تفسير سفر التثنية اصحاح 5 جـ1 Print

الوصايا العشر
قلب العهد الإلهي

استدعى موسى النبي ليس فقط الشيوخ والقيادات بل وكل الشعب وسألهم أن يذكروا أن العهد الذي قطعه الله مع إسرائيل لم يكن عهدًا يخص الماضي، بل هو عهد حاضر على الدوام وقائم. ذكرهم بالوصايا العشر، وكيف أنهم طلبوا منه أن يقترب هو من الله نيابة عنهم، لكي يقبل منه الشريعة.

بعد أن تحدث عن تطهير أرض الموعد من العبادة الوثنية، ومن سفك أي دم بريء، قدم لنا موسى النبي عصب العهد الإلهي، وهو الوصايا العشرة. وقد جاءت مطابقة لما ورد في (خر 20: 2-17)، غير أنها قدمت تعليلاً جديدًا للاحتفال بالسبت، إنه تذكار لعمل الله الخلاصي بإخراج الشعب من عبودية فرعون [15]، عِوض كونه تذكارًا للخليقة (خر 20: 11).

يختم حديثه بتأكيد الطاعة لصوت الرب كشرط للتمتع بخيرات الحياة الجديدة في أرض الموعد [22-33].

1. عهد إلهي حاضر        [1-5].

2. الوصايا العشر          [6-22].

3. تسلمه الشريعة     [23-33].

1. عهد إلهي حاضر:

"ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم: اسمع يا إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلم بها في مسامعكم اليوم، وتعلموها، واحترزوا لتعملوها" [1].

دعي موسى الشعب لكي يسمع الوصية ويتعلمها ويعمل بها ويحفظها، الأمر الذي سبق فأكده في العظة الأولى. يطالبنا الله أولاً أن نسمع، ثم نتعلم، وثالثًا نحفظ، أي ندخل بالوصية إلى أعماق القلب لكي نحتفظ بها كما في مخزن آمين [1]. وكما يقول الكتاب "خبأت كلامك في قلبي كي لا أخطئ إليك" (119: 11). رابعًا أن نمارسها، فلا يكفي تخزينها في الأذن بالسماع، ولا في الفكر بالتعلم، ولا في القلب بالحفظ والاشتياق إليها، وإنما يلزم ترجمتها عمليًا بالعمل. فإنه لا يطلب منا أن نملأ أذهاننا بأفكار نظرية ولا شفاهنا بكلمات جوفاء، وإنما يلزم ترجمة الوصية إلى عملٍ، فيكرس الإنسان كل أعضاء جسده لتنفيذها، كما يليق به أن يحفظها في قلبه، مكرسًا كل مشاعره لحسابها. هكذا تملأ الوصية عقل الإنسان وتقدس أعضاء جسمه، وتلهب قلبه بالحب. يشترك الجسم كله في تنفيذها فيتقدس الإنسان بكليته بقبوله الوصية والتفاعل معها.

لا يستطيع أحد أن يدعى أنه يتمم كل الوصايا بكمالها إلاَّ السيِّد المسيح. فالوصايا أشبه بمرآة تكشف ما في القلب، لكنها تعجز عن أن تجدده وتغير طبيعته. أو هي أشبه بكشافات النور المثبتة في العربة، تكشف الطريق، وتظهر العقبات، لكنها تعجز عن إصلاح الطريق. لهذا يقول الرسول بولس: "إذ نحن نعلم أن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح آمنّا نحن أيضًا بيسوع المسيح لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس؛ لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما" (غلا 2: 16). لا يقدر أن يتبرر بأعمال الناموس، أولاً لأن الناموس يعجز عن تصحيح ما قد حدث بسبب خطايانا، ثانيًا لأنه لا يقدر أحد أن يتمم وصايا الناموس.

"فلماذا الناموس؟ قد زيد بسبب التعديات إلى أن يأتي النسل الذي قد وُعد له مرتبًا بملائكة بيد وسيط" (غلا 3: 19). فمن حقك أن تتساءل: لماذا الناموس؟ الإجابة لكي تكتشف تزايد التعديات والحاجة إلى ذاك الذي يولد حسب الوعد الإلهي الذي قدم لنا بواسطة الملائكة. "إذًا قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدبٍ" (غلا 3: 24-25).

هوذا صار الناموس خادمًا لنا، يمسك بأيدينا، ويدخل بنا إلى الصليب، قائلاً لنا: "ادخلوا يا أصدقائي الصغار إلى المخلص، فهو وحده قادر أن يبرركم ويمجدكم!" إذن الناموس صالح، يعلن عن فكر الله، ويكشف عن عجزنا ويحثنا على التمتع بشركة المجد الأبدي. "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 23).

يحول موسى النبي الوصايا والأحكام والشرائع إلى عهدٍ، إذ يقول: "الرب إلهنا قطع معنا عهدًا في حوريب" [2]. الوصايا كما يبرزها موسى النبي هنا ليست مجرد أوامر أصدرها الله لكي يطيعها الإنسان، إنما في أعماقها هي "عهد" بين الله والإنسان.

أولاً: التطلع إلى الوصايا والأحكام والشرائع كعهدٍ يعطي فهمًا خاصًا للعلاقة

بين الله والإنسان. فإن الله لا يأمر وينهي كسيِّدٍ يجب على العبيد طاعته، ولا كخالقٍ ليس للخليقة أن تحاوره، لكنه يرفع الإنسان ليصير كندٍ، يتحاوران معًا. يرى المؤمن في الوصايا ثمرة عهدٍ يقوم على كامل حرية إرادته. يتعامل مع الله ككائنٍ عاقلٍ له أن يقبل أو يرفض وله أن يحاور ويحاجج.

ثانيًا:
هذا العهد يُقام بين الله وكنيسته الحاضرة، عهد جديد لا يشيخ. إنه ليس بالعهد الذي أُبرم بين الله والجيل السابق، بل هو عهد حاضر عصري. "ليس مع آبائنا قطع الرب هذا العهد، بل معنا نحن الذين هنا اليوم جميعنا أحياء، وجهًا لوجهٍ تكلم الرب معنا في الجبل من وسط النار" [3-4]. إنه عهد شخصي، إن كان قد أقيم مع إبراهيم واسحق ويعقوب، لكن يتمتع به الجيل الحاضر كعهدٍ قائم معهم شخصيًا. يقيم الله عهده الشخصي مع الكنيسة المعاصرة، ومع كل مؤمن شخصيًا كعضوٍ حيّ فيها. "ليس مع آبائنا... بل معنا" التعبير العبري يحمل معنى "ليس مع آبائنا فقط، بل معنا أيضًا"، هنا يلقي موسى النبي عليهم المسئولية الشخصية، لأنهم أول من سيسكنون الأرض روادًا فيها. خلال هذا العهد يتكلم الرب مع شعبه "وجهًا لوجه" [4].

ثالثًا: عهد صريح، تحقق وجهًا لوجه، ليس في الظلام بل في وسط النار. ليس كما قال أليفاز التيماني: "إليَّ تسللت كلمة فقبلت أُذني منها ركزًا، وفي الهواجس من رؤى الليل عند وقوع سبات على الناس، أصابني رعب ورعدة فرجفت كل عظامي" (أي 4: 12-14).

رابعًا: وسيط العهد هنا هو موسى النبي الذي يقف بين الله الساكن في السموات والشعب الذي عند سفح الجبل، غاية وساطته هو تقديم الشريعة للشعب وسماعهم صوت الرب دون أن يموتوا. وهو في هذا رمز لسيِّد المسيح الوسيط بين الآب والإنسان، فيه ينعم الإنسان بالكلمة الإلهي، وفيه يصير الإنسان موضع سرور الآب.

"الرب إلهنا قطع معنا عهدًا في حوريب" [2]. يشير موسى إلى المكان بالذات ليشعرهم بمسئوليتهم وامتيازهم.

2. الوصايا العشر:

يُعيد موسى النبي ذكر الوصايا العشر مع تفسيرها. لقد مات الذين سمعوا الوصايا العشر وبليت عظامهم، أما الجيل الجديد فكان محتاجًا إلى سماع هذه الوصايا مع تفسيرٍ لها على ضوء خبرة الأربعين عامًا في البرية.

قد يعترض البعض قائلاً إن ما ورد هنا هو تكرار لما ورد في سفر الخروج (20). ليكن، فإن الكتاب يؤكد أهمية هذه الوصايا، والالتزام بسماعها أكثر من مرة، لأنها أساسية في حياة المؤمن. سبق فتحدث عن الوصايا العشر، لكنه يعود فيذكرهم بها وفي شيء من التفصيل. هكذا يليق بنا إلاَّ نمل من سماع الوصية حتى نتممها، فتكون لنا إرادة الله عاملة فينا. الحديث المتكرر عن الوصية مفرح، وكما يكتب الرسول بولس: "كتابة هذه الأمور إليكم ليست عليّ ثقيلة، وأمامكم فهي مؤمَّنة" (في 3: 1).

"وجهًا لوجه تكلم الرب معنا في الجبل من وسط النار. أنا كنت واقف بين الرب و بينكم في ذلك الوقت لكي أخبركم بكلام الرب، لأنكم خفتم من أجل النار ولم تصعدوا إلى الجبل فقال..." [4-5].

حقًا إنه إله مهوب، نار آكلة، لكنه يهب حياة لشعبه، إذ يقول: "لأنه من هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحيّ يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش؟!" [26]. قد أرانا مجده وعظمته، وسمعنا صوته من وسط النار؛ هذا اليوم قد رأينا أن الله يكلم الإنسان ويحيا [24]. هكذا نفهم الوصية ليست أوامر صادرة، إنما ارتفاع كما على الجبل لنلتقي مع الله في مجده، يتحدث معنا وجها لوجه فلا نموت.

تعتبر الوصايا العشر لب الشريعة وأساس عهد الله. ويمكن أن نعتبر الأصحاحات (12-26) تطبيقًا مفصلاً لمبادئها على حياة الشعب في أرض كنعان. كان شعب العهد القديم يهتم بتنفيذ مظهرها، أما ربنا يسوع فكشف عن أعماقها. لقد جعل المسيح منها قانونًا "لدخول الحياة" حين طلب من الشاب الغني أن يحفظها ليحيا (مت 19: 18). كما جعلها قانون الحياة لكل تابعيه. ظن الشعب القديم أنه يتبرر بمجرد استلامه الوصايا، أما العهد الجديد إذ نكتشف عجز البشرية عن إتمام كل الوصايا في أعماقها، ندرك حاجاتنا إلى السيِّد المسيح الذي يبررنا بدمه، ويسندنا بروحه القدوس لتنفيذ الوصية.

"أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخري أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني. واصنع إحسانًا إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي" [6-10].

يعطي الله اسم "يهوه" إله العهد، فيدخل في شركة وصلة مع شعبه المختار كنصيب لهم. كما أنه في ملء الزمان قد بذل ابنه (يو 3: 16) وهذه الصلة الشخصية بين الله والإنسان في المسيح هي أساس الإيمان المسيحي.

افتقد ذنوب الآباء في الأبناء [9]
، لا في الجرم بل بالنسبة للعواقب، هذا صحيح نلمسه بالاختبار العملي. كما نختبر الوعد بالرحمة إلى "ألوف من محبّي وحافظي وصاياي" [10].

"لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً. احفظ يوم السبت لتقدسه كما أوصاك الرب إلهك. ستة أيام تشتغل وتعمل جميع أعمالك. وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك، لا تعمل فيه عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك و ثورك وحمارك وكل بهائمك ونزيلك الذي في أبوابك لكي يستريح عبدك وأمتك مثلك. واذكر انك كنت عبدًا في أرض مصر، فأخرجك الرب إلهك من هناك بيدٍ شديدةٍ وذراعٍ ممدودةٍ لأجل ذلك أوصاك الرب إلهك أن تحفظ يوم السبت" [11-15].

يحتاج الإنسان أن يفرز هذا اليوم للعبادة وانتظار الرب والإصغاء لصوته، حتى لا يجري في صراع محموم خلق الثروة أو الحكمة، بل تصير حياته ذات معنى حسب قصد الله وإرشاده. وهذه الوصية نبوة عن الراحة الأبدية القادمة (عب 4: 9). بهذا انتقل السبت اليهودي إلى الأحد المسيحي حيث الحرية الحقيقية في المسيح يسوع.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +