إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن سلمت كل أمورك لله فأمن إنه قادر أن يظهر عجائبه

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر التثنية اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

الإفراز في التعامل مع الغير

في الأصحاح الأول عرض موسى النبي بعض أخطاء الشعب، وما اجتنوه كثمر للعصيان. الآن وقد صاروا على أبواب الدخول إلى أرض كنعان، إذ فيهم يتحقق الوعد الإلهي الذي قُدم لأبيهم إبراهيم وتثبت عبر الأجيال، على أن يلتزم الشعب بأن يتمتع بروح التمييز أو الإفراز في سلوكهم وتعاملهم مع الأمم.

إن كان الله في حبه لشعبه يسكن في وسطهم ويقدم لهم أرض الموعد، محاربًا عنهم ضد أممٍ كثيرةٍ، لكنه أراد أن يسلكوا حسب خطته، بتدبير وحكمة. فطلب منهم إلاَّ يهاجموا بني عيسو (2: 1-8)، بكونهم إخوتهم (عيسو ويعقوب أخوان) الذين سبق أن نالوا وعدًا بأخذ جبل سعير ميراثًا (تك 36: 8). كما طالبهم ألاَّ يثيروا حربًا ضد موآب وعمون (2: 9، 18) لأنهم أبناء لوط. إنما يحاربون سيحون ملك الأموريين (2: 24) الذي يقسِّي قلبه ولا يدعهم يمرون بأرضه، فيهبهم الرب نصرة على جيش ملك الأموريين وتصير لهم كل مدن سيحون (2: 26-36).

الله الذي يهبهم النصرة في حروبهم، لا يريد أن يقيم منهم شعبًا يهوى الحرب والاقتناء، إنما إن حاربوا ففي الرب، وإن ملكوا فكعطية إلهية، لهذا وضع لهم حدودًا وهدفًا في حروبهم.

1. ارتحالهم في البرية               [1-3].

2. عدم محاربة الأدوميين            [4-8].

3. عدم محاربة الموآبيين            [9-19].

4. محاربة سيحون وعوج           [20-37].

1. ارتحالهم في البرية:

"ثم تحولنا ورحلنا إلى البرية عن طريق بحر سوف كما كلمني الرب، ودرنا بجبل سعير أيامًا كثيرًة. ثم كلمني الرب قائلاً: كفاكم دوران بهذا الجبل. تحوّلوا نحو الشمال" [1-3].


تشير الآية [1] في عبارة مقتضبة إلى رحلة التيه ككل، حيث لم يكن المستمعون في حاجة إلى الحديث عن تفاصيلها. وجاءت الآيتان [2-3] تشيران إلى الأمر الصادر بخصوص الرحلة من قادش إلى جبل هور (عد 20: 22، 33: 37)، وتوجيههم للسير في أقصى الجنوب من جبل سعير للدوران حول أرض أدوم (عد 21: 4)، ثم شمالاً نحو أرنون، أي "في طريق برية موآب" [8].

هذا وإن كلمة "سعير" معناها "كثير الشعر". وهي أرض كان يسكنها الحوريون (تك 14: 6)، استولى عليها عيسو ونسله (تك 32: 3). وقد دعيت "جبل سعير" لأنها أرض جبلية على الجانب الشرقي من البرية العربية، ويصل ارتفاع أعلى قمة فيها  1600 مترًا، وهي قمة جبل هور. اضطر بنو إسرائيل في رحلتهم أن يسيروا حولها في أرض قاسية وعرة، ساروا في شبه دائرة إذ رفض الأدوميون السماح لهم بالعبور في أرضهم.

في الأصحاح السابق صدر الأمر الإلهي للشعب ألاَّ يتراخوا "كفاكم قعود في هذا الجبل" (1: 6)، وهنا يسألهم "كفاكم دوران بهذا الجبل، تحوّلوا نحو الشمال" [3].

باستثناء كالب ويشوع وموسى كان الجيل الخارج من مصر قد مات، هؤلاء هم الذين رفضوا الدخول في أرض الموعد كأمر الرب [14-15]. وموسى قد اقترب أن يموت، لذلك قال الرب إن الدوران حول الجبل قد طال بما فيه الكفاية.

من ثمار الخطية أن يُصاب الإنسان بحالة من البلادة فلا يتحرك، وإن تحرك فإنه يسير كما في دائرة مغلقة بلا تقدم. فإن عدو الخير يضرب أولاً الإنسان بخطية الكسل والتراخي والخمول. فإن لم يستجب يحثه على الحركة والعمل بلا هدف، فيفسد طاقته ويضيعها.

-  يحتاج المؤمن إلى روح الحكمة السماوية والتمييز حتى لا يتوقف عن الحركة، لكنه وهو يتحرك يسلك في الطريق الملوكي بلا انحراف.

القدِّيس يوحنا كاسيان

2. عدم محاربة الأدوميين:

إن كان يعقوب قد اقتنى الباكورية والبركة، لكن الله أعطى لأخيه عيسو ونسله أن يقتنوا جبل سعير. وها هو الله نفسه يأمر شعبه إلاَّ يقترب من حدود بني عيسو  ويقتحموها. فإنه أعطاهم جبل سعير، مترقبًا عودتهم إليه ليدخلوا إلى الأرض الجديدة، كنعان السماوية بالإيمان بالمسيَّا مخلص العالم.

الله محب كل البشرية يطلب ألاَّ يتعدى أحد على حدود الغير، وكما يقول الرسول بولس: "وصنع من دم واحدٍ كل أمةٍ من الناس يسكنون على كل وجه الأرض، وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم" (أع 17: 26).

"وأوصِ الشعب قائلاً: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم، فاحترزوا جدًا. لا تهجموا عليهم. لأني لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قدم، لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثًا" [3-5].

أعطاهم حق المرور في تخم إخوتهم، وقدّم لهم مهابة ومخافة في أعينهم، لكن يلزمهم ألاَّ يُسيئوا مثل هذه الحقوق. يؤكد لهم "احترزوا جدًا"، لا لئلاَّ يهزمهم بنو عيسو، وإنما لئلاَّ يفقدوا روح الحق والعدالة، ويسقطوا في عدم الطاعة للوصية الإلهية.

إنسان الله مهوب للغاية، لكن ليحذر لئلاَّ يظن في نفسه شيئًا فيفقد روح التواضع أمام الله، وبالتالي عوض الكرامة يحل به الهوان.

يلاحظ في هذا الأصحاح أن الله خالق الكل ورب الجميع كلما تحدث عن أمرٍ ما يقدم توضيحًا لتصرفاته، فنراه هنا يكرر كلمة "لأني" [5، 9، 19]. أنه أب عجيب يود أن يتحدث مع أولاده لا بلغة الأوامر والنواهي، بل بروح التفاهم ليدركوا ما وراء كل تصرف، ويتعرفوا على أسراره الخفية. أنه يشتهي أن يتحدث معنا كما فعل مع موسى، إذ قيل: "ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه كما يكلم الرجل صاحبه" (خر 33: 11).

قدم لهم في هذه الوصية احترام ملكية الغير بدقة شديدة، إذ يطالبهم ألاَّ يتعدوا جبل سعير "ولا وطأة قدم" [5]. فقد نبدأ بوطأة قدم، لكن سرعان ما نتعدى أكثر فأكثر فنشتهي أن تقتني ما هو ليس من حقنا، لهذا تؤكد الوصية: "لا تمس، لا تذق"، كن بعيدًا تمامًا.

حقًا عندما قدم الله الوصايا العشر لم يقدم شرحًا لكل وصية. فإنه إذ يقول "لا تسرق"، لا يوضح لماذا ذلك لأنه قدمها لأطفال صغار يعجزون عن إدراك المفاهيم الروحية للوصية، لكنه سرعان ما قدم التفاسير لها. فأوضح ألاَّ نسرق، لا من أجل أمر صادر لنا بهذا، وإلاَّ فإننا نسرق بفكرنا وقلبنا حتى وإن لم تمتد يدنا للسرقة. إنما قدم لنا تفسيرًا: "كونوا قديسين لأن أباكم قدوس"، كونوا كاملين لأن أباكم كامل". فالقداسة أو الكمال، أو التشبه بالله هو علة عدم السرقة. لهذا يقدم الله الوصية ليتبعها الإعلان الإلهي.

طرد نسل عيسو أو أدوم الحوريين وسكنوا في أرضهم [12]. وكان حكام أدوم في البداية رؤساء قبائل أو أمراء (تك 36: 15-19)، صاروا فيما بعد ملوكًا (تك 36: 31-39)، قبل قيام مملكة إسرائيل. وكان الأدومي يُعتبر أخًا للعبراني حتى أن من يُضم إليهم يحسب الذي في الجيل الثالث عبرانيًا (تث 23: 7-8). حاربهم شاول الملك (1 صم 14: 47)، وانتصر عليهم داود الملك (2 صم 8: 14)، لكنه لم يطردهم من أرضهم بل أقام عليهم حراسًا. واستعادوا استقلالهم في أيام يهوشافاط (2 مل 8: 20-22). ابتهج الأدوميون لغزو نبوخذنصَّر أورشليم، وكانوا يأسرون الهاربين ويبيعونهم (عوبديا).

"طعامًا تشترون منهم بالفضة لتأكلوا، وماءً أيضًا تبتاعون منهم بالفضة لتشربوا. لأن الرب إلهك قد بارك في كل عمل يدك، عارفًا مسيرك في هذا القفر العظيم. الآن أربعون سنة للرب إلهك معك لم ينقص عنك شيء" [6-7].

إن كان الله قد سمح لهم بالتيه حوالي 40 عامًا بسبب عصيانهم وتذمرهم، لكنه كان كمن يسير معهم في هذه الرحلة الطويلة، عارفًا مسيرتهم، ومهتمًا بكل احتياجاتهم، ولم يعوزهم شيء من ضروريات الحياة. هكذا وسط تأديبنا لا يتخلى عنا، بل يلتصق بنا، ويقدم لنا كل احتياجاتنا، فإنه يجرح ويشفي!

وإن كان المن لم يكن بعد قد انقطع تمامًا حتى يوم الاحتفال الأول بعيد الفصح في كنعان تحت قيادة يشوع (يش 5: 10-12)، لكننا لأول مرة نجد الشعب محتاجًا أن يشتري طعامًا وماءً بفضة. كان الله قبلاً يعولهم طوال الأربعين عامًا مجانًا، لكنه بدأ يُدربهم على الشراء قبل دخولهم أرض الموعد حيث يلتزمون بالزراعة والتجارة. ولعل الله سمح لهم أن يشتروا طعامًا وماءً في نفس الوقت الذي كان يمطر عليهم منًا، ليؤكد لهم أنه لا يريد أن يحرمهم من الأطعمة التي أوجدها لهم. إنزاله المن لا يعني إلاَّ الإعلان عن حبه لهم ورعايته الفائقة. هذا وإن ما يمنعه هو الشهوة والنهم في الطعام.

كلمات تكشف عن حب الله الفائق لشعبه ورعايته وخطته. كان يمكن أن ينطلق بهم من مصر إلى كنعان في أيام قليلة، لكنه بخطة إلهية أبقاهم أربعين سنة في القفر العظيم ليتمتعوا ببركة يديه وسيره معهم زمانًا أطول، وإدراك اهتمامه بكل احتياجاتهم حتى المادية التافهة. هذا هو صلاح الله الذي يحول حتى ثمر خطايانا لخيرنا.

يستطيع الإنسان في ساعات قليلة أن يصنع سلمًا ضخمًا، لكنه يحتاج إلى سنوات لكي يقيم شجرة عظيمة مملوءة بالثمار. هكذا لم يرد الله أن يجعل من شعبه سلمًا ضخمًا بل شجرة مثمرة، بدأ بغرسها في مصر وصار يرويها ويرعاها أربعين عامًا حتى تتمتع بالدخول إلى أرض كنعان رمز السماء، كثمرٍ طبيعيٍ لعمل الله في حياتهم.

كثيرًا ما نتعجل الثمر، نريد بين لحظة وأخرى أن نحمل ثمر الروح، لكن الله في حبه الشديد لنا يعمل معنا بهدوء في غير تسرع حتى نتلمس عمله وندرك أسراره، ونختبر العشرة معه، فيسير معنا في وسط القفر العظيم سنوات هذه مقدارها.

لم يقدم لهم خلال هذه السنوات الطويلة محاضرات في اللاهوت، لكنه قدم لهم نفسه، يسير معهم في البرية ويشبع كل احتياجاتهم، فيذوقوا حبه ويختبروا عذوبته.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 


4 هاتور 1736 ش
14 نوفمبر 2019 م

استشهاد القديس يوحنا ويعقوب أسقفى فارس
استشهاد القديس الانبا توماس الاسقف
استشهاد القديس إبيماخوس وعزريانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك