به. كلمة الله لا يتجزأ!

ثانيًا:
بقوله "تحفظون" يشير إلى الانشغال بالوصايا والاهتمام بها، تسحب قلوبنا وأفكارنا، وتشغل كل كياننا. هكذا من يقبل الكلمة المتجسد يترنم بكل كيانه، وليس فقط بلسانه، قائلاً: "أنا لحبيبي، وحبيبي لي" (نش 6: 3).

ثالثًا: بقوله "لتعملوها" يعلن النبي أن الوصية ليس فكرًا نظريًا ننشغل به، ولا فلسفة نعتنقها، ولا مبدأ نتحدث عنه، وإنما حياة مُعاشة نمارسها.

أما غاية الوصية فهي عودة الإنسان كما إلى الحياة الفردوسية، فيسمع ما قيل لأبويه آدم وحواء أن يعيشا ويُكثرا ويتسلطا على الأرض. يقول النبي: "لكي تحيوا وتكثروا وتدخلوا وتمتلكوا". بالوصية نقتني كلمة الله واهب الحياة، فنحيا، ونأتي بثمار كثيرة ويكون لنا أبناء في الرب، وندخل الحياة السماوية ونملك، قائلين مع القدِّيس يوحنا اللاهوتي: "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6).

من بركات الوصية أن نتذكر معاملات الله معنا، يدخل بنا إلى القفر لنكتشف مذلتنا وضعفنا، ونعلن له حفظنا للوصية أو رفضنا لها. ندرك أن كل ما يمر بنا ليس كما يظن البعض مصادفة، بل بحكمةٍ إلهيةٍ وخطةٍ فائقةٍ لكي نتمتع ببركات إلهية وسط القفر.

قيل في رسالة يعقوب: "الله لا يجرب أحدًا" (يع 1: 13)، بينما هنا يقول: "الرب إلهكم يجربكم" [3]. يقول القدِّيس أغسطينوس: [يلزمنا أن نفهم أنه يوجد نوعان من التجارب، تجربة تخدع والأخرى تزكي. فمن جهة التي تخدع قيل: "الله لا يجرب أحدًا"، أما التي تذكي فقيل عنها: "الله يجربكم"[87]].

يكشف هذا الأصحاح عن أقصر الطرق المؤدية إلى كنعان السماوية وأكثرها أمانًا وهو اكتشاف خطة الله من خلال الأحداث الماضية. تبدو الأحداث التاريخية للبعض أنها أحداث بشرية زمنية، لكن القلب النقي يتلمس إعلانات الله خلال هذه الأحداث. رحلة الحياة وإن كانت تحوي أحداثًا كثيرة، لكن جميعها أشبه بخيوط تُجدل معًا لتعلن خيط رعاية الله الذي لا ينقطع.

2. عينا الرب تترفقان وسط القفر:

"فأذلك وأجاعك وأطعمك المن الذي لم تكن تعرفه ولا عرفه آباؤك، لكي يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان. ثيابك لم تبلَ عليك، ورجلك لم تتورم هذه الأربعين سنة" [3-4].

فأذلَّك [3]: كان التيه في البرية عقابًا حلّ على الجيل الماضي ليدفع الجيل الحاضر نحو التواضع والخضوع.

إذ صاروا على أبواب كنعان يليق بهم ألا ينسوا فترة البرية الطويلة، فالقفر بالنسبة لهم مدرسة، تعلموا فيها أن الإنسان كائن جائع يحتاج إلى طعام لم يكن يعرفه، ولا عرفه آباؤه، المن النازل من السماء (خر 16: 28)، أو كلمة الله واهبة الحياة.

يدرك المؤمن أن الله يهتم بكل أموره، فيستر عليه بثياب لا تُبلى، ويحفظ قدميه فلا تتورما. الله يهتم بأكلنا وشربنا وثيابنا وصحتنا. الله يسند الحياة ويشبعها بطريقه الخاص، بالمن السماوي. الله الذي يهب الإنسان الخبز ليُشبع الجسد هو الذي يهب النفس أسراره الإلهية "المن الروحي"، ليشبع احتياجاتها. من يركز عينيه على الخبز المادي يصير مدينًا للتراب بما يقدمه له، أما من يركز عينيه على معرفة الله الحية يصير مدينًا له بحياته.

إنه يسمح بالتجارب فنشعر بالمذلة، لكنه يسمح بها في الحدود التي لنفعنا وبنياننا، فلا نخرج منها جائعين أو عراة أو مرضى، بل منتصرين ونامين ومكلّلين بالمجد. يسمح بالتجارب لكي نكتشف الله الحق ورعايته ومراحمه وحبه!

إن كان قد سمح لهم بالتيه، لكنهم في وسط القفر لم يكونوا في حاجة إلى حرث الأرض وزراعتها وسقيها وحصد الثمار، ولا إلى طحن الحنطة وعمل خبز، ولا إلى طهي طعام؛ كما لم يكونوا في حاجة إلى من ينسج لهم أقمشة، ويصنع لهم ثيابًا، ولم يحتاجوا إلى من يصنع لهم صنادل أو أحذية، ولا إلى أطباء وأدوية ومستشفيات. كانت ثيابهم لا تبلى بل وتكبر كلما كبر الطفل وهكذا الأحذية.

أورد السيِّد المسيح الآية [4] للرد على الشيطان عندما طلب منه أن يحول الحجارة إلا خبز (مت 4: 3-4).

في وسط البرية لم يغير الشعب طعامه، بل كان يأكل أشبه بوجبةٍ واحدةٍ في الصباح والظهيرة والمساء، ودامت كل هذه السنوات، ولم يستبدل الرجال أو النساء أو الأطفال ثيابهم، وسار الكل في طريق قفر جاف، لكنه كان يشبعهم بعنايته الفائقة. هذا كله ليؤكد أن شبعنا الحقيقي وسعادتنا ليست في الأكل والشرب والملابس والزينة والحياة المترفة، بل في الدخول إلى حب الله والتمتع بأبوته الفائقة. وكما يوصينا السيِّد المسيح: "اطلبوا ملكوت الله وبره، وهذه كلها تُزاد لكم" (مت 6: 33). وكما أوصى تلاميذه: "لا تهتموا بحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام؟! والجسد أفضل من اللباس؟!" (مت 6: 25). وقال لرسله: "حين أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية هل أعوزكم شيء؟!" (لو 22: 35).

بالنسبة للمؤمن فالطريق وإن كان قفرًا لكنه آمن ولن يؤذي قدميه، إذ قيل: "أرجل أتقيائه يحرس" (1 صم 2: 9)، كما قيل عن الأشرار: "أما طريق الغادرين فأوعر" (أم 13: 15).

كثيرًا ما ينشغل الإنسان بإشباع بطنه بالخبز الفاني ولا يهتم بإشباع نفسه بالمن الروحي الأبدي، كلمة الله واهب الحياة. لهذا تهتم الكنيسة بتدريب الصوم لفترات طويلة لا لإذلال الجسد بالجوع وإنما لرفع النفس إلى السماء، فتجد مائدة سماوية لائقة بها.

-   طوبى للذي يعرف كيف يشبع في المسيح، ليس جسديًا، بل روحيًا، الشبع الذي تقدمه المعرفة[88].

القدِّيس أمبروسيوس

-    تأكد تمامًا أن العدو يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن.

الأب يوحنا من كرونستادت.

-   كن سيدًا على معدتك قبل أن تسود هي عليك. الذي يرعى شرهه ويأمل في التغلب على روح الفجور يشبه من يحاول أن يخمد النار بزيت[89].

القدِّيس يوحنا كليماكوس



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 8 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


8 هاتور 1736 ش
18 نوفمبر 2019 م

تذكار الاربعة حيوانات الغير متجسدين
استشهاد القديس نيكاندروس كاهن ميرا
نياحة الاب بيريوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية
نوة المكنسة شمالية غربية شديدة المطر 4 أيام

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك