إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان العادل صاحب العقل الحر يقول عن الحق إنه حق ولو كان صادراً من عدوه ويقول عن الباطل إنه باطل ولو كان صادراً من أبيه أو أخيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية

+ تفسير سفر التثنية +



تفسير سفر التثنية اصحاح 32 جـ4 PDF Print Email

يقارن بين الله الصخرة الحقيقية القادرة على حماية الشعب، وبين الآلهة الوثنية التي يحتمي فيها الأمم (ربما يقصد هنا الرومان) كصخور لهم، فيقول: "ليس كصخرنا صخرهم، ولو كان أعداؤنا القضاة" [31]. فإن الوثنيين أنفسهم إن أقاموا أنفسهم قضاة لحكموا بأن الله إله إسرائيل الذي لا يُقارن بصخرة الآلهة الوثنية.

إن كان قد سمح الله للوثنيين بالنصرة لتأديب شعبه، ذلك لأنهم صاروا أشرارًا؛ "لأن من جفنة سدوم جفنتهم، ومن كروم عمورة عنبهم عنب سم، ولهم عناقيد مرارة. خمرهم حمة الثعابين وسم الأصلال القاتل" [32-33]. صارت حياتهم حياة سدوم، وأعمالهم كأعمال عمورة، تحولوا إلى شعب يحمل في داخله السم القاتل.

يرى البعض أن الكروم هنا تشير إلى تعاليمهم التي نقلوها عن الوثنيين فصارت لهما سمًا قاتلاً.

ثالثًا: الله المحب لا يتسرع في التأديب، بل يُطيل أناته جدًا، فإن أصر شعبه على الشر يقدم لهم مما وضعوه في المخازن وختموا عليه بعنادهم، فيسقطوا تحت التأديبات المُرّة.

"أليس ذلك مكنوزًا عندي مختومًا عليه في خزائني؟! لي النقمة والجزاء. في وقت تزل أقدامهم. إن يوم هلاكهم قريب والمهيآت لهم مسرعة" [34-35].

يرى البعض أنه يتحدث عن شعب إسرائيل في عبادته للأوثان، فيطيل أناته حتى يحل وقت التأديب. ويرى آخرون أن ذلك يخصهم بسبب ما فعلوه بالأنبياء حيث قتلوهم واضطهدوهم عبر العصور. ويرى فريق ثالث أن هذا النص ينطبق أيضًا على الكنعانيين والأمم الوثنية، فإن الله لم يُسرع بتأديبهم، إنما أطال أناته عليهم جدًا، وأخيرًا بددهم أمام شعبه.

رابعًا:
ما يحل بالشعب من هزيمة ليس بسبب قوة العدو، لكن كحكم الله إلههم الذي يدينهم لكي يردهم إليه بالتوبة. يمسك بمشرط الطبيب ليجرح فيشفي أمراضهم.

"لأن الرب يدين شعبه، وعلى عبيده يُشفق. حين يرى أن اليد قد مضت ولم يبقً محجوز ولا مطلق. يقول: أين آلهتهم الصخرة التي التجأوا إليها؟! التي كانت تأكل شحم ذبائحهم، وتشرب خمر سكائبهم. لتقم وتساعدكم وتكن عليكم حماية! انظروا الآن. أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أُميت وأُحيي. سحقت وإني أشفي، وليس من يدي مخلص. إني أرفع إلى السماء يدي وأقول: حيّ أنا إلى الأبد. إذا سننت سيفي البارق وأمسكت القضاء يدي أرد نقمة على أضدادي وأجازي مبغضي. أسكر سهامي بدمٍ، ويأكل سيفي لحمًا. بدم القتلى والسبايا ومن رؤوس قواد العدو. تهللوا أيها الأمم شعبه، لأنه ينتقم بدم عبيده، ويرد نقمة على أضداده، ويصفح عن أرضه عن شعبه" [36-43].

إنه يدين شعبه وعلى عبيده يشفق، بمعنى أنه يحكم عليهم بالتأديب لكن خلال مراحمه الإلهية. أو لعله إذ رجعوا إليه يحكم لصالحهم فيقف ديّانًا لحسابهم ضد الأمم التي أذلتهم والتي تفتخر بآلهتها كصخرة يختفون فيها.

الله يسمح بجرح النفس بتأديبات لأجل شفائها من أمراضها وفسادها، كما يجرحها أيضًا بجراحات الحب الإلهي، فتترنم قائلة: "إني مجروحة حبًا" (نش 2: 5). الذي يجرحها هو السيد المسيح، الحب الحق ، كلمة الله السيف ذو الحدين، يجرحها بسهام المعرفة الروحية السماوية فتئن ليلاً ونهارًا مشتاقة إلى معرفة أعظم حين ترى الرب وجهًا لوجه!

-     يعلمنا الكتاب المقدس أن الله محبة (1 يو 4: 8)، فقد صوّب ابنه الوحيد "السهم المختار" (إش 49: 2) نحو المختارين، غارسًا قمته المثلثة في روح الحياة.

رأس السهم هو الإيمان، الذي يربط ضارب السهم بالمضروبين به. وكأن النفس ترتفع بمصاعد إلهية، فترى في داخلها سهم الحب الحلو يجرحها، متجملة بالجروح...

إنه جرح حسن وألم عذب، به تخترق "الحياة" النفس، إذ بواسطة دموع "السهم" تفتح النفس الباب الذي هو مدخلها[309].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

-     إن التهب أحد ما في أي وقت بالحب الصادق لكلمة الله، إن تقبل أحد الجراحات الحلوة لهذا السهم المختار، كما يسميه النبي، إن كان قد جُرح أحد برمح معرفته المستحقة كل حب حتى أنه يحن ويشتاق إليه ليلاً ونهارًا، فلا يقدر أن يتحدث إلا عنه، ولا ينصت إلا إليه، ولا يفكر إلا فيه، ولا يميل إلى أية رغبة أو يترجى سواه. متى صار الأمر هكذا تقول النفس بحق: "إني مجروحة حبًا". إنها تتقبل جرحها من ذاك الذي قيل عنه: "جعلني سهمًا مختارًا، وفي جعبته يخفيني" (إش 49: 2).

يليق بالله أن يضرب نفوسنا بجراحات كهذه، يجرحها بمثل هذه السهام والرماح، ويضربها بمثل هذه الجراحات الشافية...

ما دام الله "محبة"، فإنهم يقولون عن أنفسهم: "إني مجروحة حبًا". حقًا إنها دراما الحب، إذ تقول النفس: "إني تقبلت جراحات الحب".

النفس التي تلتهب بالشوق نحو حكمة الله، أي التي تقدر أن تنظر جمال حكمته، تقول بنفس الطريقة: "إني مجروحة بالحكمة".

والنفس التي تتأمل سمو قدرته، وتدهش بقوة كلمته، يمكنها القول: "إني مجروحة

بالقدرة"...

والنفس التي تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق: "إني مجروحة بالعدل".

والنفس التي تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته ينطق أيضًا بنفس الطريقة.

أما الجرح الذي يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح الحب الذي به تعلن العروس: "إني مجروحة حبًا"[310].

العلامة أوريجانوس

-     ما كان يمكن لشاول المضطهد أن يموت ما لم يُجرح من السماء (أع 9: 4)، وما كان يمكن للمبشر أن يقوم إلا بالحياة التي أعطيت له بدم (المسيح) [311].

-     شاول هُدم، وبولس المبشر بُني...

قيل لإرميا: "قد وكلتك... لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس" (إر 1: 10). لهذا فإن هذا هو صوت الرب: "أنا أجرح وأنا أشفي" [39]. إنه يضرب فساد العمل، ويشفي ألم الجرح. هذا ما يفعله الأطباء حينما يقطعون ويجرحون ويشفون. يمسكون بالسلاح (المشرط) لكي يضربوا، يحملوا حديدًا ويأتوا لكي يشفوا[312].

القديس أغسطينوس

-     ليت غير الأصحاء يجرحون، فإنهم إذ يجرحون كما يليق يصيرون أصحاء[313].

-     ذات الرب، طبيبنا الإلهي، يستخدم أدواته هو وخدامه بواسطتكم... وذلك حسب قوله: "أنا أجرح وأنا أشفي" [39] [314].

القديس أغسطينوس

يؤكد الله حبه للإنسان، وأنه إن قاوم إنما يُقاوم عدو الخير، فاضحًا الآلهة الوثنية التي تأكل شحم الذبائح وتشرب خمر السكائب، لكنها عاجزة تمامًا عن إنقاذ من يتعبد لها. يقول لهم: "امضوا واصرخوا إلى الآلهة التي اخترتموها لتخلصكم هي في زمان ضيقكم" (قض 10: 14). "أين آلهتك التي صنعت لنفسك؟! فيقوموا إن كانوا يخلصونك في وقت بليتك" (إر 2: 28). الله يود أن ترجع عروسه إليه وتتحد معه ولا تبقى بعد في زناها. تقول "أذهب وأرجع إلى رجلي الأول لأنه حينئذ كان خير لي من الآن" (هو 2: 7).

يعيِّر العدو شعب الله قائلاً: "لا يخدعك إلهك الذي أنت متوكل عليه" (إش 37: 10)، "من هو الإله الذي ينقذكم من يدي؟" (دا 3: 15). ويُعلن الله عن حضرته وسط شعبه كسرّ غلبته ونصرته، مؤكدًا: "أنا أنا هو وليس إله معي... حي أنا إلى الأبد". إنه الإله الوحيد صاحب السلطان المطلق، الذي لا ينافسه آخر، ولا يحتاج إلى آخر، من يقتنيه يقتني النصرة. إنه يميت لكن ليس إلى الأبد، بل يُحيي. يسحق ويشفي، وكما يقول إرميا النبي: "من إحسانات الرب أننا لم نفنَ، لأن مراحمه لا تزول... فإنه ولو أحزن يرحم حسب كثرة مراحمه" (مرا 3: 22-32). ويقول هوشع النبي: "هلم نرجع إلى الرب، لأنه هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا" (هو 6: 1).

قارن البابا أثناسيوس في حواره مع الأريوسيين، بين الآية [39] وما ورد في (عب 13: 8) أن يسوع المسيح هو هو أمسًا واليوم وإلى الأبد، مؤكدًا لاهوت السيد المسيح[315].

يقسم الله بذاته، إذ يرفع يديه إلى السماء ويقول "حيّ أنا إلى الأبد" [40]، ليعلن أنه سيرد للمقاومين شرهم عليهم.

يختم موسى النبي نشيده بالدعوة إلى الفرح والتهليل في الرب [43]، مقدمًا ثلاثة أسباب للفرح.

·        دعوة الكنيسة القادمة من الأمم لتمارس فرحها في الرب، حيث تصير الأمم شعبه المتهلل به.

·        يهب الله كنيسته غلبة ونصرة على العدو.

·        يعلن الرب مراحمه، ربما يقصد عودة اليهود إلى الإيمان بقبولهم السيد المسيح، فيتهللوا مع كنيسة الأمم إذ يصير الكل كنيسة واحدة متهللة.



السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 32 جـ5 PDF Print Email

7. دعوة للطاعة:

بعد أن تغنى موسى بنشيده الختامي الذي مع ما حمله من مرارة بسبب عصيان الشعب وارتداده لكنه خُتم بالفرح، ودعوة الكثيرين إلى الرب. الآن يقدم لهم دعوة للطاعة لجميع كلمات هذه التوراة.

"فأتى موسى ونطق بجميع كلمات هذا النشيد في مسامع الشعب هو ويشوع بن نون. ولما فرغ موسى من مخاطبة جميع إسرائيل بكل هذه الكلمات قال لهم: وجهوا قلوبكم إلى جميع الكلمات التي أنا أشهد عليكم بها اليوم لكي توصوا أولادكم أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة. لأنها ليست أمرًا باطلاً عليكم بل هي حياتكم. وبهذا الأمر تطيلون الأيام على الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لتمتلكوها" [44-47].

أتى موسى [44] غالبًا من خيمة الاجتماع حيث وهبه الله أن ينطق بهذا النشيد النبوي، والذي تلاه وسبح به أمام الشعب كله. الآن يسألهم أن يتقبلوا الكلمات الإلهية بكونها حياتهم، وأن يقدموها لأبنائهم كي يختبروا الحياة الحقة خاصة في أرض الموعد.

يشوع [44] كان اسمه أولاً هوشع ومعناه "خلاص"، فغيّر موسى اسمه إلى يشوع الذي يعني "الله خلاص" (عد 13: 8، 16) ويظهر الاسم الأول في الأصل العبري هنا، وقد يرجع ذلك إلى أن يشوع أراد ذلك.

ينادي موسى الشعب قلبيًا للوداع فإن يوم موسى قد انتهى، أما طول يومهم هم فيتوقف على طاعتهم. يسوع وحده يقدر أن يقول "أنا معكم كل الأيام" (مت 28: 20).

8. دعوة موسى للصعود على جبل نبو:

"وكلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلاً: اصعد إلى جبل عباريم هذا جبل نبو الذي في أرض موآب الذي قبالة أريحا، وانظر أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ملكًا. ومت في الجبل الذي تصعد إليه، وانضم إلى قومك، كما مات هرون أخوك في جبل هور وضُم إلى قومه. لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين، إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل. فانك تنظر الأرض من قبالتها، ولكنك لا تدخل إلى هناك إلى الأرض التي أنا أعطيها لبني إسرائيل" [48-52].

دعاه الرب أن يصعد على جبل نبو ليرى أرض الموعد من هناك، دون أن يدخلها هو وأخوه هرون بسبب تصرفهما عند ماء مريبة في قادش (32: 47؛ عد 27: 14) إذ لم يقدسا الله في وسط الشعب، ربما لأن موسى وهرون لم يمجدا اسم الله قبل ضرب الصخرة بواسطة عصا موسى (عد 20: 10). لقد غفر له الله ما قد صنعه، لكنه حتى اللحظات الأخيرة يذكره بضعفه ليبقى ثابتًا في تواضعه، متذكرًا ضعفاته.

قبل موسى التأديب قبل موته، لكنه دخل أرض الموعد عند تجلي السيد المسيح على

جبل تابور. لقد نظر الأرض أيضًا قبل موته وتهللت نفسه إذ حسب ما يناله شعبه كأنما ناله هو.

تمم موسى النبي رسالته، لهذا دعاه الرب أن يصعد على الجبل ويموت هناك وينضم إلى قومه، كما سبق فمات أخوه هرون.

العظيم موسى الذي سبق أن اختفى من فرعون وانسحب إلى مديان خوفًا منه عندما صدر له الأمر "ارجع إلى مصر" (راجع خر 3: 10) لم يخشَ ذلك. مرة أخرى عندما أُمر أن يصعد على جبل عباريم وأن يموت، لم يتأخر في جُبن، وإنما بفرح انطلق إلى هناك[316].

البابا أثناسيوس الرسولي

من وحي تثنية 32

لأشهد لك بتسبحتي الدائمة


-     عبّر موسى عن فرحه بك بتسابيح قلبه التي لا تنقطع.

شهد لك وسط شعبك حتى في تسابيحه لك.

عظيم أنت في حبك.

أنت صخرة الدهور فيك تحتمي نفسي.

أنت كامل في صنيعك لا تعرف إلا الصلاح!

عنايتك بي تفوق كل عقل!

-     كل فساد فيّ إنما هو من عمل يديّ!

فإني أشرب من ذات الكأس التي أمزجها!

أنت صالح ولا يصيبك ضرر،

كل مقاومة مني وجحود يرتد عليّ

أنقذني من فسادي وتذمري يا كلي الصلاح.

-     أعمالك معي عبر التاريخ تفوق كل عقلٍ.

قدمت لي كل شيء.

وهبتني نصيبًا من الأرض كي لا أنازع اخوتي.

وأعطيتني ذاتك نصيبًا لكي أهبك حياتي نصيبًا لك!

أنا محتاج إليك يا مصدر الغنى،

أما أنت فمن حبك الفائق تحسبني نصيبك المفرح!

-     تحفظني كحدقة عينك يا أيها العجيب في حبك.

تحرك عشي بالضيقات وترف كالنسر حولي،

كي أترك عش العالم وأطير معك في السماء.

أتحرك فتحملني إليك يا مجدي!

تحرك عشي لكي لا أبقى في طفولة خاملة.

وفي انطلاقي تعولني فلا اعتاز إلى شيء.

-     قدمت لي بفيض فأكلت وشبعت وسمنت.

عوض تقديم ذبيحة شكر لك رفست في غباوة.

انشغل قلبي بالخيرات وجحد واهبها.

من ينزع عني جحودي وغباوة قلبي؟!

لتمتد يدك للتأديب،

فإني لن ائتمن يدًا غيرها.

هي تجرح وتشفي، تميت وتحيي!

لتصوب سهام تأديبك نحوي،

فإنها تجرح قلبي لا لتقتله بل لتلهبه حبًا!

تجرح الجسد بضربات تبدو قاسية،

لكي أدرك بنعمتك جراحات نفسي المهلكة.

خطيتي تفقدني حتى البركات الجسدية،

تثور ضدي الطبيعة، ويتحول إلى سهم قاتل لي.

من ينقذني من خطيتي إلا مراحمك الإلهية؟

-     لتتهلل نفسي مع العظيم في الأنبياء موسى:

وانتظر صعودي كما على جبل نبو فأتمتع بانطلاق نفسي إليك.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 33 جـ1 PDF Print Email

مباركة الشعب

بعد ترنم موسى النبي بالنشيد ليختم حياته متهللاً بالرغم من إدراكه ما سيحل بالشعب حيث يجحدون الإيمان ويسقطون تحت التأديب الإلهي قدَّم البركة للشعب ككل، كما قدمها لكل سبط. لم نسمع عن زوجة موسى ولا عن أولاده أو بناته حسب الجسد، ولم يوصِ أحدًا منهم بشيء، ولا اهتم بتدبير أمورهم المادية، لكنه حسب الشعب كله أولاده، فأبى أن ينطلق من هذا العالم دون أن يباركهم.

هذا وقد بدأ البركة بالشعب ككل وختمها بهم أيضًا كجماعة واحدة مقدسة. فمع اهتمامه بكل سبطٍ على حده، لكن لن يتمتع سبط ما بالبركة ما لم يتحد مع اخوته بوحدانية الروح والفكر ويصير الكل شعبًا واحدًا لله الواحد.

بعد أن تحدث موسى النبي كأب وقائد في صراحة ووضوح أمام كل الشعب خلال النشيد النبوي الذي كشف عما سيحل بهم بسبب ارتدادهم عن الإيمان لم يرد أن يكون هذا النشيد هذا خاتمة أحاديثه. فإنه وإن امتلأ حزنًا على ما سيحل بشعبه الذي كرّس كل قلبه وإمكانياته في الرب لبنيانه لكنه قدَّم بركته لكل سبط من الأسباط. لم يرد أن يظهر أنه راحل في العالم مملوء غضبًا، وإنما يخرج مستريحًا مشتهيًا أن يكون شعبه مباركًا في الرب.

قبل مغادرة موسى شعبه قدَّم لهم وصيته وباركهم في أسلوب شعري كما بارك يعقوب أولاده (تك 49: 2-27). البركة التي نطق بها يعقوب استعرضت أعمال أولاده التي منها ما هو مخجل. أما البركة هنا فتستعرض تصرفات النعمة الإلهية من حيث ارتباطهم بعهدٍ مع الله. لقد شكر إله الخلاص والعهد [2-5]، وذكر الأسباط بأسمائهم مقدمًا بركة نبوية لكل سبط [6-25]، ثم ختم حديثه بمديح لرب إسرائيل [26-28]، ووعد بأن مختاري الرب ينالون نصرة على أعدائهم [29].

يتضح من العدد الأول أن البركة كُتبت بعد موت موسى، وربما كتب موسى بنفسه الجزء الذي سبق البركة، أو كتبه شخص سمع موسى يتكلم. هذه البركة حديث نبوي ممزوج بالصلاة والشكر (لو 2: 28).

حُذف اسم شمعون، ربما لحفظ عدد الأسباط 12. ولقد استوعب سبط يهوذا سبط

شمعون فيما بعد. حملت البركات الموجهة إلى الأسباط (عدا شمعون) كلمات معزية، تعلن أفكار الله ونعمته التي يسبغها على شعبه.

1. مباركة الشعب                              [1].

2. مجد الله وسط شعبه                        [2-5].

3. بركة رأوبين                                [6].

4. بركة يهوذا                                 [7].

5. بركة لاوي                                 [8-11].

6. بركة بنيامين                               [12].

7. بركة يوسف (إفرايم ومنسى)               [13-17].

8. بركة زبولون ويسّاكر                      [18-19].

9. بركة جاد                                   [20-21].

10. بركة دان                                 [22].

11. بركة نفتالي                               [23].

12. بركة أشير                                [24-25].

13. بركة جماعية                                      [26-29].
1. مباركة الشعب:

"وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته" [1].


تعتبر هذه الآية عنوانًا للأصحاح كله. تكشف عن حب موسى الأبوي واشتياقه نحو نموهم وخلاصهم، مع أنه يموت دون أن يشاركهم فيما ينالونه.

"موسى رجل الله" [1] هذا يظهر أن موسى ليس الكاتب نفسه. ولقد أطلق كالب هذا اللقب على موسى (يش 14: 6) ثم في عنوان مزمور 90 فقط.
2. مجد الله وسط شعبه:

أظهر موسى النبي الأساس الذي عليه يتبارك اخوته ألا وهو إعلان مجد الله من أجلهم في مناطق متنوعة: في سيناء وفي سعير وفي جبل فاران وفي ربوات القدس.

"فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس. وعن يمينه نار شريعة لهم" [2].

يبدأ البركة برؤيته للرب القادم من سيناء، كالشمس عند إشراقها بمجدٍ. يرى الله الذي يسلم شعبه شريعته أو وصيته، لكي يسلكوا بالقانون السماوي، فيتمتعوا بطبيعة ملائكية ويكون لهم شركة في الحياة السماوية المطوّبة. لقد وهبهم الشريعة النارية ليجعل منهم أشبه بكائنات نارية تتشبه بالله النار الآكلة.

جاء في ترجوم أورشليم أن الله نزل ليقدم الشريعة، فقدمها على جبل سعير للأدوميين لكنهم رفضوها، لأنه جاء فيها وصية: "لا تقتل". ثم قدمها على جبل فاران للإسماعيليين فرفضوها، لأنه جاء فيها وصية: "لا تسرق". وإذ جاء إلى جبل سيناء لإسرائيل قالوا: "كل ما يقوله الرب نفعل".

لقد تنازل الله ليقدم شريعته، ويتحدث مع شعبه في مجد وبهاء، إذ قيل: "أشرق" و"تلألأ". يرى البعض أيضًا الله إذ تنازل وقدم شريعته النارية لموسى على جبل سيناء أعلن بهاء مجده، فأشرق على جبل سعير وتلألأ على جبل فاران، وهما جبلان بعيدان عن بعضهما البعض. وكأن حلول مجد الله على جبل سيناء قد أبرق على كل المنطقة حتى صارت الجبال البعيدة مشرقة ومتلألئة.

ويرى آخرون أن مجد الله نزل على جبل سيناء حيث استلم موسى النبي الشريعة، وهذا له الأولوية بكونه أهم حدث في تاريخ العهد القديم. كما أعلن مجده على جبل سعير، كما جاء في سفر القضاة: "يا رب بخروجك من سعير لصعودك من صحراء أدوم الأرض ارتعدت، السماوات أيضًا قطرت، كذلك السحب قطرت ماءً. تزلزلت الجبال من وجه الرب وسيناء هذا من وجه الرب إله إسرائيل" (قض 5: 4). كما ظهر مجد الرب في فاران حيث قيل: "ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع لكل بني إسرائيل" (عد 14: 10).

أتى من ربوات القدس [2] تترجم السبعينية كلمة "القدس" إلى "ملائكة"، وهذا غالبًا هو المعنى الحقيقي (أع 7: 53). اختلف البعض في تفسير "ربوات القدس"، هل هي منطقة رابعة أعلن فيها الرب مجده، أم تشير إلى مجيء الرب في كل مرة هذا الذي يحوط به ربوات الملائكة القديسين، كما جاء في رسالة يهوذا عن مجيئه (يه 14). وقيل في المزامير: "مركبات الله ربوات ألوف مكررة" (مز 68: 17).

ظهر الله لشعبه ليقدم لهم "الشريعة النارية" [2]، لأنها قدمت في وسط النار (تث 4: 33)، وهي تعمل كالنار تأكل الشر، تبغي تنقية النفس من الفساد. وقد حلّ الروح القدس على كنيسة العهد الجديد في شكل ألسنة نارية (أع 2) ليقدموا الإنجيل الناري، ويحولوا النفوس إلى نيران حب متقدة نحو الله والناس.

أما قوله "عن يمينه نار شريعة لهم"، فإن اليمين تشير إلى القوة كما إلى البركة، فبالشريعة نتمتع بقوة الله وننال يمين البركة.

"فأحب الشعب جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدميك يتقبلون من أقوالك" [3].

تشير اليد إلى الرعاية الإلهية، ففي سفر الرؤيا تظهر الكنائس السبع في يد الرب يسوع (رؤ 1: 16). يمينه متسعة تضم الكنيسة الجامعة منذ آدم إلى آخر الدهور، وكما يقول عن خرافه: "لا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 28). أما عن جلوس شعبه عند قدميه يتقبلون أقواله فيُشير إلى بقاء الشعب عند سفح الجبل ينتظر موسى النبي الذي ارتفع إلى القمة ليلتقي مع الله ويستلم الشريعة ويسلمها للشعب. بقاؤهم عند سفح الجبل حيث مجد الله العجيب، والجبل يدخن، أشبه بجلوس التلاميذ عند قدمي معلمهم يسمعون له بروح التواضع والرغبة في التعلم.

ظهور الله المجيد (33: 2-5) بكونه الملك الحقيقي لكل الأسباط؛ عن يمينه دستوره شريعة نارية، قانونه "حبه لشعبه"، يحمل شعبه المقدس في يده، فلا يُحرم أحد من رعايته. هم يشتهون الجلوس عند قدميه أما هو فيحملهم في أحضانه بالحب. هذا والجلوس عند القدمين إشارة إلى الرغبة في التعلم والتلمذة. لقد أحب شعبه وأراد أن يقدم لهم شريعته، فلاق بهم أن يجلسوا عند قدميه بتواضع ليتمتعوا بها كميراث لهم، إذ يقول:

"بناموسٍ أوصانا موسى ميراثًا لجماعة يعقوب. وكان في يشرون ملكًا حين اجتمع رؤساء الشعب أسباط إسرائيل معًا" [4-5].

ناموس الرب هو ميراثنا وكنزنا وغنانا. وكما يقول المرتل: "ورثت شهاداتك إلى الدهر، لأنها هي بهجة قلبي" (مز 119: 111).

إذ اجتمع رؤساء الشعب كان موسى في وسطهم كملك أو قائد عام لكل إسرائيل، يقدم لهم شريعة ملك الملوك، لكن للأسف فيما بعد رفضوه. يقول الرب: "قلتم لي لا، بل يملك علينا ملك والرب إلهكم ملككم" (1 صم 12: 12).


"كان في يشورون ملكًا"
[5] قد تشير إلى يهوه (قارن 1 صم 12: 12) أو الملك المسيا المذكور في عدد 3، أو عن موسى.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 33 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 33 جـ2 PDF Print Email

3. بركة رأوبين:

"ليحيي رأوبين ولا يمت، ولا يكن رجاله قليلين" [6].

ربما تضائل عدد هذا السبط بسبب خطية داثان وأبيرام (عد 16: 1، 30). لقد اشترك من أبناء رأوبين داثان وأبيرام مع قورح في مقاومة موسى (عد 16: 1-3)، لكن قلب موسى المتسع لا يحمل الذكريات المُرّة بل يطلب البركة للسبط. رأوبين هو الابن البكر بين أولاد يعقوب، فإنه وإن كان قد فقد كرامة البكورية لكن موسى النبي بدأ به حتى لا تتحطم نفسيته. لقد تحدد ميراثه في شرق الأردن، لكن كان لزامًا على رجاله أن يعبروا الأردن مع بقية الأسباط ويحاربوا في المقدمة (عد 32: 27) حتى ترث بقية الأسباط. لهذا طلب لهم موسى أن يحيوا ولا يموتوا، وأن يزداد عددهم وإن كانوا لا يتمتعون بكرامة البكورية. إذ كان ميراثه على الحدود لذلك أكد له أن الله يحميه ويسند رجاله فلا تبتلعهم الأمم المجاورة لهم (عد 32: 27).

هذه هي بداية كل بركة أن نتمتع مع رأوبين بأن نحيا "الحياة الأبدية" ولا نموت "الموت الثاني"، فلا تكون إمكانياتنا وأمجادنا قليلة، بل ننعم بالمجد الأبدي ونُحسب في عيني السماء جيشًا عظيمًا جدًا جدًا (حز 37: 10).


5. بركة لاوي:

"وللاوي قال: تُميمك وأوريمك لرجلك الصديق الذي جربته في مسّة، وخاصمته عند ماء مريبة. الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما، وباخوته لم يعترف، وأولاده لم يعرف، بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك. يعلمون يعقوب أحكامك، وإسرائيل ناموسك. يضعون بخورًا في أنفك، ومحرقاتك على مذبحك. بارك يا رب قوته، وارتضِ بعمل يديه. حطّم متون مقاوميه ومبغضيه حتى لا يقاوموا" [8-11].

يتحدث موسى النبي عن السبط الذي ينتمي إليه، لكنه لم يشر إلى ذلك، ولا إلى دوره، بل أشار إلى دور هرون أخيه رئيس الكهنة ومن يحل محله. إنه حامل الأوريم والتميم على صدره (خر 28: 30) لكي يتعرف على إرادة الله، ويقدمها للشعب. الأوريم يشير إلى الاستنارة أو الرؤيا أو الحكمة، والتميم إلى الكمال أو التكامل. مسيحنا هو رئيس الكهنة الذي فيه ننعم بالحياة المتكاملة والاستنارة أبديًا.

"تميمك وأوريمك" [8] تترجمها السبعينية "نورك وحقك" (مز 43: 3).

دعاه الصديق أو القديس، الممسوح رئيس كهنة الله، رمز للسيد المسيح القدوس وحده. مع ما تمتع به من حياة مقدسة لكنه في ضعف سقط عند ماء مريبة مع موسى النبي وحُرم الاثنان من دخول أرض الموعد. لهذا صارت الحاجة إلى رئيس كهنة الخيرات العتيدة الذي وحده بلا ضعف، ربنا يسوع المسيح.

لقد كرس هرون نفسه للرب، فصار كمن لا يرى أباه وأمه ولا يحابي اخوته حسب الجسد، ولا أولاده، إذ صار أبًا للشعب كله بلا تمييز. خدمة اللاويين ألزمتهم بالاهتمام بالشعب أكثر من عائلاتهم، أما مسيحنا فأخلى ذاته لأجلنا. هم قدموا بخورًا ومحرقات وذبائح، أما السيد المسيح فهو الرائحة الذكية لدى الآب يشفع فينا، وهو المحرقة والذبيحة القادرة على الخلاص.

غاية هذا السبط: التكريس لله، وحفظ الوصية، وصيانة العهد، والتعليم، وتقديم العبادة النقية. لذلك قيل: "كان عهدي معه (لاوي) للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى، فإتقاني ومن اسمي ارتاع هو" (ملا 2: 5).

كانت البركة بالنسبة للاوي هامة للغاية، إذ لم يكن له نصيب في الأرض، بل الرب هو نصيبه، يُشبع كل احتياجاته. لذلك طلب موسى من الله أن يبارك في قوته (إمكانياته).


6. بركة بنيامين:

"ولبنيامين قال: حبيب الرب يسكن لديه آمنًا. يستره طول النهار، وبين منكبيه يسكن" [12].

قد يكون معنى هذا أن الله حمل بنيامين على كتفيه كما يفعل الراعي. أو أن الهيكل سيكون على حدود أرض هذا السبط، كنبوّة. جاء بنيامين بعد لاوي مباشرة لأن الهيكل الذي يعمل فيه الكهنة على حدود نصيب بنيامين. وقد جاء بنيامين قبل يوسف (إفرايم ومنسى)، لأن بنيامين ملاصق لبيت داود والهيكل وأكثر كرامة من السامرة التي في نصيب إفرايم. كانت أورشليم من نصيب هذا السبط (يش 18: 28). ومع أن صهيون مدينة داود تابعة لسبط يهوذا، إلا أن جبل المريّا الذي بُنيَ عليه الهيكل كان من نصيب بنيامين. لهذا فإن الهيكل فوق الجبل كالرأس بين كتفين أي يسكن الرب بهيكله بين كتفي بنيامين. إقامة الهيكل على جبل المريّا التابع لبنيامين يشير إلى أن بنيامين يعيش في ظل الهيكل، تحت حماية هيكل الرب نفسه. وكما يقول المرتل: "المتوكلون على الرب مثل جبل صهيون الذي لا يتزعزع بل يسكن إلى الدهر، أورشليم الجبال حولها والرب حول شعبه من الآن وإلى الدهر" (مز 125: 1-2).

"بنيامين" معناها "ابن اليمين". وكأنه إذ يطلب الإنسان أن يحيا إلى الأبد ولا يخضع للموت الثاني (سبط رأوبين)، وأن يمارس الحياة الملوكية خلال الصلاة الدائمة مع الجهاد في المعركة الروحية (سبط يهوذا)، مكرسًا حياته للطاعة للوصية والعبادة لله (سبط لاوي)، يحق له أن يكون ابنًا لليمين، يُحسب للرب، يثبت فيه، ويستتر تحت ظلاله، ويستقر بين منكبيه (سبط بنيامين). دعي بنيامين "حبيب الرب"، وقد كان بنيامين الابن المحبوب ليعقوب، ابن يمينه (تك 49: 27). وقد جاء شاول الملك من هذا السبط وأيضًا الرسول بولس. من يلتصق بالرب يصير حبيبه ويتمتع بالأمان فيه، ويجد راحة بين كتفيه، أي في أحضانه.
7. بركة يوسف (سبطيْ إفرايم ومنسى):


"وليوسف قال: مباركة من الرب أرضه بنفائس السماء بالندى وباللجة الرابضة تحت. ونفائس مُغلات الشمس ونفائس منبتات الأقمار. ومن مفاخر الجبال القديمة، ومن نفائس الآكام الأبدية. ومن نفائس الأرض وملئها ورضى الساكن في العليقة. فلتأتِ على رأس يوسف، وعلى قمة نذير اخوته. بكر ثوره زينة له، وقرناه قرنا رئم، بهما ينطح الشعوب معًا إلى أقاصي الأرض. هما ربوات إفرايم وألوف منسى" [13-17].


في بركة يعقوب أعطى النصيب الأكبر ليوسف (تك 49)، وهكذا فعل موسى النبي.

تتركز قوة يوسف في كونه نذير اخوته، وقدرته على تحطيم الأعداء والغلبة عليهم. دعاه موسى النبي "نذير اخوته" [16]، ولما كان النذير أو المكرس هو الشخص الذي ينفصل عن الآخرين ليكرس حياته وإمكانياته لحساب ملكوت الله هكذا فُصل يوسف عن اخوته وبيع عبدًا وعاش شبابه في مصر بعيدًا عنهم لأجلهم، إذ قال لهم: "لا تخافوا، لأنه هل أنا مكان الله؟! أنتم قصدتم لي شرًا، أما الله فقصد به خيرًا لكي يفعل كما اليوم، ليحيي شعبًا كثيرًا. فالآن لا تخافوا أنا أعولكم وأولادكم" (تك 50: 19-21). كان الله قد سمح بعزله إلى حين لأجل استبقاء حياة اخوته، فحُسب نذير اخوته.

جاءت بركة السبطين الخارجين من يوسف عظيمة في الكمية، وعظيمة في القوة. جاءت المدن الخصبة في ميراثهما؛ هنا يعلن أن سرّ الخصوبة أو البركة هو نعمة الله "نفائس السماء" [13]. عظيمة هي بركته حتى في أرضه التي ترتوي ببركات الرب من السماء وبالينابيع التي تنفجر من تحت. هكذا يبارك الرب الإنسان في جسده (أرضه) حيث يمطر عليه بمياه الروح، وتفيض فيه ينابيع الروح في الأعماق، فيحمل الجسد ثمار الروح القدس، ويصير جنة الله المثمرة والمحبوبة لديه. يقول المرتل: "تعهدت الأرض وجعلتها تفيض. تغنيها جدًا. سواقي الله ملآنة ماءً" (مز 65: 9).

بجوار مباركة الأرض ومباركة الأمطار وأيضًا الينابيع يبارك في عمل الشمس والقمر والكواكب بالنسبة له. بحرارة الشمس تقدم الأرض أفضل أنواع الغلات، ورطوبة القمر تسندها لتأتي بكل نفيس. يفهم البعض الآية [14] بأن الله يسخر فصول السنة التي ترتبط بالشمس والقمر والكواكب لكي يتمتع الإنسان بالثمار المتكاثرة كل في حينه. هكذا يبارك الرب في جنة النفس الداخلية، يشرق عليها شمس البر نوره ويمدها بحرارته الروحية فتتمتع بالثمر الفريد المتكاثر. وتبسط الكنيسة (القمر) نورها عليها، ويحوط بها القديسون كنجوم السماء، فتكون دائمة الإثمار، تقدم الثمر المناسب في الوقت اللائق به.

بينما تئن بعض البلاد من الجفاف بسبب الجبال والتلال القفراء، إذ بهذا السبط يتمتع بأفضل أنواع الأشجار المثمرة التي تنبت على الجبال والآكام. هكذا ترتفع النفس كما على جبال كلمة الله وتلالها، فلا تعيش عند السفح مع الجماهير بل تصعد كما مع التلاميذ بطرس ويعقوب ويوحنا في معية المسيح حيث تتمتع بالتجلي، وتدرك أسرار العهد القديم من الشريعة (موسى) والأنبياء (إيليا) وتحيا على جبل تابور في مجد الرب الفائق. فيعيش المؤمن كجبل الله الثابت الذي لن يتزعزع.

كما يتمتع السبط بثمار الجبال والتلال هكذا تحمل له الأراضي السفلية والوديان غلات كثيرة، فيفرح بعطايا الله النفسية من محاصيل غلال وخضراوات ونباتات صغيرة تكون كالعليقة. هكذا أينما وُجدت النفس لا تعرف إلا الإثمار الدائم، تتمتع بالبركات السماوية النازلة من فوق، وتشكر الله على بركاته الزمنية الأرضية لإشباع احتياجات جسده واحتياجات اخوته. بهذا تحل البركة على رأسه ويُحسب نذيرًا لاخوته، إذ يرى كل البركات التي بين يديه ليس لأجله وحده بل من أجل بنيان اخوته ونموهم الدائم.

لعله يقصد بنفائس الأرض، ما تقدمه له من معادن ثمينة وحجارة كريمة، كقول أيوب: "أرض يخرج منها الخبز، أسفلها ينقلب كما بالنار. حجارتها هي موضع الياقوت الأزرق وفيها تراب الذهب" (أي 28: 5-6). كما تقدم الأرض الخبز لإشباع الجسد، تقدم أيضًا المعادن النفيسة الحجارة الكريمة للعمل والزينة. هكذا يجد المؤمن بركات فائقة فتشبع نفسه بالخبز السماوي، وتتزين ببهاء مجد الله.

يكلل موسى النبي هذه البركات التي تحل على هذا السبط سواء خلال مياه الأمطار وينابيع الأرض، وثمار الجبال والتلال، ونفائس الأرض من حجارة كريمة ومعادن ثمينة بما هو أعظم ألا وهو تلاقي إرادته مع الإرادة الإلهية، فيحمل فيه إرادة مقدسة مقبولة لدى الله. "ورضى الساكن في العليقة" عند دعوته للخدمة، فكانت ملتهبة نارًا دون أن تحترق (خر 3: 2).

هذه هي البركة الفائقة حين يسحب الله القلب والفكر والأحاسيس إليه، ويدخل بالمؤمن إلى أسراره الفائقة، خاصة أعماله الخلاصية من تجسد وصلب وقيامة، فينطلق حاملاً شهادة حيّة إنجيلية، مشتاقًا أن يسحب كل نفس من عبودية فرعون وينطلق بها في البرية نحو كنعان السماوية.

إذ يبلغ موسى النبي إلى التمتع بالإرادة المقدسة كأعظم بركة يقول: "فلتأتِ على رأس يوسف وعلى قمة نذير اخوته" [16].

هذه عن بركات الثمار الروحية المتزايدة أما عن بركة القوة فيراه النبي كالثور البكر الذي كان رمزًا للعظمة الملوكية. إنه قوي وقادر أن ينال النصرة على الشعوب إلى أقاصي الأرض. لقد جاء يشوع بن نون قائد الشعب إلى أرض الموعد وعلى يديه تمت النصرات المتوالية حيث طرد كل الكنعانيين واستلم أرض الموعد، وهو من سبط إفرايم بن يوسف. في إفرايم وجدت المدينة الملوكية لمملكة إسرائيل أو مملكة الشمال. ومن منسى خرج جدعون ويفتاح ويائير القضاة، الذين كانوا زينة بلدهم ومملوءين بالبركة والقوة.

يرى البعض أنه شبه بالثور البكر، لأن يوسف نال البكورية التي فقدها رأوبين (1 أي 1: 2)، ولأن باشان التي هي من نصيب منسى كانت مشهورة بالثيران والبقر (مز 22: 12). كان الثور عند اليهود من أهم الحيوانات من أجل أنه كان مقبولاً لدى الله من بين الحيوانات التي تقدم ذبيحة لله، ولأجل نفعه في الأعمال الزراعية، خاصة في حرث الأرض.

قرناه يشبهان قرني الرئم لينطح ويغلب. فقد اتسم سبط إفرايم بالقوة. هذا ومن جانب آخر فإن قرناه يحملان جمالاً خاصًا، ويشيران إلى القوة والسلطة (مز 75: 5، 10؛ 89: 17، 24؛ 112: 9؛ دا 8: 3؛ لو 1: 96؛ رؤ 17: 3).

أعطى لإفرايم الربوات ولمنسى الألوف وذلك كما تنبأ يعقوب أن الأصغر إفرايم يكون أعظم من الأكبر (تك 48: 19)، وقد تحقق ذلك كما جاء في تعداد الشعب (عد 1: 33-35).

8. بركة زبولون ويسّاكر:

"ولزبولون قال: افرح يا زبولون بخروجك، وأنت يا يسّاكر بخيامك. إلى الجبل يدعوان القبائل. هناك يذبحان ذبائح البر، لأنهما يرتضعان من فيض البحار، وذخائر مطمورة في الرمل" [18-19].

ذكر السبطان معًا لأن زبولون ويسّاكر هما ابنا يعقوب من ليئة، وفي تقسيم الأرض كانا جارين. اشتهر سبط زبولون بوجود مواني بحرية في نصيبه (تك 49: 13)، لهذا كان كثير من الأمم يعبرون بأرضه، ودخل بعضهم إلى الإيمان بالله تاركين عبادة الأوثان. أنهما يدعوان القبائل إلى الجيل ليقدما ذبائح البرّ عوض الذبائح للأوثان. فتشير البركة هنا إلى انفتاح القلب على الغير والكرازة والشهادة الإنجيلية أمام الآخرين. لقد اغتنوا جدًا خلال التجارة البحرية، كرمز للغنى في العمل الروحي.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 33 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 33 جـ3 PDF Print Email

ماذا يقصد بالذخائر المطمورة في الرمل؟

يرى يوناثان بن عزوئيل أن رمال زبولون كانت من أجود الأنواع التي تصلح في صناعة الزجاج، فكانت أشبه بكنوز بين أيديهم. ويرى آخرون أن من صدف السمك الذي كان في رمال السواحل هناك استخرجوا صباغة الأرجوان الثمينة، فصارت ككنزٍ مخفيٍ في الرمل. ويرى فريق ثالث أن هذه الكلمات هي تعبير مجازي عن الغنى العظيم الذي ينالونه من التجارة البحرية.

كما يفرح يسّاكر بتجارته خلال الخيام يفرح زبولون بتجارته البحرية، هكذا وهب الله لكل شخص أو أمة ما يشبع احتياجاتها، البعض بالعمل في البر، والآخرون في البحر. يفرحنا الله أينما وُجدنا، سواء كنا في البر أو البحر. ليس لنا أن ننتفخ على الغير بسبب مواهبنا ولا أن نُصاب بصغر نفس بسبب مواهب الآخرين. إنما ليعمل كل واحد حسبما وُهب له. ليشكر زبولون الله من أجل المواني البحرية، ويسّاكر من أجل نجاح تجارته خلال الخيام. "أيضًا كل إنسانٍ أعطاه الله غنى ومالاً وسلطة عليه حتى يأكل منه ويأخذ

نصيبه ويفرح بتعبه، فهذا هو عطية الله" (جا 5: 19).

بالتجارة البحرية كما بالعمل من خلال الخيام يدعون الأمم إلى الجبل، حيث هيكل الرب قائم. فيستخدمون العمل فرصة للشهادة للرب ودعوة الآخرين لخدمة الرب.

لقد بدأت خدمة السيد المسيح في أرض زبولون (مت 4: 14-15)، دُعي بعد ذلك الشعب للجبل أي لمملكة المسيح التي تُدعى جبل بيت الرب (إش 2: 2).

يرى البعض أن يسّاكر بسكناه في الخيام كان مدركًا لأيام الأعياد أكثر من غيره فكان يدعو الغير للاحتفال بها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ويرى آخرون أن الخيام هنا يقصد بها خيام مدرسية حيث كان بعضهم يهوون الدراسة والمعرفة، لذا كان لهم دورهم القيادي مع أنهم ليسوا بالسبط الملكي ولا الكهنوتي. لهذا يرمزون إلى عمل الشعب الإيجابي والشعور بالمسئولية.

وهبهم الله غنى حتى متى دعوا الغير للصعود إلى جبل بيت الرب يرونهم قادمين حاملين عطايا كثيرة وبفيض، فيكونون مثالاً حيًّا لهم. يتحدث إشعياء النبي عن مجد كنيسة العهد الجديد وغناها الروحي فيقول: "تتحول إليك ثروة البحر، ويأتي إليك غنى الأمم" (إش 60: 5).

تحوّل تجارتها لمجد الله: "وتكون تجارتها وأجرتها قدسًا للرب. لا تُخزن ولا تكنز، بل تكون تجارتها للمقيمين أمام الرب لأكل إلى الشبع واللباس الفاخر" (إش 23: 18).

9. بركة جاد:

"ولجاد قال: مبارك الذي وسع جاد. كلبوة سكن، وافترس الذراع مع قمة الرأس. ورأى الأول لنفسه، لأنه هناك قسم من الشارع محفوظًا، فأتى رأسًا للشعب يعمل حق الرب وأحكامه مع إسرائيل" [20-21].

كان جاد أحد الأسباط التي نالت نصيبها من أرض الموعد، إذ كان نصيبه شرقي الأردن. وقد تنبأ موسى النبي عن البركة التي لجاد وهي:

أولاً: وسع جاد، حقًا كان جاد قد نال نصيبه، لكن أرضه اتسعت أكثر. قيل عنهم أنهم متعلمون القتال وأنهم دخلوا في حرب مع الهاجريين وانتصروا عليهم، ونهبوا

غنائم كثيرة وسكنوا مكانهم (1 أي 5: 18-22).

بروح الغلبة والنصرة سكنوا كلبوة يمزقون الذراع مع إكليل الرأس، أي يحطمون قوة العدو (الذراع) وينتزعون كرامتهم ومجدهم (إكليل الرأس). في أيام داود كان بعض الجاديين وجوههم كوجوه الأسود "من الجاديين انفصل إلى داود إلى الحصن في البرية جبابرة البأس رجال جيش للحرب صافوا اتراس ورماح، وجوههم كوجوه الأسود، وهم كالظبي على الجبال في السرعة" (1 أي 12: 8).

ثانيًا: "ورأى الأول لنفسه"، أي بحكمة اهتم جاد بأن ينال نصيبه أول الجميع، في شرقي الأردن قبل العبور مع يشوع إلى الضفة الغريبة. وكما يقول المرتل: "ويحمدونك إذا أحسنت إلى نفسك" (مز 49: 18). هكذا من يهتم بخلاص نفسه، ويعطي الأولوية لميراث النفس عن متطلبات الجسد يكون مستحقًا للمديح. لم يأخذ ما لنفسه في أنانية إذ انطلق يحارب من أجل بقية الأسباط، "فأتى رأسًا للشعب يعمل حق الرب" [21]. كان يعمل في طاعة ليشوع بن نون، إذ أجابوه قائلين: "كل ما أمرتنا به نعمله، وحينما ترسلنا نذهب" (يش 1: 16)، وقد نفذوا ذلك (يش 4: 12-13). لقد انهوا عملهم "وعندما صرفهم يشوع أيضًا إلى خيامهم باركهم" (يش 22: 7-9).

كانوا سريعي الحركة، وقد أُشير إليهم في التوزيع قبل رأوبين (عد 32: 2). بينما قام يشوع بتوزيع الأراضي على الأسباط نال جاد وأصحابه نصيبهم من موسى مقدم الشريعة.

"الشارع"، استقروا فيها حسب الشريعة أو بعناية الله [21].

10. بركة دان:

"ولدان قال: دان شبل أسد يثب من باشان" [22].

تربط التقاليد اليهودية سبط دان بالارتداد. شبههم يعقوب بالحية (تك 49: 17)، وموسى بشبل الأسد، إذ كان لهم رأس الحية وقلب الأسد.

يرى المفسرون اليهود أن باشان موضع كان تنتشر فيه الأسود تبحث عن فريسة. فقد عرف سبط دان بالقوة. "وخرج تخم بني دان منهم وصعد بنو دان وحاربوا لشم وأخذوها وضربوها بحد السيف وملكوها وسكنوها ودعوا لشم دان كاسم دان أبيهم" (يش 19: 47).

لقد نشا في سبط دان كشبل ونما وصار يبحث عن فريسة له بين الفلسطينيين.

11. بركة نفتالي:

"ولنفتالي قال: يا نفتالي اشبع رضى وامتلئ بركة من الرب، واملك الغرب والجنوب" [23].

أعطى هذا السبط الأرض الجميلة الخصبة الواقعة جنوب وغرب بحر الجليل.

تطلع إلى هذا السبط بدهشة ممتدحًا إياهم. ربما تشير البركة هنا إلى إرادة الشعب المحصنة أمام الله. أما سرّ الرضى والامتلاء بالبركة وأنه يملك في الغرب والجنوب فلأن السيد المسيح ملك الملوك قد أشرق ببهائه هناك. وكما يقول الإنجيلي: "وترك الناصرة وأتى فسكن في كفر ناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون وأرض نفتالي طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب الجالس في ظلمة أبصر نورًا عظيمًا. والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور" (مت 4: 13-16). كان السيد المسيح يعتبر كفر ناحوم مدينته (مت 9: 1؛ مر 2: 1).

الامتلاء من البركة هنا ربما يشير إلى خصوبة أراضيها. يرى اليهود أنه بسبب خصوبتها كان هذا السبط أول من يقدم البكور للهيكل، كما اشتهر سكان كفر ناحوم وبيت صيدا بالغنى.

12. بركة أشير:

"ولأشير قال: مبارك من البنين أشير. ليكن مقبولاً من اخوته، ويغمس في الزيت رجله. حديد ونحاس مزاليجك وكأيامك راحتك" [24-25].

كانت أرضه مشهورة بالزيتون. يقدم موسى النبي أربع نبوات عن أشير تحمل في ذاتها علامات البركة، فإن ليئة دعت ابنها أشير قائلة أنها سعيدة (تك 30: 13).

أولاً: زيادة العدد "مبارك من البنين أشير"، ليتمتع بكثرة عدد البنين الذين يدخلون في عهد مع الرب ويتمتعون به كمصدر بركة وليس كثقلٍ عليهم.

ثانيًا: الاهتمام بالاخوة "ليكن مقبولاً من اخوته"؛ أي ليكون معهم في اتحاد واتفاق. ليكونوا مملوءين محبة ونية صالحة من جهة الذين يعيشون في وسطهم.

ثالثًا: يتمتعون بخيرات كثيرة "ويغمس في الزيت رجله". كأنه بسبب كثرة الخيرات ليس فقط يدهن جسمه بالزيت، بل يغمس رجله فيه، إي يغسلون أقدامهم بالزيت أو بالعطور.

-     يقول الرب أن الكاهن واللاوي عبرا بالجريح ولم يكن لديهما زيت ولا خمر لتضميد

جراحات ذاك الذي جرحه اللصوص (لو 10: 31-32)، إذ لم يكن لهما ما يسكبانه على جراحاته.

يعلن إشعياء: لم تُعصر ولم تُعصب ولم تُليّن بالزيت" (إش 1: 6). أما الكنيسة فلها زيت به ترطب جراحات أبنائها، لئلا تنتشر قسوة الجرح وتتعمق. لقد صار لها الزيت الذي تقبلته سرًا. بهذا الزيت غسل أسور قدميه [24] [317].

القديس أمبروسيوس

رابعًا:
فيض من المعادن المستخرجة من أراضيهم حتى أنهم يصنعون أحذيتهم من الحديد والنحاس. من الجانب الرمزي تشير الأحذية المعدنية إلى القوة والبهاء، والقدرة على السير في الطرق الوعرة. "حديد ونحاس مزاليجك".

"كأيامك قوتك" يعني استمرارية القوة في حياتهم فلا يخوروا قط في الطريق.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 33 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 33 جـ4 PDF Print Email


13. بركة عامة لكل إسرائيل:

"ليس مثل الله يا يشورون. يركب السماء في معونتك والغمام في عظمته" [26].


يستحق الله كل حمد، فإنه فوق شعبه وتحته وخلفه وأمامه وحوله، يقف شخصه خلف الطبيعة ووراء الأسرار ربًا ومخلصًا لشعبه. كل أمة تفتخر بإلهها، لكنه ليس مثل إله يشورون.

دعي الشعب كله "يشورون" أي "الشعب المستقيم"، أو كما جاءت في الترجمة السبعينية "المحبوبون". يسرع الله إلى معونته راكبًا السماء كمركبة إلهية: "يركب السماء في معونتك والغمام في عظمتك". يشير الغمام إلى السرية وعدم القدرة على إدراك عظمة الله في رعايته لشعبه. إنه يركب السحاب لكي يعين شعبه ويسنده، معلنًا عظمة حبه واهتمامه في الغمام. إنه صاحب سلطان على كل الطبيعة، التي يسخرها لحساب شعبه.

"الإله القديم ملجأ والأذرع الأبدية من تحت. فطرد من قدامك العدو وقال: أهلك. فيسكن إسرائيل آمنًا وحده. تكون عين يعقوب إلى أرض حنطة وخمر، وسماؤه تقطر ندى. طوباك يا إسرائيل. من مثلك يا شعبًا منصورًا بالرب ترس عونك وسيف عظمتك. فيتذلل لك أعداؤك وأنت تطأ مرتفعاتهم" [27-29].

من جهة الإمكانيات والسرعة يستخدم السحاب ليعين شعبه. ومن جهة الخبرة فهو الإله الأزلي القديم غير المتغير، يبسط ذراعيه من تحت شعبه كي لا يسقطوا. أذرعه لن تنهزم، ولا يقدر عدو أن يحطمها ليخطف شعبه من بينها، بل يبقى شعبه محمولاً على الأذرع الأبدية. إذ تبقى الأذرع الأبدية تحت الكنيسة لن تغرق مطلقًا، إذ هي محمولة على صخر الدهور، ولا تقدر أبواب الجحيم عليها (مت 16: 18). "هو في الأعالي يسكن، حصون الصخور ملجأه، يعطي خبزه ومياهه مأمونة" (إش 33: 16).

إنه أزلي قبل الدهور ولن يخضع للزمن. وكما جاء في حبقوق "ألست أنت منذ الأزل يا رب إلهي قدوسي. لا نموت!" (حب 1: 12).

لا يحتاج الشعب إلى سلاح يحميه، بل يصير الرب نفسه سلاحه، هو ترسه وسيفه. جعل الله من نفسه ملجأ لشعبه [27]، يسكن فيه الشعب آمنًا. فالنفس إذ تثبت في الله تدرك أنها في بيتها في آمان حقيقي. يقول المرتل: "ارجعي يا نفسي إلى راحتك، لأن الرب قد أحسن إليك" (مز 116: 7). "أنت ستر لي، من الضيق تحفظني" (مز 32: 7). يعطي الله شعبه النصرة على العدو ليحطمه، فيصير مهوبًا.

من وحي تثنية 33

افتح فمي للبركة

-     وهبتني فمًا ولسانًا لأبارك ولا ألعن.

لتكن أنت في فمي، فأبارك كل من يلتقي بي.

لأتمتع أيضًا ببركتك على لسان نبيك موسى.

اجلس عند قدميك مع الذين عند سفح الجبل.

أتأمل جبل الله المتقد نارًا. فتمتلئ نفسه من بهاء مجدك.

وتشرق كلمتك في داخلي.

-     مع رأوبين أراك واهب الحياة.

لا أخاف الموت ما دمت أنت ساكن فيّ.

-     مع يهوذا أدرك أن أذنيك تميلان نحوي.

تنصتان إلى صلوات قلبي الخفية.

وتستجيبان لطلبات نفسي.

تحطم عدوي وتقاتل خطاياي.

فأنال بك نصرات متوالية.

-     مع لاوي أكرس كل حياتي لك.

أنت وحدك نصيبي.

لا انشغل بأبٍ أو بأمٍ أو زوجةٍ أو أولادٍ. أنت هو الكل لي.

أحبهم فيك، وأخدمك فيهم.

قدسني، فأصير شاهدًا لك يا أيها القدوس.

اقبل كهنوتي، ولتشتم صلاتي رائحة بخور ذكية.

استلم ذبائح الشكر والتسبيح.

علمني أن أحفظ عهدك إلى التمام.

-     مع بنيامين هب لي موضعًا عن يمينك.

تدعوني حبيبك فتطمئن نفسي بك.

استتر تحت ظل جناحيك،

وأسكن آمنًا بين منكبيك.

-     مع ابني يوسف إفرايم ومنسى هب لي من خيرات حبك.

تبارك أرضي، فتقدم ثمارًا متزايدة.

تحول أعماقي إلى جبال راسخة تحمل ثمارًا عظيمة،

تملأ أرضي بالمعادن النفيسة.

تهبني مع الغنى الروحي قوة وجمالاً وجلالاً.

أنت غناي وقوتي ومجدي!

-     مع زبولون أخدمك في البحار،

ومع يسّاكر أشهد لك في الخيام!

اقبل خدمتي في البحار كما في البر!

-     مع جاد تهبني أن اهتم أولا بخلاص نفسي.

توسع أرض قلبي لتقبل كل غريب ومحتاج!

-     مع دان تجعلني كشبل أسد،

مملوء شبابًا وحيوية وقوة في الروح!

-     مع نفتالي تهبني بركة خصوبة أرضي، فلا أوجد عقيمًا قط.

بل أحمل دومًا ثمر الروح المتزايد.

-     مع أشير أغمس في الزيت رجلي.

تفيض عليّ بالبركات فأغسل قدمي بالعطور الروحية.

ألبس أحذية من حديد، فأسير في الطرق الوعرة بلا خوف.

هكذا تتعطر قدمي بالحب، وتسلك بروح الحزم والقوة.



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 33 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 34 جـ1 PDF Print Email

موسى على جبل نبو

هذا هو الفصل الختامي، فبعد أن قدَّم موسى النبي الثلاثة أحاديث الوداعية ثم النشيد الختامي والبركة لكل الأسباط صعد إلى جبل نبو "فسجة" Pisagh ليتطلع على أرض الموعد التي وعد بها الله آباءه، ثم أسلم الروح حسب قول الرب، وقام الرب نفسه بدفنه في قبر غير معروف [5-6]. حزن الشعب عليه جدًا، فقد تنيح ذاك الذي كان يتحدث مع الله كما يكلم الرجل صاحبه، "وجهًا لوجه" [10].

1. موسى على جبل نبو              [1-6].

2. نضارة موسى                     [7].

3. أيام بكاء مناحة موسى           [8].

4. يشوع خلف موسى                [9].

5. الخاتمة                            [10-2].

1. موسى على جبل نبو:

"وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة الذي قبالة أريحا، فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان. وجميع نفتالي وأرض افرايم ومنسى وجميع أرض يهوذا إلى البحر الغربي والجنوب والدائرة بقعة أريحا مدينة النخل إلى صوغر. وقال له الرب: هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم واسحق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها. قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لا تعبر. فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب" [1-5].

عين الله لموسى الموضع الذي فيه يموت (تث 32: 49-50). ترك الشعب في سهول موآب وصعد كأمر الرب إلى جبل نبو إلى قمة الجبل في منطقة تدعى رأس الفسجة. يبدو أن "فسجة" هو اسم كان يطلق على قمم بعض الجبال. إذ اعتاد موسى أن يلتقي مع الله على الجبل لاستلام الشريعة، لذا حتى موته تَم على جبل "نبو"، أي على مرتفع عالٍ، ليرى بالإيمان ما وعد الله به آباءه وما يتحقق مع شعبه فيفرح وتتهلل نفسه كأنه قد نال الوعد بنفسه.

الفسجة معناها "المكسورة"، أي كسر يظهر في قمة جبل، وقد يكون الاسم لقمة جبل أوشا.

كان موسى من وجوه كثيرة خادمًا نموذجيًا للرب، وكان شعاره "كما قال الرب".

لم يرتبك موسى حين صدر له الأمر بذلك، بل حسب الموت عطية إلهية، إذ أكمل رسالته وانطلق إلى الله مرسله. عرف النبي المكان الذي فيه تُطلب نفسه، ومع هذا لم يتحاشاه بل صعد إليه بكامل حرية إرادته، وربما كان متهللاً لأنه أكمل رسالته بسلام، وحسب الموت صعودًا. صعد إلى أعلى منطقة هناك وحده دون معاونة أحد. وكان شيخًا في المائة والعشرين من عمره. ولم يكن أحد قط في صحبته.

لم يره أحد وهو يموت، إما لأن الله لم يرد أن يكشف عن موضع جثمانه، خشية أن يبالغ اليهود في تكريمه. أو لعله أراد أن يؤكد أن أولاد الله لا يحتاجون إلى عون بشري في لحظات خروجهم من العالم، إذ أن الله نفسه يكون لهم عونًا.

تطلع موسى النبي من الجبل إلى أسفل ليرى كنعان، أرض الموعد، فتتهلل نفسه من أجل تحقيق الوعود الإلهية، ورفع بصره إلى فوق ليرى كنعان السماوية.

حقًا لم تكل عينا موسى وهو في المائة والعشرين من عمره، لكن رؤيته لكل أرض كنعان من الجبل لا يمكن أن تكون بقدرة طبيعية، إنما وهبه الله هذه الإمكانية لكي تفرح نفسه مع ما سيتمتع به شعبه في القريب العاجل.

يلقب هنا موسى العظيم في الأنبياء وأول قائد للشعب بعبد الرب أو خادمه [4]. هذا اللقب يشير إلى صاحب مركز خاص يتمتع به الشخص كمن يعمل في بلاط ملك الملوك، وله مكانة خاصة لدى الله. تمتع بهذا اللقب أيضًا إبراهيم أب الآباء (تك 26: 24)، ويشوع بن نون (يش 24: 29)، وداود أول ملك بار لشعبه (2 صم 7: 50)، كما حمل الأنبياء شهود الحق ذات اللقب (2 مل 9: 7).

لم يقف الأمر عند أشخاص معينين بل يشتهي الرب أن يكون لكل عضو في كنيسته دوره الشخصي الحيّ، لذا دعي إسرائيل بهذا اللقب (إش 41: 8). إنه يود أن يحرك حتى الغرباء ليُحققوا إرادته المقدسة ورسالته، فدعي ملكًا غريبًا بهذا اللقب (إر 25: 9).

أما وقد صار كلمة الله المتجسد نفسه "عبد الرب" له أربع تسابيح تدعى "تسابيح عبد الرب" (إش 42: 41)، فإنه يود كل نفس أن ترتبط به لتنال كرامته وتتمتع بتسابيحه الخلاصية. وقد سبق لي الحديث في شيء من التوسع عن "عبد يهوه" أو "عبد الرب" في تفسير سفر إشعياء[318].

حتى مجيء كلمة الله المتجسد لم يقم نبي أعظم من موسى، أما وقد جاء الابن ذاته، فلم تعد هناك مقارنة بين الابن صاحب البيت وبين العبد خادم البيت (عب 3: 1-6).

"ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم" [6].

دفنه الرب نفسه، ربما بواسطة ملائكته الذين قاموا بحفل رقاده ودفنه. اهتم الله بجثمان موسى، فإن موت الأبرار عزيز لديه. لم يدفنه مع آبائه، إنما في أرض موآب في موضع لا يعرفه إنسان. هكذا وإن كان الله يهتم حتى بجثماننا، إلا أنه ينبغي ألا ننشغل بالموضع الذي ندفن فيه.

كتب ريباريوس Riparius كاهن Aquitane للقديس جيروم بخصوص مقاومة فيجلانتيوس Vigilantuis الذي كان يحارب تكريم رفات القديسين والسهر في أعيادهم، متطلعًا إلى هذه الرفات كأشياء دنسة. وأجاب عليه القديس جيروم مقدمًا أمثلة كثيرة من العهدين عن تكريم أجساد الراقدين في الرب. جاء في رسالته: [إني أسأل فيجيلانتيوس: هل رفات بطرس وبولس دنسة؟ هل كان جسد موسى دنسًا، هذا الذي قيل عنه – حسب النص العبري الصحيح – أن الرب نفسه قد دفنه؟[319]].

قارن القديس جيروم[320] بين موت موسى وموت يشوع، موضحًا أنه في موت موسى النبي حدثت مناحة، أما في موت يشوع فلم يحدث ذلك (يش 24: 30). فإن كان موسى يرمز لليهود الذين تحت الناموس، فإن يشوع يرمز للمسيحيين تحت قيادة يسوع. خلال الناموس يحل البكاء كما بالليل، وبيسوع يحل السرور كما بالنهار (مز 30: 5).

قيل: "تولول موآب على نبو" (إش 15: 2). الجبل الذي صعد عليه موسى النبي لينظر من بعيد أرض الموعد فتتهلل نفسه، كان يمثل مركز دفاع للموآبيين. الموضع الذي تهلل فيه موسى ولول الموآبيون. ما يفرح قلب المؤمن يحطم نفس الجاحد عديم الإيمان.

ماذا يقول التاريخ عن هذا؟ إن موسى عبد يهوه مات إذ يهوه أصدر أمره، ولم يجد أحد قط قبره، عيناه لم تكلا، ووجهه لم يتجعد. من هذا نتعلم أنه عندما يكمل إنسان أعمالاً عظيمة كهذه يُحسب مستحقًا لاسم سامٍ كهذا، فيُدعى "عبد يهوه"، وذلك كالقول بأنه أفضل من كل الآخرين. فإنه لا يمكن لأحدٍ أن يخدم الله ما لم يصر أسمى من كل أحدٍ في العالم. هذا بالنسبة له هو نهاية الحياة الفاضلة، الغاية التي تتم بواسطة كلمة الله.

يتحدث التاريخ عن "موت"، موت محيي، لا يتبعه قبر، ولا يملأ مقبرة، أو يسبب كللاً للعينين أو شيخوخة للشخص.

ماذا إذن نتعلم مما قيل؟ أن يكون لنا هدف واحد في الحياة، أن ندعى خدام الله بالحياة التي نعيشها. عندما تهزم كل الأعداء (المصريين، عماليق، الأدوميين، والمديانيين)، وتعبر المياه، وتستنير بالسحابة، وتتمتع بالعذوبة بالخشبة، تشرب من الصخرة، وتذوق الطعام الذي من فوق، وتصعد الجبل خلال الطهارة والقداسة، وعندما تبلغ ذلك، وعندما تنال تعاليم خاصة بالسرّ الإلهي بصوت الأبواق، وتقترب إلى الله بإيمانكم في الظلمة التي لا تُخترق، وهناك تتعلم أسرار خيمة الاجتماع وكرامة الكهنوت. وعندما تكون المثال تنحت في قلبك التعاليم الإلهية التي تسلمتها من الله، وعندما تحطم التمثال الذهبي (أي عندما تنزع من حياتك شهوة الطمع)؛ وعندما ترتفع إلى العلويات حتى أنك تظهر أنك تصد سحر بلعام (تفهم السحر الخدّاع الماكر للحياة، الذي به ينسحب الناس ببعض فلسفات شيشرون فيتحولون كما إلى حيوانات غير عاقلة ويتخلون عن طبيعتهم اللائقة بهم)؛ وعندما تبلغ كل هذه الأمور، وتزهر عصا الكهنوت فيك، فلا تسحب أية رطوبة من الأرض، بل يكون لها قوتها الفريدة للإثمار. (أي اللوز الذي في البداية يكون طعمه مُرًّا وخشنًا لكنه يحوي في الداخل ما هو حلو وصالح للأكل، عندما تحطم كل ما يضاد ما يليق بك كما ابتلعت الأرض داثان، واحترق قورح بالنار، عندئذ تقترب من الهدف. أقصد الهدف الذي من أجله تصنع كل الأمور[321].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص


2. نضارة موسى:

وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه، ولا ذهبت نضارته" [7].

في المزمور 90 يقول موسى النبي: "أيام سنيننا هي سبعون سنة، وإن كانت مع القوة فثمانون سنة وأفخرها تعب وبلية" (مز 90: 10). كيف يقول هذا وقد عاش هو 120 سنة، إلا لأنه حسب أن أيامه انتهت عند الثمانين مع القوة، وإما الأربعين عامًا فهي هبة من الله له، حيث كان في حكم الموت ووهبه الله الحياة لكي يخدم لحساب ملكوته؟!

عاش موسى 120 سنة ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، إشارة إلى تمتع المؤمن باستنارة دائمة وشبوبية دون أن تُصاب نفسه الداخلية بالعمى أو عجز الشيخوخة (مز 103: 5). المسيحي الحقيقي لا يعرف إنسانه الداخلي الشيخوخة، بل يجدد الروح القدس مثل النسر شبابه.

لم تكل عينه مثل اسحق (تك 27: 1) ويعقوب (تك 48: 10). ولا ظهرت عليه علامات الشيخوخة، بل كان جسمه ناضرًا كشابٍ مملوء قوة وحيوية. إن الوجه الذي صار لامعًا بانعكاس بهاء الله عليه (خر 34: 30) لن تصيبه شيخوخة الضعف.

-    لا تكل العين ولا يشيخ الإنسان. فإنه كيف يمكن للعين التي هي في النور على الدوام أن تكل بواسطة الظلمة التي انفصلت عنها على الدوام؟ الإنسان الذي بكل وسيلة يبلغ إلى عدم الفساد في كل حياته لن يصيبه فساد في ذاته. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لأنه بالحق من يصير أيقونة الله، والذي لا ينحرف بأية طريقة عن السمة الإلهية يحمل في نفسه العلامات المميزة لها ويظهر في كل شيء أنه على شاكلة الأصل، يحمل نفسه بما هو غير فاسدٍ ولا متغيرٍ، ولا يشترك في أي شر نهائيًا[322].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 34 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 34 جـ2 PDF Print Email

3. أيام بكاء مناحة موسى:

"فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يومًا، فكملت أيام بكاء مناحة موسى" [8].

ويقول ترجوم يوناثان أن الرب أناط بميخائيل رئيس الملائكة حفظ قبر موسى.

إن كان الله قد دفن موسى، وقد أقيمت له جنازة فريدة ملائكية، لكن الله لم يمنع الشعب من التعبير عن مشاعرهم، فبكوا ثلاثين يومًا على هذا القائد العجيب.

4. يشوع خليفة موسى:

"ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة، إذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو إسرائيل، وعملوا كما أوصى الرب موسى" [9].

كما امتلأ موسى بروح الحكمة امتلأ تلميذه يشوع بذات الروح، بوضع موسى يديه عليه، أي بسيامته. لماذا لم يضع يدًا واحدة، إلا لأنه فعل مثل يعقوب عندما بارك حفيديه إفرايم ومنسى، فوضع يديه على شكل صليب. اليد اليمنى على إفرايم الذي من جهة اليسار واليد اليسرى على منسى الذي من جهة اليمين. هكذا نتسلم روح القيادة خلال صليب رب المجد يسوع.

5. الخاتمة:

"ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه. في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه. وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل" [10-12].


خُتم السفر بالكشف عن عظمة موسى بكونه كان ملاصقًا للرب، يراه وجهًا لوجه، وكما قيل إن الله كان يكلمه كما يكلم الرجل صاحبه (خر 32: 32). لم يتحدث معه خلال رؤى وأحلام، بل حديثًا مباشرًا صريحًا وعلنيًا. كأن سر قوته هو الالتقاء مع الله والحوار معه.

صنع الله على يديه خلاصًا من عبودية فرعون، وأعلن خلاله المجد الإلهي خاصة عندما سلمه الشريعة على جبل سيناء.

توحي هذه الأعداد الختامية بأن كاتبها كان شخصًا متأخرًا عن زمن يشوع. ولعل العازار أو أحد الشيوخ أضافها بعد موت يشوع (يش 24: 31).

كنبي قاد موسى الشعب (هو 12: 13) وسلمهم الاعلان المعطى له (29: 29)،

وأشار إلى المسيح (18: 15). وجهًا لوجه [10]. في كل اليد الشديدة [12]. لم يكن عمل الله عن طريق موسى بالكلام فقط بل بالأعمال التي ما كان يمكن أن تنسى، فالآيات والعجائب التي صنعها في مصر كانت الإعداد الإلهي للعمل الفدائي الأعظم الذي تم في الجلجثة.

الجبال في الكتاب المقدس:

للجبال في الكتاب المقدس مكانة خاصة، فهي المواضع المحببة لله ليلتقي فيها مع شعبه، أو يقدم فيها عطايا وإعلانات خاصة. وعليها نال رجال الله نصرات ضد الشر، أو منها حمل المؤمنون الأخشاب التي يستخدمونها لبناء هيكل الرب. ولعل اختياره للجبال كأماكن لنوال بركات إلهية سماوية، إنما لكي يدعو المؤمن كي يرتفع بقلبه وفكره وكل أحاسيسه عن كل ما هو أرضي لكي يلتقي بالله السماوي.

كان المرتل يرفع عينيه إلى الجبال المقدسة مترقبًا العون الإلهي.

إن كان موسى النبي قد استلم الشريعة الإلهية على الجبل، ورأى كنعان من قمة الجبل، وهناك سلم روحه في يديّ الله الذي اهتم بروحه كما بجثمانه إنما ليؤكد حاجتنا إلى الصعود على "جبل بيت الرب". قيل: "يكون في آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتًا في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال، وتجري إليه كل الأمم (إش 2: 2).

ما هذا هو الجبل إلا شخص السيد المسيح الصخرة الحقيقية التي تفيض مياه الروح على شعبه (1 كو 10: 4)، الجبل الذي رآه دانيال النبي الذي يملأ الأرض (دا 2: 34، 45). يقول القديس أغسطينوس: [الجبل كما تعلمنا الشهادة النبوية هي الرب نفسه[323]]. ويدعونا العلامة أوريجانوس أن نصعد إلى الجبال العالية، قائلاً: [يكفي أنك لا تبقى على الأرض، ولا تسكن الوديان، ولا تبطئ في الأماكن المطمورة[324]].

لعل أهم الجبال المذكورة في الكتاب المقدس هي:

1. جبل أراراط: في تركيا حاليًا، عليه استقر فُلك نوح (تك 8: 4)؛ حيث تستقر الكنيسة التي خلُصت من طوفان العالم في الأعالي، في السماء عينها، إذ ليس لها موضع في الأماكن السفلية.

2. جبل سيناء: أو حوريب، شمال شرقي مصر، حيث استلم موسى النبي الشريعة (خر 19: 2-25). فإننا ننسحب مع موسى على الجبل لننعم باستلام وصيته في أعماق النفس التي يكتبها لا على ألواح حجرية، بل على القلب ذاته بروحه القدوس الناري.

3. جبل عيبال: مقابل جبل جرزيم، وقد أمر موسى النبي أن يُبنى مذبح للرب على هذا الجبل عند دخولهم أرض الموعد. إذ لا يقدر أن يقدم المؤمن حياته ذبيحة حب لله وهو مرتبك بالسفليات.

4. جبل جرزيم: عليه تحدث السيد المسيح مع المرأة السامرية عند البئر (يو 4: 20)، التي تركت جرتها وانطلقت إلى المدينة تدعو كل سكانها ليأتوا ويروا ويسمعوا، فيختبروا ما اختبرته: عذوبة عمل المخلص محب البشرية.

5. جبل نبو: أو الفسجة Pisgab، من عليه تطلع موسى على أرض الموعد، التي رآها بعينيه دون أن يدخلها. إذ كان موسى رمزًا للناموس، فإنه عاجز عن أن يدخل بالمؤمن إلى السماء، كنعان الأبدية، إنما يكشف له عنه من بعيد لكي يرتبط بيسوع (يشوع بن نون) القادر وحده أن يحمله إليها. قيل أن الله دفن موسى على هذا الجبل بيديه، فكان لابد أن يموت الجسد أو الحرف الذي للناموس كي نتمتع بالحياة المقامة في المسيح يسوع خلال الروح.

6. جبل الكرمل: عليه انتصر إيليا النبي على أنبياء البعْل (1 مل 18: 9-42). فمن لا يصعد على جبل الرب لن يقدر أن يحطم إبليس وجنوده وخدامه وكل حيله وكل سلطانه.

7. جبل جلبع: عليه قُتل الملك شاول وأبناؤه في معركة ضد الفلسطينيين (1 أي 10: 1، 8). على الجبال المقدسة يسقط رئيس هذا العالم وينحدر ميتًا.

8. جبل هرون: يمثل الحد الشمالي عند دخول الشعب كنعان (يش 11: 3، 17).

9. جبل الزيتون: عليه قدَّم السيد المسيح حديثه عن مجيئه الأخير (مت 24: 3)، فإنه إذ يزهد الإنسان الأرضيات يصعد كما على جبل الزيتون ليجلس عند قدمي المخلص يستعذب وعده بالمجيء.

10. جبل لبنان: مصدر أخشاب الأرز التي استخدمها سليمان الحكيم في بناء الهيكل الذي في أورشليم (1 مل 5: 14، 18). هكذا تصعد النفس إلى جبال الرب، خشبة الصليب مع عريسها المصلوب؛ فإنه إن لم تُصلب معه لن تستطيع أن تُقيم هيكله المقدس في أورشليم الداخلية، في أعماق القلب.

من وحي تثنية 34

هبني عطية الموت!

-     متى تتحقق رسالتي بنجاح،

فأصعد مع موسى النبي واستلم هبة الموت.

ليتني لا أموت وأنا عند سفح الجبل.

بل أصعد إلى قمة الجبل المقدس.

ارتفع فوق كل فكر أرضي وشهوة زمنية.

هناك يلتهب قلبي شوقًا نحو رؤياك.

لست أطلب مكانًا يدفن فيه جثماني،

ولا أطلب إنسانًا يهتم بتكفيني ودفني.

وإن عشت وإن مت فأنا لك.

أنت ترعاني حتى لقائي معك.

-     لتمتد يداك فتعملان خلالي.

وأتلامس مع قيادات الجيل الجديد متهللاً.

أنت هو القائد الحق عبر كل الأجيال.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 34 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
<< Start < Prev 1 2 3 4 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


5 هاتور 1736 ش
15 نوفمبر 2019 م

ظهور رأس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب مخلصنا الصالح
نقل جسد القديس الامير تادرس الي بلدة شطب
عيد جلوس قداسة البابا شنودة الثالث
بدأ تلقيب بطريرك الاسكندرية ببابا الاسكندرية من سنة 232م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك