إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

عامل الناس بإتضاع ووداعة ، برقة ولطف

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email

"اكرم أباك وأمك كما أوصاك الرب إلهك لكي تطول أيامك، ولكي يكون لك خير على الأرض التي يعطيك الرب إلهك" [16].

تتعلق هذه الوصية الخامسة بأقدس رابطة بشرية وهي الأبوة، فإن اسم الأب يشير أولاً إلى الله، وقد شرّف الله البشر باستعمال نفس اللقب. يختار الإنسان أصدقاءه، أما الأبوان فهما عطية الله، وقد اختارهما الله وسيلة لمجيء الإنسان إلى العالم وهي خدمة فائقة متقطعة النظير.

وإكرام الوالدين يأتي في المرتبة الثانية بعد إكرام الله صاحب السلطان الأسمى.

وبخ السيِّد المسيح اليهود إذ أقاموا تقليدًا بشريًا يضاد هذه الوصية الإلهية (مت 15: 3-6؛ مر 7: 8-11)، بكسر الابن وصية إكرام الوالدين العملي، وعدم اهتمامه باحتياجاتهم المادية بأن يدعى أنه سيقدم ما كان يجب أن يعولهما به إلى الهيكل قربانًا. وكما يقول العلامة أوريجانوس: [إذ يسمع الآباء أن ما ينبغي تقديمه لهم صار من القربان المخصص لله يحجمون عن أخذه من أبنائهم، حتى وإن كانوا في عوزٍ شديدٍ لضرورات الحياة]. كما يقول: [بأن الفريسيين كانوا محبين للمال (لو 6: 14)، فكان يتظاهرون بجمعه للعطاء للفقراء، حارمين الوالدين من عطايا أولادهم[47]].
-  ناقش الرب نفسه هذه الوصية التي للشريعة، القائلة: "أكرم أباك وأمك". لقد أظهر بوضوح ألاَّ تفسر بكلمات مجردة. وذلك بأنه بينما يظهر الشخص مظهرًا فارغًا من الكرامة للوالدين، يتركهما فقيرين، لا يستطيعان أن ينالا الضرورات، وذلك عوض الالتزام بتكريم الوالدين بتقديم ضروريات الحياة الفعلية. أمر الرب بأن الوالدين الفقيرين يجب أن يعولهما أولادهما. فيردوا لهما في شيخوختهما البركات التي نالوها منهما في طفولتهم.

على العكس كان الكتبة والفريسيون يعلمون الأبناء أن يكرموا والديهم بالقول: "أنه قربان، بمعنى أنها عطية قد وعدت أن أقدمها للمذبح، وسأحضرها إلى الهيكل فتريحكما تمامًا كما لو قدمناها لكما مباشرة لتشتريا طعامًا".

غالبًا ما يحدث أنه بينما يكون الأب والأم في عوز شديد، يقدم أبناؤهما ذبائح للكهنة والكتبة ليأكلوها[48].

القدِّيس جيروم

"لا تقتل. ولا تزن. ولا تسرق" [17-19].

"لا تقتل" تعلن هذه الوصية السادسة قداسة الحياة الإنسانية. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فإن الحياة بجملتها إنما هي صادرة عن الله، يجب أن ننظر إليها بإجلال واحترام باعتبارها عطيته.

"ولا تشهد على قريبك شهادة زور" [20].

لا تشهد شهادة زور (خر 20: 16). قد تبدو هذه الوصية التاسعة سلبية في بنيتها، لكنها إيجابية في معناها، فهي تضع الحق مقابل الباطل، بالنهي عن الباطل لإرساء الحق. فكل كلامنا وشهادتنا يجب أن يكون صادقًا، وقضاؤنا عادلاً.

"ولا تشته امرأة قريبك، ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا كل ما لقريبك" [21].

لا تشته [21]، (خر 20: 17). تختلف هذه الوصية العاشرة عن سابقاتها في أنها تتحدث عن قلب الإنسان لا عمًا يظهر من تصرفاته الخارجية، والله وحده يرى كسرها أو حفظها. وهي في صيغتها السلبية تنهي عن اشتهاء ما للغير، كما أنها في صيغتها الإيجابية تُعلّم القناعة والإيمان (عب 13: 5-6).

إن الفرق البسيط بين رواية هذه الوصية هنا وبين روايتها في خروج (20: 17) حيث أن الشعب هنا كان على وشك دخول كنعان أيام تجربة ويتعرض لاشتهاء حقل جاره، فيحدثه موسى عن حقل جاره الذي يجب ألاَّ يشتهيه.

في الرسالة الثانية المنسوبة للقدِّيس أكليمندس الروماني يربط الكاتب بين معرفة الله الحقة وحب القريب فيكتب: [ليتنا أيها الإخوة نعرفه في أعمالنا بمحبتنا الواحد للآخر (يو 13: 35؛ 15: 12، 1 يو 3: 11)... يليق بنا أن نترفق ببعضنا البعض ولا نكون طامعين. لنتعرف عليه بهذه الأعمال، لا بما يضادها[49]].

في عظات الأب قيصريوس أسقف آرل وردت عظتان عن الوصايا العشر وارتباطها بالعشرة ضربات[50]، جاء فيهما الآتي:

جاء رقم الوصايا معادلاً لرقم الضربات التي أصيب بها المصريون بسبب الكبرياء، إذ قدم الرب وصاياه علاجًا لجراحاتنا الخطيرة. [يمكنكم أن تتحققوا أن تلك الوصايا العشر تضاد العشرة ضربات وبذات الترتيب. فالضربة الأولي تضربها الوصية الأولي، وهكذا الضربة الثانية تضربها الوصية الثانية، والثالثة بالثالثة، وهكذا حتى العاشرة[51]].

جاءت الوصية الأولي بخصوص الله الواحد وعدم الخلط بينه وبين الآلهة الوثنية (خر 20: 3) لتعالج الضربة الأولي للمصريين حيث تحولت المياه إلي دم. فإن كان الدم يشير إلي الشهوات الجسدية، فإن هذه الشهوات جاءت ثمرة عدم الإيمان بالله الواحد. هكذا بالوصية الأولي تتقدس الحواس التي أظلمت فتصير حكيمة ومقدسة.

لقد أراد المصريون أن يقتلوا أطفال العبرانيين ويسفكوا دمائهم لهذا حول الله مياه النهر إلي دم ليشربوا منه[52]. يمكننا القول بأن الوصية الأولي تهبنا الالتصاق بالله الحيّ فنتقيه. عندئذ تتحول طبيعتنا الدموية (العنيفة والشهوانية) إلي طبيعة لطيفة مرتوية بمياه الروح القدس.

أما الوصية الثانية فهي عدم النطق باسم الله باطلاً. فإن من يفعل ذلك لن يكون طاهرًا (خر 20: 7)، أما من يقتني اسم يسوع الحق فيحمل شركة البرّ الإلهي. يمكننا القول بأن هذه الوصية هي دواء لمقاومة الضربة الثانية الخاصة بامتلاء البقاع بالضفادع التي تشير إلي الهراطقة والفلاسفة الملحدين، حيث يقدمون فلسفات مخادعة أشبه بأصوات الضفادع التي لا تتوقف، وهي في وسط الوحل. هؤلاء لهم أصوات مستمرة لكن بلا حكمة روحية إلهية. يقدمون أصواتًا للآذان لكنهم لن يقدروا أن يقدموا طعامًا للنفس أو العقل[53].

الوصية الثالثة
خاصة بحفظ السبت (خر 20: 8)، وهي وصية خاصة بالحرية، مع راحة القلب وهدوء الفكر خلال الضمير الصالح. هذه الوصية في واقعها تشير إلي عمل الروح القدس واهب الحرية والراحة الحقة. يستقر الروح القدس علي الإنسان لكي السبت الروحي، حيث يسحبه إلي عبادة الروح السماوية عوض الارتباك بالزمنيات[54].

الوصية الرابعة خاصة بتكريم الوالدين (خر 20: 12)، وهي ضد الضربة الرابعة الخاصة بالذبان، فإن من لا يكرم والديه يعاني من شر الشيطان وعذاباته[55].

الوصية الخامسة خاصة بعدم الزنا (خر 20: 14)، تعالج ضربة الوباء الذي حل بالبهائم. فالإنسان الذي لا يقتنع بزوجته بل يشتهي زوجة أخيه أو ابنته يفقد رجولته؛ مثل هذا الشخص يتحول كما إلي بهيمة في شكل إنسان، إذ لا يريد أن يسمع قول الرب: "لا تكونوا كفرسٍ أو بغلٍ بلا فهم" (مز 32: 9). إن كنتم لا تخافوا أن تكونوا مثل البهائم فخافوا أن تموتوا مثلهم.

الوصية السادسة هي "لا تقتل"، تقابل الضربة السادسة وهي حلول البثور في الناس والبهائم صادرة عن رماد الأتون. فإن القتلة هم أناس احترقت نفوسهم بنيران الغضب وصاروا كرماد الأتون. فالقاتل يقتل نفسه قبل قتله أجساد الآخرين. تطالبنا الوصية هنا ألاَّ يحترق قلبنا بالغضب بل بمحبة الآخرين. الأولى تسبب بثورًا مهلكة، والثانية تقدم شفاءً للنفس.

الوصية السابعة هي "لا تسرق"، تقابل سقوط البرد العظيم جدًا كالمطر فتبيد الحيوانات والمحاصيل في الحقول. فمن يسرق أي ينهب بظلمٍ ما ليس له إنما تحل به الخسارة من السماء كمطرٍ شديد من البرد.

بالسرقة يظن الإنسان أنه ربح كثيرًا من أمورٍ منظورة، ولا يدرك أنه بالحقيقة حلت به خسائر غير منظورة. من يسرق خلال شهواته الشريرة أشياءً ظاهرة يحل في داخله البرد ممن قبل أحكام الله السماوية فيفقد الأمور الخفية.

إن أمكن للصوص أن يتطلعوا إلي حقول قلوبهم لأدركوا جسامة الخسارة التي حلت بهم، فتموت نفوسهم جوعًا حيث هلكت مواردهم بالبرد، بينما في الظاهر يظنون أنهم اقتنوا الكثير بظلمهم للغير. لهذا يوجهنا بطرس الرسول إلي الغني الداخلي: "إنسان القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن" (1 بط 3: 4)، فيكون الإنسان غنيًا لا أمام الناس بل أمام الله.

الوصية الثامنة هي "لا تشهد بالزور" تقابلها ضربة الجراد، وهي حشرات تدمر الحقول بفمها. هكذا من يشهد بالزور يحطم نفسه وإخوته بكلمات فمه الكاذبة. لهذا يحذرنا الرسول بولس: "فإذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضًا" (غلا 5: 15).

الوصية التاسعة هي: "لا تشته امرأة قريبك"، والضربة التاسعة هي حلول الظلام الدامس. حقًا من يشتهي امرأة أخيه يكون يحل به ظلام دامس، فإنه ليس شيء أكثر من هذا يسبب عمي للنفس ويثير غضبًا عظيمًا. فمن يدنس زوجة الغير إنما يمارس جنونًا بلا ضابط.

الوصية العاشرة هي "لا تشته ما لقريبك: غنمه أو ثوره أو أي شيء يخصه". يقابل هذا ضربة قتل الأبكار. فإن كل ما يقتنيه الإنسان إنما ليقدمه لورثته، وليس بين الورثة من هو أكثر معزة من البكر. بينما يُحرم الإنسان من ممتلكاته التي يود أن يقدمها لورثته يُحرم الناهب لممتلكات أخيه من بكره ذاته وليس مما يتركه ميراثًا له. من هو هذا البكر المقتول إلاَّ الإيمان الذي هو بكر القلب، والنابع عنه، لأنه لا يقدر أحد أن يمارس عملاً صالحًا ما لم يولد الإيمان في قلبه كبكرٍ له.

يختم الأب قيصريوس عظته رقم 100 بالقول بأنه بالوصايا العشر يتحرر الإنسان من اضطهاد المصريين الظالم، أي من الظلم الروحي الذي في أعماقه، لكي يتحرر قلبه وينطلق إلي أرض الموعد وذلك خلال العون الإلهي.

يمكننا تقسيم الوصايا العشر إلى 3 أقسام متكاملة:
أولاً: وصايا خاصة بعلاقتنا بالله:

1. الارتباط بالله وحده دون آخر سواه
(وصية 1)، هذا الإله تعرفنا على أسراره خلال تجسد الكلمة (مت 11-27).

يقول القدِّيس أغسطينوس[56]: [إنه عندما تحدث السيِّد المسيح مع اليهود عن تحررهم من العبودية قالوا له إنهم لم يُستعبدوا قط لإنسان (يو 8: 31-36)، مع أن يوسف بيع عبدًا (تك 37: 28)، ووجد أنبياء قديسون في الأسر (2 مل 24، حز 1)، كما سقط الشعب تحت عبودية فرعون (خر 1: 14)، حتى في أيام السيِّد المسيح كانوا خاضعين للجزية للدولة الرومانية (مت 22: 15-21). ما أراده السيِّد المسيح هو أن يحررهم من عبودية الأنا، الكبرياء الفارغ، لكنهم فهموا الحرية بمفهوم جسداني].

2. الامتناع عن عبادة التماثيل (وصية 2) حتى لا ننحرف إلى عبادة الأوثان [إقامة تماثيل في القلب مثل حب الذات وحب الاقتناء الخ].

إن كان موسى النبي يشهد بأن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، إلاَّ أنه في نفس السفر يؤكد أن الآب لا يموت بخطية ابنه أو العكس (تث 24: 16)، كيف؟ يجيب القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [بأن النص الأول يخص الأبناء الذين يكملون مكيال آبائهم ويصيرون أشر منهم[57]].

3. عدم النطق باسم الله باطلا (وصية 3). في القديم كان القسم باسم الله علامة تكريم الله ومخافته لذلك سُمح به، أما في العهد الجديد فإذ ارتفع الإنسان إلى مستوى النضوج الروحي يليق به إلاَّ يحلف البتة (مت 5). تهتم الوصية بتقديس الفم؛ وعندما تحدث الرسول بولس عن فساد البشرية وأن الجميع زاغوا وفسدوا معًا، اهتم بالفم، إذ يقول: "حنجرتهم قبر مفتوح، بألسنتهم قد مكروا سم الأصلال تحت شفاههم، وفمهم مملوء لعنة ومرارة" (غلا 3: 13-14).

4. حفظ السبت (وصية 4، راجع خر 20). سبق لنا الحديث عن السبت وحفظه وطقوسه في شيء من التفصيل[58]، وقد لاحظنا أنه في جوهره ليس وصية ثقيلة يلتزم بها المؤمن لكنه عيد مفرح يعكس روح البهجة علي الجماعة كلها، وعلي كل مؤمن مع أهل بيته والغرباء النازلين عنده، وعلي الأجراء والعبيد، بل ويعكس راحة حتى علي الحيوانات.

أعطت أسفار العهد القديم تركيزًا خاصًا علي وصية حفظ السبت بقصد تركيز الأذهان علي ترقب مجيء المخلص، محررنا من عبودية إبليس، واهب الراحة الحقة. وكما يقول القدِّيس أكليمندس الإسكندري: [إننا نتمسك بالسبت الروحي حتى مجيء المخلص، إذ استرحنا من الخطية[59]]. ويقول القدِّيس أغسطينوس: [(فيه) نستريح ونرى، نرى ونحب، نحب ونسبح، هذا ما سيكون في النهاية التي بلا نهاية[60]].

يظهر الاختلاف بوضوح في الوصية الرابعة الخاصة بتقديس يوم السبت. في سفر الخروج (31: 13) طالبنا الله بتقديس يوم السبت لأنه خلق العالم في ستة أيام، لذا يليق بنا أن نقدسه، أي نكرس اليوم السابع لتقديم العبادة والشكر للخالق. أما هنا فيقدم تعليلاً جديدًا، وهو تقديس يوم السبت من أجل أعماله الخلاصية وتجديد حياتنا، فهو الذي أطلقنا من عبودية إبليس (فرعون) ودخل بنا إلى كنعان السماوية. الآن صار الرب سبتنا، فيه يجد الآب راحته نحونا ونحن نجد راحتنا.

يذكرهم الرب بمرارة العبودية التي عاشوها في مصر، حاسبًا خروجهم هو السبت أو الراحة التي خلالها تمتعوا بالحرية. فالسبت الحقيقي هو أن نقدم للغير روح الحرية حتى لا تتمرر نفوسهم في مذلة. فالسبت هو انطلاق النفس بالحب نحو كل الإخوة وحتى نحو الحيوانات والطيور، مشتاقًا أن يتمتع الكل بالراحة الحقّة.

إن كان السبت هو "خروج" الإنسان من عبودية إبليس، لذا صار سبتنا هو يوم الأحد بكونه خروجنا تحت قيادة السيِّد المسيح، مختفين فيه، لنخرج من عبودية إبليس إلى حرية مجد أولاد الله.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


1 كيهك 1736 ش
11 ديسمبر 2019 م

كيهك
شهر كيهك
نياحة القديس بطرس الرهاوى أسقف غزة
نياحة البابا أثناسيوس الثالث ال76
نياحة البابا يوأنس الثالث ال 40
تكريس كنيسة الشهيد أبى فام الجندى بأبنوب
تذكار تكريس كنيسة الانبا شنودة رئيس المتوحدين

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك