تفسير سفر التثنية اصحاح 5 جـ3 Print


ثانيًا: وصايا خاصة بعلاقتنا بأقربائنا في الرب:

5. إكرام الوالدين (وصية 5): بعد تقديم وصايا خاصة بعلاقة المؤمن بالله، يقدم الوصايا الخاصة بعلاقته بالإنسان، فيبدأ بعلاقته بالوالدين. من لا يعرف كيف يكرم والديه اللذين يراهما ويتلامس معهما حسيًا، كيف يمكنه أن يكرم الله أباه السماوي؟‍ في هذه الوصية أضاف ما اقتبسه الرسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس (6: 3): "لكي تطول أيامك ولكي يكو لك خير على الأرض التي يُعطيك الرب إلهك" [16].

طول الحياة لا يعني المعنى الحرفي بل تمتع الإنسان بالخير، فاللحظات التي عاشها الجنين يوحنا المعمدان في بطن أمه أليصابات كانت مملوءة ثمارًا أكثر من القادة شيوخ إسرائيل الذين جحدوا الإيمان وقاوموا الحق. لذلك قيل إن يومًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة عنده كيومٍ واحدٍ. حسابات الله غير حساباتنا البشرية. يقول سليمان الحكيم: "الخاطئ وإن عمل شرًا مائة مرة وطالت أيامه إلاَّ إني أعلم أنه يكون خير للمتقين الله الذين يخافون قدامه، ولا يكون خير للشرير، وكالظل لا يطيل أيامه، لأنه لا يخشى قدام الله" (جا 8: 12-13).
ثالثًا: وصايا خاصة بعلاقتنا بالمجتمع في الرب:

جاءت الوصايا الخمس الأخيرة معًا كأنها وصية واحدة.

"لا تقتل، ولا تزن، ولا تسرق، ولا تشهد على قريبك شهادة زور، ولا تشته امرأة قريبك، ولا تشته بيت قريبك، ولا حقله، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره ولا حماره، ولا كل ما لقريبك" [17-20].
بهذا أوضح موسى النبي وحدة الوصايا. وكما يقول يعقوب الرسول: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10).

6. لا تقتل (وصية 6) وقد أوضح السيِّد المسيح أن الإنسان قد يقتل بلسانه (مت 5).

7. لا تزنِ (وصية 7) طالبنا رب المجد بطهارة القلب الداخلية (مت 5).

8. لا تسرق (وصية 8).

9. لا تشهد على قريبك بالزور (وصية 9).

10. لا تشته امرأة قريبك ولا بيته ولا حقله (وصية 10). ذلك متى انشغل القلب بالله نفسه فيشبع ويفيض بالحب عوض طلب ما هو للآخرين.

-   حقًا إن شرائع الله تئن بصوتٍ عالٍ حين ترى فسادًا عظيمًا على الأرض[61].

القدِّيس باسيليوس الكبير

"هذه الكلمات كلم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط النار والسحاب والضباب وصوت عظيم ولم يزد. وكتبها على لوحين من حجر وأعطاني إيَّاها" [22].

أوضح موسى النبي أيضًا أن هذه الوصايا قدمت في جو من الرهبة العجيبة. إن كانت النار مرهبة، فإن رهبتها تزداد أكثر في وسط الظلمة. أكد النبي: "ولم يزد"، بمعنى أن وصايا الله كاملة، لا تحتاج إلى زيادة.

النار والسحاب والضباب [22]. سمع الشعب الرعد ولكن موسى سمع الكلام (يو 12: 29، أع 9: 7). فكان موسى وسيطًا بين الله والناس (غلا 3: 19) كرمز للسيِّد المسيح (شرح 34: 10).

كتبت الوصايا على لوحين من حجر: "وكتبها على لوحين من حجر وأعطاني إيَّاها" [22]. نحتها على حجرين حتى لا يستطيع إنسان أن يُغير شيئًا فيها.

يشير الحجران إلى القلب، إذ صار قلب الإنسان حجريًا، ويحتاج إلى الوصية الإلهية لكي تنقش بإصبع الله عليه. وضع موسى النبي اللوحين في تابوت العهد الذي يشير إلى الحضرة الإلهية. يقول القدِّيس يوحنا الحبيب: "وانفتح هيكل الله في السماء، وظهر تابوت عهده في هيكله، وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزلة وبرد عظيم" (رؤ 11: 19).

3. تسلمه الشريعة:

"فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدمتم إليَّ جميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم. وقلتم هوذا الرب إلهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار هذا اليوم. قد رأينا أن الله يكلم الإنسان ويحيا. وأما الآن فلماذا نموت؟ لأن هذه النار العظيمة تأكلنا إن عدنا نسمع صوت الرب إلهنا أيضًا نموت. لأنه من هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحيّ يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش. تقدم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلهنا فنسمع ونعمل. فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني وقال لي الرب سمعت صوت كلام هؤلاء الشعب الذي كلموك به قد أحسنوا في كل ما تكلموا. يا ليت قلبهم كان هكذا فيهم حتى يتقوني ويحفظوا جميع وصاياي كل الأيام لكي يكون لهم ولأولادهم خير إلى الأبد. اذهب قل لهم ارجعوا إلى خيامكم. وأما أنت فقف هنا معي فأكلمك بجميع الوصايا والفرائض والأحكام التي تعلمهم فيعملونها في الأرض التي أنا أعطيهم ليمتلكوها. فاحترزوا لتعملوا كما أمركم الرب إلهكم لا تزيغوا يمينًا ولا يسارًا. في جميع الطريق التي أوصاكم بها الرب إلهكم تسلكون لكي تحيوا ويكون لكم خير وتطيلوا الأيام في الأرض التي تمتلكونها" [23-33].

لم يعد يحتمل الشعب أكثر مما رأى من نار تتقد في الجبل، وكان الصوت الإلهي الرهيب خارجًا من وسط الظلمة. لهذا طلب من موسى أن يتقدم لاستلام الشريعة نيابة عن الشعب كله. أدرك الشعب أنه لا يقدر أن يرى أكثر أو يسمع أكثر وإلاَّ ماتوا، مع شوق حقيقي للاستماع أكثر فأكثر، لذا طلبوا من موسى النبي أن يكمل المسيرة. العجيب أن هذا الطلب حدث بعد فترة قليلة من رغبتهم في قتله ورجمه (خر 17: 4).

أراهم أيضًا مدى اهتمام الله بهم، فإنهم إذ كانوا يتحدثون معه اهتم الله بهذا الحديث كمن هو مشغول بهم ولكلماتهم. "فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني، وقال لي الرب: سمعت صوت كلام هؤلاء الشعب الذي كلموك به وقد أحسنوا في كل ما تكلموا" [28].

الله المهتم بهم يطلب أن تكون قلوبهم مملوءة تقوى تطابق ما تنطق به ألسنتهم: "يا ليت قلبهم كان هكذا فيهم حتى يتقوني، ويحفظوا جميع وصاياي كل الأيام لكي يكون لهم ولأولادهم خير إلى الأبد" [29]. لقد أظهروا بشفاههم أنهم يطلبون مزيدًا من الأحاديث الإلهية أو الشرائع التي يقدمها عن طريق موسى كنائبٍ عنهم، لكن الله يطلب قلوبهم وليس مجرد شفاههم.

يُعلن القلب هنا عن الشوق الحقيقي والرغبة الصادقة والحب العميق، كما يمثل الإرادة الإنسانية الحرة. ليطلبوا بكامل حريتهم، فإنه وإن كانت قلوبهم قد صارت باردة يحولّها إلى نار إلهية ملتهبة، وإن كانت قد تحجرت تمامًا ينقش وصاياه عليها بإصبعه، فيجعل من القلب لوحين للشهادة، مقدسين للرب، وشاهدين للكلمة الإلهية.
-   إذ أود أن أُظهر شوق الله العظيم نحو خلاصنا اسمعوا ماذا وعد الشعب بعد معاصيهم الكثيرة لكي يسيروا في الطريق المستقيم، قائلاً: "من يهبهم قلبًا هكذا يكون فيهم حتى يتقوني ويحفظوا وصاياي كل أيامهم، لكي يكون لهم ولأولادهم خير إلى الأبد؟" [29]. وإذ كان موسى يحاورهم قال: "فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقي الرب إلهك لتسلك في كل طرقه وتحبه؟" (تث 10: 12).

ذاك الذي هو مهتم أن نحبه، ويصنع كل شيء بهذا الهدف لم يشفق على ابنه الوحيد من أجل حبه لنا، حاسبًا أنه أمر محبوب لديه إن تصالحنا معه في أي وقت، فكيف لا يرحب بنا ويحبنا إن تُبنا؟[62].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

عيَّن الله موسى النبي رسولاً له يتسلم الشريعة من فمه الإلهي. "وأما أنت فتقف هنا معي، فأكلمك بجميع الوصايا والفرائض والأحطام التي تعلمهم فيعملونها في الأرض التي أنا أعطيهم ليمتلكوها" [31].

-     هذا ما قيل لموسى: "لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة" (خر 3: 5)، لا يقف أحد ما لم يقف بالإيمان، ما لم يقف ثابتًا مصممًا بقلبه. في موضع آخر نقرأ: "وأما أنت فقف هنا معي" (تث 5: 31). كل عبارة منهما إنما نطق بها الرب مع موسى، بمعنى قف معي، إن وقفت بثبات في الكنيسة. لأن الموضع ذاته مقدس، نفس الأرض مثمرة بالقداسة ومخصبة بمحاصيل الفضائل.

لتقف إذن في الكنيسة، لتقف حيث أظهر لك، وحيث أكون معك. حيث توجد الكنيسة يوجد أعظم مكان راسخ لراحة فكرك، فيه تجد عونًا لنفسك، فأظهر لك في العليقة.

أنت هو العليقة وأنا النار. النار ملتهبة في العليقة، إنني في الجسد. لذلك فأنا هو النار، أهبك النور، واستهلك أشواكك، أي خطاياك، وأظهر لك نعمتي.

إذ تقف بثبات في قلبك أطرد الذئاب التي تطلب أن تجد فريسة[63]...

القدِّيس أمبروسيوس

"فاحترزوا لتعملوا كما أمركم الرب إلهكم. لا تزيغوا يمينًا ولا يسارًا" [32].


بقوله هذا يريدنا أن نحترز للعمل كأمر الرب، أي نقبل بفرح إرادته الإلهية تحتل إرادتنا، أو نقبل أن يشكل إرادتنا لتصير مطابقة لإرادته، فإن كنا نخسر الإرادة الذاتية الضعيفة لكننا ننعم بما هو أعظم، نحمل بإرادتنا الحرة إرادة الله عاملة فينا.

أما غاية هذه الإرادة فهي السلوك في طريق الحق والبرّ، بكونه طريقًا مستقيمًا، يحملنا إلى حضن الآب، ويدفع بنا إلى أمجاد داخلية مع شركة مجد سماوي. ما هو هذا الطريق إلاَّ ذاك الذي قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة".    

من وحي تثنية 5

لا أزيغ عنك يمينًا ولا يسارًا

-     وهبتني وصاياك طريقًا للحق.

يحملني روحك ويقودني في الطريق الملوكي.

لا أزيغ يسارًا بالشهوات والرجاسات.

بل أسير في الطريق الملوكي وأبلغ أحضان أبيك.

أنت هو الطريق والحق والحياة.

-     قدمت لي الوصايا العشر من وسط النار.

ليصر قلبي نارًا ملتهبة فتتكلم في داخلي.

تنقش على قلبي الحجري وصاياك الإلهية.

وتجعل من أعماقي تابوت عهدٍ لك.

-    لأحفظ وصاياك بروحك الناري.

فلا أرى إلهًا غيرك.

يتسع قلبي لك فيحمل فيه البشرية المحبوبة لديك.

أصير أيقونة حيّة لك.

وأتشبه بك يا من ليس لك شبيه!



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +