إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصلاة هى تسليم الحياة لله ليدبرها بنفسه " لتكن مشيئتك "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية

+ تفسير سفر التثنية +



تفسير سفر التثنية اصحاح 22 جـ2 PDF Print Email

يدين القدِّيس أكليمندس السكندري ممارسة الشذوذ الجنسي مع الزنا، فيقول:

[يعلن اللوغوس هذا بصوتٍ عالٍ وبوضوح خلال موسى: "لا تضاجع امرأة، إنَّه رجس" (لا 18: 22).

عندما نصح أفلاطون الحكيم أنَّه "يجب أن تمتنع عن حقل كل امرأة ليست لك"[245] اقتبس هذا من قراءاته في الوصايا الكتابيَّة، وهي: "لا تجعل مع امرأة صاحبك مضجعك لزرع، فتتنجَّس بها" (لا 18: 20).

"يجب ألاَّ يزرع ما هو غير مثمر، بذرة غير شرعيَّة مع البويضة"[246]. لا تزرع "حيث لا ترغب في البذرة ألاَّ تنمو"[247]. لا تلمس أحدًا سوى زوجتك التي تكلَّلتَ بها"[248].

مع زوجتك وحدها يسمح لك أن تتمتَّع باللذَّة الجسديَّة من أجل إنجاب النسل، فإن هذا هو كل ما يسمح به اللوغوس. نحن الذين نشارك في العمل الإلهي للخلقة يلزمنا ألاَّ نبعثر البذار بطريقة عشوائيَّة، ولا أن نتصرَّف بغير وقار أو نلقي بذارًا حيث لا يمكن أن تنمو[249]].

رابعًا: يرى البعض أن هذه العادة وثنيَّة، فكان بين المتعبِّدين في هيكل فينوس Venus تظهر النساء متسلِّحين بأسلحة كجنود أقوياء، ويرتدي الرجال ثياب النساء.

3. الترفُّق بالطيور الحاضنة:

"إذا اتَّفق قدَّامك عش طائر في الطريق في شجرة ما أو على الأرض فيه فراخ أو بيض والأم حاضنة الفراخ أو البيض فلا تأخذ الأم مع الأولاد. أطلق الأم، وخذ لنفسك الأولاد، لكي يكون لك خير وتطيل الأيَّام" [6-7].


الحديث عن إطلاق الأم الحاضنة حرَّة بعد الحديث عن تثبيت التمييز بين الجنسين الرجال والنساء يبرِّره البعض بأن الشريعة أرادت تأكيد أهميَّة الأم وتقديس دورها في الحفاظ على الجنس. حتى في الطيور للأم دورها الهام.

ربَّما ظنَّ بعض النساء في المجتمعات القديمة أن للرجل دوره الهام، واِشْتَقْن لو كنَّ رجالاً فيتمتَّعن بحرِّيَّة أكثر ومراكزٍ أعظم، لذا أكَّدت الشريعة أن الأم هي الأساس الحيّ لقيام جيل جديد قوي، فلا تستهين النسوة بدورهن.

وهب الله للإنسان سلطانًا على طيور السماء كما على سمك البحار والبهائم وعلى كل الأرض (تك 1: 26)، لا ليمارسوه بلا ضابط، إنَّما بروح الرحمة والشفقة على الخليقة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). جاء في سفر إشعياء: "هكذا قال الرب، كما أن السُلاف يوجد في العنقود فيقول قائل لا تهلكه لأن فيه بركة" (إش 65: 8).

حياة الطيور هامة لحفظ النوع، فكانت هذه الشريعة لازمة وحكيمة وإنسانيَّة (مت 10: 29).

يقول اليهود أن هذه الوصايا هي أصغر الوصايا في الناموس الموسوي الذي يهتم حتى بالطائر الذي في الطريق، الذي يحتضن بيضًا أو فراخًا صغيرة، حيث يُسمح بأخذ البيض والفراخ وترك الأم الحاضنة لكي تطير. والعجيب أن المكافأة هي كمكافأة من يكرم أباه وأمُّه، أي من ينفِّذ الوصيَّة الخامسة، حيث يطيل الله عمر الإنسان.

يعلن الرب دومًا اهتمامه بخليقته، حتى بالعصافير التي تبدو كأنَّها بلا ثمن (لو 12: 6؛ 1 كو 9: 6).

4. المحافظة على حياة الغير:

تقدِّم لنا هذه الشريعة مفهومًا صريحًا للحريَّة، فالإنسان له كمال الحريَّة أن يبني بيتًا ويُقيم سطحًا، لكنَّه ملتزم ألاَّ يبتهج على حساب أخيه، فقد يكون هو حذرًا، أو ليس له أولاد يخشى أن يسقطوا من سطح البيت، لكن يجب عليه أن يبني سورًا لئلاَّ يزوره أحد أقاربه ولا يكون هو أو أولاده أو أحفاده أو عبيده حذرين... فإن سقط أحدهم يطلب دمه منه!

"إذا بنيت بيتًا جديدًا فاعمل حائطًا لسطحك، لئلاَّ تجلب دمًا على بيتك إذا سقط عنه ساقط" [8].

الله في حبُّه للإنسان يحميه ليس فقط برعايته الإلهيَّة، وإنَّما أيضًا بشريعته. الإنسان ثمين في عينيّ الله، وأيضًا في أعين مؤمنيه.

من لا يقيم حائطًا لسطح بيته يجلب على نفسه دم من يسقط من السطح بسبب الإهمال.

سطح البيت في منطقة الشرق الأوسط غالبًا ما يكون مستويًا يستضيف عليه صاحب البيت ضيوفه ليلاً، فكان لابد له من جدار للوقاية والحفظ. السقف مسطَّح، حيث يمكن للإنسان أن يتمشَّى عليه، بل وكثير من العائلات كانت تنام على السطوح في الصيف بسبب الحر. يلتزم صاحب المسكن أن يُقيم سورًا حول السطح حتى لا يسقط منه أحد. كانوا يُقيمون سورًا ارتفاعه ثلاثة أقدام ونصف. فإن سقط إنسان دون وجود هذا السور يطلب دمه من صاحب المنزل.

بحسب هذه الشريعة يرى اليهود الالتزام بعمل كل ما يحفظ حياة الآخرين من الخطر، مثل تغطية الآبار، وصيانة الجسور الخ.

5. عدم الخلط:

"لا تزرع حقلك صنفين لئلاَّ يتقدَّس الملء الزرع الذي تزرع ومحصول الحقل. لا تحرث على ثور وحمار معًا. لا تلبس ثوبا مختلطًا صوفا وكتَّانًا معًا" [9-10].


الخلط غير الطبيعي يقود إلى عدم النظام والفوضى وهكذا الاختلاط بالعالم. وليس من السهولة غسل الثوب المختلط بهذا الشكل.

أولاً: عدم زراعة صنفين في حقل واحد، فلا تخلط البذار معًا ثم تُزرع، ممَّا يجعل الحصاد صعبًا. هذا الحقل يشير إلي المزج بين المؤمنين وغير المؤمنين معًا في الكنيسة. كما يشير إلي القلب المتذبذب بين طريق النور وطريق الظلمة، فلا يحمل روح التمييز والإفراز، أي إلي القلب الذي لا يعرف البساطة، أو الطريق الواحد.

ثانيًا: عدم استخدام ثور وحمار معًا في سحب محراثٍ واحدٍ، إذ يعطِّل الضعيف القوي، أو يحطِّم القوي الضعيف. يليق التمييز في التعليم بين الأقوياء والضعفاء، وبين الثابتين في الإيمان وحديثي الإيمان؛ فيقدِّم لكل منهم ما هو لبنيانه.

ثالثًا: عدم استخدام نوعين من الخيوط في نسيج واحد كالصوف والكتان. فإن هذا قد يسبِّب حساسيَّة للجسم. يليق بكنيسة الله أن تكون نسيجًا واحدًا منسجمًا، ذات روح واحد وفكر واحد.

هذه جميعها صورة رمزيَّة للالتزام بعدم الخلط بين الحق وفلسفة العالم الباطلة (لا 19: 19). ربَّما أراد أن يكون شعب الله متميِّزًا بالنقاوة والاستقامة.

سبق لنا الحديث عن عدم الخلط من الجانب الحرفي، وفي الواقع العملي، وما يحمله من رموز، أثناء تفسيرنا لسفر اللآويِّين، الأصحاح 19. أمَّا سرّ المنع فهو:

أولاً: منعهم من مثل هذه العادات الوثنيَّة. لقد حذَّر الرب شعبه من اللباس الغريب الذي يحمل خلطًا بين الصوف والكتَّان، ليس لأن في اللباس ذاته خطيَّة، وإنَّما لما يحمله من معنى الشركة مع الوثنيِّين. "ويكون في يوم ذبيحة الرب إنِّي أعاقب الرؤساء وبني الملك وجميع اللآبسين لباسًا غريبًا" (صف 1: 8).

ثانيًا: يحمل هذا القانون رمزًا نحو التزام المؤمن بالنقاوة والطهارة. ليست شركة بين المؤمن وغير المؤمن، وبين النور والظلمة، والمسيح وبليعال.

6. أهداب الثوب:

"اعمل لنفسك جدائل على أربعة أطراف ثوبك الذي تتغطَّى به" [12].

أمَّا عن "الجدائل"، فقد كان الغرض منها إظهار الشعب بمظهر مختلف عن باقي الشعوب لأنَّهم شعب الرب (عد 15: 37-41). فلا يخجل أحد من انتسابه لشعب الله؛ كما تشير إلى تذكُّر الوصايا الإلهيَّة حتى في الأمور البسيطة التي تبدو تافهة كهدب الثوب. غاية هذا القانون أن يكون المؤمن متميِّزًا عن أهل العالم، كل من يراه يعرف حتى من مظهره أنَّه منتسب لشعب الله. تكرار الوصيَّة هنا ربَّما لأن اليهود استخفُّوا بها بكونها أمرًا لا يمس حياتهم الداخليَّة، بل خاصة بالمظهر. الله يريد أن نعلن أنَّنا مكرَّسون للرب بحياتنا الداخليَّة كما بمظهرنا الخارجي، فلا نخجل من ارتباطنا به. وقد لمست نازفة الدم هدب ثوب المسيح هذا فشفيت (لو 8: 44).

7. اتِّهام الزوجة بعدم البكوريَّة:

تهتم الشريعة بالكشف عن قدسيَّة الزواج. هنا تقدِّم لنا ست حالات:

"إذا اتَّخذ رجل امرأة وحين دخل عليها أبغضها. ونسب إليها أسباب كلام وأشاع عنها اسمًا رديًا وقال هذه المرأة اتَّخذتها ولما دنوت منها لم أجد لها عذرة. يأخذ الفتاة أبوها وأمَّها ويخرجان علامة عذرتها إلى شيوخ المدينة إلى الباب. ويقول أبو الفتاة للشيوخ أعطيت هذا الرجل ابنتي زوجة فأبغضها. وها هو قد جعل أسباب كلام قائلاً: لم أجد لبنتك عذرة، وهذه علامة عذرة ابنتي، ويبسطان الثوب أمام شيوخ المدينة. فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرجل ويؤدِّبونه. ويغرِّمونه بمئة من الفضَّة ويعطونها لأبى الفتاة، لأنَّه أشاع اسمًا رديًا عن عذراء من إسرائيل. فتكون له زوجة لا يقدر أن يطلِّقها كل أيَّامه" [13-19].


العروس المخادعة التي تلتصق برجلها تدنِّس الشعب كلُّه، لذا يُحكم عليها بالرجم. كل فساد في الحياة الزوجيَّة يمس حياة الجماعة كلَّها. أمَّا من يسيء إلى سمعة زوجته كذبًا مدَّعيًا أنَّها لم تكن بكرًا يوم زواجه بها يؤدِّبه شيوخ المدينة، غالبًا بضربه بالسياط، ويدفع مائة فضَّة غرامة لأبيها كنوعٍ من رد الكرامة. هكذا يكون التأديب علانيَّة لرد سمعة الزوجة وبيت أبيها، كما تعوَّض الزوجة المتَّهمة ظلمًا بعدم السماح للزوج أن يطلِّقها كل أيَّام حياته أو حياتها.

يتطلَّع الناموس إلى الطهارة بكونها فضيلة مكرَّمة، فمن يشكك في طهارة إنسان إنَّما يهين كرامته الداخليَّة. التشهير بسمعة إنسانٍ جريمة عظمى، وكما يقول المرتِّل: "تجلس تتكلَّم على أخيك لابن أمَّك تضع معثرة" (مز 50: 20). هذا بالنسبة للتشهير بالأخ فكم بالأكثر يكون الأمر بالنسبة للتشهير بالزوجة التي صارت معه جسدًا واحدًا، أو الزوج. أنَّه يكون كطائر يفسد عشُّه ويدنِّسه.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 22 جـ3 PDF Print Email

8. شريعة الزوجة فاقدة العذرة:

"ولكن إن كان هذا الأمر صحيحًا ولم توجد عذرة للفتاة. يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت، لأنَّها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها فتنزع الشرّ من وسطك" [20-21].

كما تكرَّم العروس المتَّهمَة ظلمًا، هي وأهل بيتها علانيَّة، يحكم على العروس الزانية علانيَّة. الزنا جريمة عظمى عقوبتها الرجم، لأنَّها موجَّهة ضد الله القدُّوس نفسه ملك هذا الشعب الذي كان ينبغي أن يكون مقدَّسًا للرب.

9. الخيانة الزوجيَّة:

"إذا وجد رجل مضطجعًا مع امرأة زوجة بعل، يقتل الاثنان: الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة، فتنزع الشرّ من إسرائيل" [22].

كان الرجم هو عقوبة الزنا بين المتزوِّجين أو الخطيبين لإبراز بشاعة الخيانة الزوجيَّة.

10. الزنا مع عذراء مخطوبة:

"إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها. فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا. الفتاة من أجل أنَّها لم تصرخ في المدينة. والرجل من أجل أنَّه أذلَّ امرأة صاحبه. فتنزع الشرّ من وسطك. ولكن إن وَجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وامسكها الرجل واضطجع معه. يموت الرجل الذي اضطجع معها وحده. وأمَّا الفتاة فلا تفعل بها شيئًا، ليس على الفتاة خطيَّة للموت، بل كما يقوم رجل على صاحبه ويقتله قتلاً هكذا هذا الأمر. إنَّه في الحقل وجدها فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلِّصها" [23-27].

كانت الخطبة في الشرق مساوية للزواج حتى سُمِّيت المخطوبة زوجة. في حديث القدِّيس جيروم عن دوام بتوليَّة القدِّيسة مريم كتب أنَّه لا يرتبك أحد في دعوتها زوجة يوسف مع أنَّها لم تكن إلاَّ مخطوبته، فقد اعتاد الكتاب المقدَّس أن يدعو المخطوبة زوجة كما في (تث 22: 24-25؛ 20: 7)[250].

11. الزنا مع عذراء غير مخطوبة:

"إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوُجدا. يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضَّة، وتكون هي له زوجة من أجل أنَّه قد أذلَّها، لا يقدر أن يطلِّقها كل أيَّامه. من يذل عذراء يلتزم بالزواج منها وعدم تطليقها مدى الحياة" [28-29].

12.السقوط مع زوجة الأب:


لا يتَّخذ رجل امرأة أبيه ولا يكشف ذيل أبيه" [30].

أخيرًا يلتزم الابن بمراعاة قدسيَّة مضطجع أبيه.

من وحيّ تثنيَّة 22
ترعاني بحبَّك وتهتم بي بشريعتك


-     بحبَّك أودّ أن أتشبَّه بك.

لقد سحبني عدو الخير كما من مرعاي السماوي،

فحللتني، وعُدت بي إلى أحضان أبيك السماوي.

هب لي أن اهتم بأخي وكل ما يملكه!

لا أكف عن الصلاة مع العمل حتى يرجع إلى أحضانك.

اَهتم بنفسه وقلبه وذهنه وإرادته،

فيكون بكليَّته مقدَّسًا.

أرد له حماره الضال، أي جسده الذي فسد.

وثيابه المفقودة، أي كرامته في الرب.

وكل مفقود منه، فيصير غنيًا بك!

هب لي أن اَقتدي بك،

فأعمل لحساب كل اخوتي بلا فتور!

-     بعنايتك الإلهيَّة تحتضنِّي على الدوام.

بشريعتك تهتم بدقائق أمور حياتي.

تحرص في حبَّك أن تقيم منِّي كائنًا محبًا حتى للحيوانات والطيور.

أترفَّق بكل كائن ما استطعت!

-     كأب يشغلك أطفالك،

فتُلزِم كل صاحب بيتٍ أن يبني سورًا على سطح بيته.

تعلِّمنا أن نحرص على حياة اخوتنا بغير إهمال.

-     تشتاق إلى نقاوتي.

فلا أخلط البذور معًا،

ولا الأنسجة في ثوبٍ واحدٍ.

أُدرك أنَّه لا خلطة بين النور والظلمة.

ولا شركة بين المسيح وبليعال.

-     تود أن تميِّزنا عن أهل العالم!

تجعلنا شعبًا خاصًا مقدَّسًا لك.

تشتاق أن يكون لنا لغتنا وفكرنا حتى شكلنا الخاص.

تهتم حتى بأهداب ثوبنا لنُدرك أنَّنا مكرَّسون لك وحدك.

-     تحرص على سمعة كل إنسان،

ولا تقبل أن يشهِّر إنسان بزوجته كذبًا.

تحسب هذا جريمة عظمى!

-    تدعوني إلى القداسة لأنَّك قدُّوس.

فأكون أمينًا في علاقتي بك.

اقبل نفسي عروسًا بلا عيب ولا دنس،

يقدِّسها روحك الناري،

ويهبها الاتِّحاد بك.

-     انزع عنِّي كل فساد،

أنت وحدك القدُّوس،

بك أتقدَّس، وبدونك لا أعرف القداسة.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 23 جـ1 PDF Print Email

جماعة الرب، وجيش الرب،
وبيت الرب

تحرص الشريعة على قدسيَّة المؤمنين فتؤكِّد لهم أنَّهم جماعة الرب، وجيش القدُّوس، وبيت الرب القدُّوس. هذا ما يؤكِّده هذا الأصحاح إذ لا يسمح بأي دنس يحل بالجماعة المقدَّسة، أو يتسرَّب إلى الجيش في حربه المقدَّس، أو إلى بيته. هذا وقد حرص هذا السفر على التحذير من أعداء الإنسان الحقيقيِّين وهم العالم الشرِّير وشهوات الجسد وإبليس. يحاربون المؤمن في حياته اليوميَّة، مع كل لحظة من لحظات عمره.

ويلاحظ أن النظرة هنا إلى الأمم الأربع، أي إلى العمونيِّين والموآبيِّين والأدوميِّين والمصريِّين، هي نظرة العصر الموسوي وتختلف كل الاختلاف عنها في أيَّام الملكيَّة المتأخِّرة.

1. المحرومون من جماعة الرب              [1-8].

2. جيش مقدَّس                                [9-14].

3. العبد الهارب                                [15-16].

4. رفض الفسق والنجاسة                     [17-18].

5. الربا                                        [19-20].

6. عدم التسرُّع في النذور                     [21-23].

7. حق الجيرة                                 [24-25].

1. المحرومون من جماعة الرب:

تقدِّم الشريعة هنا قائمة ببعض المحرومين من الدخول في "جماعة الرب"، حتى تبقى الجماعة مقدَّسة للرب. لكن ماذا يعني بجماعة الرب هنا؟ يرى البعض أنَّه يقصد هنا "شعب الله أثناء خدمتهم الدينيَّة". لم يقصد حرمانهم من خلاص أنفسهم وتعبُّدهم للرب، إنَّما حرمانهم من التمتُّع بكمال الحقوق، مثل استلام مسؤوليَّات معيَّنة أو الدخول إلى المقادس والشركة الكاملة مع الجماعة. يعني حرمان هذه الفئات من تولِّي مراكز قياديَّة في وسط الشعب، فلا يكون أحدهم شيخًا من شيوخ إسرائيل ولا قاضيًا. ويرى آخرون أن المقصود هنا مجرَّد الامتناع من الزواج منهم، فلا يتم زواج مختلط بينهم وبين الإسرائيليِّين.
ما هي الفئات الممنوعة؟

أ. المخصيُّون أو المجبوبون: "لا يدخل مخصي بالرض أو مجبوب في جماعة الرب" [1].


كان لهذا التعليم الخاص باستبعاد المخصيِّين من جماعة الرب أهميَّته الخاصة في ذلك الحين، إذ كان شائعًا بين الأمم أن يخدم جماعة من المخصيِّين الهياكل الوثنيَّة، وأيضًا الذين يحتلُّون مراكز عظيمة في القصر الملكي، خاصة الذين يخدمون في جناح الملكة وجناح النساء، حتى أن كلمة "الخصيان" صارت تطلق على أصحاب المراكز في القصر حتى وإن كانوا ليسوا مخصيِّين جسديًا[251].

مُنع المخصيُّون من الكهنوت (لا 21: 17-21) وأولادهم حتى الجيل العاشر، لتأكيد قدسيَّة كل أعضاء الجسم. فقد جاء هذا القانون لكي يمنع الإنسان من أن يخصي نفسه، خاصة إن كان بسبب نظرته إلى الأعضاء الجنسيَّة كأعضاء دنسة، أو أن العلاقات الجسديَّة في الزواج نجاسة. وقد حرَّمت الكنيسة على الذين يخصون أنفسهم حتى إن كانوا بتوليِّين من نوال أيَّة درجة كهنوتيَّة، ذلك لأنَّهم يدنِّسون النظر نحو ما خلقه الله صالحًا ومقدَّسًا.

من هنا – حتى في العهد القديم – لا يُحرم الخصي من عضويَّته في جماعة الرب إن كان مقدَّسًا للرب. وكما جاء في سفر إشعياء: "فلا يتكلَّم ابن الغريب الذي اقترن بالرب قائلاً: "إفرازًا أفرزني الرب من شعبه. ولا يقل الخصي ها أنا شجرة يابسة. لأنَّه هكذا قال الرب للخصيان الذين يحفظون سبوتي ويختارون ما يسرُّني ويتمسَّكون بعهدي. إنِّي أعطيهم في بيتي وفي أسواري نصيبًا واسمًا أفضل من البنين والبنات. أعطيهم اسمًا أبديًا لا ينقطع" (إش 56: 3-5).

واضح أن ما يشغل ذهن الله ليس الشكل الخارجي مثل أن يكون الإنسان خصْيًا أم لا، إنَّما الأعماق الداخليَّة، حيث يختبر االخصي حفظ السبت، أي التمتُّع بالعيد الأسبوعي والفرح المستمر في الرب، وتقديس السبت كعلامة على تقديس العمر كله لحساب الرب. من يختار أن يسر الله ويتمسَّك بعهده، أي يود أن تكون له شركة دائمة معه، مثل هذا يُحسب ابنًا (أو ابنة) لله أكثر من غيره ويكون له نصيب في بيت الرب، ويتحصَّن بأسواره.

ب. أبناء الزناة: "لا يدخل ابن زني في جماعة الرب؛ حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب" [2].

ما هو ذنب الابن؛ فقد أخطأ الأب، فلماذا يُحرم الابن من الدخول في جماعة الرب؟ لا يُحرم الابن غير الشرعي من الالتصاق بالله والتمتُّع بالميراث الأبدي، إن سلك في حياة لائقة مقدَّسة في الرب. لكن هذا القانون يقصد تحريم الزنا، إذ يشعر الزاني أن ثمرة هذا الزنا لا تدخل في جماعة الرب.

من بين رجال الإيمان الذين وردت سيرتهم في سفر القضاة (قض 11)، وذكرهم بولس الرسول في قائمة رجال الإيمان هو يفتاح الجلعادي (عب 11: 22)، قيل عنه: "وكان يفتاح الجلعادي جبَّار بأس وهو ابن امرأة زانيَّة، وجلعاد ولد يفتاح... وقالوا له لا ترث في بيت أبينا لأنَّك أنت ابن امرأة أخرى" (قض 11: 1-2).

ج. نسل عمون وموآب
: لقد انفصل أبوهما لوط عن إبراهيم (تك 13: 11)، فعزل نسله ممَّا يتمتَّع به أولاد إبراهيم رجل الإيمان. هذا وقد جاء عمون وموآب ثمرة سكر أبيهما والتصاقه بابنتيه. لكن قد يُقال: وما هو ذنبهما هما ونسلهما من بعد؟ جاءت الإجابة أن نسلهما أخذ موقفًا عدائيًا من شعب الله، إذ يقول:

"لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب. حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد. من أجل أنَّهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر؛ ولأنَّهم استأجروا عليك بلعام بن بعور بن فتور آرام النهرين لكي يلعنك. ولكن لم يشأ الرب إلهك أن يسمع لبلعام، فحوَّل لأجلك الرب إلهك اللعنة إلى بركة، لأن الرب إلهك قد أحبَّك. لا تلتمس سلامهم، ولا خيرهم، كل أيَّامك إلى الأبد" [3-6].

ليس من حق العموني أو الموآبي أن يدخل في الجماعة المقدَّسة حتى الجيل العاشر وذلك لحفظ الجماعة من أثر الوثنيَّة. هذا وأن من ينسحب عن فساد هذه الأمم ولا يلتصق بآلهتهم الوثنيَّة تقبله الجماعة. فراعوث الأمميَّة فاقت بالإيمان كثيرات من نساء الإيمان، صار لها سفر في الكتاب المقدَّس باسمها؛ وجاء السيِّد المسيح من نسلها، وذُكر اسمها في أنساب الرب.

إن كان عمون وموآب ابنا لوط قد عاشا بعيدًا عن الله، فإن نسليهما قد أكملا مكيالهما. فقد اتَّسم هذان الشعبان بسمتين خطيرتين في مواجهتهما لشعب إسرائيل، وهما العنف والحسد. ظهر العنف في رفضهم مساندة الشعب في البريَّة، وظهر الحسد في طلب موآب من بلعام أن يلعنهم، هذا الذي إذ فشل في رسالته قدَّم لهم خطَّة لمعثرة الشعب. لم يقدِّموا خبزًا وماء للشعب في وسط البريَّة، مع أن هذا واجب إنساني، خاصة وأنَّهم لم يطلبوا ذلك مجانًا، بل أرادوا دفع الثمن. رفضوا ذلك فقدَّم لهم الله الخبز من السماء والماء من الصخرة مجَّانًا. هكذا من يحرم نفسه من العطاء، إنَّما يحرم نفسه من التمتُّع بما لله في يوم الرب العظيم، إذ يقول لهم: "بما أنَّكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا" (مت 25: 45).

لقد طلب بنو موآب من بلعام أن يلعن شعب الله، وحوَّل الله اللعنة إلى بركة، لكن هذا لا يعفيهم من الشر الذي كمن في قلوبهم. وكما يقول المرتِّل: "أعطهم حسب فعلهم، حسب شر أعمالهم. حسب صُنع أيديهم أعطهم، رُد عليهم معاملتهم" (مز 28: 4).

يرى القدِّيس غريغوريوس النزينزي أن عدم السماح للموآبيِّين والعمونيِّين حق الدخول في بيت الله يشير إلى رفض استخدام البراهين السوفسطائيَّة المهلكة التي لحب الاستطلاع[252].


ما هو نصيب الأدوميِّين والمصريِّين؟

لقد رفض بنو عمون وبنو موآب أن يعبر الشعب بأرضهم لذا يجب ألاَّ يأتمنوا لهم [1-6]. أمَّا بنو آدوم والمصريُّون فقد استضافوهم في وقتٍ ما وإن كانوا بعد ذلك قد استعبدوهم، لذا يمكن أن يتمتَّعوا معهم بالعهد [7-8]. هكذا يليق بنا ألاَّ نتجاهل عملاً خيِّرًا قُدِّم لنا مهما بدا صغيرًا.

لئلاَّ بسبب ما قيل عن بني عمون وبني موآب يحمل الشعب روح الكراهيَّة نحو كل الشعوب يطلب منهم أن يأخذوا موقفًا لطيفًا مع بني آدوم ومع المصريِّين، إذ يقول:

"لا تكره أدوميًا، لأنَّه أخوك. لا تكره مصريًا، لأنَّك كنت نزيلاً في أرضه. الأولاد الذين يولدون لهم في الجيل الثالث يدخلون منهم في جماعة الرب" [7-8].

إن صار أدومي أو مصري دخيلاً، أي ترك أوثانه وقبل الإيمان بالله الحقيقي فإن لحفيده الحق في الدخول في جماعة الرب.

لقد قاومهم الأدوميُّون (عد 20: 20)، واستعبدهم المصريُّون، لكن يليق بالشعب أن ينسى هذا كله متى التقى الأدومي أو المصري بالله وثبت صدق إيمانه حتى الجيل الثالث، فيُقبل متذكِّرًا للأدومي أنَّه أخوه، وللمصري أنَّه استضافه يومًا ما في وطنه.

كثيرًا ما كان الله يذكرهم بعبوديَّتهم للمصريِّين لا ليُثير فيهم روح العداوة ضدَّهم، بل يتذكَّروا عمل الله الخلاصي العجيب. أمَّا بالنسبة للمصريِّين فيذكرون كيف فتحوا لهم بلدهم ليستضيفوهم حوالي أربعة قرون.

في اختصار طلب الله تقديس شعبه بالآتي:

أ. حرمان كل من يدنس نظرته نحو الجسد ويستهين بخلقة الله الصالحة من الشركة في العمل القيادي الروحي لجماعة الرب.

ب. من يحمل روح الكراهيَّة والحسد لأولاد الله، ومن يقدِّم معثرة لهم، ليس لهم نصيب في الشركة المقدَّسة.

ج. يليق بالجماعة المقدَّسة أن يحملوا روح الحب نحو الغير، ولا يتجاهلوا كل عمل صالح قُدِّم لهم ولو إلى حين، فيعاملونهم بالحب الممتزج بالحكمة.

2. جيش مقدَّس:

كان الشعب على وشك الدخول إلى أرض الموعد، حيث يدخلون في سلسلة مستمرَّة من المعارك ضد الكنعانيِّين، لهذا كان لزامًا وضع أسس خاصة برجال الجيش حتى يمكنهم التمتُّع بحياة الغلبة. لذلك بعد أن تحدَّث عن "جماعة الرب" وعن المحرومين من الدخول في الجماعة، وإمكانيَّة دخول الأدوميِّين والمصريِّين في جماعة الرب تحدَّث عن الجيش وتقديسه، فتحدث عن ثلاثة أنواع من التقديس.

أولاً: التقديس من الخطيَّة، "إذا خرجت في جيش على أعدائك فاحترز من كل شيء رديء" [9]. فالخطيَّة تسحب قلب الإنسان نحو الجبن، لأنَّها تربطه بالأرض والحياة الزمنيَّة. أمَّا برّ المسيح فيرفع قلبنا إلى السماء، ويهبه قوَّة تتحدَّى الموت. لهذا يليق بالمعارك الزمنيَّة أن تكون فرصًا حيَّة للدخول في معارك داخليَّة، فيتنقَّى الكل من كل شيءٍ شرِّير. بهذا يجتذبنا الكتاب المقدَّس نحو الله الذي يسمع صلوات الأبرار ويهبهم روح النجاح والنصرة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكما يقول المرتِّل: "إن راعيت إثمًا في قلبي لا يستمع لي الرب... مبارك الله الذي لم يبعد صلاتي ولا رحمته عنِّي" (مز 66: 18، 20). لقد أكَّد صموئيل النبي للشعب أن تقديس القلب هو طريق النصرة، قائلاً: "إن كنتم بكل قلوبكم راجعين إلى الرب فانزعوا الآلهة الغريبة والعشتاروت من وسطكم وأعدُّوا قلوبكم للرب واعبدوه وحده، فينقذكم من يد الفلسطينيِّين" (1 صم 7: 3).

ثانيًا: تقديس طقسي روحي، مع التطهير من كل شر. يلزم أن يمارسوا الطقس الخاص بالتطهيرات، حتى إن كان الدنس لا إرادي كالاحتلام.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 23 جـ2 PDF Print Email

"إن كان فيك رجل غير طاهرٍ من عارض الليل يخرج إلى خارج المحلَّة لا يدخل إلى داخل المحلَّة. ونحو إقبال المساء يغتسل بماء، وعند غروب الشمس يدخل إلى داخل المحلَّة" [10-11].

لما كان الله قدُّوس يود أن يكون شعبه مقدَّسًا في الداخل والخارج، فإن رأى إنسان حلمًا أثاره لا شعوريًا فإن هذا لا يُحسب خطيَّة، لكن يليق به أن يغتسل حتى يكون جسده نقيًا، وأيضًا يغسل ثيابه كما جاء في (لا 15: 16): "إذا حدث من رجل اضطجاع زرع يرحض كل جسده بماء ويكون نجسًا إلى المساء؛ وكل ثوبٍ وكل جلدٍ يكون عليه اضطجاع زرع يُغسل بماء ويكون نجسًا إلى المساء".

ليس من حق الجندي وهو في وسط المعسكر إن احتلم أن يعطي لنفسه عذرًا فلا يطبق هذا القانون الخاص بتطهير جسده وثيابه، فإن المعركة تدفعه بالعكس لا إلى تجاهل الشريعة بل إلى التدقيق في تنفيذها. لينسحب في ذلك اليوم من المعركة ويتمِّم شريعة التطهير هذه لكي يقف الله في صف الجيش كله. بحسب الحسابات البشريَّة هؤلاء المحتلمون إذ ينسحبون يسبِّبون خللاً في الجيش فتقل قوَّة الجيش وقدرته، لكن بحسب الحسابات الإلهيَّة فإن انسحابهم تأكيد للاهتمام بقدسيَّة الشعب والجيش فيكون القدُّوس نفسه هو القائد وهو واهب النصرة.

إن كان هكذا يهتم الله بتقديس الكل حتى فيما يحدث لا شعوريًا كم بالأكثر يليق بالكل أن يكون مقدَّسًا في الجسد والفكر والأحاسيس.

بقوله: "ويكون لك موضع خارج المحلَّة لتخرج إليه خارجًا" [12] يؤكِّد أهميَّة النظافة داخل المحلَّة حفظًا للصحة والطهارة الشخصيَّة. إن حضور الرب في وسطهم حافز دائم على القداسة.

ثالثًا: طهارة طبيعيَّة. لتأكيد حضرة الله في وسط شعبه، خاصة أثناء معاركهم، التي هي معركته ضد إبليس وأعماله، أراد أن يكونوا طاهرين حتى من الضروريَّات، فلا يوجد في المحلَّة شيء قذر، إذ يقول:

"ويكون لك وتد مع عدَّتك لتحضر به عندما تجلس خارجًا وترجع وتغطِّي برازك. لأن الرب إلهك سائر في وسط محلَّتك لكي ينقذك، ويدفع أعداءك أمامك. فلتكن محلَّتك مقدَّسة لئلاَّ يرى فيك قذر شيء فيرجع عنك" [13-14].

يتساءل البعض: كيف تهتم الشريعة الإلهيَّة بأمر كهذا، ينطق به العظيم في الأنبياء موسى؟

أ. لقد أراد تأكيد أن الطبيعة نفسها تعلِّمنا أن نميِّز أنفسنا عن الحيوانات، فيليق بنا أن نكون أنقياء في كل شيء.

ب. إن كان الله يهتم بتطهير القلب وتقديس الإنسان ككل، فإنَّه خلال الاهتمام حتى بنظافة الموضع ندرك مدى أهميَّة الطهارة والقداسة في عينيّ القدُّوس. إذ لم يُقصد بالحرب اغتصاب أرض أو ممتلكات بل تهيئة شعب الله كخميرة لتقديس الشعوب، لذا كان الإعداد لها لا بالمعدات الحربيَّة والتنظيمات العسكريَّة، إنَّما بالحياة المقدَّسة الداخليَّة والخارجيَّة كالنظافة.

ج. تكشف الشريعة ككل عن وحدة الحياة، فلا تفصل بين الشرائع التي تخص العبادة عن السلوك، ولا السلوك الأخلاقي عن السلوك فيما يخص الصحَّة العامة أو صحَّة الفرد، ولا الشرائع الخاصة بفترات الحرب عن تلك التي تخص حياة السلم. فالمؤمن إذ يحيا في الرب يهتم بكل جوانب حياته الروحيَّة والاجتماعيَّة والدراسيَّة والصحيَّة والوطنيَّة والأسريَّة. هي حياة واحدة لا تتجزَّأ.

د. تكشف الشريعة عن الحضرة الإلهيَّة حتى في لحظات الحرب: " الرب إلهك سائر في وسط محلَّتك" [14]. وكأن ما يشغل ذهن المؤمن حتى في اهتمامه بالجوانب الصحيَّة هو انشغاله بالله القدُّوس. فإن كان رئيس الكهنة يلتزم بوضع صحيفة ذهبيَّة منقوش عليها "قدس للرب"، فإن المؤمن إذ يشعر بحضرة الله في بيته يهتم بكل أثاثات البيت وكأنَّه ينقش عليها "قدس للرب". أينما وجد يشعر أنَّه كما في هيكل مقدَّس حيث يلتقي بالقدُّوس.

ه. إن كان الله قد خلق العالم الجميل من أجل الإنسان، وقد أحب الإنسان العالم أكثر من خالقه، لهذا وهو يدعوه إلى جحد محبَّة العالم يسأله أن يحافظ على كل ما هو جميل في العالم. يود أن نعيش في جوٍ صحي بلا تلوث. أنَّنا نسمع الآن العالم يصرخ من تلوُّث البيئة، تلوُّث الهواء وتلوُّث المياه، وتلوُّث الطعام، وتلوُّث الأرض! هذا ما فعله الإنسان بعد أن تلوَّث قلبه بالخطيَّة، لوَّث العالم في جوانب متعدِّدة. أنَّنا نسمع اليوم عن تحذير لئلاَّ ننقل التلوُّث حتى إلى الكواكب التي نبعث إليها سفن فضائيَّة.

ليتنا بروح الرب نحفظ أعماقنا من كل تلوُّث فنشتاق أن نعيش حتى في عالمٍ بلا تلوُّث. الآن تقيم الدول وزارات خاصة بالبيئة لمعالجة كل تلوُّث! لنبدأ بنظافة الداخل ولا نتجاهل نقاوة الخارج أيضًا!

و. إن ما يفعله شخص واحد حتى وإن كان بنيَّة غير شرِّيرة قد يسيء إلى الجماعة كلها ويحزنها، بل وقد يحطِّمها. لهذا لاق بكل عضو أن يعمل ما استطاع من أجل نفسه بل من أجل الجماعة كلها.

3. العبد الهارب:

بعد أن تحدَّث عن التدقيق في الطهارة والنقاوة روحيًا وجسديًا وطقسيًا حتى في أمور الطبيعة الضروريَّة التي تبدو تافهة قدَّم لنا شرائع تكشف عن مدى تدقيق الإنسان في كل أمور الحياة. ابتدأ بالحديث عن العبد الأجنبي الذي يهرب من سيِّده بسبب ما يحل به من ظلم.

"عبدًا أبق إليك من مولاه لا تُسلِّم إلى مولاه. عندك يقيم في وسطك في المكان الذي يختاره في أحد أبوابك حيث يطيب له. لا تظلمه" [15-16].

واضح أن الشريعة الموسويَّة وإن كانت لم تلغِ نظام العبوديَّة لكنَّها بكل الطرق تحث المؤمن على الترفُّق بالعبيد ومعاملتهم كأخوة. إن كان الله قد أعطى الشعب أرض الموعد ملجأ لهم بعد أن حرَّرهم من عبوديَّة فرعون، فإنَّه يشتهي أن يقتدي شعبه به، فيفتحون قلوبهم وبيوتهم لكل نفس متألِّمة أو متضايقة.
هل من العدالة أن تحمي إنسانًا هاربًا؟

أولاً: لا يُفهم هذا القانون أنَّنا نحمي هاربًا من القانون، خاصة إن كان قد ارتكب جريمة ما، إذ يختم القانون بقوله: "لا تظلمه" ممَّا يدل على أنَّه يتحدَّث عن العبد الهارب من الظلم الذي كان يلاحقه.

ثانيًا: يرى البعض أن العبد هنا هارب من سيِّد وثنيٍ، من بلدٍ مجاورة، وقد جاء يحتمي في شعب الله ويتعبَّد لله حيث يجد سلامه الداخلي وراحته اللائقة في الله.

ثالثًا
: يود الله من شعبه وأبنائه أن يكونوا ملجأ خاصة لمن هم في ضيقة، كحماية العبد الهارب من قسوة سيِّده، مع الاهتمام بالضعفاء المظلومين. وقد عرف ملوك إسرائيل بهذه الفضيلة كما يظهر من قول العبيد لبنهدد ملك الأموريِّين (1 مل 20: 30).

رابعًا: يرى البعض أن هذا التشريع يكشف عن مقاومة الله للعبوديَّة. ففي نفس السفر يشدِّد الله على المؤمن أن يرد كل ما هو مفقود لأخيه سواء كان عبرانيًا أو أمميًا، نجده يشدِّد ألاَّ يُرد العبد إلى سيِّده. فإنَّه ليس من حق الإنسان أن يملك إنسانًا ويستعبده. وقد سبق لنا الحديث عن نظرة الكتاب المقدَّس للعبوديَّة.

لا يقف الأمر عند عدم رد العبد لسيِّده، وإنَّما يلتزم المؤمن أن يُعد له مكانًا ليعيش ويعمل.

خامسًا: بينما يؤكِّد الكتاب المقدَّس أنَّه ليس من حق إنسانٍ أن يمتلك إنسانًا، أوضح أن الله وحده من حقِّه أن يمتلكنا له. "لأنَّكم قد أشتريتم بثمن فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 20). من يستعبد نفسه لله يتحرَّر داخليًا من كل عبوديَّة. وكما يقول القدِّيس أرسانيوس: "كن عبدًا لسيِّد واحدٍ خير من أن تكون عبدًا لسادة كثيرين".

4. رفض الفسق والنجاسة:

إن كان يليق بشعب الله أن يكون ملجأ حتى للعبد الهارب من الظلم، إلاَّ أنَّه يجب ألاَّ يكون ذلك للفاسق والنجس. فالدعارة مرفوضة تمامًا، وكل مكسب من خلال هذا العمل لن يُقبل كتقدمة لله القدُّوس [17-18].

"لا تكن زانية من بنات إسرائيل، ولا يكن مأبون من بني إسرائيل. لا تدخل أجرة زانية ولا ثمن كلب إلى بيت الرب إلهك عن نذرٍ ما، لأنَّهما كليهما رجس لدى الرب إلهك" [17-18].

لم يكن مسموحًا لإحدى بنات إسرائيل أن تبقى في وسط شعبها تمارس الزنا، ولا لأحد أبناء إسرائيل أن يمارس الشذوذ الجنسي، إذ يلزم بقاء الشعب "أمَّة مقدَّسة". عندما طلب أمنون بن داود من أخته ثامار أن تخطئ معه قالت له: "لا يا أخي لا تذلّني، لأنَّه لا يٌفعل هكذا في إسرائيل. لا تُعمل هذه القباحة" (2 صم 13: 12).

لا يُسمح لأجرة زانية أو لثمن فساد جنسي (ثمن الكلاب) أن يقدَّم لبيت الرب. هنا يشير إلى مرتكبي الفساد الجنسي بالكلاب كما جاء في سفر الرؤيا: "لأن خارجًا الكلاب والسحرة..." (رؤ 22: 15). هكذا لا يقبل الله تقدمة إنسانٍ فاسد، إذ "ذبيحة الأشرار مكرهة للرب، وصلاة المستقيمين مرضاته" (أم 14: 8). الله يريد القلب التائب الراجع إليه لا الذبائح والتقدمات بغير نقاوة قلب. الله لا يُكرَّم بما نقدِّمه له، لكنَّه يتمجَّد بحياتنا المقدَّسة فيه. لهذا لا يهتم بما نقدِّمه، بل بالقلب الذي يقدِّم هذه التقدمة. إنَّه لا يُرتشى بالمال والتقدمات.

يحذِّرنا الحكيم من المرأة الشرِّيرة التي تغوي الإنسان البسيط تحت ستار التديُّن، قائلاً: "فأمسكته وقبَّلته، أوقحت وجهها وقالت له: عليَّ ذبائح السلامة. اليوم أوفيت نذوري. فلذلك خرجت للقائك لأطلب وجهك حتى أجدك" (أم 7: 14-15).

على خلاف الجو الوثني المحيط بهم يطالبهم برفض الزنا ومضاجعة الذكور لحساب الهيكل. كان بعض الكاهنات يقمن بجوار معبد فينيس يقدِّمن أجسادهن مقابل أجرة تقدَّم لحساب الهيكل، وأن بعض المتعبِّدين من الجنسين النساء والرجال يقدِّمون أنفسهم للممارسات الشرِّيرة. وكما يقول هيرودت إن الرجاسات كانت جزءً لا يتجزَّأ من العبادة الوثنيَّة خاصة عبادة الإلهة عشتاروت[253]. وجاء في سفر ميخا عن العبادة الوثنيَّة في السامرة: "جميع أصنامها أجعلها خرابًا، لأنَّها من عقر الزانية جمعتها، وإلى عقر الزانية تعود" (مي 1: 7).

5. الربا:

لكي يكون الله حصنًا لشعبه، واهبًا إيَّاهم روح الغلبة والنصرة سألهم ليس فقط أن يتقدَّسوا في كل كبيرة وصغيرة، حتى في التقدمات التي يأتون بها إلى بيته. مع التقديس يطلب الحب المشترك بينهم، فبحبِّه قدَّم للشعب أرض الموعد، ليعيش الكل معًا بروح الشركة لا الطمع، ويشعر الكل أن ما بين أيديهم هو هبة إلهيَّة. لهذا منعهم من الربا متى احتاج الأخ أو الأخت أن يقترض مالاً أو طعامًا أو شيئًا ما.

"لا تُقرض أخاك بِرِبا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيء ما ممَّا يُقرَض بربا. للأجنبي تقرض بِرِبا، ولكن لأخيك لا تقرض بِرِبا، لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها" [19-20].

رفض إقراض الأخ بِرِبا، لأنَّه يفترض أنَّه يطلب ذلك عن عوزٍ واحتياج. لهذا سألنا الرب ليس فقط لا نطلب الربا، بل ولا نطلب رد الدين، قائلاً: "وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردُّوا منهم، فأيّ فضل لكم، فإن الخطاة أيضًا يفعلون ذلك" (لو 6: 35). لقد أكد الرسول أنَّه ليس للطماعين أن يرثوا ملكوت الله (1 كو 6: 10).

بالنسبة للغرباء تقدِّم القروض بفوائد لأنَّه يُفترض أنَّه يطلب ذلك من أجل التجارة. فالنفع مشترك، حيث يتاجر الغريب بالمال، وينال اليهودي نصيبًا من ربحه خلال الفائدة.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 23 جـ3 PDF Print Email

6. عدم التسرُّع في النذور:

مع القداسة والحب يطلب أيضًا الجدِّيَّة فلا ينطق إنسان بكلمةٍ ما في تسرُّع، خاصة حين ينذر شيئًا للرب. وقد سبق فعالج موضوع الالتزام بالنذور في سفر العدد (ص 30).

"إذا نذرت نذرًا للرب إلهك فلا تؤخِّر وفاءه. لأن الرب إلهك يطلبه منك فتكون عليك خطيَّته. ولكن إن امتنعت أن تنذر لا تكون عليك خطيَّة. ما خرج من شفتيك احفظ واعمل كما نذرت للرب إلهك تبرُّعًا كما تكلَّم فمك" [21-23].

لا يحتاج الله إلى النذور، لهذا لا تُحسب خطيَّة لمن يمتنع عن النذر، إنَّما يطلب الجدِّيَّة في كل كلمة تنطق بها الشفتان. لم يقل ما ينذر به قلبك بل ما "تكلَّم فمك"، لئلاَّ يتشكَّك أحد لمجرَّد وجود اشتياقات كثيرة نحو التكريس والعطاء ممَّا يستحيل على الإنسان أحيانًا تنفيذها. لهذا لم يرد أن يثقِّل على ضمير المؤمنين.

يقول الحكيم: "لا تستعجل فمك ولا يُسرع قلبك إلى نطق كلام قدام الله، لأن الله في السموات وأنت على الأرض، فلذلك لتكن كلماتك قليلة... إذا نذرت نذرًا لله فلا تتأخَّر عن الوفاء به، لأنَّه لا يُسر بالجهال، فأوفِ بما نذرته" (جا 5: 2، 4).

بكامل حرِّيتنا لنا أن ننذر أو نمتنع عن النذر، إذ لا يريد الله أن يثقِّل على أحدٍ. من ينذر فليفعل ذلك بفرح قلب، وليتمِّم ذلك. وقد جاء العهد الجديد يعلن بوضوح عن العطاء "كل واحدٍ كما ينوي بقلبه ليس عن حزنٍ أو اضطرار، لأن المعطي المسرور يحبُّه الله" (2 كو 8: 7).

7. حق الجيرة:

قانون الجماعة المقدَّسة هو الحب، فليس من حق إنسانٍ أن يعتدي على ممتلكات جاره أو حقله أو كرمه. إن جاع من حقِّه خلال الحب أن يأكل من حقل جاره، دون أن يحمل معه شيئًا، دون إساءة استغلال هذا الحق.

"إذا دخلت كرم صاحبك فكل عنبًا حسب شهوة نفسك شبعتك، ولكن في وعائك لا تحمل. إذا دخلت زرع صاحبك فاقطف سنابل بيدك، ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك" [24-25].

كانت الكروم والحقول في فلسطين مفتوحة للمشاة، وكان الثمر كثيرًا حتى يقدر من يريد أن يأكل ما يشاء.

هذا القانون تلتزم به بعض القبائل البدائيَّة، فمن حق أي عابر أن يميل على حقل ويأكل ويشبع دون أن يأخذ معه شيئًا. كما تلتزم به جماعات متمدِّنة كثيرة، فالعاملون في مصانع أطعمة أو شراب ما من حقِّهم أن يأكلوا أو يشربوا ممَّا في المصانع، لكن ليس من حقِّهم أن يحملوا شيئًا منه خارج المصانع. هذا وقد اشتهرت كنعان بفيض غلاَّتها وكرومها لهذا مهما أكل أو شرب الجار لن يمثِّل ذلك شيئًا بالنسبة للفيض الذي يقدِّمه الله لأصحاب الكروم والحقول.

عندما جاع التلاميذ ابتدأوا يقطفون سنابل ويأكلون، وإذ لاحظ الفرِّيسيُّون ذلك قالوا السيِّد المسيح: "هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت" (مت 12: 2؛ لو 5: 2). لم ينتقدوهم لأنَّهم أخذوا سنابل من الحقل، فهذا حق وهبته الشريعة للكل، لكنَّهم انتقدوهم لأنَّهم قاموا بالقطف فحسبوه حصادًا، وفركوه بأيديهم فحسبوه عملاً ممنوعًا في يوم السبت!

يرى اليهود أن هذه الشريعة قُدِّمت لفئتين: للعاملين في الحقول، فإنَّهم إذ يعملون من حقِّهم أن يشبعوا ويرتووا ممَّا هو بين أيديهم، وفئة المسافرين الفقراء حتى لا يخوروا في الطريق.

تحمل هذه الشريعة مبدأ هامًا وهو مع تدقيق الإنسان في حياته الروحيَّة يجب أن يتساهل مع اخوته في الأمور الماديَّة التي لا تستحق الانشغال بها، خاصة إن كان الأخ (أو الأخت) يمارس ذلك عن عوز وقدر احتياجه دون إساءة استخدام هذه المحبَّة وتلك البساطة.

تقدِّم هذه الشريعة أيضًا فرصة ليكون الإنسان سخيًا مع أخيه فيتركه في حقله أو كرمه يأكل أو يشرب بغير حدود، سوى ألاَّ يأخذ معه شيئًا أو يستغل وجوده في الحقل، فيضرب بمنجله السنابل ثم يترك ما جمعه يتبدَّد في الحقل. ففي الوقت الذي فيه تطلب الشريعة حبنا لقريبنا، تطلب من الغريب الالتزام وعدم إساءة حق الصداقة أو الجيرة فيعرف حدود ما يناله.

من وحيّ تثنيّة 23
جماعة مقدَّسة، وجيش مقدَّس، وبيت مقدَّس

-     هب لي أن أكون حريصًا على قدسيَّة جماعتك يا أيها القدُّوس!

أنت ترفض من يخصي ذاته عن ممارسة الكهنوت.

هب لي أن أكرم كل عضو في جسدي.

لم تخلق فيً شيئًا دنسًا.

أترقَّب، متى تعكس بهاءك على نفسي وجسدي، وكل كياني،

فأحمل شبهك وأصير أيقونة لك!

-     ليهرب منِّي كل فكر شهواني!

ولا يكون في داخلي عموني أو موآبي.

لأحمل الحب للكل بروح التمييز والإفراز.

أفتح قلبي لكل أدومي ومصري، فأقبلهم خلال حبَّك.

-     اخترتني جنديًا في جيش خلاصك.

ليتني أكون مدقِّقًا في طهارة قلبي وجسدي!

لاغتسل دائمًا بمياه حبَّك.

لأتقدَّس دومًا بدمك المطهِّر.

فتكون محلَّتك في داخلي كاملة النقاوة.

-     تقيم الدول وزارات للبيئة لمعالجة كل تلوُّث.

لتقم روحك القدُّوس مطهِّرًا إيَّاي من كل دنس.

هب لي أن أحيا بلا تلوُّث في الداخل والخارج.

فاشتم نسمات حبَّك النقي،

وأشرب من ينابيع مياهك الحيَّة التي لن يمسَّها تلوُّث!

تطلب نظافة أعماقي:

نظافة القلب والفكر والأحاسيس والمشاعر.

وتطلب نظافة الجسد بكل طاقاته،

وتسألني نظافة العالم المحيط بي،

فاحرص حتى على نقاوة الهواء الذي اشتمه،

والأرض التي أعيش عليها.

نظافتي جزء لا يتجزَّأ من الحياة البارة فيك يا أيُّها البار وحده.

-     لأكن جنديًا شجاعًا في المعركة الروحيَّة.

وأبًا حنونًا نحو كل عبدٍ مظلومٍ.

لتمتزج شجاعتي بحبِّي ولطفي.

-     أقمت هيكلك في داخلي!

لن أقدِّم فيه أجرة زانية ولا ثمن كلب.

لن أمزج عبادتي بدنس، ولا تقدمتي بفسادٍ ما.

اشتاق أن أقدِّم كل حياتي نذرًا لك.

في غير تسرُّعٍ اقبلها تقدمة حب لك.

-     هب لي أن أفتح حقل قلبي لكل إنسان.

هب لي حبًا لكل جارٍ وكل غريبٍ!

وإن استأجرت أحدًا لا انتظره يطلب أجرته،

بل أسرع بالحب وأقدِّم له حقّه.

-   في كل عمل أذكر دومًا المتضايقين،

وأراعي كل غريب ومحتاج!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 23 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 24 جـ1 PDF Print Email

سلامة الأسرة
مع شرائع أخرى

تحدَّث في الأصحاح السابق عن "جماعة الرب" وقدسيَّتها والحفاظ عليها. الآن يتحدَّث عن شرائع تمس الأسرة وكيانها، فيبدأ بالتضييق على الطلاق، والاهتمام بسعادة الأسرة حتى في فترات الحروب، والالتزام بمساندة الأسر الفقيرة والمحتاجة بطرق متنوِّعة. فقد اهتم بمن يضطرُّون إلى الرهن متحدِّثًا عنهم ثلاث مرَّات في هذا الأصحاح.

يمكن القول بأن هذا الأصحاح يحفظ حقوق الإنسان بوجه عام، كما يدافع عن حقوق المرأة في أمر الطلاق، وحقوقها في فترة عرسها (السنة الأولى من زواجها). كما يدافع عن حقوق المدينين الفقراء، وحقوق العمال الأجراء، وحق الإنسان في ألاَّ يٌعاقَب بسبب خطأ ارتكبه أقرب المقرَّبين إليه، وأخيرًا حق الإنسان في ممَّارسة الحريَّة.

1. الأسرة والطلاق                            [1-4].

2. الأسرة والتجنيد                             [5].

3. الأسرة والرهن                                       [6].

4. الأسرة ونظام العبوديَّة                      [7].

5. الأسرة والتذمُّر                             [8-9].

6. الأسرة والقروض                           [10-13].

7. الأجير والأجرة                              [14-15].

8. المسئوليَّة الشخصيَّة                        [16].

9. الأسرة والرهن                                       [17-18].

10. مراعاة المحتاجين أثناء الحصاد          [19-22].

1. الأسرة والطلاق:


لا يمكن الحفاظ على قدسيَّة جماعة الرب دون الاهتمام بقدسيَّة الأسرة والرباط الزوجي. يليق بالمؤمن أن يتطلَّع إلى الزواج في قدسيَّة ووقارٍ، حاملاً ذات فكر الله في هذا الشأن، الذي يرى الوحدة الأسريَّة يجب أن تكون أهم وأقوى وحدة تعرفها الأرض. من أجل قسوة قلوبهم سمح لهم موسى بالطلاق، حتى لا يرتكب أحد جريمة قتل للخلاص من زوجته، أو يبرِّر لنفسه أن يرتكب الزنا، فيسقط تحت الغضب الإلهي، ويتعرَّض هو ومن ارتكب معها الشر للرجم (إن كانت متزوَّجة). أمَّا في العهد الجديد حيث دخل الإنسان إلى النضوج فلم يُسمح بالطلاق إلاَّ لعلَّة الزنا (مت 19: 8-9).

لقد وضعت الشريعة حدودًا للطلاق من بينها القانون التالي:

"إذا أخذ رجل امرأة وتزوَّج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه، لأنَّه وجد فيها عيب شيء وكتب لها طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجلٍ آخر، فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتَّخذها له زوجة، لا يقدر زوجها الأول الذي طلَّقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجَّست. لأن ذلك رجس لدى الرب. فلا تجلب خطيَّة على الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا" [1-4].

أمَّا ما وراء هذا القانون فهو:

أولاً: ألاَّ يتسرَّع الإنسان في طلب الطلاق لأي سبب، فالشريعة تستلزم أن لا يكفي أن ينطق بكلمة الطلاق، بل يلزمه أن يعلن ذلك كتابة، وأن يوقِّع على شهادة الطلاق شاهدان أو أكثر، وأن يسلِّم كتاب الطلاق للزوجة في يدها ويطلِّقها، أي يقدِّم لها احتياجاتها الماديَّة حتى لا يتسرَّع أحد بل يراجع نفسه. بجانب هذا فإنَّه إن طلَّق فليعلم أنَّه إن تزوَّجها أحد لن يمكنه الزواج منها إن طلَّقها الآخر أو حتى مات، مهما كانت الأسباب.

فيما يلي صورة من كتاب الطلاق الذي يكتبه الرجل لزوجته المطلَّقة[254]:

[في يوم... من الأسبوع، أو يوم... من الشهر...، في سنة... من خلقة العالم، أو من ملك (الإسكندر) بحسب عادتنا هنا في الموضع...، أنا فلان بن فلان من منطقة... بإرادتي الحرَّة، وبرغبة نفسي، دون أيَّة ضغوط، قد تركتكِ وتخليَّت عنكِ واستبعدتكِ يا فلانة ابنة فلان، من مدينة...، التي كنتِ زوجة لي، والآن أصرفكِ عنٍّي وأترككِ واستبعدكِ، فتكونين حرَّة، ولكِ سلطان على حياتك، وأن تتزوَّجي أي إنسان تريدين، وليس لأحد أن يرفضكِ بسبب اسمي من هذا اليوم وإلى الأبد. وهكذا يحق لكِ أن تكوني لأي إنسان. وهذا منِّي كتاب طلاق، كتاب لتخليتكِ ورسالة لاستبعادكِ، وذلك بحسب شريعة موسى وإسرائيل].

ثانيًا:
يؤكِّد حق الزوجة المطلَّقة أن تتزوَّج، فيُحسب الرجل الأول بالنسبة لها كأنَّه مات، لهذا لا يجوز لها الالتصاق به بعد اتِّحادها برجل آخر، فتكون كمن التصقت بجثمان ميِّتٍ، ويحسب ذلك دنسًا.

ثالثًا: يرى البعض أن هذا القانون صدر لمنع بعض العادات الدنسة كتلك التي كان بعض المصريِّين يمارسونها، إذ كان الرجال يتبادلون الزوجات فيما بينهم. فخشية أن يطلِّق رجلان زوجتيهما ليقبل كل منهما زوجة الآخر إلى حين ثم يطلِّقاهما، ويعودان فيتزوَّجان كل واحدٍ من زوجته الأولى، فيصير الزواج والطلاق وسيلة لتحقيق هذا السلوك الدنس تحت ستار شريعة الطلاق. لذلك رفضت الشريعة الزواج نهائيًا بالزوجة الأولى متى التصقت بآخر. بهذا يدرك الرجل أن المرأة ليست ألعوبة في يده، يستطيع أن يطردها في أي وقت، ويستردَّها متى شاء، إنَّما لها كيانها البشري وشخصيَّتها التي يلزم أن يُقدِّرها الزوج.

رابعًا: يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن الشريعة لم تمنع الرجل الذي يبغض زوجته من أن يطردها ويتزوَّج أخرى، لكنَّه يلتزم أن يعطيها كتاب طلاق، ولا يجوز له أن يردَّها مرَّة أخرى حتى إن مات رجلها الثاني أو طلَّقها. والسبب في هذا أن الشريعة خشيت من أن يلتزم الرجل ببقاء الزوجة التي يبغضها فيقتلها، لأنَّه هكذا كان حال اليهود في ذلك الحين. كانوا يقتلون الأنبياء ويسفكون الدم كالماء (مز 79: 3). فطرْد الزوجة المكروهة أقل شرًا من قتلها. أمَّا علَّة عدم إعادتها فذلك لكي يُدرك الكل أنَّه يليق بقاء الزواج وعدم فسخه، فيلزم على الرجل قبل أن يطرد زوجته ويطلِّقها أن يراجع نفسه مرَّات لأنَّها لن تعود إليه[255]].

خامسًا: اختلف المفسِّرون اليهود في تفسيرهم للعبارة: "لأنَّه وجد فيها عيب شيء" [1]. ففي رأي مدرسة هلليل Hillel أن الرجل يمكنه أن يطلِّق زوجته لأي سبب يرى أنَّه غير لائق[256]. ففي أيَّام السيِّد المسيح جاءه الفرِّيسيُّون يتساءلون: "هل يحل للرجل أن يطلِّق امرأته لكل سبب" (مت 19: 3). أمَّا مدرسة شمعي Shammai فعلى النقيض رأت أنَّه ليس من حق الرجل أن يطلِّق زوجته إلاَّ لعيب قوي فيها مثل ارتكاب خطيَّة الزنا[257]. وإن كان لا يمكن تفسير العيب هنا بارتكاب الزنا، لأن هذه الخطيَّة عقوبتها الرجم لا الطلاق.

2. الأسرة والتجنيد:

بكل وسيلة أوضح الله كراهيَّته للطلاق، مشتاقًا ألاَّ يحدث في وسط شعبه، وفي نفس الوقت أعطى اهتمامًا عظيمًا لسلامة الأسرة وسعادتها، لهذا أعفى المتزوِّج حديثًا من واجب الجنديَّة لكي يقضي السنة الأولى مع زوجته في حياة سعيدة. أساس سعادة المجتمع كله هو الأسرة. فالأسرة المتهلِّلة تبعث روح الفرح على من حولها.

"إذا اتَّخذ رجل امرأة جديدة فلا يخرج في الجند، ولا يُحمل عليه أمر ما. حُرًا يكون في بيته سنة واحدة، ويسر امرأته التي أخذها" [5].

لا يُسمح بالمتزوِّج حديثًا أن يشترك في حرب خلال السنة الأولى من زواجه لعدَّة أسباب منها:

أولاً: كما سبق فرأينا سابقًا استبعاد الأشخاص المشغولين بأمور تتملَّك على أفكارهم وقلوبهم ممَّا قد تسبب لهم خوفًا أو جبنًا أثناء المعركة.

ثانيًا: حفاظًا على سلامة الأسرة ووحدتها، فالإنسان في السنة الأولى كثيرًا ما يجد مشاكل في حياته الزوجيَّة حيث لم يتعرَّف الطرفان بعد على قبول إرادة الآخر وإدراك مفاهيمه كما يجب، فخروج الرجل للحرب مدَّة طويلة قد يسبب برودة في المحبَّة الزوجيَّة، أو يجد أحدهما ذلك فرصة لعدم العودة إلى الحياة الزوجيَّة.

ثالثًا: إذ كان يليق بكل شعب الله أن يكونوا طاهرين، ليس لهم خبرة في العلاقات الجسديَّة قبل الزواج، لهذا عند زواجهم تصير لهم خبرة جديدة يصعب الخلاص منها. فإن استدعى الرجل إلى الجيش يجد صعوبة للحياة بدون علاقة جسديَّة فيسقط في حب أيَّة سيِّدة يلتقي بها أثناء الحرب، خاصة إن غَلب جيشه وأسر بعض النسوة. وأيضًا قد تجد العروس التي تركها عريسها صعوبة أن تسلك بطهارة في هذه الفترة الحرجة.

رابعًا: غاية عدم خروج الرجل إلى الحرب ليس الهروب من المعركة، ولا الخوف من الموت، إنَّما يلزمه أن يصنع ما في وسعه لإسعاد زوجته.

خامسًا: يعتبر الله السنة الأولى من الزواج "حفل عرس مستمر"، لن يتكرَّر، لهذا يحرص الله بنفسه على الحفاظ عليه وتحصينه، حتى يبقى العروسان في فترة من الفرح والبهجة تسندهما كل أيَّام حياتهما. أنَّها بداية حياة جديدة، يحرص الله أن يرويها بمياه الفرح والسرور، كي يجد الله نفسه راحة فيها. وكأن فرح العروسين هو موضع سرور الله نفسه.

سادسًا: هذا الحفل المستمر لمدَّة سنة كاملة له حدوده. فهو ليس بالحفل الذي يبعث روح الكسل وعدم الالتزام، إنَّما هو حفل مؤقَّت يؤسِّس بيتًا مقدَّسا يعمل فيه الرب ويمارس العروسان دورهما بكل جديَّة. فمع أهميَّة حياة الفرح يلزم أن يرتبط الفرح بالحكمة؛ والسعادة بالعمل والالتزام بالمسئوليَّة.

سابعًا: كما يليق بالمؤمن أن يعمل لحساب الجماعة، باذلاً حتى حياته من أجلها، يليق بالدولة أيضًا أن تهتم بكل عضوٍ فيها، تهتم بالعروس المتزوَّجة حديثًا، بنفسيَّتها وسعادتها واستقرار بيتها.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 24 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 24 جـ2 PDF Print Email

3. الأسرة والرهن:

عدم رهن ضرورات الحياة حتى لا نحطِّم حياة اخوتنا.

"لا يسترهن أحد رحى أو مرداتها لأنَّه إنَّما يسترهن حياة" [6].

خلق الله الإنسان وأوجده في الجنَّة يعمل في الأرض (تك 2: 5). فمن يحرم إنسانًا من العمل إنَّما يحرمه من حياته الإنسانيَّة التي وهبه الله إيَّاها. ومن يحرم نفسه من العمل لا يأكل (2 تس 3: 10). لهذا يليق بالدائن ألاَّ يسحب من المدين أدوات عمله، بل على العكس يشجِّعه على العمل لا ليسد الدين فقط، وإنَّما لكي يأكل ويُعطي المحتاجين. وكما يوصينا الرسول بولس حتى بالنسبة للصوص: "لا يسرق السارق في ما بعد، بل بالأحرى يتعب عاملاً الصالح بيديه، ليكون له أن يُعطي من له احتياج" (أف 4: 28).

كان رهن الرحى أو الجزء العلوي منها حيث يثبت فيه يد خشبية لتحريكه، بدونه يصير الحجر السفلي بلا قيمة، عاديُا، بسبب الفقر المدقع. الرحى هنا هي طاحونة صغيرة يستخدمها شخص، غالبًا ربَّة البيت، لطحن كميَّة من الغلال تكفي لعمل خبزٍ لمدَّة يوم واحد للعائلة. لهذا فمن يسترهن الرحى يحرم الأسرة من الطعام الضروري اليومي ألا وهو الخبز، فيكون قد حرم الأسرة كلها من حق الحياة.

ولعلَّه يقصد هنا بالرحى أنَّها خاصة بشخص عمله طحن الغلال للشعب مقابل أجرة. فهو يمنع الشخص من أن يطلب ضمانًا فيه يفقد المقترض إمكانيَّة العمل، كأن يطلب فأس النجار، أو ثوري صاحب المحراث، أو كتاب الدارس. فليس عمل الدائن أن يحطِّم إمكانيَّة المدين بل أن يسنده لكي يعيش ويقتات هو وأسرته.

في كل العصور وفي كل الأمم الغنى قوَّة يمكن أن تكون للبنيان أو للهدم. فالغني الذي يراعي أخاه الفقير يستخدم إمكانيَّاته للخير. أمَّا من يحوِّله الغني إلى الطغيان واستغلال السلطة يكون كمن يهدم نفسه ويفترس اخوته الفقراء.

4. الأسرة ونظام العبوديَّة:

بحسب الشريعة من يسرق شيئًا ما يستحق العقوبة، لكن ليس عقوبة الإعدام، أمَّا من يسرق إنسانُا أو طفلاً ويبيعه عبدًا فهذه جريمة كبرى عقوبتها الإعدام.

"إذا وُجد رجل قد سرق نفسًا من اخوته بني إسرائيل واسترقَّه وباعه يموت ذلك السارق، فتنزع الشر من وسطك"

خطف الناس عند الساميِّين كان عادة سببًا لإراقة الدماء، وعاقبتها شريعة حمورابي بالقتل. من يحرم إنسانًا من حريَّته الإنسانيَّة يكون كمن قتله، فيستحق القتل.

5. الأسرة والتذمُّر:

حرصت الشريعة على استقرار الأسرة وتمتُّع كل عضو بالطمأنينة والحريَّة، كما اهتمَّت بروح الطاعة بغير تذمُّرٍ. لهذا إذ يشير إلى شريعة الأبرص يذكِّرنا بما حلَّ بمريم أخت هرون عندما تذمَّرت على أخيها موسى (عد 12: 14).

"احرص في ضربة البرص لتحفظ جدًا وتعمل حسب كل ما يعلِّمك الكهنة اللآويِّين. كما أمرتهم تحرصون أن تعملوا. أذكر ما صنع الرب إلهك بمريم في الطريق عند خروجكم من مصر" [8-9].

ذكر هنا موضوع ضربة البرص، لأنَّه بحسب الشريعة يلتزم الكاهن أن يدخل البيت ويفحص ما فيه لئلاَّ تنتقل العدوى إلى بقيَّة الأسرة، أو لئلاَّ يسقط البيت المضروب بالبرص (المصابة أساساته بخلل) فتموت كل الأسرة (لا 14: 33-53).

دخول الكاهن إلى البيت لا يُعتبر اقتحامًا لخصوصَّات الإنسان، لأنَّه كممثِّل لله يحمل أُبوَّة وحبًا. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). ثانيًا لأنَّه لا يدخل البيت كقاضٍ ولا ليُشهِّر بالأسرة، بل لكي يحفظ كل شيء مقدَّسًا، ولحماية الأسرة من الضرر.

6. الأسرة والقروض:

عاد مرَّة أخرى ليتحدَّث عن الرهن مقابل القروض. ففي الآية [6] حذَّر من رهن ما هو ضروري للقوت اليومي أو الحياة اليوميَّة كرهن الرحى. هنا يحذِّر من جرح مشاعر الإنسان الذي يقترض منه، فلا يدخل البيت ليرتهن شيئًا حتى لا يجرح حياء المدين، بل يبقى خارجًا. وإن كان فقيرًا ليس لديه سوى ثوب واحد للنوم، يلزم أن يردُّه عند الغروب حتى لا يبرد المدين.

"إذا أقرضت صاحبك قرضًا ما، فلا تدخل بيته لكي ترتهن رهنًا منه. في الخارج تقف، والرجل الذي تقرضه يُخرج إليك الرهن إلى الخارج. وإن كان رجلاً فقيرًا فلا تنم في رهنه. ردّ إليه الرهن عند غروب الشمس، لكي ينام في ثوبه ويباركك، فيكون لك برّ لدى الرب إلهك" [10-13].

البيت هو قلعة الإنسان، خاصة الفقير، يشعر أن الله يستر عليه به، فدخول المقترض بيت المدين ليرهن ممَّا لديه يشعره كأن قد فقد أمانه. إن كان المدين بسبب شدَّة احتياجاته يرهن بعض لوازم بيته، يليق بالدائن ألاَّ يهين كرامة المحتاج، لأن دخول بيت المدين وأخذ الرهن يُحسب في بعض البلاد بالشرق الأوسط امتهانًا لكرامته البشريَّة.

بهذا التشريع يعطي الله درسًا للدائن الغني نفسه، ليس فقط في مراعاته لكرامة أخيه المحتاج وإنَّما في نظرته لأسرته هو. بعض الأغنياء يهتمُّون بالمال ويتجاهلون وحدة الأسرة وسلامها وسعادتها. فإن كان الغني يلتزم بمراعاة أسرة الفقير، يلزمه بالأكثر أن يهتم أيضًا بأسرته هو، ووحدتها وقدسيَّتها.

يعلمنا القانون الإلهي أن نحرص على خصوصيَّات privacy الفقير، فلا نقتحم بيته، مهما تكن الظروف.

في منطقة الشرق الأوسط يمكن للفقير أن يستغني عن ثوبه الخارجي أثناء عمله في النهار، خاصة في الزراعة أو الأعمال اليدويَّة كالنجارة والبناء الخ. لكنَّه لا يقدر أن يستغني عنه في الليل حيث يستدفئ به، حتى في فصل الصيف، إذ كثيرًا ما يكون النهار حارًا والليل باردًا في المناطق الصحراويَّة.

إذ وبَّخ الله إسرائيل على شروره قال: "ويتمدَّدون على ثياب مرهونة بجانب كل مذبح" (عا 2: 8).

7. الأجير والأجرة:

كما يهتم الإنسان بأسرته يلزمه أن يهتم بعائلات الأجراء العاملين لديه في حقوله أو أعماله. فيكون عادلاً وسخيًا معهم، وحريصًا على مشاعرهم، فلا ينتظر من العامل أن يطلب أجرته في نهاية اليوم، بل يسرع هو بالعطاء.

"لا تظلم أجيرًا مسكينًا وفقيرًا من اخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك. في يومه تعطيه أجرته ولا تغرب عليها الشمس، لأنَّه فقير وإليها حامل نفسه، لئلاَّ يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيَّة" [14-15].

يليق ألاَّ يظلم صاحب العمل الأجراء بالضغط عليهم بأعمال فوق قدراتهم، أو باستخدام ألفاظ غير لائقة وإهانتهم فيكون ظالمًا لهم. وكما يقول الرسول: "هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ، وصياح الحصَّادين قد دخل إلى أذني رب الجنود" (يع 5: 4). إنَّها خطيَّة عظمى أن يتجاهل إنسان حق أخيه ولا يراعي نفسيَّته. لذلك إذ يصرخ قلبه من المرارة يستمع الرب نفسه إليه.

لا تميِّز الشريعة بين أجير إسرائيلي أو أجنبي، فإنَّه يليق بالمؤمن ألاَّ يظلم أحدًا قط، خاصة الفقراء والمحتاجين، بغض النظر عن جنسيَّته أو ديانته، فالرحمة والحب هما من سمات المؤمنين الحقيقيِّين.

8. المسئوليَّة الشخصيَّة:

كانت العادة لدى الأمم الوثنيَّة أن تسقط عقوبة مرتكب الجريمة على الأسرة كلها[258]. حقًا لقد هدَّد الله شعبه بأنَّه يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيه (خر 20: 5)، لكي يحذِّرهم من ثمار الخطيَّة المُرَّة وأثرها على الأبناء والأحفاد، ولكي يردعهم لأن الإنسان أحيانًا لا يبالي بالعقوبة التي تحل عليه، لكنَّه يخشى جدًا أن تحل على أولاده وأحفاده. يلزم ألاَّ يستغل القضاة هذا التهديد الإلهي ويظنُّون أن في سلطانهم معاقبة أحد أفراد الأسرة من أجل عضو آخر فيها.

إذ يتعرَّض للحياة الأسريَّة تؤكِّد الشريعة للقضاة ألاَّ يُعاقب عضو من الأسرة بسبب عضو آخر، إنَّما يلتزم كل واحد أن يتحمَّل مسئوليَّة نفسه.

"لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء. كل إنسان بخطيَّته يُقتل" [16].

طبَّق أمصيا بن يوآش ملك يهوذا هذا المبدأ، فقد "قتل عبيده الذين قتلوا الملك أباه، ولكنَّه لم يقتل أبناء القاتلين حسب ما هو مكتوب في سفر شريعة موسى حيث أمر الرب قائلاً: لا يُقتل الآباء من أجل البنين، والبنون لا يُقتلون من أجل الآباء" (2 مل 14: 6).

اهتم حزقيال النبي بالحديث عن المسئوليَّة الشخصيَّة في شيء من التفصيل في الأصحاح 18.
9. الأسرة والرهن:

للمرَّة الثالثة يتحدَّث هنا عن الحذر عند الرهن.

"لا تعوِّج حكم الغريب واليتيم، ولا تسترهن ثوب الأرملة. واُذكر أنك كنت عبدًا في مصر ففداك الرب إلهك من هناك. لذلك أنا أوصيك أن تعمل هذا الأمر" [17-18].

يليق بالقضاة ألاَّ يعوِّجوا الحكم بل يكونوا سندًا للغرباء والأيتام في الحق، يدافعون عنهم حيث لا يجدون أصدقاء يسندونهم في ضعفهم. يذكِّرهم الله بحالهم كعبيدٍ في مصر، فإذ ذاقوا الذل يلزمهم أن يدافعوا عن من هم في مذلَّة. فإن البعض، خاصة الذين عانوا من الحرمان متى تسلَّموا مركز قيادة عوض مشاركتهم للمحرومين ومساندتهم يكونون قساة. يوجد مثل عام يقول: ضع شحَّاذًا على ظهر خيل فيقوده إلى إبليس.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 24 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 24 جـ3 PDF Print Email

10. مراعاة المحتاجين أثناء الحصاد:

جاءت القوانين هنا تراعي مشاعر كل إنسانٍ، وجاء الناموس يبث بكل وسيلة وفي كل مناسبة روح الحب والحنو نحو البشريَّة، خاصة نحو المحتاجين والغرباء. أينما وجد المؤمن وفي كل الظروف يلزمه أن يتذكَّر الفقراء ويعمل لمساندتهم. فالمعطي يقدِّم العطاء دون جرح مشاعر المحتاجين أو الغرباء. وقد جاء القانون هنا تكملة لما ورد في سفر اللآويِّين (19: 9؛ 23: 22). فقد نهى الرب الحصَّادين من أن يكمِّلوا زوايا حقولهم في الحصاد، أو يلتقطوا ما يسقط من حصادهم، أو يعلِّلوا كرومهم، بل يتركون ذلك للمسكين والغريب. هنا نجد الاهتمام بالغريب واليتيم والأرملة دون جرح مشاعرهم، فإذا نسي الإنسان حزمة في الحقل لا يرجع ليأخذها، كما يلتزم أن يترك بعض الثمار في الأشجار (24: 19-21).

"إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل، فلا ترجع لتأخذها. للغريب واليتيم والأرملة تكون، لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يديك. وإذا خبطت زيتونك، فلا تراجع الأغصان وراءك للغريب واليتيم والأرملة يكون. وأذكر أنَّك كنت عبدًا في أرض مصر. ذلك أنا أوصيك أن تعمل هذا الأمر" [19-22].

هكذا نلاحظ في كل الشرائع الواردة في هذا الأصحاح يهتم الله ببث روح الحب واللطف مع العدل والبرّ والإرادة الصالحة بين البشريَّة، خاصة في الأسرة، لتكون خميرة مقدَّسة تخمر العجين كله، مع الاهتمام بالفقراء والمحتاجين والغرباء. هذا هو الخيط الذهبي الذي يربط الوصايا كلها معًا، ليس في سفر التثنيَّة وحده، بل على مستوى الكتاب المقدَّس كله.

خلال هذا القانون يتعلَّم الإنسان ألاَّ ينشغل باستمرار فيمن سينال العطاء، إذ يترك العناية الإلهيَّة تقود حياته وعطاياه، حتى فيما يبدو تافهًا كنسيانه حزمة في حقل أو بقايا زيتون على الشجرة.    

من وحيّ تثنيَّة 24
هب لي أسرة مقدَّسة

-     أبوَّتك الحانية تحتضنِّي على الدوام،

تهبني من كنيسة السماء أُمَّا لي،

ومن الملائكة اخوة أحباء!

يا لها من أسرة سماويَّة عجيبة.

أقمت من الأسرة هنا أيقونة لأسرة السماء.

لا تستطيع قوَّات الظلمة أن تتسلَّل إليها.

-     في القديم سمحت للرجل من أجل قسوة قلبه أن يطلِّق امرأته،

لكنَّك بقيت قلعة للأسرة،

ومدافعًا عن المرأة المطلَّقة!

الإنسان في غباوته يريد زوجته ألعوبة في يده،

وأنت الخالق تكرم كل رجل وامرأة!

هب لي أسرة مقدَّسة متَّحدة فيك.

لا تستطيع قوَّات الظلمة أن تتسلَّل إليها.

-     كل عروس تحلم بالشهر الأول من زواجها.

أمَّا أنت فأقمت من السنة الأولى حفل عرس دائم.

تريدنا أن نكون في فرح أسري لا ينقطع.

لكنَّه ليس فرح التهاون والتراخي،

بل فرح الإعداد للعمل والالتزام بالمسئوليَّة.

لم تسمح للمتزوِّج حديثًا أن يشترك في حربٍ ما.

لأختبر الاتِّحاد الزيجي الروحي، فترتبط نفسي بك.

وأصير جنديًا مجاهدًا بالحق.

-     كثيرون يشتهون أن يستعبدوا اخوتهم،

يشترونهم ويبيعونهم من أجل ربح زمني!

أمَّا أنت فصرت من أجل العبيد عبدًا،

سلَّمت ذاتك للخائن كعبدٍ مباع،

ووهبت العبيد حرِّيَّة أبديَّة!

أنت وحدك محرِّر النفوس.

لأتذوَّق عذوبة الحياة الأسريَّة،

فاشتاق أن يختبر الكل ما أحياه.

فلا أَسلب من أسرة إنسانًا وأبيعه للشرّ،

فأصير في عينيّ الله كقاتل نفس.

-     هب أن يكون لكل أسرة موضع خاص في قلبي.

إن اقترضت لا أرتهن شيئًا من ضروريَات حياتها.

ولا أجرح مشاعرها.

-     أنت أب الأيتام وقاضي الأرامل.

أنت قلعة المتألِّمين والمتضايقين.

أنت نصير العمَّال الأجراء المساكين.

أنت المترفِّق بالمدينين غير المقتدرين.

أنت مشغول بكل محتاج وفقير.

هب لي حبَّك، فأحمل روح لطفك!

هب لي فكرك، فأعيش من أجل الغير!

هب لي برَّك، فلا أظلم أحدًا.

أنت الحب كله، أنت البرّ ذاته،

لأقتنيك يا مصدر كل صلاح!




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 24 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 25 جـ1 PDF Print Email

شرائع مختلفة

امتدادًا للأصحاح السابق يُعلن الله اهتمامه ورعايته للفئات المتألِّمة حتى وإن كان الإنسان تحت العقاب. فيضع حدًا لعقوبة الجلد، ويهتم بالثور الدارس حتى لا يَكُمّ الفلاح فمه، كما يهتم بحماية الأرملة وإقامة نسل للميِّت الذي بلا نسل ليقيم اسمه. وفي نفس الوقت يقدِّم هذا الأصحاح مجموعة من الشرائع المختلفة غايتها تأكيد الاهتمام بتقديس الجماعة المنتسبة للرب.

1. أربعون جلدة                      [1-3].

2. لا تّكُمّ ثورًا دارسًا                 [4].

3. إقامة نسلٍ للميِّت                  [5-10].

4. المرأة التي بلا حياء               [11-12].

5. الغش في الموازين                [13-16].

6. تدمير عماليق                     [17-19].

1. أربعون جلدة:


تبدو الشريعة قاسيَّة للغاية مع المخطئين، إذ تبلغ العقوبة إلى درجة الرجم، لكنَّها لا تتطلَّع إلى العقوبة كغاية في ذاتها، ولا تحمل روح الانتقام، بل تنظر حتى إلى المجرم كأخ (2 تس 3: 15). يجب الترفُّق به ما أمكن دون مجاملة على حساب خلاص نفسه وخلاص اخوته. لقد تعاملت الشريعة مع الشعب اليهودي كأطفال صغار يحتاجون أحيانًا إلى الحزم الشديد حتى لا تتحطَّم رسالتهم الجماعيَّة أو الشخصيَّة.

"إذا كانت خصومة بين أناس وتقدَّموا إلى القضاء ليقضي القضاة بينهم، فليبرِّروا البار، ويحكموا على المذنب. فإن كان المذنب مستوجب الضرب يطرحه القاضي، ويجلدونه أمامه على قدر ذنبه بالعدد. أربعين جلده لا يزد، لئلاَّ إذا زاد في جلده على هذه ضربات كثيرة يُحتقر أخوك في عينيك" [1-3].

كانت عقوبة الضرب عادة بالعصا (خر 21: 10؛ 2 صم 7: 14؛ أم 10: 13)، وهي لا تزال مستخدمة في الشرق الأوسط، حيث يُلقى الشخص على الأرض ويضرب على قدميه بالعصا. وأحيانًا يضرب بالشوك (قض 8: 16-17)، وأخرى بالسوط العادي أو به عقد صلدة (1 مل 12: 11، 14).

في هذه الآيات قُدِّمت المبادئ التاليَّة:

أولاً: يجب مواجهة المتَّهم بواسطة من يتَّهمه في حضرة القضاة، حتى يمكن التحقُّق من الأمر واكتشاف الحقيقة، فيكون كل شيءٍ في النور، ولا يتسلَّل الالتواء إلى القضاء.

ثانيًا: يجب تبرئة البار.

ثالثًا:
يُحسب دنسًا من يبرِّئ المجرم، أو من يجرِّم البريء (أم 17: 15). يقول الرسول بولس: "إن فعلت الشرّ فخف، لأنَّه لا يحمل (السلطان) السيف عبثًا، إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر" (رو 13: 4). ويقول الرسول بطرس: "إن كان للملك فكمن هو فوق الكل، أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر، وللمدح لفاعلي الخير" (1 بط 2: 14).

رابعًا: تصدر العقوبة حسب جرم الإنسان وخطورته، فإن كان لا يستحق الإعدام أو الرجم عندئذ غالبًا ما يحكم بجلده، وتكون الجلدات حسب نوع الجريمة. لا يُعفي من الجلد إنسان بسبب رتبته أو مركزه الاجتماعي أو غناه.

خامسًا: غالبًا ما تنفَّذ العقوبة بوقارٍ ديني هادف، ولا تزيد عدد الجلدات عن أربعين جلدة. كان اليهود يفضِّلون أن يصدر الحكم أربعين جلدة إلاَّ واحدة (2 كو 11: 24)، لئلاَّ يحدث خطأ فيجلد إنسان أكثر من أربعين جلدة. وغالبًا ما كان السوط يحمل ثلاثة فروع، ويُضرب الإنسان 13 مرة فتكون المحصلة 39 جلدة. وضع حدود لعدد الجلدات يؤكِّد عدم معاملة المخطئ كعبدٍ أو كحيوان، لئلاَّ يسقط المؤدَّب في حالة إحباط ويظن أنَّه مُحتقر من الجميع ولا رجاء في إصلاحه. هكذا يهتم الله بنفسيَّة كل أحد. الله لا يُريد قتل المخطئ ولا تحطيمه، فهو يفصل بين الخطيَّة والخاطئ. يطلب قتل الخطيَّة وسحقها، مع إنقاذ الخاطئ وإصلاح أمره.

كان رئيس المحكمة يقرأ بصوتٍ عالٍ (تث 28: 58-59؛ 29: 9) أثناء عمليَّة الجلد، ويختم ذلك بمزمور (78: 38)، لتأكيد أن العقوبة غايتها لا الانتقام بل نفع المخطئ وبنيان الآخرين. يقول Trapp أن الأتراك إذ يجلدون بالسياط الشخص بقسوة يلتزمون بالرجوع إلى القاضي الذي أصدر الأمر ويقبلون يده، ويشكرونه، ويدفعون مالاً للضابط الذي قام بضربه بالسياط[259].

سادسًا: يتم تنفيذ الحكم في وجود من أصدر الحكم، حتى لا يتهاون المنفذون للحكم ولا يبالغون فيه، فتتحقَّق العدالة.

سابعًا:
بقوله: "لئلاَّ يُحتقر أخوك في عينيك" [3]، تكشف عن اهتمام الله بكرامة الإنسان ليس فقط في عينيّ أخيه، بل في نظرة السماء إليه. فالمحاكمة التي تتم على الأرض وبواسطة قضاة بشريِّين يجب أن تكون صدى لعمل سماوي غايته عزل الشر لا الشرِّير، وإبادة الخطيَّة لا الخاطئ، وتحطيم الفساد مع تمجيد التائب على مستوى سماوي أبدي. قد يحكم عليه بالضرب أو الجلد لكي ما تقدِّمه الجماعة حجرًا كريمًا لله!

2. لا تّكُمّ ثورًا دارسًا:

"لا تّكُمّ الثور في دراسه" [4]. لا يجوز للفلاح أن يَكُمّ ثورًا دارسًا، بل أن يترك له الفرصة ليأكل وهو يعمل. يرى القدِّيس بولس أن هذا النص يشير هنا إلى خادم المذبح الذي من المذبح يأكل. إذ يجب تقديم احتياجات العاملين حتى في الكرازة بالإنجيل ليخدموا دون ارتباك بالأمور الماديَّة. يقول الرسول:

"ألعلَّ الله تهمُّه الثيران؟! أم يقول مطلقًا من أجلنا. أنَّه من أجلنا مكتوب. لأنَّه ينبغي للحرَّاث أن يحرث على رجاء، وللدارس على الرجاء أن يكون شريكًا في رجائه. إن كنَّا نحن قد زرعنا لكم الروحيَّات، أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديَّات؟! ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدَّسة من الهيكل يأكلون؟! والذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح؟! هكذا أيضًا أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون" (1 كو 9:9-14).

3. إقامة نسل ميِّت:

"إذا سكن اخوة معًا ومات واحد منهم وليس له ابن، فلا تصر امرأة الميِّت إلى خارج لرجل أجنبي، أخو زوجها يدخل عليها ويتَّخذها لنفسه زوجة، ويقوم لها بواجب أخي الزوج. والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميِّت، لئلاَّ يمحى اسمه من إسرائيل" [5-6].
ما هو غاية هذا القانون؟

أولاً: كان الإنسان يرى في نسله امتدادًا لحياته، وبالتالي إن مات دون إنجاب ابن يعني إزالة اسمه من العالم نهائيًا. لهذا كان الأخ أو الوليّ يلتزم أن يتزوَّج أرملة الميِّت لا لشيء إلاَّ لإقامة نسلٍ للميِّت فلا يُمحى اسم الميِّت من العالم. هذه العادة قديمة قبل استلام الشريعة كما جاء في (تك 38: 8). ولا يجوز للأرملة أن تتزوَّج آخر غير الوليّ اللهمَّ إلاَّ إذا رفض الوليّ الزواج بها.

ثانيًا: أهم ما يملكه الإنسان – في العهد القديم – هو نصيبه في أرض الموعد التي قُدِّمت هديَّة إلهيَّة مجانيَّة من قبل الله للشعب كله، وقسِّمت على يد يشوع بن نون بالقرعة. فكان حرص كل سبط على أرضه يُشير إلى حرص الكنيسة على تمتُّعها بالأرض الجديدة، أورشليم العليا.

لم يكن ممكنًا للأرملة التي ليس لها أولاد أن تدير شئون الأرض بالمزروعات وبيع المحاصيل والاهتمام بالأغنام الخ. لذلك كان الزواج بالنسبة لها غالبًا ما يمثِّل ضرورة. فلكي لا تتزوَّج بإنسانٍ من عشيرة أخرى فيرث هو ونسله من بعده أرضًا ليست من عشيرته، وُضع هذا القانون، فتحفظ الأرض ليس فقط لذات السبط، وإنَّما حتى لنفس العشيرة، وإلى أقرب الأقرباء للميِّت بلا نسل، بل تُسلَّم الأرض للابن البكر الذي يحمل اسم الميِّت، فتبقى الأرض محفوظة لنفس الأسرة.

ثالثًا:
في هذا القانون أيضًا كرامة للأرملة وتقديم جو من الحب العائلي لها، إذ صارت بلا زوج ولا أولاد تهتم بهم.

أساء الصدُّوقيُّون فهم هذا القانون، إذ حسبوا أنَّه دليل على عدم القيامة من الأموات، لأنَّه في القيامة لمن تكون هذه الزوجة (مت 22: 24).

يترجم البعض كلمة "ابن" بطفلٍ، كما في الترجمة السبعينيَّة والفولجاتا[260] [5]، فإن كان للميِّت ابنة يمكن أن يُقام له نسل من خلالها (عد 27: 4).


ما هو الموقف إن رفض الأخ أو الوليّ الزواج بالأرملة لإقامة نسل للميِّت؟

"وإن لم يرضى الرجل أن يأخذ امرأة أخيه، تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ، وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسمًا في إسرائيل، لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج. فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلَّمون معه، فإن أصر وقال لا أرضى أن اتَّخذها. تتقدَّم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ وتخلع نعله من رجله وتبصق في وجهه، وتصرح وتقول: هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. فيدع اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل" [7-10].


أولاً: ليس من قانون يلزمه بذلك بغير إرادته، فإنَّه إن لم يحبَّها له حق رفضها، إذ لا تقوم العلاقة الزوجيَّة بأمر إجباري بل خلال دالة الحب والتفاهم.

ثانيًا:
الوليّ الرافض الزواج بامرأة أخيه (أو قريبة الميِّت) يخلع نعليه أمام شيوخ المدينة وتبصق في وجهه وتقول: "هكذا يُفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه" ويدعى اسمه بيت مخلوع النعل. هذا الطقس يكشف عن مدى حرص الشريعة أن يبقى اسم الميِّت... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لأن كل مؤمن يترجَّى أن يأتي المسيَّا من نسله.

رفض الولي أن يتزوَّج الأرملة يُعتبر استخفافًا بخطَّة الله الخاصة بحفظ كل سبط نصيبه من الأرض، بل وإن أمكن حفظ كل عشيرة نصيبها، بل وكل أسرة صغيرة. لهذا يرى البعض في هذا الرفض إساءة إلى الأرملة نفسها، وإلى الميِّت وعائلته، وإلى السبط كما إلى الشعب ككل؛ بل وإلى الله نفسه. أنَّه يستحق الإهانة.

يفسِّر بعض اليهود ذلك بأن البصق على الأرض أمام وجهه وليس على وجهه[261]. إذ لا يهتم ببناء بيت أخيه لهذا يستحق الإهانة. لا تزال في بعض بلاد الشرق الأوسط مثل بعض بلاد صعيد مصر حينما يود إنسان أن يهين آخر يبصق أمامه على الأرض.

في قصَّة راعوث إذ رفض الوليّ الزواج بها، قبل من يليه "بوعز" ذلك، ليُقيم نسلاً للميِّت، فتأهَّل أن يأتي السيِّد المسيح من نسله (را 4).

خلع النعلين بواسطة الأرملة لكي تأخذهما هو عمل رمزي يشير إلى عدم استحقاقه أن يسير بنعليه على أرض الميِّت، وقد صار للأرملة حق التصرُّف فيها بزواجها بآخر. هذا العمل الرمزي واضح من قول المرتِّل "على أدوم أطرح نعلي" (مز 60: 8؛ 108: 9)، أي أسير على أرضه وأمتلكها.

طُلب من موسى خلع نعليه أمام العليقة، وهكذا يخلع الكهنة أحذيتهم عند دخولهم الهيكل كأرض مقدَّسة، إعلانًا عن أنَّهم ليسوا بالعريس صاحب الموضع، إنَّما خدام العروس، أمَّا العريس الوحيد فهو السيِّد المسيح مخلِّص العالم.

يقول القدِّيس أمبروسيوس: [إنَّه بحسب الشريعة ما كان يمكن لبوعز الذي أحب راعوث أن يأخذها زوجة ما لم تخلع أولاً نعله حسب الشريعة، لأنَّه لم يكن بعد زوجها. هكذا لم يكن موسى العريس لذلك كان يجب عليه أن يخلع نعله على الأرض المقدَّسة (خر 3: 5)، وأيضًا يشوع بن نون (يش 5: 16)، أمَّا ربنا السيِّد المسيح العريس الحقيقي فلا يُحل نعله، حتى وإن حسب القدِّيس يوحنا المعمدان غير مستحقٍ أن يحلُّه (يو 1: 17) [262]].

السير حافي القدمين يُشير إلى البؤس الشديد، فكان المسبيُّون يلتزمون أحيانًا بذلك. جاء في إشعياء النبي: "اذهب وحلّ المُسح عن حقويك واخلع حذاءك عن رجليك، ففعل هكذا ومشى مُعرَّى وحافيًا. فقال الرب كما مشى عبدي إشعياء مُعرَّى وحافيًا ثلاث سنين آية وأعجوبة على مصر وكوش، هكذا يسوق ملك أشور سبي مصر وجلاء كوش الفتيان والشيوخ عُراة وحفاة مكشوفي الرأس خزيًا لمصر" (إش 20: 2-4).

وعند هروب داود من وجه ابنه أبشالوم صعد على جبل الزيتون باكيًا ورأسه مغطَّى، وكان يسير حافي القدمين (2 صم 15: 30).



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 25 جـ2 PDF Print Email

4. المرأة التي بلا حياء:

من حق المرأة أن تدافع عن رجلها في وقت الشدَّة، لكن يجب أن تسلك بروح الاحتشام، لذا إن امتدَّت يدها لتمسك بعورة من يخاصم رجلها تقطع يدها.

"إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضًا، رجل وأخوه، وتقدَّمت امرأة أحدهما لكي تخلِّص رجلها من يد ضاربه، ومدّت يدها وأمسكت بعورته، فاقطع يدها ولا تشفق عليها" [11-12].

مهما تكن الظروف فإن المرأة التي تفعل ذلك، ولو بقصد إنقاذ زوجها، تكشف عن فقدانها الحياء تمامًا، وفقدان حياتها الفاضلة وكرامتها.

تُقطع يدها بلا رحمة، حتى لا يتسرَّب عدم الحياء إلى غيرها. فإنَّه خير لها أن تبقى مقطوعة اليد عن أن تعثر الفتيات والنساء. ولعل السيِّد المسيح في حديثه عن العثرة كان يُشير إلى هذا القانون: "فإن كانت عينك اليُمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك. لأنَّه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله في جهنَّم. وإن كانت يدك اليُمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك، لأنَّه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدك كله في جهنَّم" (مت 5: 29-30). بمعنى أنَّه يليق بالمؤمن أن يكون حذرًا على الدوام من أيَّة عثرة أو خطر يحلّ به أو بمن حوله، وأن يصلب الشهوات الجسديَّة مهما كلَّفه الأمر.
5. الغش في الموازين:

لا يليق الغش في الموازين والمقاييس، كما يجب إلاَّ نحابي الوجوه فنزن لشخص بكيلٍ ولآخر بكيلٍ آخر، كأن نحابي الأغنياء على حساب الفقراء.

"لا يكن لك في كيسك أوزان مختلفة كبيرة وصغيرة. لا يكن لك في بيتك مكاييل مختلفة كبيرة وصغيرة. وزن صحيح وحق يكون لك. ومكيال صحيح وحق يكون لك، لكي تطول أيَّامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لأن كل من عمل ذلك، كل من عمل غشًا مكروه لدى الرب إلهك" [13-16].

خلق الله الإنسان لكي يتعامل مع أخيه بروح العدالة. فالتجارة والمعاملات هي فرص لا ليستغلها الإنسان فيقتني شيئًا ما ظلمًا، وإنَّما لكي يمارس برّ المسيح ويختبر الأمانة، فنسمع القول: كنتَ أمينًا على القليل، أقيمك على الكثير". التهاون في الأمانة رجس في عيني الله القدُّوس والأمين. هنا نرى أن مبادئ العدالة يجب أن تسود المعاملات التجاريَّة (لو 6: 38).

أولاً: ليس فقط لا يستخدم الإنسان أوزان ومكاييل غاشة، وإنَّما لا يسمح لنفسه أن يقتنيها في بيته، حتى ولو لم يكن يستخدمها، إذ يقول: "لا يكن"، وليس "لا تستخدم". لا يجوز للإنسان أن يترك في بيته أو مكان عمله ما قد يسحبه نحو الخطيَّة.

ثانيًا: كل ظلمٍ نمارسه هو ممارسة للغش في الموازين، إذ نسيء تقدير الأمور. وكما جاء في عاموس: "اسمعوا أيُّها المتَّهممون المساكين لكي تبيدوا بائسي الأرض، قائلين... لنصغِّر الإيفة ونكبِّر الشاقل، ونعوِّج موازين الغش. لنشتري الضعفاء بفضَّة والبائس بنعلين ونبيع نفاية القمح" (عا 8: 4-6).

رابعًا: جاءت كلمة أوزان في العبريَّة: "Eben" أو "Waa’aaben"، معناها "حجر"، حيث كانت الحجارة تستخدم كأوزان. يتم الغش بأن يضع الإنسان مجموعتين من الحجارة، إحداهما ثقيلة والأخرى خفيفة، يستخدم الأولى عندما يشتري شيئًا، والأخرى عندما يبيعه. راجع (خر 16: 16؛ لا 19: 23).

خامسًا: الغش جريمة موجَّهة ليس ضد من نتعامل معه بل مع المجتمع ككل. فإن الإنسان الذي يقتني ربحه بالغش والخداع لا يشعر بقيمة ما لديه، فيبذِّره بطرقٍ خاطئة. ومن جانب آخر فإن من يقع عليه الغبن بسبب الغش هو جزء لا يتجزَّأ من المجتمع. فما يصيبه من ضرر يصيب المجتمع ككل. هذا وأن الغش ينزع عن الإنسان وعمَّن حوله بركة الرب.

يليق بكل إنسان أن يرى في متجره أو مكتبه أو مصنعه عرش الله معلنًا، والسيِّد المسيح حاضرًا. لذا يسلك بما يليق بموضع يسكنه الرب نفسه. نجاح العمل لا في كثرة الربح بل في الشهادة الحيَّة لعمل الله الذي يبارك ويهب نجاحًا للأمناء في تصرُّفاتهم.

سادسًا: الأمانة في الموازين والمكاييل تكشف عن قلب محب للعدالة، فيتمتَّع المؤمن ببركة الرب، وتطول أيَّامه على الأرض، أمَّا الغش والظلم أو المحاباة فتسقطه تحت اللعنة. فإن الله يبغض كل أنواع الغش. يقول سليمان الحكيم: "موازين غش مكرهة الرب، والوزن الصحيح رضا" (أم 11: 1). "معيار فمعيار، مكيال فمكيال، كلاهما مكرهة عند الرب" (أم 20: 10).

استخدام الموازين والكيل الحق يشير إلي روح التمييز الداخلي، فلا يزن الإنسان لنفسه بميزانٍ ولغيره بميزانٍ آخر، وكما يقول الأب ثيوناس في مناظرات القدِّيس

يوحنا كاسيان:

[فإذ يسكن في ضميرنا قاضٍ عادلٍ غير مرتشٍ، فإنَّه حتى إن أخطأ الكل لكن نقاوتنا الداخليَّة لن تنخدع قط. وهكذا يلزمنا أن نحتفظ بهدوء دائم في قلبنا المتيقِّظ بكل اجتهاد واهتمام، حتى لا يضل حُكم إفرازنا، فننشغل بمجرَّد صوم مملوء حماقة (أي مفرط) أو بتلذُّذ باسترخاء زائد. وهكذا نثقِّل قوَّتنا في ميزان غير سليم. إنَّما يجب علينا أن نضع نقاوة نفوسنا في كفَّة وقوَّتنا الجسميَّة في كفَّة أخرى، ونزنهما بحكم ضميرنا العادل، حتى لا نميل منحرفين إلى كفَّة على حساب الأخرى، أي إلى حزم غير لائق أو استرخاء بتفريط.

إذن ليس بغير سبب يوبِّخ الرب من يخدع نفسه باعتبارات غير صحيحة فيقول: "إنَّما باطل بنو آدم. كذب بنو البشر. في الموازين هم إلى فوق" (مز 62: 9). لهذا يوصينا الرسول المبارك أن نقبض بزمام الإفراز ولا ننحرف إلى المغالاة في أي الطريقين (رو 12: 3). ويمنع واهب الشريعة نفس الأمر قائلاً: "لا ترتكبوا جورًا في القضاءِ لا في القياس ولا في الوزن ولا في الكيل" (لا 19: 35).

إذن يجدر بنا ألاَّ تكون في قلوبنا موازين ظالمة، ولا موازين مزدوجة في مخزن ضميرنا، بمعنى أنَّه يجب علينا ألاَّ نحطِّم من يلزمنا أن نكرز لهم بكلمة الرب، بشرائع حازمة مغالى فيها أثقل ممَّا نحتملها نحن، بينما نعطي لأنفسنا الحريَّة ونخفِّف منها... لأنَّه إن كنا نزن لاخوتنا بطريقة ولأنفسنا بأخرى يلومنا الرب بأن موازيننا غير عادلة ومقاييسنا مزدوجة، وذلك كقول سليمان بأن الوزن المزدوج هو مكرهة عند الرب والميزان الغاش غير صالح في عينيه (راجع أم 20: 10) [263]].

يليق بنا ألاَّ يكون لنا مِكْيالان أحدهما للكهنة والآخر للشعب، فالكل أعضاء في جسد المسيح الواحد، ويخضع لرب واحد، ويتمتَّع بحياة واحدة في المسيح يسوع. إن أخطأ الكاهن، أيَّا كانت رتبته لا يعفيه كهنوته من التأديب، بل تكون عقوبته مضاعفة بسبب كثرة معرفته.

-     بالحقيقة لا يوجد تمييز بين الشعب والكهنة[264].

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

6. تدمير عماليق:


"اذكر ما فعله بك عماليق في الطريق عند خروجك من مصر. كيف لاقاك في الطريق، وقطع من مؤخِّرك كل المستضعفين وراءك، وأنت كليل ومتعب ولم يخف الله. فمتى أراحك الرب إلهك من جميع أعدائك حولك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا لكي تمتلكها، تمحو ذكر عماليق من تحت السماء لا تنسى" [17-19].

إذ تحدث عن المعايير الصادقة وعدم الغش في الموازين والمكاييل قدَّم مثلاً لذلك بعماليق.

أول معركة دخل فيها الشعب كانت في رفيديم ضد عماليق (خر 17). يرى البعض أن فرعون يمثِّل الشيطان الذي استعبد الإنسان زمانًا، وقد خلص منه الشعب في مياه المعموديَّة، وعماليق يمثِّل شهوة الجسد، أو أعمال الإنسان القديم التي تحارب المؤمن، لكنَّه يغلبها بالصليب حتى تتم النصرة. قال الرب: "للرب حرب مع عماليق من دور إلى دور" (خر 17: 16). فإن حربنا مع أعمال الإنسان القديم تبقى مستمرَّة مادمنا في الجسد في هذا العالم. وكما يقول الرسول: "لأن الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلا 5: 17).

لقد كالوا بالشرّ لشعب الله لتحطيم الإيمان، لذا لاق بالشعب أن يمحو ذكرهم حتى لا يتسرَّب فسادهم ورجاستهم في وسط الشعب فيهلكون. إبادة عماليق تشير إلى محو كل أثر للخطيَّة العنيفة المقاومة لنا في طريق خلاصنا.

يليق بنا أن نكون رحماء ولطفاء، لكن بروح الحكمة والتمييز، فلا نتهاون مع الخطيَّة، ولا نفتح بابًا لعثرتنا أو عثرة الآخرين. إن أمكن نُسالم جميع الناس، ونصلِّي لأجل الجميع، لكن إن دفعت الصداقة إلى الشرّ نكون حازمين مع أنفسنا بروح الحكمة والحب.

يرى البعض أن خطأ عماليق لم يكن موجَّهًا ضد شخص معين، بل ضدّ الكنيسة كشعب الله، لهذا يقف الله نفسه محاميًا عنها. وكما قيل: "كل آلة صوِّرت ضدِّك لن تنجح".

من وحيّ تثنيَّة 25
هب لي روح العدالة المترفِّقة

-    شريعتك حازمة للغاية وعادلة ودقيقة.

تطالب بعقوبة المجرمين لا لتعذيبهم بل لتأديبهم.

تهتم بالمجرم لعلَّه حتى في تأديبه يتوب.

وإن فقد حياته الزمنيَّة تطلب أبديَّته.

-    تهتم حتى بالثور الدارس، فلا تجيز أن يَكُمّ فمه،

حتى يأكل مادام يعمل!

من أجلي يعمل الثور.

يدور ويدور ليدرس لي الغلَّة، كيف أتمتَّع بها وأحرِم الحيوان العامل لأجلي؟!

هب لي أن أعمل لحساب ملكوتك.

لأبحث عن كل خروفٍ ضال،

تفرح وتسرّ به!

تشبع بخلاص اخوتي،

أمَّا أنا فلا تتركني جائعًا قط!

ولن تَكُمّ فمي قط عن الخبز الجسدي،

ولا قلبي عن مائدة الملائكة!

-     قدَّمت لنا شريعة إقامة نسل للميِّت،

إذ كان الكل يترقَّب مجيء المسيَّا من نسله.

لم ترد أن تحزن قلب أرملة فقدت رجلها وليس لها نسل.

-     أعطيت للمرأة حق دفاعها عن رجلها،

لكن بروح الحياء والاحتشام.

-     تلزمنا شريعتك ألاَّ نغش في الموازين.

ولا نكيل لشخص بكيل ولآخر بكيلٍ آخر.

نحمل سمتك يا من لا تحابي الوجوه.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 25 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 26 جـ1 PDF Print Email

البكور وتجديد العهد

من أجل تقديس الشعب طلب إبادة عماليق المصمِّم على مقاومة القداسة وبث روح الفساد ونشر ممارسة الرجاسات. لكن لا يكفي الجانب السلبي، إنَّما يلتزم الشعب في أرض الموعد بالعمل الإيجابي وهو أن يقدِّموا البكور في طقسٍ دينيٍ رائعٍ. البكور هي تقدمة شكر لله واهب الأرض المقدَّسة ومعطي الخيرات، وتأكيد استمراريَّة ارتباط المؤمن بإلهه وتجديد العهد معه على أرض الغربة.
الشكر في الكتاب المقدَّس والشكر في الغرب:

يحمل طقس الشكر في العهد القديم ثلاثة عناصر هامة وهي التسبيح والعطاء وتجديد العهد مع الله أو تأكيد الطاعة له. وفي العهد الجديد صار "يوم الشكر" هو يوم الأحد، حيث تقدِّم الكنيسة ذبيحة المسيح الفريدة غير المتكرِّرة لله الآب، تقدِّم له الابن البكر. هذه هي تقدمتها، ترتبط بالتسبيح والعطاء وتأكيد العهد مع الله على مستوى فائق.

للأسف صار "يوم الشكر" في شمال أمريكا هو يوم الأكل وأحيانًا السكر والأغاني والحفلات الخليعة... ويتجاهل كثيرون العطاء والتسبيح والتمتُّع بالعهد مع الله.

يدعونا هذا الأصحاح لمراجعة مفاهيم الشكر وتقديم البكور لله بما يسرُّه وليس حسب الهوى البشري.

يلاحظ أن هذا الطقس العجيب يؤكِّد ضرورة التسبيح والشكر على كل المستويات.

·        المستوى الشخصي، فكل عضو يتقدَّم إلى بيت الرب في علاقة شخصيَّة مع الله، شاكرًا الله على الخيرات التي تمتَّع بها.

·      المستوى العائلي، فما يقدَّم إنَّما باسم الأسرة كلَّها.

·     المستوى الكنسي، فيسبِّح المؤمن الله العامل في كنيستنا منذ عصر الآباء ولا يزال يعمل وسيعمل عبر الأجيال لبنيان كنيسته.

·       المستوى القومي، فيشكر المؤمن الله من أجل معاملاته مع إسرائيل كأمَّة خاصة.

1. تقدمة البكور            [1-11].

2. العشور                  [12-15].

3. تذكر العهد               [16-19].

1. تقدَّمة البكور:

"ومتى أتيت إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا وامتلكتها وسكنت فيها. فتأخذ من أول كل ثمر الأرض الذي تحصل من أرضك التي يعطيك الرب إلهك وتضعه في سلَّة، وتذهب إلى المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحل اسمه فيه" [1-2].

كان يطلب من المؤمن أن يأتي بسلَّة يجمع فيها بكور الفواكه التي للرب كل سنة، وذلك بجانب السنبلة البكر التي تقدَّم عن الأرض كلها في اليوم التالي من الفصح (لا 23: 10). يُحضر كل رجل لنفسه سلَّة البكور في عيد البنطقستي (الأسابيع) عند نهاية المحصول، حيث يدعى "عيد البكور" (خر 34: 22). ويقال أنَّها تحفظ مع التقدمة الاختياريَّة حسبما تسمح به يد الإنسان (تث 16: 10).

يرى اليهود أنَّه عندما يجد الإنسان أن الثمار قد نضجت يأخذ بكورها للرب ويضعها في السلَّة التي تحوي قمحًا وشعيرًا وعنبًا وتينًا ورمَّانًا وزيتونًا وبلحًا، ويضع بين كل صنف والآخر أوراقًا من الشجر، ثم يقوم بتقديم هذه السلَّة.

تقديم البكور هي تقدَّمة شكر لله الذي وهبهم أرض الموعد بعد مرارة عبوديَّة مصر. وهي رمز للسيِّد المسيح بكرنا، به تمتَّعنا بالحياة الأبديَّة وحُسبنا ملكًا لله.

يلاحظ في هذه التقدمة الآتي:

أولاً:
بهذه التقدمة يعترف المؤمن بأن كل ما لديه هو عطيَّة من الله، وأنَّه يقدِّم ممَّا وهبه الله.

ثانيًا: أن يجحد الإنسان ذاته، فيقدِّم بكور الثمار الناضجة لله، مقدِّمًا ما لله قبل ما يأخذه لنفسه، أو بمعنى آخر أن الله أولاً في كل شيء. هكذا يليق بنا أن نقدِّم باكورة حياتنا وأوقاتنا وأعمالنا ومواهبنا لله، نقدِّم أفضل ما لدينا لحسابه.

ثالثًا: إذ يقدِّم المؤمن الباكورة من أفضل المحصول يعلن أن الشعب الذي تكرَّس لله من وسط شعوب العالم يلزم أن يكون بكرًا ناضجًا، فلا نسمع ما قيل بميخا النبي: "ويل لي لأنِّي صرت كجَنيْ الصيف كخصاصة القطاف، لا عنقود للأكل، ولا باكورة تينة اشتهتها نفسي؛ قد باد التقي من الأرض، وليس مستقيم بين الناس، (مي 7: 1-2).

رابعًا: إذ يأتي المؤمن بالسلَّة حاملاً بكور المحصولات يؤكِّد أن الأرض التي وعد الله بها آباءه والتي تسلمها لا تزال بين يديه وفي ملكيَّته. فقد جاء وقت فقد الشعب أرضه واُقتيدوا إلى السبي في أشور (إسرائيل) ثم في بابل (يهوذا).

خامسًا: يرافق العطاء المادي تقدمه شكر لله، بها يعترف المؤمن بمعاملات الله مع كل آبائه عبر كل الأجيال، بأنَّها معاملات معه هو شخصيًا، إذ يقول:

"وتأتي إلى الكاهن الذي يكون في تلك الأيَّام وتقول له: اعترف اليوم للرب إلهك إنِّي قد دخلت الأرض التي حلف الرب لآبائنا أن يعطينا إياها" [3].

بعد ذلك يضع الكاهن السلَّة أمام مذبح الرب:

"فيأخذ الكاهن السلَّة من يدك ويضعها أمام مذبح الرب إلهك. ثم تصرح وتقول أمام الرب إلهك: أراميًا تائهًا كان أبي، فانحدر إلى مصر، وتغرَّب هناك في نفرٍ قليل، فصار هناك أمَّة كبيرة وعظيمة وكثيرة. فأساء إلينا المصريُّون وثقلوا علينا وجعلوا علينا عبوديَّة قاسيَّة. فلما صرخنا إلى الرب إله آبائنا سمع الرب صوتنا، ورأى مشقَّتنا وتعبنا وضيقنا. فأخرجنا الرب من مصر بيدٍ شديدة وذراعٍ رفيعة، ومخاوف عظيمة وآياتٍ وعجائب. وأدخلنا هذا المكان، وأعطانا هذه الأرض أرضًا تفيض لبنًا وعسلاً" [5-10].

هكذا يقدِّم كل مؤمن تسبحة شكر لله على عطاياه له الشخصيَّة وعلى الشعب كله عبر الأجيال. في هذه التسبحة يعترف المؤمن بالآتي:

أ. تتطلَّع كل الأجيال إلى البركات التي تنالها، فترى أن ما تحقَّق معها هو وعد إلهي لإبراهيم الذي لم يكن إسرائيليًا بل كان آراميًا (سريانيًا)، تائهًا، لم يكن له موضع يستقر فيه. في عيد الشكر يلزمهم أن يتقدَّموا بروح التواضع، مدركين أن آباءهم إبراهيم واسحق ويعقوب لم يكونوا إسرائيليِّين. لهذا يليق بهم أن ينفتح قلبهم بالحب نحو الأمم الأخرى.

عاش إبراهيم أب الآباء في الميصة (ما بين النهرين) كما جاء في سفر التكوين (29-31). وإلى هذه المنطقة يعود أصله (تك 11: 31).

2. إذ يعتزُّوا أنَّهم أبناء إبراهيم، فإنَّه كان هو ورجاله عددًا قليلاً [5]. فما بلغوه من كثرة العدد هو هبة إلهيَّة.

3. أن شعبه وُلد فقيرًا وغريبًا ومضطهدًا في مصر، والآن صار غنيًا وعظيمًا جدًا، فلا مجال للكبرياء، ولا موضع لتجاهل غنى نعمة الله عليه. فإنَّه لا تقبل أيَّة تقدمة ما لم يصحبها تسبحة مملوءة بروح التواضع والشكر لله. هكذا خلال هذه التقدمة السنويَّة بطقوسها الروحيَّة تبقى ذكرى معاملات الله معهم وعطاياه وبركاته موضع لهجِهم المستمر.

كأنَّه في كل عام إذ يحتفل المؤمن بعيد البكور أو بيوم الشكر يسبِّح الله على البركات التالية:

·     يرجع أصله إلى آباء آراميِّين (سريان) لم يكونوا بعد شعب الله المختار، لكنَّهم محبوبون جدًا لديه ونالوا المواعيد الإلهيَّة، ودخلوا في عهد مع الله أو جدَّدوا العهد معه.

·         أن آباءه كانوا غرباء في مصر، سقطوا تحت مرارة العبوديَّة، والآن ينال هو الحريَّة.

·         كان الشعب عند دخولهم مصر قلَّة قليلة والآن صار العدد لا يُحصى.

·       نال نصيبًا من أرض الموعد التي لا تزال تقدَّم له خيرات مجَّانيَّة مستمرَّة.

·         يتمتَّع الآن بالحضرة الإلهيَّة، إذ يقف أمام الرب ليقدِّم حب وعطاء ممَّا وهبه الله، ويجدِّد العهد معه!

خامسًا: تأكيد أن ما يقدِّمه المؤمن إنَّما هو ممَّا وهبه الله له.

"فالآن هأنذا قد أتيت بأول ثمر الأرض التي أعطيتني يا رب. ثم تضعه أمام الرب إلهك، وتسجد أمام الرب إلهك" [10].

يليق بالمؤمن أن يُترجم تسبحة الشكر إلى عمل، أو عطاء، كما فعل يعقوب: "كل ما تعطيني فإنِّي أعشِّره لك" (تك 22: 22). هذا ما عبَّر عنه سليمان الحكيم يوم تدشين بيت الرب، وما يؤكِّده رجال الله على الدوام (1أي 29: 14).

سادسًا: يُصاحب التقدمة مشاعر الفرح التي تعم البيت كله. "وتفرح بجميع الخير الذي أعطاه الرب إلهك لك ولبيتك أنت واللاوي والغريب الذي في وسطك" [11]. فالله يريد من شعبه أن يفرحوا ويتهلَّلوا، يأكلون خبزهم بالفرح وبساطة القلب، ممجدين الله (أع 2: 46-47).

سابعًا: إن كان الفرح هو عطيَّة إلهيَّة شخصيَّة يتمتَّع بها المؤمن خلال بركات الله وعبادته، فإنَّه لا يقدر المؤمن أن يمارس هذا الفرح إلاَّ خلال الجماعة، إذ يفرح معه خدَّام الكلمة والغرباء. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). "تفرح... أنت واللاوي والغريب الذي في وسطك" [11].
2. العشور:

بخصوص تقديم العشور في السنة الثالثة سبق أن تحدَّثنا عنها في التعليق على (تث 14: 28-29). يفترض البعض أن السنة الثالثة من السنة السبتيَّة والسنة السادسة هما سنتا العشور التي تخصِّصان للفقراء بجانب العشور المقدَّمة للهيكل.

يلاحظ في شريعة العشور الآتي:

أ. الاهتمام بكل المحتاجين مع خدَّام الرب. "متى فرغت من تعشير كل عشور محصولك في السنة الثالثة سنة العشور، وأعطيت اللاوي والغريب واليتيم والأرملة، فأكلوا في أبوابك وشبعوا" [12].

ينتقل المؤمن بعشوره إلى بيت الرب عامين ليقدِّمه للرب، أمَّا في السنة الثالثة فيقوم بالعمل في بيته. تقدَّم في السنة الثالثة رمز القيامة مع المسيح في اليوم الثالث؛ بقيامته نلنا اتِّساع القلب للجميع خاصة لخدَّام بيت الرب والغرباء والمعتازين.

بينما تقدَّم البكور والعشور في بيت الرب أمام مذبحه، تقدَّم العشور أيضًا إلى المؤمنين المحتاجين. تشير البكور إلى السيِّد المسيح السماوي الذي يحملنا إلى سمواته، وتشير العشور إلى تقديسنا فيه لتصير أرضنا أو حياتنا مقدَّسة فيه. من جانب يؤكِّد الله حضرته في وسط شعبه خلال بيته المدشَّن له، ومن جانب آخر يعلن حضرته في وسط بيوتهم، الكنائس العائليَّة المقدَّسة.

بالحب نحمل عطايانا إلى بيت الرب لنعلن شوقنا إلى الانطلاق نحو السماء، ونقدِّم عطايانا في بيتنا لنرى الرب قادمًا إلينا خلال خدَّامه (اللاويِّين) والمساكين والمحتاجين.

ب. يصاحب عطيَّة العشور شوق حقيقي للطاعة للوصيَّة الإلهيَّة إذ:

"تقول أمام الرب إلهك: قد نزعت المقدَّس من البيت، وأيضًا أعطيته للاوي والغريب واليتيم والأرملة حسب كل وصيَّتك التي أوصيتني بها. لم أتجاوز وصاياك ولا نسيتها" [13].

بقوله: "أمام الرب إلهك" لا تعني بالضرورة أن يكون في الهيكل، فإن المؤمن يشعر بالحضرة الإلهيَّة أينما وُجد. قال اسحق لابنه عيسو: "وأباركك أمام الرب قبل وفاتي" (تك 27: 7).

إن كانت الوصيَّة الإلهيَّة تتطلَّب تقديم العشور التي هي مقدَّس للرب، فلا أطمع في جزء منها، بل أقدِّم لله ما أوصاني به، فإنَّني إذ أمارس هذه الوصيَّة التي تمس المادة أعلن طاعتي لكل الوصايا. لهذا فالعطاء المادي – خاصة العشور في العهد القديم – إن لم يصاحبه عطاء الإرادة الحرَّة وشوق للطاعة وتذكُّر للوصيَّة لا يكون مقبولاً لدى الله.

ج. يرافق العطاء وكل ما يصاحبه من طقوس روح الفرح مع القداسة. لهذا فإنَّه إذ يسمح في العشور الخاصة بالسنتين الأخريَّتين ببعض أجزاء من الذبائح يأكلها مقدِّمها يلزمه أن يأكلها لا بروح الطمع والشهوة، بل بالفرح السماوي مع القداسة.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 26 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 26 جـ2 PDF Print Email

"لم آكل منه في حزني، ولا أخذت منه في نجاسة، ولا أعطيت منه لأجل ميِّتٍ، بل سمعت لصوت الرب إلهي، وعملت حسب كل ما أوصيتني" [14].

لعلَّه يقصد: إنَّني لم أقدِّم شيئًا ممَّا لك لوثنٍ، أي لم أخلط بين الذبائح التي لله وتلك التي للأوثان، أو لم أحمل شركة بين العبادة لله والعبادة الوثنيَّة. قيل أن البعض كان يسفك دم الذبائح أمام الأوثان ثم يقدِّم اللحم باسم الله الحيّ.

يشهد المؤمن أنَّه لم يأكل من عشور محصولاته في حزنه (26: 14)، أي لم يستخدمه كتقدمة للأوثان، كما جاء في (هو 9: 3): "إنَّها لهم كخبز الحزن كل من أكله يتنجَّس" وفي (حز 24: 17) "ولا تأكل من خبز الناس". هذه التقدمة ارتبطت بإله الخصب الذي مات ودفن وقام، فيشترك الوثنيُّون في الحزن عليه. يؤكِّد نفس المعنى بقوله: "ولا أعطيت منه لأجل ميِّت" [14]، أي لم يشترك به في الطقس الخاص بإله الخصب لدى الكنعانيِّين. ولعلَّه بقوله: "ولا أعطيت منه لأجل ميِّتٍ" يقصد أنَّه لم يقدِّم ذبائحه وعطاياه إكرامًا لأوثانٍ ميِّتة، أو من أجل أصدقائهم أو أقربائهم الذين ماتوا.

يرى بعض اليهود أن هذا الاعتراف [13-14] يقوله للمؤمن بصوت منخفض، لأنَّه اعتراف خاص بشخصه. أمَّا الاعتراف لله بأعماله فيكون بصوت مرتفع.

د. يختم اعترافه بطلبة من رب السماء لكي يبارك شعبه.

"اطَّلع من مسكن قدسك من السماء، وبارك شعبك إسرائيل، والأرض التي أعطيتنا كما حلفت لآبائنا أرضًا تفيض لبنًا وعسلاً" [15].

وكأن ما يقدِّمه المؤمن من عطايا وتسابيح وشكر مع صلوات وتضرُّعات إنَّما هو باسم الجماعة كلها.

ه. يربط المؤمن بين حياته التقويَّة المخلصة وصلواته، فإن الله لا يسمع صلوات الأشرار المصمِّمين على شرِّهم، ولا يصغي لصرخات الهراطقة. يتساءل أيوب النبي: "أفيسمع الله صراخه إذا جاء عليه ضيق؟!" (أي 27: 9). ويقول المرتِّل: "إن راعيت إثمًا في قلبي لا يستمع لي الرب" (مز 66: 18). فمن ينصت لصوت الخطيَّة لا ينصت الله إلى طلبته، ولا يقبل تقدماته وذبائحه. "ذبيحة الأشرار مكرهة الرب، وصلاة المستقيمين مرضاته" (أم 15: 8). "الرب بعيد عن الأشرار، ويسمع صلاة الصدِّيقين" (أم 15: 29). "من يسد أذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضًا يصرخ ولا يُستجاب" (أم 21: 13). بمعنى آخر صلاة الإنسان تكون حتمًا مستجابة إن اقترب إليه بالتوبة والسلوك ببرّ المسيح، واتِّساع قلبه نحو اخوته.

إذ يقدِّم المؤمن شوقه نحو الله والتمتُّع ببركاته يجوع بالأكثر إلى البركات الإلهيَّة ويعطش إليها، فلا يكف عن طلب البركة بروح الحب لا الأنانيَّة. فلا يطلب ما لنفسه وحده بل لكل الشعب: "بارك شعبك!" عطش المؤمن للبركات الإلهيَّة يحسب جزء لا يتجزَّأ من ذبيحة الشكر لله.
3. تذكر العهد:

"هذا اليوم قد أمرك الرب إلهك أن تعمل بهذه الفرائض والأحكام فاحفظ واعمل بها من كل قلبك ومن كل نفسك. قد واعدت الرب اليوم أن يكون لك إلهًا، وأن تسلك في طرقه، وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وتسمع لصوته. وواعَدَكَ الرب اليوم أن تكون له شعبًا خاصًا كما قال لك، وتحفظ جميع وصاياه. وأن يجعلك مستعليًا على جميع القبائل التي عملها في الثناء والاسم والبهاء، وأن تكون شعبًا مقدَّسًا للرب إلهك كما قال" [16-19].

يرى البعض في هذه الآيات "سلسلة ذهبيَّة" تبدأ بالله وتنتهي بالله. تحوي هذه السلسلة المراحل التالية:

·        الله أولاً: هو الذي يقدِّم وصاياه.

·        إذ يتجاوب الشعب مع الوصايا بكل القلب والنفس يُعلن الله انتسابه لهم بكونه إلهًا لهم.

·        إذ يصير الله إلههم يسمعون بالأكثر لوصاياه، فيصيرون شعبه المقدَّس الخاص به.

·        إذ يسمو شعب لله فوق كل الشعوب، يحملون ما لله من ثناء واسمه القدُّوس وبهائه الفائق.

·        هذا يدخل بهم إلى ثبات أعظم كشعب للرب وانتساب أعمق لله كإله خاصٍ بهم.

هكذا يدخل الشعب في سلسلة لا تنقطع من خيرات مجيدة خلال اتِّحادهم بالله إلههم.

أمران يركِّز عليهما موسى النبي على الدوام: الأول هو الانشغال بوصايا الرب وحفظها في الأعماق الداخليَّة، والثاني هو تذكُّر عهد الله أو ميثاقه مع شعبه الخاص والتمسُّك به. فقد جاءت الشريعة تؤكِّد الأمور التالية:

§      الاتِّحاد مع الله: "وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا" (إر 31: 33).

§       الحياة المقدَّسة في الله القدُّوس: "أن تكون شعبًا مقدَّسًا للرب إلهك" [19].

§      اهتمام الله بكرامة شعبه ككل بين الشعوب، وكرامة كل مؤمن، ليقيم منهم أشبه بملاك سماوي يحمل جنسيَّة سماويَّة. يقول: "إذ صرت عزيزًا في عينيَّ مكرَّمًا وأنا قد أحببتك..." (إش 43: 4).

ما يقدِّمه موسى النبي ليست وصايا خاصة به، بل الوصايا والفرائض والأحكام التي "قد أمرك الرب إلهك أن تعمل" [16]. هذه الوصايا لا تقدَّم ولا تشيخ، بل هي وصايا يقدِّمها الله "هذا اليوم" [16].

أمَّا ثمر حفظ الوصيَّة بكل القلب والنفس والأمانة في التمسُّك بالعهد الإلهي فهو:

أولاً:
أن يصير له شعبًا خاصًا [18].

ثانيًا: أن يسمو الله بشعبه ويقدِّسهم: "وأن يجعلك مستعليًا على جميع القبائل التي عملها في الثناء والاسم والبهاء وأن تكون شعبًا مقدَّسًا للرب إلهك كما قال" [19]. وكما قيل إن البرّ يرفع شأن الأمَّة، والخطيَّة تذل الشعب (أم 14: 34). إنَّه يسمو بهم فيعطيهم قدرة على الثناء أو التسبيح ليشتركوا مع العلويِّين في تسابيحهم. ويهبهم سموًا في الاسم حيث يربطهم باسمه العظيم، تقف السماء والأرض متعجِّبة من أجل الكرامة التي صارت لهم في الرب. وسموًا في البهاء حيث يعكس بهاء مجده عليهم. وأخيرًا يقدِّسهم فيصيروا قدِّيسين كما هو قدُّوس.

في الختام يمكن القول بأن هذا الأصحاح هو تسبحة شكر يعبَّر عنها بكل وسيلة.

· التسبيح خلال الليتورجيَّة الكنسيَّة (الصلوات الجماعيَّة المرتَّبة بنظام معين).

·        التسبيح لله بممارسة روح الفرح، وبث هذا الروح في حياة الغير.

·        التسبيح بروح العطاء والبذل، فنعبِّر عن الشكر بالعمل.

·        التسبيح بالإرادة الحرة الصالحة خلال الطاعة للوصيَّة الإلهيَّة وتجديد العهد مع الله.

·        التسبيح بروح العطش الدائم لله نفسه الذي يبارك شعبه بلا انقطاع!

من وحيّ تثنيَّة 26

اقبلني بكرًا لك
!

-     تشتاق أن تراني بكرًا يا أيُّها البكر الفريد.

تريدني كثمرٍ ناضجٍ يقدَّم لك أمام عرشك الإلهي.

تجد في مسرَّتك يا سرّ سرور كل الخليقة.

لست في حاجة إليّ، ولا إلى عبادتي، ولا إلى مواهبي.

لكنَّك تشتهي قلبي يا أيُّها العجيب في حبُّه.

-     اقبل سلَّة بكوري، فإنِّي أجمع لك فيها من بكور عطاياك لي:

أقدِّم لك فيها شكري الفائق يا من أتيت بي من العدم.

أشكرك لأنَّك حرَّرتني، لا من عبوديَّة فرعون، بل من أسر إبليس.

عبرت بي البحر الأحمر،

إذ دخلت بي مياه المعموديَّة واهبًا لي حياة النصرة.

أعطيتني روحك القدُّوس قائدًا لحياتي.

حملتني إلى كنعان الجديدة،

أرضك التي تفيض عسلاً ولبنًا.

أقدِّم لك فرحي الدائم بك يا بهجة قلبي.

-     من سلَّة البكور هب لي أن أقدِّم العشور.

أشعر بخجلٍ شديد إذ أقدِّم لك ممَّا وهبتني.

تمتد يدك الغنيَّة لتقبل من ضعفي ممَّا لك.

لن أتقدَّم إلى هيكلك بيدٍ فارغة، لأنَّك أنت ملأتها بالخيرات.

أقدِّم إليك في بيتك كما في السماء!

أفتح أبواب بيتي بالعطاء لخدَّامك،

كما للغريب واليتيم والأرملة.

ليأتوا ويأكلوا معي ممَّا قدَّمت لي.

أراك قادمًا فيهم لتبارك قلبي وبيتي ومخازني.

-     لأحمل من بركاتك لي إلى بيتك،

ولتأتِ إلى بيتي لتقبل من عطاياك لي القليل!

ادخل إلى بيتك، وتدخل أنت إلى بيتي!

أجد راحة في قلبك، وتستريح أنت في قلبي.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 26 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 27 جـ1 PDF Print Email

الوصيَّة مع الذبيحة
تمهيد للعبور

إذ كان الله يهيِّئ الشعب بكل قيادته للعبور إلى أرض الموعد ركَّز مرارًا على حفظ الوصيَّة علامة الأمانة في قبول العهد الإلهي، وعلى الذبيحة علامة الحاجة إلى الدم للتكفير عن الخطيَّة.

إذ يتحدَّث عن الوصيَّة وارتباطها بالعبادة يؤكِّد "هذا اليوم مع أنَّه يذكِّرهم بالأحداث الماضية، ويرفع أنظارهم بروح الرجاء نحو المستقبل. هكذا في إيماننا نتطلَّع إلى الماضي والمستقبل كأنَّهما حاضران. فالماضي لا يحمل ذكريات عبرت، لكنَّه يحمل إلينا خبرة يلزم أن نعيشها في واقعنا الحاضر، والمستقبل بالنسبة لنا ليس أفكارًا نظريَّة، إنَّما نتمتَّع بعربون المستقبل، خاصة الأبديَّة في يومنا الحاضر. هكذا يحيا المؤمن في ماضي وحاضر ومستقبل حيّ فعَّال فيه.

ارتبط إعلان بركات العهد ولعناته بإقامة مذبح حجري عليه قُدِّمت تقدمات تناسب تجديد العهد [1-8]. وقف نصف الشعب على جبل عيبال، والنصف الأخير على جبل جرزيم، ليؤكِّدوا بركات العهد ولعناته. فمن يعصى العهد أو يكسره يخضع للعنة [9-14]. قدَّم قائمة باللعنات التي تحل على كاسري العهد مع الله [15-26].

1. كتابة الناموس على حجارة مكلَّسة         [1-4].

2. بناء مذبح من حجارة صحيحة              [5-10].

3. فئتان للبركة واللعنة                        [11-13].

4. اللعنات المنطوق بها على عيبال           [14-26].

1. كتابة الناموس على حجارة مكلَّسة:

"وأوصى موسى وشيوخ إسرائيل الشعب قائلاً: احفظوا جميع الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم. فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة وتشيِّدها بالشيد. وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس، حين تعبر لكي تدخل الأرض التي يعطيك الرب إلهك، أرضًا تفيض لبنًا وعسلاً كما قال لك الرب إله آبائك. حين تعبرون الأردن تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم بها اليوم في جبل عيبال وتكلِّسها بالكلس" [1-4].

لم يقدِّم موسى النبي الوصايا هنا وحده، بل قدَّمها مع شيوخ الشعب، حتى لا يظن الشعب أن موسى وحده الشيخ والذي قد قارب على الموت هو المهتم بها. كقائدٍ ناجحٍ يُشرك الآخرين معه في الخدمة، ولا ينسب كل شيء إلى نفسه وحده. لهذا كثيرًا ما يضم الرسول بولس أسماء بعض العاملين معه في رسائله مثل سلوانس وتيموثاوس، وفي رحلاته مثل برنابا ومرقس وسيلا.

لقد طلب منهم أن يكتبوا الناموس على حجارة مكلَّسة كبيرة، يكتبونها يوم عبورهم، حيث لا يقدرون على التمتُّع بأرض الموعد والتمتُّع بالوعود الإلهيَّة دون التمسُّك بالوصيَّة الإلهيَّة.

كانت الكتابة أو النقش على حجارة أو أعمدة حجريَّة أو معدنيَّة هي وسيلة نشر المراسيم أو القوانين. اقتبس Lysias قانونًا من عمودٍ كان في أريوباغس بأثينا[265]. وفي Eleusis  وُجدت أعمدَّة منقوش عليها القوانين[266]. وتحدَّث أفلاطون عن أعمدَّة توضع في الأسواق العامة عليها قوانين تنظِّم المرور[267]. واستخدم بوليبس Polybius كلمة "عمود" ليعني بها قانونًا أو أحد شروط تحالف[268].

لا يُعرف عدد الحجارة، لكن غالبًا ما كان العدد كبيرًا حتى تُنقش عليه كلمات الناموس. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وتغطَّى الحجارة بالشيد (كَلْس) لتصير ناعمة ويسهل الكتابة عليها وتصير الكتابة واضحة.

يرى بعض الدارسين أن كلمات الناموس نُقشت على الحجارة ثم غطِّيت الكتابة لحفظها، وقد استخدم المصريُّون تلك الطريقة حيث كانوا يميلون للكتابة على حجارة المعابد. لكن الرأي الأرجح أن الحجارة غُطِّيت بطبقة الكلْس، ونقشت الكتابة على الكلْس، إذ الكتابة عليه أسهل بكثير من النقش على الحجارة. يذكر Thomson أنَّه رأى حجارة مغطاة بكلْس ومكتوب على الكلْس ترجع إلى 2000 عامًا تقريبًا[269].

كتابتها على حجارة كبيرة مكلَّسة وبخط واضح غايته إزالة كل عذر يحتج بها إنسان، فلم يترك الله الإنسان يعتمد على الناموس الطبيعي، وعندما قدَّم له الشريعة لم يجعلها حبيسة مكتبات الكهنة والمعلِّمين، بل مقدَّمة علانيَّة لكل إنسان يطلب الحق، وفي نفس الوقت تكون شاهدة ضدّ كل عاصٍ للوصيَّة الإلهيَّة.

ماذا يُقصد بكلمات هذا الناموس؟ يرى البعض أنَّها اللعنات التي نطق بها على جبل عيبال والتي وردت في هذا الأصحاح. ويرى آخرون أنَّها الفرائض والأحكام التي وردت في الأصحاحات (12-26) من سفر التثنيَّة. ويرى فريق ثالث أنَّها الوصايا العشر التي تسلَّمها موسى النبي من الله على جبل سيناء. يرى آخرون أن الوصايا التي قدَّمها موسى وسُجِّلت على الحجارة عددها 613[270].

يُكوّن الوادي الموجود عند سفحي جبلي عيبال وجرزيم مدرَّجًا طبيعيًا رائعًا يتَّفق مع هذه المناسبة. وقد كانت رؤية عيبال ممكنة من المكان الذي ألقى منه موسى خطابه.

2. بناء مذبح من حجارة صحيحة:

بجانب الحجارة التي سُجِّلت عليها الوصايا أُقيم مذبح للرب من الحجارة الصحيحة التي لا يعلو عليها أداة حادة (خر 20: 22)، تقدَّم عليه المحرقات وذبائح السلامة.

"وتبني هناك مذبحًا للرب إلهك، مذبحًا من حجارة، لا ترفع عليها حديدًا. من حجارة صحيحة تبني مذبح الرب إلهك، وتصعد عليه محرقات للرب إلهك. وتذبح ذبائح سلامة، وتأكل هناك وتفرح أمام الرب إلهك. وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشًا جيدًا" [5-8].

يُقام المذبح من حجارة لا ترفع عليها حديد، حجارة صحيحة تؤخذ من الحقول دون أن تمسَّها يد ناحت بإزميله. يشير الحجر هنا إلى السيِّد المسيح الذي يتنبَّأ عنه دانيال النبي أنَّه قُطع بغير يدٍ وصار جبلاً عظيمًا جدًا (دا 2: 34-35)، لهذا رفضه البنَّاؤون، إذ لا جمال له ولا شكل كما يقول إشعياء النبي (إش 53)، لكنَّه مقبول لدى الله، صار رأس الزاويَّة.

حجارة المذبح لا يُرفع عليها حديد، أي لا تمتدّ يد بشريَّة إليها لتستخدم أيَّة آلة لتهيئتها. هكذا لا يتحقَّق خلاصنا بيدٍ بشريَّة، إنَّما خلال العمل الإلهي الحق، الذي هو عمل الصليب.

إذ قدَّم القدِّيس غريغوريوس النزينزي رثاءً على والده القدِّيس غريغوريوس الشيخ وذلك في عام 374 م تحدَّث عن دور والدته القدِّيسة نونا التي جذبته إلى الحياة الإيمانيَّة الفائقة حتى صار أسقفًا ناجحًا، وقد عاشا معًا كأخوين. يقول عن والدته كما أن يُحسب أمرًا عظيمًا ألاَّ يرفع حديد على المذبح [5]، حيث أن كل ما يكرَّس لله يلزم أن يكون طبيعيًا، ليس فيه شيء صناعي، هكذا بالتأكيد يُحسب أمرًا عظيمًا أنَّها كرَّمت الهيكل بصَمْتِها، ولم تعطٍ ظهرها قط للمائدة المكرَّمة، لا تشاحنت على الممر الإلهي... وأنَّها لم تشترك قط على مائدة دنسة غير مقدَّسة، ولم تستطع أن تحتمل العبور أو النظر حتى إلى بيت فاسد، ولم تسمح لأذنيها اللتين تستقبلان الإلهيَّات ولا لسانها الذي ينطق بالإلهيَّات أن يتدنَّسوا بقصص يونانيَّة أو أغانٍ للمسرح[271].

·        تُصعد على المذبح محرقات للرب، حيث يقدِّم السيِّد المسيح ذاته محرقة حب كامل أمام الآب نيابة عن البشريَّة.

·        تقدَّم عليه ذبائح سلامة [7]، إذ بالمسيح المصلوب تتحقَّق المصالحة بين الآب والبشريَّة، وفيه ينال المؤمن سلامه الداخلي.

·        هناك يأكل المؤمن [7]، إذ كانت الذبائح مرتبطة بالطعام علامة الشركة معًا.

·        يفرح المؤمن أمام الرب إلهه [7]، حيث يتمتَّع بظل السماء، ويحمل أيقونتها، ويعلن بهجته بالميثاق الإلهي، وفرح نفسه بالالتصاق به. إنَّنا مدعوُّون إلى وليمة مفرحة، فإن الله نفسه يُسر ويبتهج بطاعة أولاده وحبُّهم وعبادتهم القلبيَّة، فيدعوهم ليفرحوا معه ويشاركوه مسرَّته بهم.

·    "وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشًا جيدًا" [8]، فترتبط الذبيحة أو العبادة بحفظ الوصيَّة الإلهيَّة. كرَّر الوصيَّة الخاصة بكتابة كلمات الناموس على الحجارة في نفس الأصحاح مع تأكيد أن تكون "نقشًا جيدًا"، وفي الترجمة السبعينيَّة: "واضحة جدًا". لأن غاية الكتابة هي نشرها على الشعب كله، فيسهل عليهم قراءتها. وكما قال الرب لحبقوق: "اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها" (حب 2: 2).

·        يجب أن تكون كلمة الله منقوشة جيِّدًا، أو تكون واضحة جدًا، يستطيع الكل – كهنة وشعبًا – قرأتها وفهمها، وألاَّ يعلو صوت فوق صوت الكلمة الإلهيَّة. إنجيلنا هو صلب إيماننا، وهو العمود الفقري للتقليد الكنسي والحياة الكنسيَّة؛ كل قانون لا يحمل روح الكتاب باطل! إنجيلنا هو الكتاب الإلهي يقود حياتنا ويحملنا إلى حضن الله نفسه.

نقش الكلمة على حجارة بخطٍ واضحٍ، ووضعها في مكان عام، يكشف عن مسئوليَّة الكنيسة في تقديم الكلمة كما هي لكل الشعب حتى يتمتَّع الكل بها.

يُقام المذبح والحجارة المنقوش عليها الناموس على جبل عيبال حتى يجد العاصون والساقطون تحت لعنة العصيان مجالاً للرجوع إلى الله خلال الذبيحة المقدَّسة، والارتباط بالكلمة الإلهيَّة.

وضعت الحجارة على جبل عيبال حيث اللعنات لكي يدرك الكل عجز الشريعة عن أن تنزع اللعنة أو تهب الحياة، إنَّما تعطي معرفة عن الخطيَّة، وتكشف عن حاجة الإنسان إلى من يبرِّره (رو 3: 19-20، 7: 9-14). فالمكان المناسب للشريعة هو جبل اللعنات لا البركات.

بنفس الطريقة أُقيم المذبح على جبل اللعنات، لكي يدرك المؤمنون حاجتهم إلى الذبيحة الفريدة القادرة أن ترفع عنهم اللعنات، ذبيحة المسيح. أمَّا الذبائح الحيوانيَّة التي طالبهم بها الناموس فهي ليست إلاَّ ظلاً ورمزًا، لهذا تعجز عن أن تقدِّس الضمير وتطهِّر الأعماق وتهب البرّ.

"ثم كلَّم موسى والكهنة اللاويُّون جميع إسرائيل قائلين: اَنصت واسمع يا إسرائيل، اليوم صرت شعبًا للرب إلهك. فاسمع لصوت الرب إلهك، واعمل بوصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم" [9-10].

بقوله: "أنصت وأسمع" يُعلن عن حاجة الشعب كما كل مؤمنٍ إلى الصمت والانتباه، فكثيرًا ما يطغي صوت العالم حولنا وفينا على الصوت الإلهي. نحتاج من حين إلى آخر فترة هدوء، فيها تميل أذنا الإنسان الداخلي إلى صوت الرب وتسمعان له بكل اهتمام.

"صرت شعبًا للرب إلهك" [9]: شعب الرب هو ملك له دومًا بسبب اختياره ودعوته، لكنَّهم يصيرون كذلك حقًا عندما يقبلون كلمته ويطيعون شريعته (يو 1: 12). يذكِّرنا الله دائمًا بالدعوة التي دُعينا إليها أن نكون شعب الله، حتى كما هو قدُّوس نكون نحن قدِّيسين فيه.

إنَّها دعوة للالتصاق به والانتساب إليه، نصير شعبه، أي ننعم بالسمة الملوكيَّة السماويَّة. عندئذ تصير كل مخازن السماء وبركاتها وإمكانيَّاتها بين أيدينا.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 27 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 27 جـ2 PDF Print Email

3. فئتان للبركة واللعنة:

"وأوصى موسى الشعب في ذلك اليوم قائلاً: هؤلاء يقفون على جبل جرزيم لكي يباركوا الشعب حتى تعبرون الأردن. شمعون ولاوي ويهوذا ويسَّاكر ويوسف وبنيامين. وهؤلاء يقفون على عيبال للعنة. رأوبين وجاد وأشير وزبولون ودان ونفتالي. فيصرخ اللاويُّون ويقولون لجميع قوم إسرائيل بصوتٍ عالٍ..." [11-14].

جبل عيبال على الضفَّة الغربيَّة من نهر الأردن، وهو قريب جدًا من شكيم، الموضع الذي كان فيه مقدس الرب إلى زمان (يش 24: 1).

الأسباط المختارة للبركة كانت من أولاد ليئة وراحيل. أمَّا الأسباط المختارة لإعلان اللعنة على جبل عيبال فهي جاد وأشير من زلفة أمَة ليئة، ودان ونفتالي من بلهة أمَة راحيل، وزبولون ورأوبين من ليئة، أمَّا اللاويُّون (أي الكهنة المنوطون بهذا العمل وليس كل سبط لاوي) كانوا غالبًا في منطقة متوسِّطة بين الجبلين (يش 8: 33)، يعلنون البركة واللعنة بصوت عالٍ حتى يسمعهم الجميع.

لم يذكر هنا البركات بل اللعنات. ويرى اليهود أنَّه كان ينطق باللعنة وما يُقابلها من البركة[272].

يظن البعض استحالة وصول الصوت إلى الشعب حين يعلن كل فريق البركة أو اللعنة، لكن بالتجربة المعاصرة ثبت أنَّه يمكن بسهولة سماع الصوت وبطريقة واضحة، خاصة وأن الناطقين كانوا جماعة كبيرة وليس فردًا واحدًا.

4. اللعنات المنطوق بها على جبل عيبال:

إذ اقترب وقت عبور الشعب نهر الأردن للدخول إلى الضفَّة الغربيَّة كان لابد لهم أن يعرفوا حقيقة هامة، وهي أن الأرض التي سيملكونها ويرثونها هي للرب. الله هو المالك، وأمَّا الأجرة فهي "الطاعة". بهذه الطاعة ليس فقط يثبتوا في أرض الرب، بل يصير لهم نصيب في الأرض الجديدة، في أورشليم العليا.

جاءت اللعنات الخاصة بالعصيان أو كسر إحدى الوصايا العشرة والبركات الخاصة بالطاعة للوصيَّة الإلهيَّة إنَّما كمفتاح للشعب كي يتمتَّعوا بالأرض، ويمتلئوا رجاءً في السماء عينها!

جاءت اللعنات مبتدئة بالخطايا الموجَّهة ضدّ الله نفسه مباشرة، كعبادة الأوثان [15]، ثم ضدّ الوالدين [16]، وضدّ العدالة الاجتماعيَّة [17]، ثم ضدّ المنكسرين والمحتاجين [18-19]. أي بدأ بالله فالوالدين فالمجتمع عامة ثم فئة المعوزِّين. يلي هذا اللعنات ضدّ الطهارة والعفَّة [20-23] ثم القتل [24-25]، وأخيرًا قدَّم وصيَّة عامة خاصة بحفظ الوصايا.

يلاحظ أن السفر أورد كلمات اللعنات بالتفصيل دون كلمات البركات؛ هذا وكانت كلمات اللعنات تقرأ أولاً وبعد ذلك البركات، كل بند بمفرده، اللعنة ثم البركة. ذلك لتأكيد أنَّه لا يوجد من يقدر أن يهرب من اللعنة، إلاَّ الذي يلجأ إلى المخلِّص. كما قيل: "إن كنت تراقب الآثام يا رب يا سيِّد فمن يقف؟!" (مز 130: 3). "لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنَّه مكتوب: ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به" (غلا 3: 10)، "الجميع زاغوا وفسدوا معًا، ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" (رو 3: 12).

إعلان اللعنات ثم البركات يؤكِّد حاجة البشريَّة إلى التهديد أولاً بالعقوبة، وإذ ينضجون يستعذبون البركات. هذا واللعنة كما سبق فرأينا ليست إلاَّ ثمرَّة طبيعيَّة لانعزال الإنسان الله مصدر البركات. وأمَّا البركات فهي دخول في الحياة المطوَّبة، وتمتُّع بالشركة مع الله. الخطيَّة تحمل تأديبها فيها لأنَّها تعزل الإنسان عن مصدر حياته، والطاعة تحمل بركاتها إذ تحملنا إلى الله مصدر الحياة والشبع.

"ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتًا أو مسبوكًا رجسًا لدى الرب عمل يديّ نحات ويضعه في الخفاء. ويجيب جميع الشعب ويقولون: آمين. ملعون من يستخف بأبيه أو أمِّه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من ينقل تخم صاحبه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يضل الأعمى عن الطريق. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يعوِّج حق الغريب واليتيم والأرملة. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يضطجع مع امرأة أبيه لأنَّه يكشف ذيل أبيه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يضطجع مع بهيمة ما. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يضطجع مع أخته بنت أبيه أو بنت أمِّه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يضطجع مع حماته. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يقتل قريبه في الخفاء. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من يأخذ رشوة لكي يقتل نفس دم بريء. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها. ويقول جميع الشعب: آمين" [15-26].

عدد اللعنات 12 بعدد الأسباط.

ويلاحظ في هذه اللعنات:

أولاً: تكرار كلمة "جميع" ليدرك أنَّه ليس إنسان فوق الوصيَّة، الكاهن أو العلماني، الغني أو الفقير، الرجل أو المرأة. كل أعضاء الجماعة من قادة وشعب ملزمون بحفظ الوصيَّة.

ثانيًا: في نهاية كل عبارة يعلن الكل: "آمين"، علامة قبول الجميع الالتزام والتجاوب مع الوصيَّة. إجابة الشعب المستمرَّة بكلمة "آمين" تحمل المعاني التالية:

1. تأكيد معرفة كل عضو في الشعب بأن ثمرة الخطيَّة هي اللعنة.

2. أن هذه الثمرة يجتنيها الإنسان بكسره أيَّة وصيَّة من وصايا الناموس، وليس بكسر كل الوصايا معًا أو وصايا معيَّنة. وإنَّما كما يقول الرسول يعقوب: "لأن من حفظ كل الناموس وإنَّما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل، لأن الذي قال لا تزنِ قال أيضًا لا تقتل؛ فإن لم تزنِ ولكن قتلت فقد صرت متعدِّيًا الناموس" (يع 2: 10-11).

3. يحمل هذا شعور كل إنسان بالذنب، ليس له أن يبرِّر نفسه.

4. اعتراف ضمني بأن الناموس صالح، وإنَّما الخطأ هو فيَّ.

5. الإنسان المتديِّن يحتاج إلى ترديد كلمة "آمين" أكثر من غيره، وبسبب تديُّنه يلبس أحيانًا رداء الرياء. لهذا يلزمه أن يكون صريحًا مع نفسه، معلنًا أن السقوط في العصيان يدفع به إلى اللعنات.

-     أقول خضع الشعب لهذه اللعنة، لأنَّه لا يوجد إنسان استمرَّ عاملاً كل الناموس أو حافظًا له، لكن المسيح حوَّل هذه اللعنة بلعنة أخرى "ملعون من عُلِّق على خشبة". بهذا كل من عُلِّق على شجرة ومن عصى الناموس صار ملعونًا، وكان من الضروري لذاك الذي يريد أن يحرِّر من اللعنة أن يكون هو نفسه حرًا منها. لهذا أخذ المسيح على نفسه اللعنة الأخرى ليحرِّرنا من اللعنة.

هذا يشبه إنسانًا بريئًا تعهَّد أن يقبل حكم الموت عن آخر، وبهذا خلَّصه من العقوبة. إذ أخذ المسيح على نفسه ليس لعنة العصيان بل اللعنة الأخرى لينزع اللعنة عن الآخرين. إذ "لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش" (إش 51: 9، 1 بط 2: 22). وبموته خلص المائتين من الموت، وبحمله اللعنة خلَّصهم منها[273].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

"في الخفاء" [24]: يمكن ارتكاب كل الخطايا المذكورة هنا سرًّا، لذلك يتوجَّه التحذير إلى ضمير الفرد. ولقد دعا الله الشعب كله ليشجبوا هذه الخطايا علنًا.

"كلمات هذا الناموس" [26] يرتبط الشعب بالعهد بطريقة اللعنة، وهي طريقة معروفة في الشرق (أع 23: 12) وقد تكرَّر هذا العمل مع نحميا (10: 29) وذكره بولس (غل 3: 10) وقد حمل المسيح اللعنة على نفسه (غل 3: 13) ليحرِّر شعبه منها.

ثالثًا: مع كل إعلانٍ عن لعنة كان جميع الشعب يقول آمين. أمَّا وقد جاء ذاك القادر أن يحمل اللعنة عنَّا، فإنَّنا نترنَّم مع الرسول بولس قائلين: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنَّه مكتوب ملعون كل من عُلِّق على خشبة" (غلا 3: 13).

مع كل صرخة: "آمين"، يشعر كل مؤمن حقيقي بعجز الناموس لا عن تقديم بركة، وإنَّما حتى عن تقديم الحياة، إذ سقط الكل تحت الموت. يترقَّب المؤمن مجيء المخلِّص المسيَّا القادر وحده أن يحمل عنَّا اللعنة ويهبنا حياته الطوباويَّة. "كنَّا محروسين تحت الناموس مُغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن. إذًا قد كان الناموس مؤدِّبنا إلى المسيح لكي نتبرَّر بالإيمان" (غلا 3: 23-24).

من وحيّ تثنيَّة 27

لتقم من قلبي لوحيّ شريعة،

ولتجعل منه مذبحًا لك

-    قلبي بين يديك، بروحك الناري انقش وصيَّتك عليه.

أقم منه لوحيّ شريعة،

يحملان عمل إصبعك الإلهي.

-     من ينزع وصيَّتك عنِّي ينتزع قلبي،

ويحرمني من حياتي.

تبقى وصيَّتك في داخلي حتى أعبر الأرض الجديدة.

هي كنزي ورصيدي السماوي.

-     لتجعل من قلبي مذبحًا مقدَّسًا لك.

عليه تُقدَّم محرقات الحب، إذ يحترق كل كياني حبًا لك.

عليه أقدِّم ذبيحة السلامة، فأنت هو سرّ مصالحتي مع أبيك القدُّوس.

أنت واهب السلام الحق!

لتقم في قلبي وليمة حب تقدَّم على مذبحك.

حيث تدخل وتتعشَّى معي وأنا معك!

حوِّل قلبي إلى وليمة فرح، فترد لي بهجة خلاصك.

-     قلبي يتهلَّل بوصيَّتك ويشبع بمذبحك.

يتأمَّل في البركات التي تعلنها بلا انقطاع، ولا تجد اللعنات لها موضعًا فيه.

لتقف أنت في قلبي وتمد يدك بالبركة.

أنت هو سرّ الطوبى الحقَّة.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 27 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 28 جـ1 PDF Print Email

البركات واللعنات

إذ اقترب موسى النبي من الانتهاء من حديثه الوداعي مع شعبه الذي أوشك على الدخول إلى أرض الموعد قدَّم لهم حق الخيار بين الطاعة أو العصيان، كاشفًا عن بركات الطاعة للوصيَّة الإلهيَّة أو الإخلاص للعهد الإلهي. كما كشف عن لعنات العصيان أو كسر العهد. يؤكِّد هذا الأصحاح حريَّة الإنسان في اختيار إحدى الطريقين، فالأمر بين يديه، إذ نعمة الله مستعدَّة دومًا للعمل في حياة الراغبين فيها.

يلاحظ في الحديث عن البركات واللعنات الآتي:

1. يقدِّم الله بركاته لشعبه ولبنيه كهبة مجَّانيَّة أو نعمة من قبله، لكنَّه في حبُّه للإنسان يسأله ألاَّ يعيش بروح الاستهتار والتشويش، بل يسلك كما يليق بشعب منتسب لله، أو كابن يرتبط بروح أبيه، يريد أن يراهم ناضجين روحيًا.

2. لم يكن ممكنًا للشعب في بداية طريقه الروحي أن تقدَّم له المكافآت والجزاءات على المستوى الأبدي، وإنَّما على مستوى حياته الزمنيَّة، حتى متى جاء كلمة الله ونضج المؤمن تصير نظرته أعظم وفكره أكثر نضوجًا ليطلب السماويَّات ويخشى العقوبة الأبدي.

3. هذه العطايا أو اللعنات لها مفهومها الخاص بالنسبة للمسيحي على ضوء الفكر الإنجيلي، واللقاء مع السيِّد المسيح، الذي يرفعه لا ليطلب بركات زمنيَّة ولا ليخشى من الضربات الأرضيَّة إنَّما يطلب لنفسه واهب البركات ويخشى الحرمان من الشركة معه في الأمجاد السماويَّة.

1. بركات الطاعة                              [1-14].

أولاً: التصاق البركة بالمطيع            [1-6].

ثانيًا: النصرة على الأعداء               [7].

ثالثًا: التمتُّع بالغنى                      [8].

رابعًا: التمتُّع بالقداسة                   [9].

خامسًا: التمتُّع بالكرامة                  [10].

سادسًا: التمتُّع بالأثمار                  [11].

سابعًا: الطبيعة خادمة للمطيع           [12].

ثامنًا: التمتُّع بروح القيادة                [13-14].

2. لعنات العصيان                             [15-68].

أولاً: التصاق اللعنة بالعاصي            [15-19].

ثانيًا:المعاناة من الاضطراب              [20].

ثالثًا: المعاناة من الوبأ                   [21-22].

رابعًا: الطبيعة تقاوم للعاصي            [23-24].

خامسًا: الهزيمة أمام الأعداء            [25-26].

سادسًا: حرمان من كل عطيَّة           [27-35].

سابعًا: فقدان الكرامة                    [36-37].

ثامنًا: حرمان من تعب اليدين            [38-42].

تاسعًا: انحدار واِنهيار                    [43-46].

عاشرًا: السقوط تحت العبوديَّة           [47-57].

حادي عشر: حلول ضربات مصر        [58-60].

ثاني عشر: حلول الفناء                 [61-67].

ثالث عشر: ارتداد إلى مصر             [68].


1. بركات الطاعة

جاءت البركات هنا قبل اللعنات ليعلن الله أنَّه بطيء في الغضب وسريع في إظهار المحبَّة والرحمة، فإنَّه يُسر بأن يبارك، مشتاقًا ألاَّ يسقط أحد تحت اللعنة. أوضح رغبة الله في نجاح شعبه وتقديسه [1-14]. جاء الوعد بفيضٍ من البركات الجسديَّة والماديَّة لمن يخلص للعهد في طاعة للوصيَّة. هذا ويليق بنا في تعاملنا مع الله أن نمتلئ برجاء البنين في محبَّة الله أبيهم عن أن نرتعب منه في خوف العبيد من غضب السيِّد.

يقدِّم لنا الشروط التي على أساسها ننال البركات ألا وهي:

·        الاستماع باجتهاد لصوت الله [1-2] لكي نحمل في داخلنا إرادته المقدَّسة [13].

·        الطاعة للوصيَّة والسير في طريقه الإلهي [9]، لا مرة واحدة ولا مرات، بل نحفظها على الدوام، ونسير في طريقه إلى نهايته لا إلى المنتصف.

·        ألاَّ ينحرف الإنسان عن الطريق يمينًا أو يسارًا، وذلك بعدم المبالغة في الأمور وعدم التهاون فيها.

يميِّز هنا بين نوعين من البركات، متكاملين معًا، وهما البركات التي تحل بالشعب ككل معًا، وتلك التي تحل بالعضو وأسرته، وإن كان لا يمكن الفصل بين العضو والجماعة كلها. فمن جهة البركة الجماعيَّة يقول:

"وإن سمعت سمعًا لصوت الرب إلهك، لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم، ويجعلك الرب إلهك مستعليًا على جميع قبائل الأرض" [1].

يبدأ البركات بعمل الله مع الجماعة حيث يرفعها على جميع قبائل الأرض؛ فإن كان الله ساكنًا في الأعالي فإنَّه يقيم من كنيسته جماعة سماويَّة، يحملها روحه القدُّوس كما إلى العرش، فتصير عالية فوق جميع قبائل الأرض.

هذا هو عمل الطاعة، بينما ننحني بإرادتنا أمام الله، إذا به يرفع فكرنا وإرادتنا وكل أعماقنا لنحمل سمات سماويَّة، ونصير كمن لا نُحصى بين الأرضيِّين، ننعم بالشركة مع السمائيِّين. إذ يتحدَّث عن البركة الإلهيَّة يُنسب الله للشعب فيكرِّر التعبير: "الرب إلهك".

أولاً: التصاق البركة بالمطيع:

يشتهي كل إنسان أن يتمتَّع بالبركة متسائلاً: كيف يمكنني بلوغها؟ لكن النبي هنا يكشف لنا عن حب الله الفائق، الذي يود أن يحملنا إلى حياته المطوَّبة لكي نختبرها. البركات هي التي تسعى وراء الإنسان، إذ كثيرًا ما يظن الإنسان أنَّه غير أهلٍ لها، حتى في يوم الرب العظيم يقول المؤمنون: "متى رأيناك جائعًا فأطعمناك؟" (مت 25: 27). إنَّنا في حاجة لا أن نسعى وراء البركة بل أن نفتح لها أبواب قلبنا. يرى النبي البركة أشبه بكائن أو شخص يسعى وراء المؤمن لكي يدركه ويلتصق به ويتَّحد معه، إذ يقول:

"وتأتي عليك جميع البركات، وتدركك، إذا سمعت لصوت الرب إلهك" [2].

يوجِّه الحديث إلى الشعب ككل كما لو كانوا شخصًا واحدًا، فسرّ البركة هو وحدة الشعب معًا، لينعم الجميع معًا بما هو لبنيانهم إن سلكوا في الطاعة لصوت الرب.

إنَّها تأتي إلى المؤمن لكي تدركه وتقدِّم له ذاتها بكل غناها الفائق وإمكانيَّاتها الإلهيَّة. تتقدَّم لتبارك كل جوانب حياته الداخليَّة والخارجيَّة وكل علاقاته، فتهبه سلامًا في القلب ومع الغير.

بعد أن كشف عن البركات الإلهيَّة بكونها كائنًا يعمل فينا ويقطن في داخلنا، إذ هي ظل لشخص السيِّد المسيح الذي جاء إلينا، أوضح الجوانب التالية لهذه البركات:

§     أنواعها: بركات أرضيَّة ونفسيَّة وروحيَّة.

§      امتدادها: تعمل في المدينة كما في القرية [3]. تحل البركة في كل موضع، أي ننعم ببركات سماويَّة تخص مدينة أورشليم العليا، وبركات زمنيَّة تخص حقل الخدمة في هذا العالم.

§    عملها: بركات تمس كل جوانب حياتنا. "مباركة تكون ثمرة بطنك (تقديس الروح)، وثمرة أرضك (تقديس الجسد)، وثمرة بهائمك (تقديس الطاقات البشريَّة)" الحياة الداخليَّة والخارج [4].

§      اهتمامها: تهتم حتى بالاحتياجات اليوميَّة للإنسان. "مباركة تكون سلَّتك (الكماليَّات كالفاكهة بالنسبة لذلك الوقت) ومعجنك (الضروريَّات كالخبز اليومي)" [5].

§      مركزها: ترافق الإنسان وتلتصق به في كل تحرُّك، في دخوله وخروجه [6].

§     قدرتها: تحفظه من الأعداء وتهبه روح النصرة [7].

§      إمكانيَّاتها: تهبه غنى حقيقيًا، بركة في الخزائن، بل يصير هو نفسه "شعبًا مقدَّسًا" أي "بركة" للغير [8].

§      غايتها: تقيمنا قدِّيسين للقدُّوس [9].

§      مكافأتها: تهب المؤمن كرامة ومخافة [10].

§      نتائجها: إثمار دائم [11].

§      دورها: تفتح أبواب السماء للمؤمن فيض بركة بلا حصر. "يفتح لك الرب كنزه الصالح ليعطي مطر أرضك في حينه (أي يرسل روحه القدُّوس فينا) وليبارك كل عمل يدك" [12].

§      رسالتها: تقيم من المؤمن قائدًا ناميًا [13].

أ. "مباركًا تكون في المدينة، ومباركًا تكون في الحقل" [3]. تحل البركة بالمؤمن بغض النظر عن ظروفه، إن كان رجل المدينة العامل في التجارة أو الصناعة، أو كان في الحقل عاملاً في الزراعة أو الرعي. أنَّه يتمتَّع بالحياة الإلهيَّة المباركة أو المطوَّبة مهما كان عمله أو مركزه أو دوره في المجتمع.

كان يُقال "أوجد الله القرى، وأوجد الإنسان المدن". وها هو الله يؤكِّد رعايته للمدينة كما للقريَّة. يبارك المدينة ببرِّه الإلهي فيزيل عنها جوَّها الملوَّث، فلا يكون للشرّ موضع فيها، بل يتنسَّم رائحة المسيح الذكيَّة.

ب. "ومباركة تكون ثمرة بطنك، وثمرة أرضك، وثمرة بهائمك، نتاج بقرك وأُناث غنمك" [4]. خلق الله الأرض وكل ما عليها وما فيها من أجل الإنسان، فإن تبارك الإنسان حلّت البركة على الأرض الخادمة له بكل إمكانيَّاتها وحيواناتها. أمَّا إن حلَّت به اللعنة فيقول له الله: "ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيَّام حياتك؛ وشوكًا وحسكًا تنبت لك، وتأكل عشب الحقل" (تك 3: 17-18).

تحل البركة بالأعماق الداخليَّة "ثمرة بطنك"، وتحل بالحياة الخارجيَّة "ثمرة أرضك"، كما تحل بالجسد بكل غرائزه "ثمرة بهائمك".

ج. "مباركة تكون سلَّتك ومعجنك" [5]. يرى البعض أن السلَّة تمثل المكان الذي يخزن فيه الإنسان الفواكه والمحاصيل الزراعيَّة. وأمَّا المعجن (الصغير) فهو الإناء الذي يعجن فيه الإنسان خبزًا يكفي العائلة ليوم واحدٍ. هكذا يبارك الله احتياجات الإنسان اليوميَّة، فلا يعتاز إلى شيء.

د. "مباركًا تكون في دخولك، ومباركًا تكون في خروجك" [6]. وكما يقول المرتِّل: "الرب يحفظ خروجك ودخولك من الآن وإلى الدهر" (مز 121: 8). بركة الرب ليس فقط تحل في حياة الإنسان الداخليَّة والخارجيَّة لتبارك كيانه كله كما أعماله وممتلكاته، وإنَّما تسير معه وترافقه أينما حلَّ، في خروجه كما في دخوله.



السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 28 جـ2 PDF Print Email

ثانيًا: النصرة على الأعداء:

"يجعل الرب أعداءك القائمين عليك منهزمين أمامك. في طريق واحدة يخرجون عليك، وفي سبع طرق يهربون أمامك" [7].


لم يعد الله المؤمن المطيع ألاَّ يُحاربه عدو، بل على العكس يؤكِّد قيام أعداء ضدُّه، لكن المقاومة تؤدِّي به إلى النصرة والغلبة، فيتمتَّع بأمجاد وأكاليل. فالأعداء ليسوا إلاَّ خطوة نحو المجد. حياتنا معركة دائمة، حيث يخرج عدو الخير بكل جنوده وأعماله الشرِّيرة، مع خبرته الطويلة، ومكره وخداعه ليهاجم المؤمن مركزًا عليها كما في طريق واحدة، لكنَّه سرعان ما يتبدَّد العدو أمام نعمة الله واهبة النصرة. فيهرب العدو من أمام وجه المؤمن متشتِّتًا كما في طرقٍ كثيرة.

ثالثًا: التمتُّع بالغنى:

"يأمر لك الرب بالبركة في خزائنك، وفي كل ما تمتد إليه يدك، ويباركك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك" [8].

إذ ترافق بركة الرب المؤمن وتسكن فيه، ليس فقط ترفعه إلى السماء فيكون له اسم أعلى من جميع الشعب، وإنَّما تبارك حتى في إمكانيَّاته الزمنيَّة "خزائنه"، وتجعل يديه بركة، فتتبارك كل ما تمتد إليه يداه، حتى الأرض تتبارك بسببه. ببركة الرب يسبح المؤمن قائلاً: "القليل الذي للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين" (مز 37: 16).

يفتح الله أبواب السماء أمام الأمين كمن يقدِّم له من كنزه كل ما هو جديد. ولا تعرف البركة حدودًا، فإن كانت تفتح أبواب السماء أمام المؤمن ليجد فيها كل شبعه، فإنَّها في نفس الوقت تقدِّس الأرض التي يمشي عليها، والعمل الذي تمتد إليه يداه فتمتلئ مخازنه بالغنى. أمَّا الغنى الذي لا ترافقه بركة الرب فيصير كارثة، ولن يُشبع الإنسان. وكما يقول الحكيم:

"من يحب الفضَّة لا يشبع من الفضَّة، ومن يحب الثروة لا يشبع من دخلٍ. هذا أيضًا باطل. إذا كثرت الخيرات كثر الذين يأكلونها، وأي منفعة يصاحبها إلاَّ رؤيتها بعينيه؟! يوجد شرّ خبيث رأيته تحت الشمس. ثروة مصونة لصاحبها لضرره. فهلكت تلك الثروة بأمرٍ سيِّئ، ثم ولد ابنًا وما بيده شيء. كما خرج من بطن أمِّه عريانًا يرجع ذاهبًا كما جاء ولم يأخذ شيئًا من تعبه فيذهب به في يده" (جا 5: 10-15).

يقول الرسول يعقوب: "هلمَّ أيُّها الأغنياء ابكوا موَلوِلين على شقاوتكم القادمة؛ غناكم قد تهرَّأ وثيابكم قد أكلها العُثّ" (يع 5: 1-2). على العكس إن وُجدت بركة الرب حتى وإن لم تمتلئ مخازن الإنسان فإنَّه يُحسب غنيًا. يقول المرتِّل: "القليل الذي للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين" (مز 37: 16).

رابعًا: التمتُّع بالقداسة:

"يقيمك الرب لنفسه شعبًا مقدَّسًا كما حلف لك، إذا حفظت وصايا الرب إلهك، وسلكت في طرقه" [9].

"يقيمك" نفس الكلمة التي استعملها المسيح عن إقامة ابنة يايرس (مر 5: 41) ووردت في (تث 18: 15، 18)، وهي تعلن إقامة شيء جديد. من أثمن العطايا والبركات الإلهيَّة أن يقيم الله من الناس شعبًا مقدَّسًا، ويجعل من الإنسان كائنًا ينتسب لله، يحمل برُّه الإلهي وقداسته.

مفهوم التقديس هو تخصيص الإنسان بكل كيانه لله القدُّوس، فإن كان الله منشغلاً بخلاص الإنسان ومجده، فالمؤمن في تجاوبه مع محبَّته لله يكرِّس طاقاته بروح الله القدُّوس للعمل لحساب ملكوته.

هذه البركة تحمل أيضًا معنى الاستقرار والتأسيس الثابت، فكنيسة الله، وكل بيت، بل وكل قلب يحتاج إلى يد الله الفائقة لكي تثبت فيها مملكته. وكما يقول لوقا الإنجيلي: "فكانت الكنائس تتشدَّد في الإيمان وتزداد في العدد كل يوم" (أع 16: 5). ويقول الرسول بولس لأهل روميَّة: "لأنِّي مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحيَّة لثباتكم" (رو 1: 11). ولأهل كولوسي: "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه، متأصِّلين فيه ومبنيِّين فيه وموطَّدين في الإيمان" (كو 2: 6-7). وفي رسالته إلى العبرانيِّين: "لا تُساقوا بتعاليم متنوِّعة وغريبة لأنَّه حسن أن يثبت القلب بالنعمة" (عب 13: 9). كما يقول الرسول بطرس: "وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع بعدما تألمتم يسيرًا هو يكمِّلكم ويثبِّتكم ويقوِّيكم ويمكِّنكم" (1 بط 5: 10). "لذلك لا أُهمل أن أذكِّركم دائمًا بهذه الأمور وإن كنتم عالمين ومثبَّتين في الحق الحاضر" (2 بط 1: 12).

هكذا يثبِّت الله شعبه في القداسة التي له لنصير أيقونة له، لا تستطيع كل القوى أن تشوِّهها أو تزيلها. إنَّها من عمل الروح القدس في أعماقنا.

خامسًا: التمتُّع بالكرامة:

"فيرى جميع شعوب الأرض أن اسم الرب قد سُمِّي عليك، ويخافون منك" [10].

"اسم الرب" هو الرب كما يعلن عن نفسه، فحينما يُدعى علينا اسمه إنَّما نقتنيه، فنحمل مخافته وكرامته فينا، لذا تخاف جميع شعوب الأرض منَّا. قيل عن الإسرائيليِّين الروحيِّين: "ولهم التبنِّي والمجد" (رو 9: 4). نال إسرائيل الظل، أمَّا نحن فننال النعمة والحق، إذ يقول الرسول: "لأن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة، لا نفس صورة الأشياء" (عب 10: 1).

بالطاعة تُعلن مخافة الله العاملة فينا، وإذ نخاف لئلاَّ تجرح مشاعر حبُّه، يرد لنا هذه المخافة بمخافة الآخرين لنا. من يكرم الله يكرمه الله؛ ومن يخافه يهبه مهابة ومخافة. قيل عن الكنيسة الأولى: "وصار خوف في كل نفس" (أع 2: 43).

يخشى العالم صلوات الأبرار، مع أنَّها لا تحمل كراهيَّة أو بغضه لهم. يشعرون بالمخافة أمام الله الذي يُسر بهم ويسكن فيهم.

إذ يُدعى علينا اسم الرب يليق بنا أن نحمله، لا بالشكل الخارجي، بل بالثبوت فيه. وكما يقول الرسول بولس: "لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليُّون" (رو 9: 6). وفي يوم الرب العظيم يتم الفصل بين الذين يحملون اسمه شكليًا، والذين يحملون قوَّته روحيًا إذ "ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبَّأنا؟! وباسمك أخرجنا شيَّاطين؟! وباسمك صنعنا قوَّات كثيرة؟! فحينئذ أصرِّح لهم أنِّي لم أعرفكم قط، اذهبوا عنِّي يا فاعلي الإثم" (مت 7: 21-23).

سادسًا: التمتُّع بالإثمار:

"ويزيدك الرب خيرًا في ثمرة بطنك، وثمرة بهائمك، وثمرة أرضك، على الأرض التي حلف الرب لآبائك أن يعطيك" [11].

مع الكرامة التي يتمتَّع بها المؤمن كهبة إلهيَّة يهبه الله خيرًا متزايدًا لا ينقص، خيرًا في أولاده ثمرة بطنه، وخيرًا في ممتلكاته كالبهائم، وخيرًا في الأرض التي يسكن فيها.

سابعًا: الطبيعة خادمة للمطيع:

"يفتح لك الرب كنزه الصالح، السماء ليعطي مطر أرضك في حينه، وليبارك كل عمل يدك، فتقرض أممًا كثيرة، وأنت لا تقترض" [12].

إذ يفتح المؤمن قلبه لله بالطاعة تفتح السماء أبوابها لتمطر لا كنوزها بل واهب كل الكنوز، مطر الروح القدس الذي يعمل في حياة المؤمن، واهبًا إيّاه روح البركة والنصرة مع الخلود.

-     حتى السماء تدعى أيضًا جديدة عندما لا تعود تصير نحاسًا، بل تعطي مطرًا، والأرض تصير مثلها جديدة عندما لا تكون عقيمة[274]...

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

الإنسان الأمين في علاقته مع الله يرى أبواب السماء مفتوحة أمامه ليسحب من المخازن لا أمطار من مياه، بل يسحب طبيعة الحب، فيشتاق أن يقرض ويُعطي لا أن يأخذ. يتَّسع قلبه بالحنو ويفيض على كل من حوله بغير حسابٍ.

ثامنًا: التمتُّع بروح القيادة:

"ويجعلك الرب رأسًا لا ذنبًا، وتكون في الارتفاع فقط ولا تكون في الانحطاط، إذا سمعت لوصايا الرب إلهك التي أنا أوصيك بها اليوم لتحفظ وتعمل. ولا تزيغ عن جميع الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم يمينًا أو شمالاً لكي تذهب وراء آلهة أخرى تعبدها" [13-14].

مع ارتباط الطاعة بالتواضع يهب الله أولاده لا روح الخنوع والمذلَّة، بل روح القيادة الصادقة الحيَّة، فيصير المؤمن رأسًا لا ذنبًا. يقول الحكيم عن اقتناء الحكمة الإلهيَّة: "ارفعها فتُعلِّيك، تمجِّدك إذا اعتنقتها، تُعطي رأسك إكليل نعمة" (أم 4: 28-29). يهب الله أولاده روح النمو الدائم، فيرتفعون دومًا ولا يهبطون، ينمون بطيئًا لكنَّه نمو دائم وثابت، لن يُقهر.

إذ يرتبط المؤمن بمخلِّصه الابن الوحيد، البكر، يصير هو أيضًا بكرًا. وفي طاعته لملك الملوك يصير ملكًا. ويبقى في حركة نموّ دائم مشتاقًا أن يبلغ إلى قياس ملء قامة المسيح.
-     يتطلَّب الناموس من الشخص الذي يحفظه ألاَّ يترك الطريق الذي يقول عنه الرب أنَّه "ضيِّق وكرب" (مت 7: 14)، فلا ينحرف يسارًا ولا يمينًا.

يقوم هذا التعليم على أن الفضيلة تتميَّز بهذا (الاعتدال). فإن كل شر يعمل طبيعيًا خلال نقص الفضيلة أو المبالغة فيها. ففي حالة الشجاعة، الجبن هو نقص للفضيلة، والتهوُّر هو مبالغة فيها...

هكذا كل الأمور الأخرى التي فيها تجاهد من أجل البلوغ إلى ما هو أفضل، تأخذ الطريق الوُسطى بين الشرور المتجاورة.

الحكمة تتمسَّك بالطريق بين المكر والبساطة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فليست حكمة الحيَّة ولا بساطة الحمامة (مت 10: 16) يمكن أن تُمدح، إن اختار الشخص إحداهما وحدها. بالأحرى الفضيلة هي اتِّحاد هاتين الاثنتين معًا بقوَّة في الطريق.

الإنسان الذي ينقصه الاعتدال متسيِّب، والذي يسير إلى ما وراء الاعتدال يصير ضميره معذَّبًا (1 تي 4: 2) كقول الرسول. فالواحد يسلِّم نفسه للملذَّات بلا ضابط، والآخر يدنِّس الزواج كما لو كان زنا. أمَّا السلوك في الطريق الوسطى بينهما فهو الاعتدال[275].

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

ثانيًا: النصرة على الأعداء:

"يجعل الرب أعداءك القائمين عليك منهزمين أمامك. في طريق واحدة يخرجون عليك، وفي سبع طرق يهربون أمامك" [7].

لم يعد الله المؤمن المطيع ألاَّ يُحاربه عدو، بل على العكس يؤكِّد قيام أعداء ضدُّه، لكن المقاومة تؤدِّي به إلى النصرة والغلبة، فيتمتَّع بأمجاد وأكاليل. فالأعداء ليسوا إلاَّ خطوة نحو المجد. حياتنا معركة دائمة، حيث يخرج عدو الخير بكل جنوده وأعماله الشرِّيرة، مع خبرته الطويلة، ومكره وخداعه ليهاجم المؤمن مركزًا عليها كما في طريق واحدة، لكنَّه سرعان ما يتبدَّد العدو أمام نعمة الله واهبة النصرة. فيهرب العدو من أمام وجه المؤمن متشتِّتًا كما في طرقٍ كثيرة.

ثالثًا: التمتُّع بالغنى:

"يأمر لك الرب بالبركة في خزائنك، وفي كل ما تمتد إليه يدك، ويباركك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك" [8].


إذ ترافق بركة الرب المؤمن وتسكن فيه، ليس فقط ترفعه إلى السماء فيكون له اسم أعلى من جميع الشعب، وإنَّما تبارك حتى في إمكانيَّاته الزمنيَّة "خزائنه"، وتجعل يديه بركة، فتتبارك كل ما تمتد إليه يداه، حتى الأرض تتبارك بسببه. ببركة الرب يسبح المؤمن قائلاً: "القليل الذي للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين" (مز 37: 16).

يفتح الله أبواب السماء أمام الأمين كمن يقدِّم له من كنزه كل ما هو جديد. ولا تعرف البركة حدودًا، فإن كانت تفتح أبواب السماء أمام المؤمن ليجد فيها كل شبعه، فإنَّها في نفس الوقت تقدِّس الأرض التي يمشي عليها، والعمل الذي تمتد إليه يداه فتمتلئ مخازنه بالغنى. أمَّا الغنى الذي لا ترافقه بركة الرب فيصير كارثة، ولن يُشبع الإنسان. وكما يقول الحكيم:

"من يحب الفضَّة لا يشبع من الفضَّة، ومن يحب الثروة لا يشبع من دخلٍ. هذا أيضًا باطل.

إذا كثرت الخيرات كثر الذين يأكلونها، وأي منفعة يصاحبها إلاَّ رؤيتها بعينيه؟!

يوجد شرّ خبيث رأيته تحت الشمس. ثروة مصونة لصاحبها لضرره. فهلكت تلك الثروة بأمرٍ سيِّئ، ثم ولد ابنًا وما بيده شيء. كما خرج من بطن أمِّه عريانًا يرجع ذاهبًا كما جاء ولم يأخذ شيئًا من تعبه فيذهب به في يده" (جا 5: 10-15).

يقول الرسول يعقوب: "هلمَّ أيُّها الأغنياء ابكوا موَلوِلين على شقاوتكم القادمة؛ غناكم قد تهرَّأ وثيابكم قد أكلها العُثّ" (يع 5: 1-2). على العكس إن وُجدت بركة الرب حتى وإن لم تمتلئ مخازن الإنسان فإنَّه يُحسب غنيًا. يقول المرتِّل: "القليل الذي للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين" (مز 37: 16).



السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 28 جـ3 PDF Print Email

رابعًا: التمتُّع بالقداسة:

"يقيمك الرب لنفسه شعبًا مقدَّسًا كما حلف لك، إذا حفظت وصايا الرب إلهك، وسلكت في طرقه" [9].

"يقيمك" نفس الكلمة التي استعملها المسيح عن إقامة ابنة يايرس (مر 5: 41) ووردت في (تث 18: 15، 18)، وهي تعلن إقامة شيء جديد. من أثمن العطايا والبركات الإلهيَّة أن يقيم الله من الناس شعبًا مقدَّسًا، ويجعل من الإنسان كائنًا ينتسب لله، يحمل برُّه الإلهي وقداسته.

مفهوم التقديس هو تخصيص الإنسان بكل كيانه لله القدُّوس، فإن كان الله منشغلاً بخلاص الإنسان ومجده، فالمؤمن في تجاوبه مع محبَّته لله يكرِّس طاقاته بروح الله القدُّوس للعمل لحساب ملكوته.

هذه البركة تحمل أيضًا معنى الاستقرار والتأسيس الثابت، فكنيسة الله، وكل بيت، بل وكل قلب يحتاج إلى يد الله الفائقة لكي تثبت فيها مملكته. وكما يقول لوقا الإنجيلي: "فكانت الكنائس تتشدَّد في الإيمان وتزداد في العدد كل يوم" (أع 16: 5). ويقول الرسول بولس لأهل روميَّة: "لأنِّي مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحيَّة لثباتكم" (رو 1: 11). ولأهل كولوسي: "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه، متأصِّلين فيه ومبنيِّين فيه وموطَّدين في الإيمان" (كو 2: 6-7). وفي رسالته إلى العبرانيِّين: "لا تُساقوا بتعاليم متنوِّعة وغريبة لأنَّه حسن أن يثبت القلب بالنعمة" (عب 13: 9). كما يقول الرسول بطرس: "وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع بعدما تألمتم يسيرًا هو يكمِّلكم ويثبِّتكم ويقوِّيكم ويمكِّنكم" (1 بط 5: 10). "لذلك لا أُهمل أن أذكِّركم دائمًا بهذه الأمور وإن كنتم عالمين ومثبَّتين في الحق الحاضر" (2 بط 1: 12).

هكذا يثبِّت الله شعبه في القداسة التي له لنصير أيقونة له، لا تستطيع كل القوى أن تشوِّهها أو تزيلها. إنَّها من عمل الروح القدس في أعماقنا.

خامسًا: التمتُّع بالكرامة:

"فيرى جميع شعوب الأرض أن اسم الرب قد سُمِّي عليك، ويخافون منك" [10].


"اسم الرب" هو الرب كما يعلن عن نفسه، فحينما يُدعى علينا اسمه إنَّما نقتنيه، فنحمل مخافته وكرامته فينا، لذا تخاف جميع شعوب الأرض منَّا. قيل عن الإسرائيليِّين الروحيِّين: "ولهم التبنِّي والمجد" (رو 9: 4). نال إسرائيل الظل، أمَّا نحن فننال النعمة والحق، إذ يقول الرسول: "لأن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة، لا نفس صورة الأشياء" (عب 10: 1).

بالطاعة تُعلن مخافة الله العاملة فينا، وإذ نخاف لئلاَّ تجرح مشاعر حبُّه، يرد لنا هذه المخافة بمخافة الآخرين لنا. من يكرم الله يكرمه الله؛ ومن يخافه يهبه مهابة ومخافة. قيل عن الكنيسة الأولى: "وصار خوف في كل نفس" (أع 2: 43).

يخشى العالم صلوات الأبرار، مع أنَّها لا تحمل كراهيَّة أو بغضه لهم. يشعرون بالمخافة أمام الله الذي يُسر بهم ويسكن فيهم.

إذ يُدعى علينا اسم الرب يليق بنا أن نحمله، لا بالشكل الخارجي، بل بالثبوت فيه. وكما يقول الرسول بولس: "لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليُّون" (رو 9: 6). وفي يوم الرب العظيم يتم الفصل بين الذين يحملون اسمه شكليًا، والذين يحملون قوَّته روحيًا إذ "ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبَّأنا؟! وباسمك أخرجنا شيَّاطين؟! وباسمك صنعنا قوَّات كثيرة؟! فحينئذ أصرِّح لهم أنِّي لم أعرفكم قط، اذهبوا عنِّي يا فاعلي الإثم" (مت 7: 21-23).

سادسًا: التمتُّع بالإثمار:

"ويزيدك الرب خيرًا في ثمرة بطنك، وثمرة بهائمك، وثمرة أرضك، على الأرض التي حلف الرب لآبائك أن يعطيك" [11].

مع الكرامة التي يتمتَّع بها المؤمن كهبة إلهيَّة يهبه الله خيرًا متزايدًا لا ينقص، خيرًا في أولاده ثمرة بطنه، وخيرًا في ممتلكاته كالبهائم، وخيرًا في الأرض التي يسكن فيها.

سابعًا: الطبيعة خادمة للمطيع:

"يفتح لك الرب كنزه الصالح، السماء ليعطي مطر أرضك في حينه، وليبارك كل عمل يدك، فتقرض أممًا كثيرة، وأنت لا تقترض" [12].

إذ يفتح المؤمن قلبه لله بالطاعة تفتح السماء أبوابها لتمطر لا كنوزها بل واهب كل الكنوز، مطر الروح القدس الذي يعمل في حياة المؤمن، واهبًا إيّاه روح البركة والنصرة مع الخلود.

-     حتى السماء تدعى أيضًا جديدة عندما لا تعود تصير نحاسًا، بل تعطي مطرًا، والأرض تصير مثلها جديدة عندما لا تكون عقيمة[274]...

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

الإنسان الأمين في علاقته مع الله يرى أبواب السماء مفتوحة أمامه ليسحب من المخازن لا أمطار من مياه، بل يسحب طبيعة الحب، فيشتاق أن يقرض ويُعطي لا أن يأخذ. يتَّسع قلبه بالحنو ويفيض على كل من حوله بغير حسابٍ.

ثامنًا: التمتُّع بروح القيادة:

"ويجعلك الرب رأسًا لا ذنبًا، وتكون في الارتفاع فقط ولا تكون في الانحطاط،إذا سمعت لوصايا الرب إلهك التي أنا أوصيك بها اليوم لتحفظ وتعمل. ولا تزيغ عن جميع الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم يمينًا أو شمالاً لكي تذهب وراء آلهة أخرى تعبدها" [13-14].


مع ارتباط الطاعة بالتواضع يهب الله أولاده لا روح الخنوع والمذلَّة، بل روح القيادة الصادقة الحيَّة، فيصير المؤمن رأسًا لا ذنبًا. يقول الحكيم عن اقتناء الحكمة الإلهيَّة: "ارفعها فتُعلِّيك، تمجِّدك إذا اعتنقتها، تُعطي رأسك إكليل نعمة" (أم 4: 28-29). يهب الله أولاده روح النمو الدائم، فيرتفعون دومًا ولا يهبطون، ينمون بطيئًا لكنَّه نمو دائم وثابت، لن يُقهر.

إذ يرتبط المؤمن بمخلِّصه الابن الوحيد، البكر، يصير هو أيضًا بكرًا. وفي طاعته لملك الملوك يصير ملكًا. ويبقى في حركة نموّ دائم مشتاقًا أن يبلغ إلى قياس ملء قامة المسيح.

-     يتطلَّب الناموس من الشخص الذي يحفظه ألاَّ يترك الطريق الذي يقول عنه الرب أنَّه "ضيِّق وكرب" (مت 7: 14)، فلا ينحرف يسارًا ولا يمينًا.

يقوم هذا التعليم على أن الفضيلة تتميَّز بهذا (الاعتدال). فإن كل شر يعمل طبيعيًا خلال نقص الفضيلة أو المبالغة فيها. ففي حالة الشجاعة، الجبن هو نقص للفضيلة، والتهوُّر هو مبالغة فيها...

هكذا كل الأمور الأخرى التي فيها تجاهد من أجل البلوغ إلى ما هو أفضل، تأخذ الطريق الوُسطى بين الشرور المتجاورة.

الحكمة تتمسَّك بالطريق بين المكر والبساطة. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فليست حكمة الحيَّة ولا بساطة الحمامة (مت 10: 16) يمكن أن تُمدح، إن اختار الشخص إحداهما وحدها. بالأحرى الفضيلة هي اتِّحاد هاتين الاثنتين معًا بقوَّة في الطريق.

الإنسان الذي ينقصه الاعتدال متسيِّب، والذي يسير إلى ما وراء الاعتدال يصير ضميره معذَّبًا (1 تي 4: 2) كقول الرسول. فالواحد يسلِّم نفسه للملذَّات بلا ضابط، والآخر يدنِّس الزواج كما لو كان زنا. أمَّا السلوك في الطريق الوسطى بينهما فهو الاعتدال[275].

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

2. لعنات العصيان


إذ أظهر الجانب المبهج للسحابة المتَّجه نحو الطاعة يقدِّم لنا الجانب المظلم الذي يتَّجه نحو العصيان. فإنَّنا إن لم نحفظ وصايا ليس فقط نُحرم من البركات الموعود بها، إنَّما نلقي بأنفسنا تحت اللعنة التي تقدِّم كل بؤس كما تقدِّم البركات كل سعادة.

أعلن الله عن قوَّة بركاته وفاعليَّتها في حياة المؤمن، وفي نفس الوقت كشف عن خطورة العصيان، حتى لا يظن المؤمن أن الحياة الروحيَّة هي حب بلا ضابط ولا قانون. يقدِّم صورة بشعة لما يحل بالشعب بسبب انحرافه عن الله مصدر حياته ونموُّه وفرحه وشبعه وتقديسه وحريَّته الداخليَّة. يرى كثيرون أن هذا الجزء من الأصحاح يمثِّل أرهب ما ورد في الكتاب المقدَّس. قال متى هنري أن إنسانًا ما إذ قرأ هذا الجزء لم يحتمل ما ورد فيه من لعنات، فنزع هذا الأصحاح من الكتاب المقدَّس. لم يدرك هذا أن الحب لابد من أن يُغلَّف بالحزم؛ ومحبة الله الفائقة لا يمكن التمتُّع بها دون المخافة الإلهيَّة.

في كل أمَّة يوجد أناس هم أطفال روحيًا يحتاجون إلى شيء من الخوف كي يرفعهم إلى النضوج ليقبلوا الطاعة خلال الحب. ما يدعوه هنا باللعنات إنَّما يعبَّر به عن الغضب الإلهي ضد الخطيَّة ذاتها أو الشر. غضب الرب مقدَّس، لا يمكن فصله عن الحب؛ فهو يغضب على الخطيَّة، مشتاقًا أن يحرر الخاطئ منها. فاللعنات هي ثمر طبيعي لاعتزال الإنسان الله مصدر كل بركة. فعندما نتحدَّث عن ما يسمح به الله من لعنات، فإن هذه ليست مصدرها الله كلي الحب وصانع الخيرات، إنَّما هي ثمرة إرادتنا الشرِّيرة التي تعتزل مصدر البركة.

الحب الحقيقي يرافقه الإخلاص والجديَّة في العمل، لا التراخي والتهاون وعدم الإخلاص.

اللعنة في الكتاب المقدَّس:

تمثِّل البركات واللعنات عنصرًا جوهريًا في الحياة الروحيَّة وفي الفكر الكتابي. لكن شتَّان ما بين نظرة الكتاب المقدَّس للعنة ونظرة العالم الوثني لها. فالوثنيون يتطلعون إلى اللعنة بكونها غضب إلهي أو من فعل السحر، لا تُنزع من الإنسان خلال التوبة والسلوك الروحي الحيّ، إنَّما خلال استخدام التعاويذ والأعمال السحريَّة. أمَّا الكتاب المقدَّس فيرى في اللعنة الآتي:

اللعنة هي ثمرة طبيعيَّة للخطيَّة، يذوق العاصي عربون مرارتها في العالم لعلَّه يراجع نفسه ويتوب عن خطيته، وإلاَّ فإنَّه يذوق كمال المرارة في العالم العتيد. إن كانت البركة هي عطيَّة الله للبار، فإن اللعنة هي ثمرة الشر الذي يرتكبه العاصي (أم 11: 31). الخطيَّة تدخل بالارتباك والفوضى والفساد إلى النفس، فيصير كل ما هو في داخل الإنسان وخارجه فاسدًا (راجع غلا 6: 8؛ رو 6: 21).

اللعنة عملها هو الفساد:
تفسد الفكر والقلب والإرادة وكل كيان الإنسان الداخلي. من بركات الرب علينا إنَّنا لا ندرك تمامًا مدى ما تفعله اللعنة فينا، خاصة في الحياة العتيدة، حتى لا نسقط في اليأس. فما يظهره هذا الأصحاح من عمل اللعنة في حياة الإنسان إنَّما هو ظل لما يحدث في أعماق النفس وينكشف في يوم الرب العظيم.

اللعنة تحرم الطبيعة من الثمر الطبيعي: لقد وضع الله للطبيعة نواميسها لكي تتمم عملها وتأتي بالثمار المتزايدة لسعادة الإنسان. أنَّها تعجز عن تحقيق هذه الثمار بدون العون الإلهي. اللعنة هي اعتزال الإنسان لله ضابط الكل، لهذا ترتبك نواميس الطبيعة بسببها.

اللعنة هي تجرُّد من الحياة: حيثما حلَّت عزلت الإنسان عن الله مصدر الحياة، فيدب فيه الموت أينما وجد.

لا نسقط في اللعنة بلا سبب، ولا لسببٍ تافه، فإن الله لا يبحث عن فرصة ليقف ضدنا، ولا يود أن يدخل معنا في صراع، إنَّما يسقط تحت اللعنة الفئات التالية:

أولاً: الذين يحتقرون الله، ويرفضون الاستماع إليه [15]، فيحسبون صوته كمن لا يستحق الإنصات إليه.

ثانيًا: الذين يعصونه [20]. الله لا يلقينا خارجًا ما لم نلقه نحن خارج حياتنا.



السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 28 جـ4 PDF Print Email

إمكانيَّة اللعنة:

لا يريد الله للإنسان اللعنة بل البركة، فقد خلقه لكي يتمتَّع بشركة الحياة معه، لكن الخطيَّة تحوِّل النور إلى ظلمة، وعذوبة الحياة إلى مرارة، والطعام إلى سم.

§    اللعنة تحوِّل عقل الإنسان الفائق في قدرته وإمكانياته إلى مركز ارتباك للإنسان كله. أنَّها أشبه بفيروس virus يحل بالكمبيوتر ليفسد كل الذاكرة ويربك كل الملفات data التي به.

§    اللعنة تحوِّل الطبيعة الجميلة الخادمة للإنسان إلى أداة لآلامه ومتاعبه.

§    اللعنة تحوِّل الجسد الذي يشارك النفس في تهليلها بالله خالق الكل إلى مركز شهوات تحطِّم النفس والجسد معًا.

§    اللعنة تحوِّل الأبناء عوض كونهم مصدر فرح وبهجة إلى مصدر قلق.

§    اللعنة تجعل من الممتلكات ليس سرّ قناعة للإنسان بل علَّة اضطراب.

§    اللعنة تفسد نظام الطبيعة الفائق بنواميسها الدقيقة إلى حالة من الفوضى.

§    أخيرًا إذ تحل اللعنة بالإنسان يصير كما في غير وعيه، يرى في الشمس أتون نار، وفي الطبيعة وكالة لعنات لا تنتهي، وفي المستقبل ظلمة محطِّمة للنفس.

الهروب من اللعنة:

بصفة عامة كل اللعنات تحل علينا وتسيطر علينا حتى إن سعينا إلى الهروب منها والتغلُّب عليها [15]. قل عن الخاطئ إن غضب الله يتبعه ولا يمكن له الهروب من يده (أي 27: 22). لا يوجد من يهرب من الله بل من يهرب إليه، ليس من يهرب من عدالته بل من يهرب إلى رحمته (مز 21: 7-8).

أينما ذهب الخاطئ تتبعه اللعنة، وأينما وُجد تحل عليه وتستقر. أسوار المدينة لا تحميه، والهواء النقي للحقل لا يحفظه من الدخان المفسد. تحل اللعنة على بيت الشرِّير (أم 3: 33). وحين يخرج من البيت، فإنَّه لا يستطيع أن يتركها في البيت ويهرب منها، إذ تدخل إلى أحشائه وتتسلل إلى عظامه.

اللعنة بالنسبة له كالأرض التي يقف عليها كما حدث مع قايين (تك 4: 11). تحل اللعنة في السلَّة والمخزن أي في عقله وضميره (تي 1: 15)، فلا يجد راحة مطلقًا، بل يفقد سلام قلبه وفكره.

تحل اللعنة على ما تمتد إليه يديه [20]، فيدخل في حالة إحباط شديدة.

يهدد الله بأحكام قاسية كما في (حز 14: 21). إن لم يرتدع الإنسان يسقط في أحكام مضاعفة.

اللعنة والنبوَّة:

يرى البعض أن ما ورد هنا من لعنات كانت نبوات تحقَّقت عبر العصور:

§          الغزوات الأشوريَّة والكلدانيَّة التي أُشير إليها في (إر 4: 13) [15].

§          السبي البابلي لمدَّة 70 عامًا.

§          الاحتلال الروماني كأعداء غرباء [49-50].

§          حصار أورشليم بواسطة تيطس كما جاء في يوسيفوس المؤرخ[276].

§          بيع مئات بل آلاف من اليهود عبيدًا عبر العصور.

يقول القدِّيس أثناسيوس الرسولي:

-     يتَّجه هؤلاء الأشرار نحو قتل أنفسهم بكل أنواع الشهوات... نعم، فإنَّهم حتى عندما يعيشون يكونون في عارٍ، إذ يحسبون بطونهم آلهتهم، وعندما يموتون يتعذبون[277].
أولاً: التصاق اللعنة بالعاصي:

كما يشبِّه البركات بشخص يجري وراء المؤمن يود أن يلحق به ويدخل إلى أعماقه هكذا تفعل اللعنات. فإن الصراع قائم بين الله وإبليس، الله يود أن يقتني الإنسان ابنًا له ليهبه شركة أمجاد أبديَّة، وإبليس يبذل كل الجهد ليقتنيه ابنًا معه يشاركه في الهلاك.

"ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم، تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك" [15].

تحاول اللعنات أن تقتفي أثر الإنسان حيثما ذهب لتقدِّم له على الدوام كل ما هو مضاد للبركات. تود اللعنات أن تمتد لتعمل في الإنسان إن كان في المدينة أو الحقل، تمس حياته الداخليَّة كما الخارجيَّة، تفسد حتى عمله اليومي، ترافقه في دخوله كما في خروجه.

"ملعونًا تكون في المدينة، وملعونًا تكون في الحقل. ملعونة تكون سلَّتك ومعْجنك. ملعونة تكون ثمرة بطنك، وثمرة أرضك، نتاج بقرك وإناث غنمك. ملعونًا تكون في دخولك، وملعونًا تكون في خروجك" [16-19].

اللعنة هنا هي تجريد المدينة والقريَّة والإنسان من كل لمسات الحياة، فيدب الموت في كل مكان.
ثانيًا: المعاناة من الاضطراب:

"يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله، حتى تهلك وتفنى سريعًا من أجل سوء أفعالك إذ تركتني" [20].

إن كان ثمر الروح هو الحب الممتزج بالفرح (غلا 5: 23)، حيث يحمل الروح النفس كما إلى السماء لتذوق الفرح الأبدي وهي بعد وسط اضطرابات العالم وهمومه وتجاربه، فإن عمل الخطيَّة خاصة العصيان هو حرمان الإنسان من هذا الجو السماوي. إذ بالعصيان يعطي الإنسان ظهره لله مصدر الفرح الحقيقي، لذا فهو يلقي بنفسه في جحيم القلق والاضطراب، حاملاً روح الزجر وعدم الشكر في كل عملٍ تمتد إليه يده. أنَّه يدفع نفسه بنفسه إلى الدمار الداخلي.
ثالثًا: المعاناة من الوبأ:

"يلصق بك الرب الوبأ حتى يُبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. يضربك الرب بالسُل والحمَّى والبرداء والالتهاب والجفاف واللفح والذبول، فتتبعك حتى تفنيك" [21-22].

جاءت كلمة "الوبأ" في الترجمة السبعينيَّة "الموت"، فإنَّه إذ يرفض الإنسان الالتصاق بالله مصدر الحياة، بعصيانه يدفع بنفسه إلى الموت. تحل به الأمراض بكل أنواعها حتى يذبل جسده مع نفسه، ويفقد كل حيويَّته ويصير أشبه بميِّت قد فنيَ!

تحل الأمراض بأنواعها المختلفة بالإنسان، كما تُصاب الزراعة بالأمراض مثل اللفح. جاء في عاموس: "ضربتكم باللفح واليرقان، كثيرًا ما أكل القمص جناتكم وكرومكم وتينكم وزيتونكم فلم ترجعوا إليّ يقول الرب" (عا 4: 9). وأيضًا الذبول الذي تسببه الرياح الشرقيَّة كما جاء في حلم فرعون: "هوذا سبع سنابل يابسة رقيقة ملفوحة بالريح الشرقيَّة" (تك 41: 23)، حيث تضرب الرياح الساخنة السنابل قبل أن تحمل الثمار فتجف.
رابعًا: الطبيعة تقاوم العاصي:

"وتكون سماؤك التي فوق رأسك نحاسًا، والأرض التي تحتك حديدًا. ويجعل الرب مطر أرضك غبارًا وترابًا ينزل عليك من السماء حتى تهلك" [23-24].

الطبيعة التي خلقها الله للإنسان لشبعه وإسعاده تقف ضده، فتصير السماء نحاسًا لا تقدِّم مطرًا، والأرض حديدًا لا تنبت فيها البذور، فتحل المجاعة بالأرض ويُعاني الإنسان من نقص المحاصيل. وكما سبق فحذرهم الرب: "فأحطم فخار عزكم وأصيِّر سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس، فتفرغ باطلاً قوتكم، وأرضكم لا تُعطي غلتها، وأشجار الأرض لا تعطي ثمارها" (لا 26: 19-20).

عِوض سقوط أمطار من السماء على الأرض لترويها تسقط رمالاً ثقيلة، وغُبارًا يعمي العينين. يفقد الإنسان راحته ورؤيته للأمور كما ينبغي.

هكذا إذ يعطي الإنسان ظهره لله يفقد عطيَّة روحه القدُّوس فتصير نفسه "السماء" كالنحاس لا تحمل ثمر الروح، ويحمل الجسد روح العناد والمقاومة فيكون كالحديد.
خامسًا: الهزيمة أمام الأعداء:

"يجعلك الرب منهزمًا أمام أعدائك. في طريق واحدة تخرج عليهم، وفي سبع طرق تهرب أمامهم، وتكون قلقًا في جميع ممالك الأرض. وتكون جثَّتك طعامًا لجميع طيور السماء ووحوش الأرض، وليس من يزعجها" [25-26].

قبل دخولهم أرض الموعد وتمتعهم بالنصرة على الأمم القاطنة في كنعان أكد لهم أنَّهم إن خالفوا وصيته يفقدون نصرتهم وكرامتهم وتصير جثثهم مأكلاً لطيور السماء ووحوش البريَّة، سواء على مستوى الشعب ككل أو على مستوى الفرد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكما قال أخيَّا النبي لامرأة يربعام: "من مات ليربعام في المدينة تأكله الكلاب، ومن مات في الحقل تأكله طيور السماء، لأن الرب تكلم" (1 مل 14: 11). وجاء في المزمور: "اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك، نجَّسوا هيكل قدسك، جعلوا أورشليم أكوامًا، ودفعوا جثث عبيدك طعامًا لطيور السماء. لحم أتقيائك لوحوش الأرض" (مز 79: 2). ويقول الرب على لسان إرميا النبي: "لذلك ها أيام تأتي يقول الرب... تصير جثث هذا الشعب أكلاً لطيور السماء ولوحوش الأرض ولا مزعج" (إر 7: 32-33).

الترجمة الحرفيَّة لعبارة "قلقًا في جميع ممالك الأرض" هي "تحركها جميع ممالك الأرض من هنا وهناك، إلى أعلى وإلى أسفل"، أي تصير أشبه بكره تلعب بها كل ممالك الأرض. وكما قيل: "وأدفعهم للقلق في كل ممالك الأرض" (إر 15: 4)، "وأسلمهم للقلق والشر في جميع ممالك الأرض عارًا ومثلاً وهزأة ولعنة في جميع المواضع التي أطردهم إليها" (إر 24: 9؛ راجع إر 29: 18).
سادسًا: حرمان من كل عطيَّة:

إن كان الله قد ضرب المصريِّين الذين استعبدوا الشعب وقد رفض فرعون السماح للشعب أن يخرج ليذبح للرب في البريَّة ويعيِّد، فإن هذا الشعب متى عصى الرب ورفض الالتقاء معه خلال الطاعة والأمانة للعهد يسقط تحت الضربات دون محاباة. لا يحابي الله أمَّة على أمَّةٍ، إنَّما تتمتع الأمَّة ببركات الرب أو تخضع للضربات حسب موقفها من الوصيَّة. لهذا يقول: "يضربك الرب بقرحة مصر" [27]. أنَّها ضربات جسديَّة وعقليَّة ونفسيَّة واجتماعيَّة وأسريَّة واقتصاديَّة وعسكريَّة الخ.

أ. ضربات جسميَّة: حيث يصاب الجسم بالقروح والبواسير والجرب والحكَّة. يمتلئ الجسم بقروح خبيثة من أسفل القدم إلى قمَّة الرأس.




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 28 جـ5 PDF Print Email


"يضربك الرب بقرحة مصر، وبالبواسير والجرَب والحكَّة حتى لا تستطيع الشفاء" [27].

ب. ضربات عقليَّة: حيث يُصاب الإنسان بنوع من الجنون، فيكون غير قادرٍ على أخذ القرار الحكيم في تدبيره لأمور حياته. ويُصاب بالعمى الفكري في وسط النهار، في الظهيرة يتلمس في الظلام ولا ينجح في طرقه، فيكون كقادة اليهود الذين انطمَست عيونهم عن رؤية السيِّد المسيح، "شمس البر"، فأحبوا الظلمة ورفضوا نور العالم. كما يسقط الإنسان في "حيرة قلب"، فلا يعرف الحق من الباطل، يصير مترددًا في قراراته.

"يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب. فتتلمس في الظهر كما يتلمس الأعمى في الظلام" [28-29].

لقد أُصيب الشعب اليهودي بالعمى الروحي، فمع أنَّه دعاهم عبده ورسوله، إذ كان يليق بهم أن يكرزوا بالمسيَّا مخلص العالم، انطمست عيونهم عن رؤيته، وأذهانهم عن فهم النبوات الواردة عنه. لذا يوبخهم: "أيها العُمْي أنظروا لتبصروا. من هو أعمى إلاَّ عبدي وأصم كرسولي الذي أرسله؟! من هو أعمى كالكامل وأعمى كعبد الرب؟!" (إش 42: 18-19). وجاء في صفنيا: "يمشون كالعمى لأنَّهم أخطأوا إلى الرب" (صف 1: 17). كما يقول معلمنا بولس الرسول عن رافضي كلمة الإنجيل: "الذين فيهم إله هذا الدهر أعمى أذهان غير المؤمنين لئلاَّ تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله" (2 كو 4: 4).

ج. ضربات اجتماعيَّة: يسقط تحت الظلم الاجتماعي، يصرخ كل أيام حياته ممَّا يحل به من ظلم وليس من يستجيب، ولا من ينصفه. يئن من الظلم متَّهمًا من هو حوله، وهو لا يعلم أن عصيانه لله ورفضه لمحبة الله يفقده حتى التمتُّع بحقوقه الاجتماعيَّة.

"ولا تنجح في طرقك، بل لا تكون إلاَّ مظلومًا مغصوبًا كل الأيام وليس مخلص" [29].

د. ضربات أسريَّة: تحل به الضربة في أسرته، يخطب فتاة، فيأخذها آخر. يسقط أيضًا تحت السبي ويسلم أولاده وبناته عبيدًا لشعب آخر.

"تخطب امرأة ورجل آخر يضطجع معها. تبني بيتًا ولا تسكن فيه. تغرس كرمًا ولا تستغله. يذبح ثورك أمام عينيك ولا تأكل منه. يُغتصب حمارك من أمام وجهك ولا يرجع إليك. تُدفع غنمك إلى أعدائك وليس لك مخلص" [30-31].


ه. ضربات عسكريَّة: في المجال العسكري تُسلم بلده للعدو بسبب خطاياه، فيصير أولاده وبناته عبيدًا للغرباء. يراهم بعينيه في مذلة حتى تضعفان وهو في عجز من أن يعمل شيئًا لهم. كل ثمار بلده يتمتَّع بها العدو، ليبقى مع الشعب في جوعٍ وعارٍ.

"يُسلم بنوك وبناتك لشعب آخر، وعيناك تنظران إليهم طول النهار، فتكلاَّن وليس في يدك طائلة" [32].

يرى البعض أن تعبير "ليس في يدك طائلة" يعني "لا تكون يدك نحو الله القدير"، غير أن البعض يرى أنَّها تعني "لا تكن ليدك قدرة". فاليد التي لا تمتد بالعمل نحو الله القدير تفقد قدرتها وإمكانياتها، فتصير بلا قوَّة للعمل.

و. ضربات اقتصاديَّة وماديَّة: يُضرب في ممتلكاته، إذ يبني بيتًا ليستقر فيه مع أسرته يؤخذ منه ليبقى بلا استقرار. ويغرس كرمًا لكي يتمتَّع بالعنب ويفرح بالخمر لكنه لا يأكل منه عنقودًا ولا يشرب منه كأس خمر. يُذبح ثوره أمام عينيه ولا يأكل منه. ويُغتصب حماره ولا يرجع، ويَنهب الأعداء غنمه وليس من يخلصه من هذا الظلم.

"ثمر أرضك وكل تعبك يأكله شعب لا تعرفه، فلا تكون إلاَّ مظلومًا ومسحوقًا كل الأيام. وتكون مجنونًا من منظر عينيك الذي تنظر. يضربك الرب بقرح خبيث على الركبتين وعلى الساقين حتى لا تستطيع الشفاء من أسفل قدمك إلى قمَّة رأسك" [33-35].

وكما جاء في صفنيا النبي: "فتكون ثروتهم غنيمة وبيوتهم خرابًا، ويبنون بيوتًا ولا يسكنونها، ويغرسون كرومًا ولا يشربون خمرها" (صف 1: 13). وفي ميخا: "أنت تزرع ولا تحصد؛ أنت تدوس زيتونًا ولا تدهن بزيتٍ، وسلافة ولا تشرب خمرًا" (مي 6: 15).

سابعًا: فقدان الكرامة:

"يذهب بك الرب وبملكك الذي تقيمه عليك إلى أمَّة لم تعرفها أنت ولا آباؤك، وتعبد هناك آلهة أخرى من خشب وحجر. وتكون دهشًا ومثلاً وهزأة في جميع الشعوب الذين يسوقك الرب إليهم" [36-37].

تحدَّث عن الضربة العسكريَّة ألا وهي اِنهيار الأمَّة بسبب الخطيَّة ليصير الشعب تحت السبي. الآن يحدثنا عن إحدى اللعنات الخاصة بفقدان الكرامة. فقد خُلق الإنسان ليحيا على الأرض سيِّدًا، وليس أن يستعبده أحد. خلقت الأرض وكل ما عليها وما تحتها وما حولها لخدمة الإنسان، ولم يُخلق الإنسان ليكون عبدًا لأخيه. لكنه إذ يسلم نفسه بنفسه للعبوديَّة للخطيَّة عوض الحريَّة التي يهبها الله لنفسه يسمح الله له أحيانًا بالحرمان من الكرامة والحريَّة لكي يقف أمام أعماقه ويفحصها حتى تسترد حريَّتها وتتحرر من عبوديَّة إبليس، بالعودة إلى الله محررها.

والعجيب إنَّنا نلاحظ هنا الآتي:

أولاً:
إن ما يحدث لنا من مرارة مثل السبي وما يلحقه من عبوديَّة ومذلة وسخرية هو بسماح إلهي، إذ يقول: "يذهب بك الرب... يسوقك الرب إليهم".

ثانيًا:
يبدو كأن الله قاسٍ في التأديب، فيُقيم أمَّة غريبة لتأديب شعبه. من كان قاسيًا على نفسه ولا يهتم بخلاصها وتحررها من العبوديَّة يسمح لها بعبوديَّة مؤقَّتة قاسية، لكن إلى حين.

ثالثًا: إذ يعصى الشعب الله ويرفض وصاياه، يسمح بأسره بواسطة أمَّة وثنيَّة. هناك يسقط الشعب في العبادة الوثنيَّة إذ يمتثلون بمن سباهم، ويبقون في مذلَّة حتى يرجعوا إلى الله، لا ليعبدوه فحسب، بل ويستجيبون لوصيته. لقد تحقَّق هذا حرفيًا إذ قام أشور بسبي إسرائيل وبابل بسبي يهوذا، وصارت المملكتان في مذلَّة السبي حتى رجوعهم إلى أورشليم.
ثامنًا: حرمان من تعب اليدين:

"بذارًا كثيرة تخرج إلى الحقل وقليلاً تجمع، لأن الجراد يأكله. كرومًا تغرس وتشتل وخمرًا لا تشرب ولا تجني، لأن الدود يأكلها. يكون لك زيتون في جميع تخومك، وبزيت لا تدهن، لأن زيتونك ينتثر. بنين وبنات تلد ولا يكونون لك، لأنهم إلى السبي يذهبون. جميع أشجارك وأثمار أرضك يتولاه الصرصر. وتأتي عليك جميع هذه اللعنات وتتبعك وتدركك حتى تهلك، لأنك لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه التي أوصاك بها. فتكون فيك آية وأعجوبة وفي نسلك إلى الأبد" [38-46].

بقوله "إلى الأبد" يُعلن رفضه لإسرائيل نهائيًا ما دامت ترفض الإيمان بالمسيَّا الحقيقي، فهي كشعب لم يعد مختارًا من الله، إذ تقاوم مخلص العالم. أمَّا من يرجع إلى الإيمان ويقبل من تحقَّقت فيه النبوات التي بين أيديهم فيجد ذراعيّ الله مبسوطتين له بالحب والقبول. أنَّه ينتظر البقيَّة الباقيَّة الأمينة (إش 10:22؛ 6: 13؛ رو 9: 27؛ 11: 5).

-        (كلمة الله) طعام للنفس وحليها وأمانها، ففي عدم الاستماع إليها مجاعة وحرمان[278].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم
تاسعًا: انحدار واِنهيار:

"الغريب الذي في وسطك يستعلي عليك متصاعدًا، وأنت تنحط متنازلاً. هو يقرضك، وأنت لا تقرضه، هو يكون رأسًا، وأنت تكون ذنبًا" [43-44].

عاشرًا: السقوط تحت العبوديَّة:

من يرفض أن يخدم الله يلتزم بخدمة الآخرين قسرًا، ومن لا يتعبَّد لله يصير عبدًا للكثيرين. لهذا كثيرًا ما كان القدِّيس أرسانيوس يردد: [كنْ عبدًا لسيِّد واحدٍ، ولا تكن عبدًا لكثيرين].

"من أجل أنك لم تعبد الرب إلهك بفرح وبطيبة قلب لكثرة كل شيء. تُستعبد لأعدائك الذين يرسلهم الرب عليك في جوعٍ وعطشٍ وعُريٍ وعوزٍ كل شيء. فيجعل نير حديد على عنقك حتى يهلكك. يجلب الرب عليك أمَّة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النسر، أمَّة لا تفهم لسانها؛ أمَّة جافية الوجه لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد. فتأكل ثمرة بهائمك وثمرة أرضك حتى تهلك ولا تُبقي لك قمحًا ولا خمرًا ولا زيتًا ولا نتاج بقرك ولا إناث غنمك حتى تفنيك" [47-51].

بسبب العصيان غار أشور على إسرائيل وسباه (إش 5: 26؛ 38: 11؛  23: 19)، وغار البابليون على يهوذا وسباه، لكن هنا يتحدَّث بالأكثر عن الدولة الرومانيَّة.

يشبِّه الأمَّة التي تقوم بتأديب الشعب بالنسر الطائر، وكان ذلك نبوَّة عن احتلال الإمبراطوريَّة الرومانيَّة لهم (بعد أشور وبابل ومادي وفارس واليونان). كان النسر هو العلامة المميزة في الجيش الروماني. حتى أن كلمة نسر في اللاتينيَّة aquila يستخدمها بعض الكتَّاب اللآتين بمعنى فرقة عسكريَّة[279].

هذه الأمَّة لا تفهم لسانها لأنَّها تتحدث باللآتينيَّة. أمَّة جافية الوجه لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد، إذ كان شعار الرومان "القوَّة أو العنف هو الحياة".

"وتحاصرك في جميع أبوابك حتى تهبط أسوارك الشامخة الحصينة التي أنت تثق بها في كل أرضك، تحاصرك في جميع أبوابك في كل أرضك التي يعطيك الرب إلهك. فتأكل ثمرة بطنك لحم بنيك وبناتك الذين أعطاك الرب إلهك في الحصار والضيقة التي يضايقك بها عدوك. الرجل المتنعم فيك والمترفه جدًا تبخل عينه على أخيه وامرأة حضنه وبقيَّة أولاده الذين يبقيهم. أن يعطي أحدهم من لحم بنيه الذي يأكله لأنَّه لم يبقَ له شيء في الحصار والضيقة التي يضايقك بها عدوك في جميع أبوابك" [52-55].

يظن الإنسان أنَّه قادر أن يحتمي في الأسوار العالية القويَّة، لكن اللعنة تسحبه من حيث يظن أنَّه في مصدر أمانه ليجد نفسه فاقد القُوى. لا تستطيع حصون المدن أن تحميه (تث 9: 1)، ولا الخيل والمركبات (مز 20: 7)، ولا كثرة العدد أو الغنى (أم 10: 15)، ولا الحنكة السياسيَّة أو الالتجاء إلى تحالفات مع قوى غريبة (إش 30) أن تحمي الإنسان، لأن يد الله القويَّة تفارقه.

ليتنا لا نختفي في البرّ الذاتي، إذ يستد كل فم أمام الله (رو 3: 19)، ولا أن نضع ثقتنا في أمور باطلة (مت 3: 9، 7: 22)، ولا أن نبرر أنفسنا بأعذارٍ (مت 25: 26؛ لو 14: 18).




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 28 جـ6 PDF Print Email

يقدِّم صورة غاية في المرارة للملكة المدللة، صاحبة السلطان المحمولة دائمًا على الأكتاف، وقد أذلتها العبوديَّة، إذ يقول:

"والمرأة المتنعِّمة فيك والمترفِّهة، التي لم تُجرَّب أن تضع أسفل قدمها على الأرض للتنعم والترفه. تبخل عينيها على رجل حضنها وعلى ابنها وبنتها. بمشيتها الخارجة من بين رجليها، وبأولادها الذين تلدهم، لأنها تأكلهم سرًا في عوزٍ كل شيء، في الحصار والضيقة التي يضايقك بها عدوك في أبوابك" [56-57].

كانت الملكات يبالغن في الزينة والتظاهر بالرقَّة لينلن احترامًا وكرامة، لكن كرامة الإنسان، أيّا كان جنسه رجلاً أو امرأة، أو مركزه، ملكًا أو عبدًا، ليس في الزينة الخارجيَّة ولا فيما يتظاهر به، بل بما تحمله أعماقه من شخصيَّة وقوَّة صالحة وحكمة علويَّة وارتباط داخلي بالسماوي.

هنا يصف الملكات، كيف كنّ يعشن في ترف وتنعُّم حتى أن بطن أقدامهن لا تلمس الأرض. هؤلاء يعانين من الذل والمرارة بسبب السبي.
حادي عشر: تحل به ضربات مصر:

"إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة في هذا السفر لتهاب هذا الاسم الجليل المرهوب الرب إلهك، يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة. ضربات عظيمة راسخة وأمراضًا رديَّة ثابتة. ويرد عليك جميع أدواء مصر التي فزعت منها، فتلتصق بك" [58-60].

واضح أنَّه لا يقصد بهذا الكتاب "سفر التثنية" لكنه يقصد ما قد سبق فسجله موسى النبي من وصايا وشرائع تسلمها من الله.

"الاسم الجليل المرهوب" [58] أسماء الله في التثنية تستحق الدرس، فهو الإله الحي (5: 26)، وإله آبائنا (6: 3)، وإله الآلهة، ورب الأرباب (10: 17، رؤ 19: 16)، والصخر... إله أمانة (32: 4)، والعلي (32: 8)، والإله القديم (33: 27). ولكن أكثر الأسماء استعمالاً هو "الرب إلهك".

ماذا يعني بقوله: "هذا السفر"؟ أثناء إلقاء العظات لم يكن سفر التثنية بعد قد سُجل كسفرٍ، فماذا يعني موسى النبي بالسفر هنا؟ يرى البعض أنَّه سفر الشريعة التي تسلمها موسى النبي من الله.

يربط بين تنفيذ الوصيَّة أو العمل بها وبين التمتُّع بمخافة الرب إلهنا. خلال مخافة الرب نحفظ الوصيَّة، وخلال حفظ الوصيَّة نتذوق عذوبة المخافة الربانيَّة فنختبرها عمليًا وننمو فيها.

ضرب الله المصريين بالضربات العشر الواردة في سفر الخروج [7-11]، حتى يتمتَّع شعبه بالخروج ويتسلم الوصيَّة الإلهيَّة، ويدرك العهد مع الله، الآن إذ يرفض الشعب التجاوب مع الوصيَّة، ولا يحفظها يستحق السقوط تحت ذات الضربات التي سقط تحتها المصريون.

ثاني عشر: حلول الفناء:

"أيضًا كل مرض وكل ضربة لم تُكتب في سفر الناموس هذا يسلطه الرب إلهك حتى تهلك. وكما فرح الرب لكم ليحسن إليكم ويكثركم، كذلك يفرح الرب لكم ليفنيكم ويهلككم، فتُستأصلون من الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها. ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها، وتعبد هناك آلهة أخرى لم تعرفها ولا آباؤك من خشب وحجر. وفي تلك الأمم لا تطمئن، ولا يكون قرار لقدمك، بل يعطيك الرب هناك قلبًا مرتجفًا وكلال العينين وذبول النفس. وتكون حياتك معلقة قدامك وترتعب ليلاً ونهارًا، ولا تأمن على حياتك. في الصباح تقول: يا ليته المساء، وفي المساء تقول: يا ليته الصباحمن ارتعاب قلبك الذي ترتعب، ومن منظر عينيك الذي تنظر" [61-67].

كانت مسرة الله أن يحسن إلى شعبه ويخلصهم من العبوديَّة، ويكثرهم. هذا هو فرحه! الآن إذ رفض الشعب الالتصاق به يقوم بتأديبهم حتى كما إلى الفناء، لعل البقيَّة ترجع إليه، لذا يفرح أيضًا بتأديبهم وتشتيتهم وسط الشعوب من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها.

الله لا يُسر بموت الخاطئ بل أن يرجع ويحيا (حز 18: 32)؛ والسيِّد المسيح نفسه بكى على أورشليم الساقطة (لو 19: 41).

يرى البابا أثناسيوس الرسولي في قول موسى النبي: "وتكون حياتك معلقة قدامك" نبوَّة عن موت السيِّد المسيح حيث عُلق على خشبة الصليب ولم يؤمن به اليهود[280].

-     لو أنَّهم اهتموا بنبوَّة موسى ما كانوا علّّقوه، ذاك الذي كان هو حياتهم[281].

البابا أثناسيوس الرسولي

بقوله "حياتك معلقة قدامك" [66]، يعني أنَّها كشيء معلق بخيط أمام الشخص ينتظر سقوطه بين لحظة وأخرى.
ثالث عشر: الارتداد إلى مصر:

"ويردك الرب إلى مصر في سفنٍ في الطريق التي قلت لك لا تعُد تراها، فتُباعون هناك لأعدائك عبيدًا وإماء وليس من يشتري" [68].

لعل أقسى لعنة هي ارتدادهم إلى مصر ليباعوا عبيدًا لأعدائهم. يوضعون كما في سوق العبيد، وفي اشمئزاز يرفض الناس شراءهم. أي صاروا أقل قيمة من العبيد.

يرى البعض أن "مصر" هنا رمز لما حلَّ باليهود حين سقطوا تحت السبي لدول كثيرة، لكن البعض يرى أن هذا قد تم حرفيًا بعد استيلاء تيطس على أورشليم، إذ حمل عدد كبير من اليهود إلى مصر وصاروا في عبوديَّة مُرَّة وقاسية. وإلى عهد هادريان جماعات من اليهود كانوا يباعون كعبيدٍ[282].

يقول البعض أن أقسى عدو على الأرض ضد البشريَّة هو الإنسان، فإنَّه إذ يستبد بأخيه يصير أكثر شراسة من الوحوش الكاسرة. لهذا ترك التهديد بالسبي والعبوديَّة إلى نهاية اللعنات بكونها أقساها.

من وحيّ تثنيَّة 28
لتلتصق بركتك بي

-     في غباوتي كنت أبحث عن بركتك،

حاسبًا أنَّها بعيدة عني جدًا من يقدر أن يقتنيها؟!

وجدتها تقف على باب قلبي تقرع.

تطلب صداقتي وحبي وخضوعي.

لتدخل بركتك إلى أعماقي وتلتصق بي، فإني مريضة حبًا!

-     لتعمل بركتك في حياتي:

في عملي وفي بيتي وفي كنيستي.

لتحتل كل كياني:

نفسي وجسدي وفكري وكل طاقاتي.

لتملك في داخلي وتقود كل كياني.

لتعمل في أكلي وشربي ونومي ويقظتي.

-     نعم لتكن بركتك هي القائد:

تحرك كل كياني في معركة الروح.

بها أغلب كل عدو وأنتصر على كل فساد.

بها أتمتع بأكاليل مجد أبدي.

-     لتُقم بركتك حُرَّاسًا على مخازن قلبي.

تحوِّله إلى مقدس لك.

فأتمتع بالاقتداء به يا كلِّي القداسة.

وأصير أيقونة حيَّة لك يا أيها القدُّوس وحده!

-     لتحملني بركتك إلى سمواتك،

ولتكشف لي أسرارك الإلهيَّة.

وتهبني نصيبًا في حجالك الفائق.

التقي بك، واَتحد معك، يا عريس نفسي السماوي.

-     بركتك تحوِّل حياتي إلى فرح سماوي لا ينقطع.

بركتك تجعل مني رأسًا لا ذنبًا.

بركتك تفتح لي كنوز السماء،

وتبارك خيرات الأرض،

وكل ما تمتد إليه يداي.

بركتك ترفعني إليك فأبقى معك إلى الأبد!


السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 28 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 29 جـ1 PDF Print Email

تذكير بالعهد

في كل سفر التثنية، بل في كل الكتاب المقدس، ليس أمر يشغل ذهن رجال الله مثل التمتع بالعهد مع الله، هذا الذي قدمه الله لإبراهيم ولنسله من بعده. وانشغل به موسى النبي وجماعة الأنبياء عبر العصور حتى جاء السيد المسيح وختمه بدمه الثمين.

عاد موسى ليذكرهم بمعاملات الله معهم في الخروج وفي البرية [2-9]، حاثًا إيَّاهم على الوفاء بالعهد الإلهي كجيلٍ جديدٍ اختاره الرب ليكون ممثلاً لله نفسه على الأرض [10-21]. إنه عهد جماعي، فيه يعلن أن الله يؤكد انتماء الشعب إليه وسط الأمم [22-29].

لم يذكر طقس تجديد العهد الذي مارسه الجيل الجديد.

1. تذكير بالعهد                       [1-9].

2. طرفا العهد                        [10-15].

3. عبادة الأوثان كسر للعهد         [16-28].

4. السرائر للرب                      [29].

1. تذكير بالعهد        :

تميل طبيعة الإنسان للنسيان، خاصة فيما يخص بعلاقته مع الله، لهذا يدفعنا الله نحو التجديد العهد معه، مذكرًا إيَّانا بمعاملاته معنا في الماضي. الآن قبل انتقال موسى النبي من هذا العالم ذكَّر الشعب مرة ومرات بما فعله الله معهم ومع آبائهم، منذ كانوا يعانون من العبودية في مصر حتى بلغوا جبل موآب. لقد سبق فأقام عهدًا مع أبيهم إبراهيم بتجديد العهد. إنه لا يقدم عهدًا جديدًا يختلف عما أقيم في سيناء بل يُريد تأكيد وتثبيت ذلك العهد نفسه وتجديده.

الله أمين في عهده الأبدي الذي لا يتغير، لكن الإنسان بقلبه الفاسد ينسى أو يتناسى من أجل شهوة أو كبرياء أو مكسب مادي، لهذا يحتاج إلى من يذكِّره دومًا لتجديد العهد مع الرب مخلصه.

أوضح موسى النبي أن شروط العهد ليست من عنده، إنما عليه أن يفك الختوم

ويكشف عمَّا وضعه الرب نفسه.

"هذه هي كلمات العهد الذي أمر الرب موسى أن يقطعه مع بني إسرائيل في أرض موآب فضلاً عن العهد الذي قطعه معهم في حوريب" [1].

مع أن العهد يحمل ذات الروح سواء الذي سبق فقطعه في حوريب والذي يقطعه الآن في أرض موآب، إلا أن الله يقدمه لكل جيل بما يناسب ظروفهم، كمن يقوم بتجديده. يود الله أن يؤكد لكل جيل كأن العهد خاص بهم وليس بالعهد الخاص بالأجيال السابقة. إنه عهد يناسب الجيل الحاضر.

أولاً: يبدأ العهد دائمًا بالإشارة إلى الأحداث العظيمة التي تمت، والتي تكشف عن معاملات الله مع شعبه:

"ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم: أنتم شاهدتم ما فعل الرب أمام أعينكم في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وبكل أرضه. التجارب العظيمة التي أبصرتها عيناك، وتلك الآيات والعجائب العظيمة" [2-3].

الخروج من مصر، والتحرر من عبودية فرعون، وما صحب ذلك من آيات وعجائب تكشف عن خطة الله من نحو شعبه، وغايته من العهد الذي يقطعه معهم.

مع أنه يتحدث مع جيلٍ جديدٍ وُلد في البرية لكنه يتحدث عن الخروج من مصر، قائلاً لهم: "أنتم شاهدتم، أمام أعينكم، أبصرتها عيناك". فما شاهده آباؤهم وتحدثوا عنه لأبنائهم كخبرة ملموسة يحسب كأن الجيل التالي قد عاين بنفسه الأحداث ورأى صنيع الرب معهم.

ثانيًا: تشهد الأحداث الماضية عن معاملات الله، وتكشف عن عهده، لكن المشكلة في الإنسان الذي لا يطلب فهمًا وحكمة، الأمر الذي يحزن قلب موسى من جهتهم.

"ولكن لم يعطكم الرب قلبًا لتفهموا، وأعينًا لتبصروا، وآذانًا لتسمعوا إلى هذا اليوم" [4].

الله يود أن يعطي قلبًا للفهم، وكما يقول الحكيم: "الأذن السامعة والعين الباصرة الرب صنعهما كليتهما" (أم 20: 12)، لكن لا يقدمه لمن يقاوم.

كثيرون لهم أعين ترى وفي نفس الوقت لا ترى، لأنهم لا يريدون الحق، بل يطلبون ما هو لشهواتهم. لقد جاء السيد المسيح إلى خاصته، وخاصته رأته لكنها لم تره بعيني الإيمان، لهذا لم تقبله. وكما يقول الرسول بولس: "لو عرفوا رب المجد لما صلبوه".

وهب الله الإنسان قلبًا يحمل بصيرة داخلية وآذان روحية، فيستطيع المؤمن أن يرى ويسمع. لكن إذ يرفض الطاعة لله يصير كمن لم يُوهب قلبًا للفهم ولا أعينًا للبصر ولا آذان للسمع. ومع كل ممارسة للطاعة بروح الحب ترتفع النفس كما على درجة من سلم السماء، يقودها نور الروح القدس الذي يطهر أعماقها فتصير قادرة على الرؤيا والاستماع للصوت الإلهي. بهذا يكون تجديد العهد مع الله ليس مجرد تقديم وعود لله بالتجاوب مع حبه، وإنما بالتجاوب العملي مع روح الله، وقبول النعمة الإلهية في الحياة العملية، فتصعد النفس يومًا فيومًا كما إلى السماء عينها.

ثالثًا: عمل الله دائم ومستمر، لم يقف عند خروجهم من مصر، ولا عند هلاك فرعون وجنوده، لكنه عال الشعب أربعين سنة في البرية، حيث لم يعوزهم شيء. إذ يشير إلى معاملات الله المملوءة حنوًا نحو شعبه في وسط البرية لا يتكلم موسى النبي، بل يقدم الله نفسه لينطق بها.

"فقد سرت بكم أربعين سنة في البرية لم تٌبل ثيابكم عليكم، ونعلك لم تبلَ على رجلك. لم تأكلوا خبزًا، ولم تشربوا خمرًا ولا مسكرًا. لكي تعلموا أني أنا الرب إلهكم" [5-6].

قام بدور القائد، حيث سار بهم، واهتم بثيابهم وأحذيتهم وطعامهم وشرابهم. يقدم لهم ليس فقط ما هو ضروري؛ وإنما حتى الخمر الذي يرمز للفرح.

رابعًا: نوالهم حياة الغلبة والنصرة على الأعداء.

"ولما جئتم إلى هذا المكان خرج سيحون ملك حشبون وعوج ملك باشان للقائنا للحرب فكسرناهما. وأخذنا أرضهما وأعطيناها نصيبًا لرأوبين وجاد ونصف سبط منسى" [7-8].

مع النصرة أعطاهم أيضًا فيض غنى، إذ سلمهم أرض الأعداء نصيبًا لهم.

يدعوهم موسى النبي إلى حفظ العهد، وتحقيقه عمليًا لكي ينالوا نجاحًا في كل شيء.

"فاحفظوا كلمات هذا العهد، واعملوا بها لكي تفلحوا في كل ما تفعلون" [9].

لم يشر موسى النبي في تجديد العهد إلى الذبائح الحيوانية ولا إلى طقوس التطهيرات، فإنه يعلم أن الشعب لا ينسى هذه الأمور. الأمر الذي ركز عليه موسى في تجديد العهد هو "الطاعة"، أو إخلاص القلب في الالتقاء مع الله على مستوى الحب؛ هذا هو موضوع تجديد العهد: القلب المكرس لله بالحب والطاعة! العين المقدسة لترى، والأذن المقدسة لكي تسمع صوت الله!
2. طرفا العهد:

طرفا العهد هما:

- الله الذي يريد أن يقيم منهم شعبًا له، ويكون لهم إلهًا [12]، له معرفة كاملة بشعبه، وصاحب سلطان مطلق عليهم.

الطرف الآخر هو الشعب كله، من رؤساء أسباط وشيوخ ورجال ونساء وأطفال، وأيضًا الغرباء الذين دخلوا معهم في الإيمان.

"أنتم واقفون اليوم جميعكم أمام الرب إلهكم: رؤساؤكم أسباطكم شيوخكم وعرفاؤكم وكل رجال إسرائيل. فأطفالكم ونساؤكم وغريبكم الذي في وسط محلتكم ممن يحتطب حطبكم إلى من يستقي ماءكم" [10-11].

يقيم الله عهده مع الجماعة بكل عناصرها من قادة وشعب؛ كبار وصغار، رجال ونساء، عبرانيين ودخلاء، جيل حاضر وأجيال مقبلة.

يبدأ بالعظماء رؤساء الأسباط إذ يليق بهم أن يحنوا رقابهم تحت النير الإلهي، ويدخلوا معه في عهدٍ، حيث يجدون في نير العهد حبًا فائقًا ومراحم غزيرة ونجاحًا في كل شيء.

يشترك في العهد النساء والأطفال الصغار، فالكل مدعوون للتمتع بهذا العهد. لهذا يقول السيد المسيح: "دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات".

يشترك في الدعوة الغرباء الذين جحدوا الوثنية ودخلوا في الإيمان بالله. عندما دخل السيد المسيح بيت ذكا رئيس العشارين قال: "إذ هو أيضًا ابن إبراهيم" (لو 19: 9).

لا يحرم العبيد من التمتع بالعهد، هؤلاء الذين يلتزمون بجمع الحطب أو يستقون ماءً.

بمعنى آخر لا يوجد إنسان عظيم يترفع عن أن يدخل في عهد مع الله ويرتبط بقيوده، ولا يوجد إنسان لا يُدعى للتمتع ببركات العهد. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). في المسيح يسوع لا يوجد عبد ولا حر (كو 3: 11). يقول الرسول بولس: "دُعيت وأنت عبد فلا يهمك" (1 كو 7: 21).

"لكي تدخل في عهد الرب إلهك وقسمه الذي يقطعه الرب إلهك معك اليوم. لكي يقيمك اليوم لنفسه شعبًا، وهو يكون لك إلهًا. كما قال لك، وكما حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب" [12-13].

الدعوة مقدمة للذين كانوا حاضرين في اجتماع روحي مقدس وأيضًا تضم الغائبين، إذ يقول:

"وليس معكم وحدكم أقطع أنا هذا العهد وهذا القَسَم، بل مع الذي هو هنا معنا واقفًا اليوم أمام الرب إلهنا، ومع الذي ليس هنا معنا اليوم" [14-15].

جاءت كلمة "تدخل" في العبرية تحمل معنى يصعب ترجمته، فهو لا يعني توقيع عقد مشترك في شكلية، وإنما دخول إلى العقد في أعماقه. وكأن العقد هو موضع لقاء يدخل فيه الله مع الجماعة المقدسة معًا، كما في حجال عرسٍ، أو في اتحاد عجيب!

يريد الله أن يقطع عهده مع كل شعبه، سواء الذين حضروا أمامه أو الذين بسببٍ قهري كالمرض لم يستطيعوا. هؤلاء لا يستبعدون من العهد، فإنهم وإن كانوا لم يشتركوا في العبادة ولم يأتوا إلى بيت الرب لكنهم حاضرون فيه بالروح دون الجسد.

لعله يقصد بغير الحاضرين الأجيال القادمة، فالعهد ممتد إلى آخر الدهور.

أما ملخص العهد كله فهو: "لكي يقيمك اليوم لنفسه شعبًا وهو يكون لك إلهًا" [13]، مقدمًا حياة آبائنا مثلاً حيًا للدخول في العهد مع الله. "كما حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب" [13].




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 29 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 29 جـ2 PDF Print Email

3. عبادة الأوثان كسر للعهد:

رأينا من الجانب الإيجابي يود الله أن يقيم منهم شعبه الخاص، أما من الجانب السلبي يود أن يعطوا ظهورهم للعبادة الوثنية، مصدر كل خطية في ذلك الحين.

ربما يتساءل البعض: لماذا يتحدث عن السلبيات؟ أما كان يكفي الحديث عن الإيجابيات؟ الواقع العملي الذي عاش فيه اليهود في بدء نشأتهم في مصر يؤكد ضرورة الحديث في السلبيات، إذ حمل اليهود في قلوبهم العبادة الوثنية المصرية، كم بالأكثر حينما يستقرون في كنعان ويرثون أماكن العبادة الوثنية، ويسكن في وسطهم بعض الوثنيين، وأيضًا توجد أمم وثنية تحيط بهم؟!

أولاً: كانوا في خطر حتى بعد خروجهم من مصر أن يحملوا في قلوبهم العبادة الوثنية برجاساتها في قلوبهم.

"لأنكم قد عرفتم كيف أقمنا في أرض مصر، وكيف اجتزنا في وسط الأمم الذين مررتم بهم. ورأيتم أرجاسهم وأصنامهم التي عندهم من خشب وحجر وفضة وذهب، لئلا يكون فيكم رجل أو امرأة أو عشيرة أو سبط قلبه اليوم منصرف عن الرب إلهنا لكي يذهب ليعبد آلهة تلك الأمم. لئلا يكون فيكم أصل يثمر علقمًا وأفسنتينًا" [16-18].

جاءت كلمة "أصنامهم" في العبرية لتعني كتل ضخمة لا شكل لها يصعب حملها لذا يدحرجونها؛ وقد استخدمت كثيرًا في الكتاب المقدس ليعني بها "تماثيل الأصنام". هكذا آلهتهم أشبه بثقل لا شكل له، عاجز عن الحركة، ويصعب حملها، لا تستحق إلا دحرجتها إلى هياكل الأوثان، بل دحرجتها من القلب حتى يتفرغ القلب لسكنى الله وحده.

يحذرهم لئلا يتسلل المرض إلى شخص واحد، رجل أو امرأة، عندئذ يحل بالعشيرة كلها، ثم بالسبط كله. هكذا تفسد الخميرة الفاسدة العجين كله. يصير إنسان واحد أصلاً ليثمر علقمًا وإفسنتينًا، يحمل سمًا ومرارة ويمرر حياة الجماعة كلها ويهلكها. وكما يقول الرسول بولس: "ملاحظين لئلا يخيب أحد من نعمة الله، لئلا يطلع أصل مرارة ويصنع انزعاجًا، فيتنجس به كثيرون" (عب 12: 15).

هكذا قد يبدأ شخص واحد يتشكك في الإيمان، فيصير أشبه بالعشب في وسط حقل يتسلل ليفسد الحقل كله، يصير مملوء أعشابًا تحرم الحنطة من الثمار المطلوبة. يحذرنا الرسول بولس ممن يجحد الإيمان قائلاً: "ملاحظين (باجتهاد)" (عب 12: 15) فإنه يصير أشبه بجذور خفية تحمل ثمارها من يقطف منها يأكل سمًا مميتًا ومرارة لنفسه. هكذا في كل عصر يوجد من ينبت داخل الجماعة كما يحوط البعض خارجها لقتل الإيمان الحي وتحطيم الحياة الجديدة، فتهلك النفوس. وقد حذرنا السيد المسيح نفسه من ذلك، خاصة ما سيحدث في الأيام الأخيرة من ارتداد حتى إن أمكن أن يضل المختارون. كثيرون يضلّون عن "الإيمان المسلم مرة للقديسين".

التعاليم الفاسدة تصير أصل مرارة تفسد قلوب المؤمنين وتحرمهم من ثمار الروح، فتكون سرّ مرارة لهم.

-     فإنه حتى إن وجد جذر من هذا النوع (المُرّ) لا تدعه أن ينمو بل اقطعه، حتى لا يحمل ثمره الخاص به، وحتى لا ينجس ويفسد الآخرين أيضًا.

بسبب صالح دعا الخطية مرارة، فإنه لا يوجد شيء ما أكثر مرارة من الخطية[283].

القديس يوحنا الذهبي الفم

في القديم كان الشعب في خطر الانحراف نحو العبادة الوثنية وإنكار الإيمان بالله الحيّ، أما وقد تم الخلاص الإلهي فقد تحوّلت حرب عدو الخير إلى جذب المؤمنين نحو جحود العمل الخلاصي وإنكار لاهوت السيد المسيح والاستهانة بعمله الفدائي على الصليب. هكذا في كل عصر يعرف عدو الخير كيف يحطم الإيمان.

ثانيًا: يظن الخاطئ – خاصة عابد الأوثان – أنه في سلام وأمان فيجذب معه غيره. عِوض أن يحذر من هذا النبات القاتل المملوء سمًا مع مرارة، يهنئ الإنسان نفسه كمن قد اقتنى سلامًا خلال تخيلات قلبه القاسي والمصر على الشر.

"فيكون متى سمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه قائلاً: يكون لي سلام، أي بإصرار قلبي أسلك لإفناء الريّان مع العطشان" [19].

في العهد القديم كان عدو الخير يعمل بكل طاقاته لكي يخدع الإنسان نفسه فيسكر ويترنح ظانًا أنه في عبادته للأوثان يفرح ويمارس الحياة، ولا يحرم نفسه من شهوات الجسد والرجاسات. ولا تزال الحرب قائمة، حرب خداع النفس، فيطلب الإنسان إيمانًا مرتبطًا بالطريق الواسع ليحقق كل شهوات جسده بضمير مستريح، عِوض الصليب الضيق. هكذا نجد العالم يتسم بنوع من الميوعة في الإيمان، فكثيرون ينادون بأنهم لا ينكرون وجود الله، لكنهم يجحدونه بانسكابهم في الطريق الواسع السهل.

كثيرون يخدعون أنفسهم بالرجاء الكاذب تحت ستار الإيمان، وهم منحرفون عن الحق، مدعين أنهم مملوءون سلامًا.

لهذا فإن غضبه يحل على هذا الإنسان، ويسقط تحت اللعنات، ويمحو الرب اسمه من تحت السماء [20].

لا يقف الأمر عند الإنسان الساقط في الوثنية، لكنه إذ يجتذب الكثيرين إلى الشر يدفع بالأمة كلها للدمار.

"لا يشاء الرب أن يرفق به، بل يدخن حينئذ غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل، فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب، ويمحو الرب اسمه من تحت السماء. ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة هذا" [20-21].

إذ يحطم الشرير نفسه بارتباطه بالعبادة الوثنية وإصراره على ذلك، ويحطم من حوله لا يترفق به بل يسمح بتأديبه، ويدخل به كما إلى أتون الغضب الإلهي، إذ يصعد "دخان" الغضب الذي يبيده، ويمحو اسمه من تحت السماء، ويعزله من الجماعة المقدسة، إذ لا يستحق التمتع بالعهد الإلهي معهم، بل يسقط تحت اللعنات.

"فيقول الجيل الأخير بنوكم الذين يقومون بعدكم والأجنبي الذي يأتي من أرض بعيدة حين يرون ضربات تلك الأرض وأمراضها التي يمرضها بها الرب. كبريت وملح كل أرضها، حريق لا تزرع ولا تنبت ولا يطلع فيها عشب ما، كانقلاب سدوم وعمورة وادمة وصبوييم التي قلبها الرب بغضبه وسخطه" [22-23].

إذ تسمع الأجيال المقبلة والأمم الغريبة عما حلً بالشعب الذي ملك الأرض وورثها ثم عاد فحلّت الكوارث بسبب عبادتهم الوثنية يقفون في دهشة متسائلين عن سبب ذلك كله.

"ويقول جميع الأمم: لماذا فعل الرب هكذا بهذه الأرض؟ لماذا حمو هذا الغضب العظيم؟ فيقولون: لأنهم تركوا عهد الرب إله آبائهم الذي قطعه معهم حين أخرجهم من أرض مصر. وذهبوا وعبدوا آلهة أخرى، وسجدوا لها، آلهة لم يعرفوها ولا قسمت لهم. فاشتعل غضب الرب على تلك الأرض حتى جلب عليها كل اللعنات المكتوبة في هذا السفر. واستأصلهم الرب من أرضهم بغضب وسخط وغيظ عظيم، وألقاهم إلى أرض أخرى كما في هذا اليوم" [24-28].

يبدأ الرب تأديباته بالوباء والأمراض لعلهم يتوبون ويرجعون [22]، فإن لم يستجيبوا يدمر الأمة كلها كسدوم وعمورة وأدمة وصبوبيم التي قلبها الرب بغضبه وسخطه [23]. صار خراب مدن السهل مثالاً مشهورًا للعقاب الإلهي، وقد أشار هوشع إلى هذه الآية [8] الذي تدل نبوته على أنه كان يعرف سفر التثنية.

بهذا يكونوا عبرة للأجيال القادمة حين تدرس تاريخ الآباء فتسمع عما فعله الأشرار بأنفسهم، ويكونوا عبرة للأمم الغريبة أيضًا. وكما يقول الرسول بطرس: "لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله. فإن كان أولاً منا، فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله؟!" (1 بط 4: 17).

الأرض التي وُهبت لهم تفيض عسلاً ولبنًا تصير أمثولة أمام العالم بدمارها بسبب الخطية. فإنه ليس لدى الله محاباة، إنه يدين الذين له كما الآخرين. الذين يعرفون أكثر تكون دينونتهم أقسى وأمَرّ. يقول الرب: "إياكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض، لذلك أعاقبكم على جميع ذنوبكم" (عا 3: 2). وجاء في دانيال: "وكل إسرائيل قد تعدى على شريعتك وحادوا لئلا يسمعوا صوتك، فسكبت علينا اللعنة والحلف المكتوب في شريعة موسى عبد الله لأننا أخطأنا إليه. وقد أقام كلماته التي تكلم بها علينا وعلى قضاتنا الذين قضوا لنا ليجلبه علينا شرًا عظيمًا ما لم يُجر تحت السموات كلها كما أجرى على أورشليم..." (دا 9: 11-12).

"آلهة لم يعرفوها" [26]: يعتقد الوثنيون أن لكل شعب إلهًا يرثون عبادته كتراث للقبيلة، لذلك سيستغرب الأمم إذا ترك اليهود إلههم ليعبدوا آخر لم يعرفوه.
4. السرائر للرب:

يختم موسى النبي حديثه عن رفض إسرائيل بتأكيده أن الله وحده العارف السرائر، خطته فائقة يصعب إدراكها.

"السرائر للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنياننا إلى الأبد، لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة" [29].

لهذه العبارة أهمية خاصة في الكشف عن غاية الرؤى والإعلانات الإلهية، فإن الله لا يقدمها لإشباع حب الاستطلاع فينا ولا لإشباعنا عقليًا، وإنما لأجل بنياننا ونمونا عمليًا. الإعلانات والمعجزات ليست استعراضًا لأسرار الله وقوته، بل هي دعوة للتمتع بها في حياتنا العملية.

حينما أعلن لنا الكتاب المقدس عن الخلقة كمثال، تحدث في بساطة لأجل نفعنا، دون الحديث في أسلوب علمي ولا فلسفي. فكلمة الله ليست كتابًا علميًا أو فلسفيًا بل هو كلمة إلهية تحمل الإنسان إلى حضن الله عمليًا. تعلن عن أبوة الله وشوقه للدخول في عهدٍ معنا وعمله الخلاصي حتى نتجاوب معه بالإيمان الحيّ العملي والطاعة الكاملة.

الإعلانات الإلهية ليست حوارات عقلية لكنها هي تنازل إلهي خلال الحب ليتعرف الإنسان على محبوبه، ويشتاق أن ينطلق إليه ويتمتع بالسكنى معه الآن وعلى مستوى أبدي. لهذا تُقدم لكل إنسان قدر ما يحتمل، وما هو لنفعه، وتبقى أسرار الله غير المحدودة رصيدًا نتمتع به في الأبدية لا ينضب، ندركه بأعماق جديدة مستمرة بشوق عظيم ورغبة متزايدة حتى في الأبدية.

يقول موسى النبي: "الأسرار للرب... والمعلنات لنا"، وكأن ما يعلنه لنا إنما هو ما يخصنا، وليس لإدراك الله المطلق كما هو! للقديس يوحنا الذهبي الفم مقال مسهب عن "طبيعة الله غير المدركة" يكشف فيها عن إعلانات الله عن طبيعته للخليقة السماوية والأرضية قدر ما يستطيعون أن يتمتعوا.

"المعلنات لنا"، إذ صرنا "وكلاء أسرار الله" (1 كو 4: 1)، صارت إعلانات الله تعني بالنسبة التزامًا ومسئولية للشهادة عنها أمام الغير. فالرؤى إعلانات ليست موضوع فخر بل دعوة للعمل والكرازة. لهذا إذ يتحدث الرسول عن كشف السرّ الإلهي يربطه بالخدمة، قائلاً: "السرّ المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال لكنه الآن قد أُظهر لقديسيه، الذين أراد الله أن يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السرّ في الأمم، الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد؛ الذي ننادي به منذرين كل إنسان، ومعلمين كل إنسانٍ بكل حكمة لكي نُحضر كل إنسانٍ كاملاً في المسيح يسوع" (كو 1: 26-28).

من يتمتع بالسر يشتهي أن يشاركه الكل ذات الخبرة، فلا يكف عن الصلاة والعمل لأجل تحقيق ذلك. وكما يقول الرسول بولس: "كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته، مستنيرة عيون أذهانكم..." (أف 1: 17-18).

هذا وأنه مهما نلنا من إعلانات، فإننا نعرف السرّ الإلهي جزئيًا (1 كو 13: 9)، ما دمنا لا نزال في الجسد في هذا العالم الحاضر.

كأن النبي موسى يؤكد خضوعنا لحكمة الله الفائقة، فإنه يعلن لنا قدر ما نحتمل، وما فيه نفعنا، لكن تبقى خطة الله فائقة بالنسبة للعقل. يقول السيد المسيح لتلاميذه: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أع 1: 7). كما قال لتلميذه بطرس عن يوحنا الحبيب: "إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجيء فماذا لك؟! اتبعني أنت" (يو 21: 22). ويقول الرسول بولس: "لا يخسركم أحد الجعالة راغبًا في التواضع وعبادة الملائكة، متداخلاً في ما لم ينظره، منتفخًا باطلاً من قبل ذهنه الجسدي" (كو 2: 18).

يدعونا الرب لطلب المعرفة والجهاد فيها، لأنه يشتاق أن نحمل معرفة صادقة من عنده، لكن فيما هو لبنياننا وقدر احتمالنا، فلا نرتئي فوق ما نرتئي (رو 12: 3). هكذا كل معرفة وكل رؤيا لا تكون بلا هدف بل لنفعنا وبنياننا.

لهذه العبارة تقدير خاص لدى اليهود، حاسبين أنها تقدم مواضيع غاية في الأهمية تخصهم.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 29 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 29 جـ3 PDF Print Email


من وحي التثنية 29

لتجدد العهد معي!

-     إنها ليست صرخات قلبي نحوك:

لتجدد العهد معي.

إنها صرخات روحك الناري فإنك تشتاق إليّ.

تود أن تجدد عهدك مع شعبك في كل جيل.

تشتاق أن يختم كل مؤمن مستجيبًا للعهد.

-     صنعت مع آبائي آيات وعجائب.

ولازلت أنت هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.

تصنع معي وتقدم لي أكثر مما أسأل وفوق ما أطلب!

أنت القائد العجيب،

تهتم بخلاصي ونصرتي.

تهتم حتى بثيابي وطعامي وشرابي.

تشتاق أن تملأ حياتي فرحًا حقيقيًا.

-     أنت واهب النصرة.

تحطم أمامي قوات الظلمة بكل طاقاتها.

وتدخل بي إلى الأرض الجديدة لأمتلكها.

تهبني مع النصرة غنى فائقًا،

ويصير النجاح مرافقًا لي في كل عملٍ تمتد إليه يداي.

-     لأقف أمامك في حضرتك،

لا لتدينني بل لتوقع عهد الحب بيننا.

أنت تعرفني تمام المعرفة.

تعرف سقطاتي وفسادي وضعفاتي.

لا تستنكف من قطع عهد معي.

-     أقمت عهدك مع العظماء والعبيد،

مع الرجال والنساء والأطفال.

مع العبرانيين والدخلاء، حتى الأسرى منهم.

ها أنا أتقدم لكي تقيمني من المزبلة.

وتجعلني كوعدك الصادق بين أشراف أشراف شعبك.

لأعطي ظهري لإبليس وكل مغرياته.

لن أسمح أن يتسلل فكر إلى أعماقي.

فإنه يصير أصل علقم ومرارة لكل كياني!

-    هل من عذوبة أفضل من حبك!

وهل من مرارة أقسى من الخطية!

أنت عذوبة حبي التي تنزع عني كل مرارة الخطية!

-     لأقطع معك عهدًا يا أيها الحكمة السماوي.

فتكشف لي أسرارك،

وتعلن في أعماقي حقك وخطتك!

أنت هو الحكمة عينها وكاشف كل الأسرار!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 29 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 30 جـ1 PDF Print Email

إمكانية تحقيق العهد

بعد أن ذكرهم بالعهد الإلهي، وتحدث عن خطورة تجاهل العهد أو كسره حتى إن سقط في هذا إنسان واحد، خشي لئلا يسقط السامعون في اليأس. لهذا تحدث عن إمكانية تحقيق العهد وحفظ الوصية. أمام الإنسان طريقان: الحياة أو الموت، الطاعة أو العصيان.

1. الله ينتظر رجوعك                [1-10].

2. الوصية قريبة منك                [11-14].

3. القرار بين يديك                   [15-20].
1. الله ينتظر رجوعك:

يقدم الله وعده الإلهي للراجعين، وإن كان البعض يرى في هذا الوعد نبوة عن عودة إسرائيل وقبولهم الإيمان في آخر الدهور. يقدم وعدًا مشروطًا، أما الشرط فهو الرجوع إلى الله، وهو وعد مقدم لكل خاطئ أو عاصٍ.

"ومتى أتت عليك كل هذه الأمور: البركة واللعنة اللتان جعلتهما قدامك. فإن رددت في قلبك بين جميع الأمم الذين طردك الرب إلهك إليهم، ورجعت إلى الرب إلهك، وسمعت لصوته حسب كل ما أنا أوصيك به اليوم أنت وبنوك بكل قلبك وبكل نفسك، يرد الرب إلهك سبيك ويرحمك، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب الذين بددك إليهم الرب إلهك. إن يكن قد بددك إلى أقصاء السموات، فمن هناك يجمعك الرب إلهك ومن هناك يأخذك. ويأتي بك الرب إلهك إلى الأرض التي امتلكها آباؤك فتمتلكها ويحسن إليك ويكثرك أكثر من آبائك" [1-5].

يلاحظ هنا:

أولاً: لا طريق للخلاص من اللعنات والتمتع بالبركات إلا بالرجوع إلى الله. "اذكروا هذا وكونوا رجالاً؛ رددوه في قلوبكم أيها العصاة" (إش 46: 8). إنه يدعو الذهن ليرجع فيذكر الله الأمر الذي يهبهم رجولة روحية، أي نضوجًا وقوة. ولا يكفي الذهن وحده، بل يلزم أن يحتل الرب القلب فيردد اسمه بالحب على الدوام. فإن كان تذكر معاملات الله في الماضي تدفع الإنسان إلى التوبة، فيليق ترجمة التوبة بالحب.

التوبة هي طريق الخروج من الأكل مع الخنازير إلى الدخول إلى بيت الآب حيث يجد التائب أباه راكضًا إليه يقبّله ويصنع له وليمة، بل ويقف مدافعًا عنه قدام اخوته (لو 15).

ثانيًا: الاستماع الكامل إلى صوت الرب، والطاعة لوصاياه، والخضوع لإرادته [2]. يلزم ترجمة التوبة إلى طاعة عملية. هذا الصوت موجه إلى الإنسان كما إلى عائلته، خاصة بنيه [2]، لكي يتقبلوا الوصية بكل القلب وكل النفس، أي بكل القوة، أو بفرح شديد ورغبة صادقة كاملة.

بقوله "بكل قلبك وبكل نفسك" [2]، يعلن إن الله لن يقبل أقل من كل الحب وكل القدرة، إنه يطلب القلب والنفس بالكلية، وبدونهما يرفض أية عبادة أو خدمة أو عطاء!

ثالثًا: الطاعة لكل الوصايا، إذ يقول: "تعمل بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم" [8]. وكما يقول يعقوب الرسول: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10). فالإنسان المقدس للرب يهتم بكل الوصايا، كقول المرتل: "حينئذ لا أخزى إذا نظرت إلى كل وصاياك" (مز 119: 6).

رابعًا: إذ نرجع إلى الرب ونسمع له ونطيع كل وصاياه، يردنا نحن أيضًا كما من بين الشعوب ومن أقاصي السموات [3-4]. ماذا يعني بأقاصي السموات سوى أن أذنيه تسمعان لصرخات القلب التائب فيصنع معه المستحيلات! يعلن الله حنوه الفائق على الراجعين، فيقول: "من أجل ذلك حنت أحشائي إليه، رحمة أرحمه يقول الرب" (إر 31: 20).

خامسًا: غالبًا ما ننظر إلى معاملات الله مع آبائنا بكونها عجيبة وفريدة لن تتكرر. لكن هنا يؤكد أن الله مستعد أن يعمل مع كل الأجيال بذات القوة، بل ويقول: "ويكثرك أكثر من آبائك" [5].

سادسًا: إذ نرجع إلى الله يفرح الرب بنا، فإن هذا هو موضع سروره. "لأن الرب يرجع ليفرح لك بالخير كما فرح لآبائك" [9].

سابعًا: برجوعنا إليه ترتد اللعنات التي حلت بنا على أعدائنا، أي على الشياطين التي كانت تحثنا على العصيان.

"ويجعل الرب إلهك كل هذه اللعنات على أعدائك وعلى مبغضيك الذين طردوك" [7].

ثامنًا: قد يتساءل البعض "ماذا نفعل ونحن عاجزون على تنفيذ الوصايا؟ كيف نحب الله من كل القلب؟" إنه عمل الرب نفسه فينا إن سلّمناه حياتنا. "ويختن الرب إلهك قلبك وقلب نسلك لكي تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك لتحيا" [6]. يستطيع الإنسان أن يختن جسده أو جسد الآخرين، لكن من يقدر أن يختن القلب وقلوب نسله إلا الله وحده الذي يفحص القلوب وينتزع الشر عنها ويجددها؟! وكما يقول الرسول بولس: "وبه أيضًا خُتِنتم ختانًا غير مصنوعٍ بيدٍ بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات" (كو 2: 11-12). "لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي. وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان. الذي مدحه ليس من الناس بل من الله" (رو 2: 28-29).

ما دام الختان هو ختم العهد، فيليق بهذا الختم أن يمس لا الجسد وحده بل القلب، لينسحب بالكامل في محبة الله، ويلتزم بشروط العهد. لنرجع إليه فيعمل بروحه القدوس فينا، هذا الذي يستطيع وحده أن يختن القلب. "ارجعوا عند توبيخي، هأنذا أفيض لكم روحي؛ أعلمكم كلماتي" (أم 1: 23).

تاسعًا: إذ يتحدث عن الرجوع إلى الله يكرر في هذه الآيات العشرة تعبير "الرب إلهك" 12 مرة، ليؤكد الدالة التي بين الإنسان والله بكونه إلهه المشتاق إليه كأولاد له. وكما قيل في إرميا النبي: "ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم. ها قد أتينا إليك لأنك أنت الرب إلهنا" (إر 3: 22).

عندما كان يهدد باللعنات كان يشير إلى الله، إله القوة، ديان الجميع، لكنه إذ يدعوهم إلى التوبة يؤكد عودتهم إلى الأحضان الإلهية بكون الرب إلههم، إله العهد والنعمة.

أخيرًا نلاحظ في حديثه هنا عن التوبة والرجوع إلى الله يؤكد عطية الله الفائقة ألا وهي حرية الإرادة، من حق الإنسان أن يختار طريق البركات أو طريق اللعنات [1]. وإذ يشتاق الإنسان إلى الله إلهه يجد الإمكانيات الإلهية بين يديه.

"وأما أنت فتعود تسمع لصوت الربوتعمل بجميع وصاياه التي آنا أوصيك بها اليوم. فيزيدك الرب إلهك خيرا في كل عمل يدك، في ثمرة بطنك وثمرة بهائمك وثمرة أرضك. لأن الرب يرجع ليفرح لك بالخير كما فرح لآبائك. إذا سمعت لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه المكتوبة في سفر الشريعة. هذا إذا رجعت إلى الرب إلهك بكل قلبك وبكل نفسك" [8-10].

2. الوصية قريبة منك:

أمام البركات الفائقة التي وعد بها الله الراجعين إليه بالتوبة لابد من تأكيد أن الرجوع إليه أمر غير عسير.

الوصية في جوهرها هي دخول من الباب الضيق والطريق الكرب للالتقاء مع الله الذي يعشق الإنسان ويقدم له كل إمكانيات سماوية. كثيرون يهربون من الوصية حاسبين أنها لا تتناسب مع طبيعتهم، إنما تناسب أُناسًا سمائيين. لهذا أوضح النبي مستلم الشريعة أن الوصية سهلة، بين أيدينا، وفي قلبنا. مكانها هو القلب، تملأه عذوبة وحبًا.

"إن هذه الوصية التي أوصيك بها اليوم ليست عسرة عليك (ليست مخفية عنك)، ولا بعيدة منك. ليست هي في السماء، حتى تقول من يصعد لأجلنا إلى السماء، ويأخذها لنا ويسمعنا إياها لنعمل بها. ولا هي في عبر البحر، حتى تقول من يعبر لأجلنا البحر، ويأخذها لنا ويُسمعنا إياها لنعمل بها. بل الكلمة قريبة منك جدًا، في فمك وفي قلبك لتعمل بها" [11-14].

ماذا يقصد بالوصية غير العسرة أو غير المخفية إلا كلمة الله الذي صار جسدًا وحل بيننا، وُلد في بيت لحم اليهودية، الذي جاء ليقدم الخلاص عن العالم كله؟! إنه ليس معزولاً عنا في السماء، نصعد إليه لكي نقتنيه، ولا هو في أعماق البحار ننزل إليه لكي ننعم به، بل صار قريبًا جدًا منا، ساكنًا في أعماقنا. وكما يقول الرسول يوحنا: "الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يو 1: 14). وصار إنجيله منطوقًا به في أفواهنا، ومحفورًا في قلوبنا.

هذا ما أدركه الرسول بولس، إذ يقول: "لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أي ليُحْدِر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية أي ليُصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول؟ الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك، أي كلمة الإيمان التي نكرز بها. لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع، وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 6-10). يرى القديس بولس في حديث موسى النبي هنا عن الوصية التي بين أيدينا وفي قلبنا إنما يقصد كلمة الله الذي بتجسده حلّ بيننا وسكن في أعماقنا، فصار بين أيدينا (رو 10: 6-8).

اعتاد الفلاسفة في ذلك الحين أن يجربوا الأفكار لعلهم يتعلمون الفلسفة، لكن مسيحنا جاء بنفسه إلينا ليقدم نفسه "الفلسفة" الحقة، بكونه "حكمة الله".

صارت كلمة الكرازة بالإنجيل في فم الكنيسة، إذ قيل: "لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود" (ملا 2: 7). إنها في الفم حيث يتحدث الله مع كل إنسان باللغة التي يفهمها. وهي في القلب حيث توجد الكلمة غير مغلفة بتعبيرات غامضة، بل تتلامس مباشرة مع مشاعر الإنسان وعواطفه وكل أعماقه.

الله الذي يحب الإنسان لن يقدم له وصية فوق طاقته، ولا هي ببعيدة عنه، بل سهلة وبين يديه ويدخل بها إلى قلبه، قادر أن يدرك مفهومًا صادقًا لها، وإن يكتشف إمكانياته المقدمة له.

في مناظرات القديس يوحنا كاسيان عالج ما يبدو من تناقض بين دعوة السيد المسيح لنا أن ندخل من الباب الضيق وقوله: "لأن نيري حين وحملي خفيف" (مت 11: 30).

يتحدث القديس أثناسيوس الرسولي عن إمكانية النفس البشرية على التعرف على الله، مستخدمًا هذه العبارة قائلاً:

-     إن معرفتها وفهمها الدقيق لا يحتاج إلا إلى أنفسكم. وإن كان الله فوق الكل، لكن المعرفة فينا، ويمكننا أن نجدها في أنفسنا. كمثال أولي يعلمنا موسى قائلاً: "كلمة الإيمان في قلبك". وقد أعلن المخلص نفس الأمر، وأكد ذلك عندما قال: "ملكوت الله في داخلكم" (لو 17: 12).

لأنه إذ لنا في أنفسنا الإيمان، وملكوت الله، يمكننا أن نرى بسرعة وندرك ملك المسكونة وكلمة الله المخلص[284].

القديس البابا أثناسيوس الرسولي

-     يقول الرسول بولس: "لكن الكلمة قريبة منك" (رو 10: 8). تبدأ النعمة في المنزل، فهناك يوجد مصنع كل الفضائل[285].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

-     إن كان ملكوت الله كقول ربنا ومخلصنا لا يأتي بمراقبة، ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك، إنما ملكوت الله داخلكم (لو 17: 20-21)، لأن الكلمة قريبة جدًا في فمنا وفي قلبنا (رو 10: 8)؛ فمن الواضح أن من يصلي لكي يأتي الملكوت إنما يصلي بحق لكي يظهر فيه ملكوت الله ويأتي بثمرٍ ويكمل. كل قديس يأخذ الله كملكٍ له، ويطيع شرائع الله الروحية، إنما يسكن الله فيه كمدينة منظمة جدًا[286].

العلامة أوريجانوس


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 30 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 30 جـ2 PDF Print Email

3. القرار بين يديك:

مرة أخرى في أكثر وضوح يؤكد أن الوصية التي صارت قريبة جدًا تنتظر قرار الإنسان دون أي ضغط أو إلزام.

"انظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر" [15].

الحياة والخير حاضران الآن أمام المؤمن، إن قبلهما يتمتع بهما ليعبر إلى البركات المقبلة. موضوعان أمامه لكي يدرك سرهما فلا يكون له عذر فيما بعد، ولكي يشعر بأهميتهما، وأخيرًا لكي يأخذ قراره المصيري.

لقد استخدم الله كل وسيلة لكي يحث الإنسان الحر على قبول الحياة والتمتع بالسعادة الأبدية. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فالإنسان يحركه أمران أو أحدهما، وهما الخوف والرجاء.

فمن جهة الخوف يقول:

"بما أني أوصيتك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسلك في طرقه وتحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه لكي تحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. فان انصرف قلبك ولم تسمع بل غويت وسجدت لإلهة أخرى وعبدتها، فإني أنبئكم اليوم أنكم لا محالة تهلكون. لا تطيل الأيام على الأرض التي أنت عابر الأردن لكي تدخلها وتمتلكها. اشهد عليكم اليوم السماء والأرض " [16-19].

ومن جهة الرجاء يقول:

"قد جعلت قدامك الحياة والموت؛ البركة واللعنة. فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك،  إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به،لأنه هو حياتك والذي يطيل أيامك،nلكي تسكن على الأرض التي حلف الرب لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيهم إياها"     [19-20].

-     الآن إذ نوضع كما بين الماء والنار، وكما بين اعلي الصلاح وأخطر الشرور (ابن سيراخ 15: 17-18)، بين دمار الجحيم السفلي والفردوس العلوي، فلنسمع الرب يصرخ إلينا في الكتاب المقدس لصلاحٍ عجيبٍ، إذ يقول: "وضعتكم بين الموت والحياة، فاختاروا الحياة لكي تحيوا" [19].

بخصوص هذين الطريقين ينصحنا الرب في الإنجيل إذ يقول: "واسع هو الطريق الذي يقود إلي الموت، وكثيرون يدخلون هذا الطريق. ما أضيق الباب والطريق الذي يقود إلي الحياة، وقليلون الذين يجدونه" (مت 7: 13-14).

تحققت العودة إلي الفردوس بالطريق الكرب الضيق، بينما يتحقق النزول إلي الجحيم السفلي بالطريق الواسع. لذلك إذ لا نزال نستطيع وفي مقدورنا بالعون الإلهي الاختيار، لنصعد إلي فرح الفردوس خلال الطريق الكرب الضيق عوض أن نبلغ إلي عقوبات الجحيم خلال الباب الواسع[287].

-     انظر يا إنسان فإنه أمامك "الماء والنار، الحياة والموت، الصلاح والشر" (ابن سيراخ 15: 17-18)، السماء والجحيم، الملك الشرعي والطاغية القاسي، عذوبة العالم الباطلة وطوباوية الحق للفردوس. لقد أعطيت القوة بنعمة المسيح: "يبسط لكم يده للطريق الذي تختاره" (ابن سيراخ 15: 17) [288].

الأب قيصريوس

لقد سبق فأوضح الله اشتياقه أن يحيا الإنسان مباركًا ومطوّبًا: "لكي تحيا وتنمو ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها" [16].

لقد أعلن خطورة الموقف، فقد اشهد الله على الإنسان السماء والأرض أنه قد قدَّم لهم كل إمكانية البركة من جانبه، وبقي أن يختار المؤمن ذلك من جانبه هو. "أشهد عليكم اليوم السماء والأرض؛ قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك" [19].

أخيرًا يؤكد الوصيتين "محبة الله" و"الطاعة له". إذ تحب الرب إلهك وتسمع لصوته وتلتصق به، لأنه هو حياتك والذي يطيل أيامك، لكي تسكن على الأرض التي حلف الرب لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيهم إياها" [20].

من وحي تثنية 30

إني منتظرك يا ابني!

-     كثيرًا ما كسرت عهدك.

لكن صوتك العذب يرن في أذنيّ:

"إني منتظرك يا ابني".

أنت تترقب رجوعي إليك.

أنت تشتاق إلى عودتي إلى أحضانك.

-     لأذكر عملك معي،

وأفتح قلبي بالحب لك، فأترجم التوبة إلى عملٍ.

لأترجم رجوعي الفكري بالطاعة العملية.

فاستمع إلى صوت وصيتك المحيية.

إذ تهبني ذاتك فأقتنيك،

لن تقبل أقل من الفكر كله والقلب كله والحياة كلها.

تمتلكني وتقتنيني، مقدمًا ذاتك فيَّ فأقتنيك.

اقترب إليك فتقترب أنت إليّ.

-    أريد أن أرجع إليك.

ردني من وسط الشعوب،

حررني من السبي القاتل لنفسي.

أنت إله المستحيلات!

-     أرجع إليك فتغمرني ببركاتك

وتنزع عني كل لعنات عصياني.

ترد كل اللعنات التي حلت بي على رأس أعدائي.

أفرح إذ تفرح أنت بي، وتحملني إلى أحضانك.

تسندني بروحك، وتختن قلبي، فأعمل بقوة لتنفيذ وصيتك.

من يقدر أن يقترب إلى قلبي ويختنه غيرك؟

من يدفنه إلا أنت أيها القائم من الأموات؟

-     أرجع فأجدك إلهي،

تنسب نفسك إليّ، وأنا لك.

أنا ابنك الخاص، وأنت إلهي أنا.

-     لأرجع إليك، فأنت في داخلي تنتظرني.

لست محتاجًا أن أصعد إلى السحاب لالتقي بك،

ولا أن انحدر إلى أعماق البحار.

بل أن أدخل إلى أعماق نفسي لالتقي بك!


-     علمتني أخذ القرار المصيري.

أمامي أنت يا أيها الحياة،

وأيضًا العدو الموت حاضر قدامي.

لاختارك أنت أيها الكلي الصلاح!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 30 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 31 جـ1 PDF Print Email

نصيحة أخيرة مع تحذير

أكد موسى النبي أن الله هو القائد الحقيقي لشعبه، كما قادهم في أيام موسى سيقودهم خلال يشوع. أوصى أيضًا الكهنة وجميع شيوخ إسرائيل أن يقرأوا التوراة في سنة الإبراء في عيد المظال. لم يذكر شيئًا عن طقس تجديد العهد هنا سوى تسجيل كلمة الله وقراءتها [9-13]. كما ظهر الرب له وأنذر الشعب ألا ينحرف عن الإيمان بعد موته.

1. تشجيع الشعب ويشوع                     [1-8].

2. قراءة التوراة في سنة الإبراء              [9-13].

3. ظهور الرب في الخيمة                     [14-23].

4. تسليم كتاب التوراة                         [24-30].

1. تشجيع الشعب ويشوع:

جاءت اللحظات الحاسمة التي أعلن فيها موسى النبي أنه قد بلغ المائة وعشرين عامًا من عمره، ولم يعد له استطاعة للعمل، فسلم القيادة ليشوع قبل نياحته وشجعه هو وكل الشعب.

"فذهب موسى وكلم بهذه الكلمات جميع إسرائيل، وقال لهم: أنا اليوم ابن مائة وعشرين سنة. لا أستطيع الخروج والدخول بعد. والرب قد قال لي لا تعبر هذا الأردن. الرب إلهك هو عابر قدامك. هو يبيد هؤلاء الأمم من قدامك فترثهم. يشوع عابر قدامك كما قال الرب" [1-3].

أولاً: عاش موسى 120 عامًا مثل نوح الذي كرز بالبرّ في عالم شرير. عاش 40 عامًا في قصر فرعون يتعلم حكمة المصريين (أع 7: 20، 23)، 40 عامًا يجول في أرض مديان يتهيأ للرعاية والخدمة (أع 7: 29-30)، 40 سنة قائدًا للشعب بتوجيه الله نفسه.

كشف لنا موسى النبي عن نظرته لهذه السنوات في صلاته الواردة في المزمور 90. فإنه لا يقدر عمره بالسنوات وامتدادها بل ببركة الرب. "لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر وكهزيع من الليل" (مز 90: 4). تطلع موسى إلى سنوات عمره الثمانين الأولى بكونها تحمل قوة جسدية مع تعب وبلية. أما الأربعون سنة الأخيرة فمع شيخوخة الجسد تحمل قوة الروح، هي عطية الله له للعمل. يقول: "أيام سنيننا هي سبعون سنة، وإن كانت مع القوة فثمانون سنة، وأفخرها تعب وبلية. لأنها تُقرض سريعًا فتطير" (مز 90: 10).

ثانيًا: يعتبر موسى عمل الله مع خليفته يشوع هو عمل معه هو شخصيًا، فما يتمتع به يشوع كأنما تمتع هو به. فقد اعترف أنه قد شاخ جسديًا وصار غير قادرٍ على الخروج والدخول بعد. وإن الله عابر قدامه. كيف؟ لأن الله يعمل في يشوع! هذه هي روح القيادة الحقة التي لا تحمل شيئًا من الأنانية، فيهيئ القيادة المقبلة ويحسب نجاحها نجاحًا له.

لم يطلب موسى النبي يومًا إضافيًا على عمره ليتمم العمل ويدخل بالشعب إلى أرض الموعد، لكنه يطلب ويعمل قدر المستطاع لكي يحقق خليفته ما قد بدأ هو به. هكذا يليق بنا ألا نقلق من أجل قصر أيام عمرنا، لكننا نسأل ونعمل لكي نهيئ للقيادات القادمة أن تتمم ما قد بدأنا فيه أو ما قد تسلمناه من الأجيال السابقة.

ثالثًا: كثيرًا ما يردد موسى النبي الحكم الإلهي: "لا تعبر هذا الأردن". بلا شك كان مشتاقًا أن يعبر، لكن عبور الشعب بعده هو عبور له.

رابعًا: لن نجد قائدًا يشجع جنوده بقوة عند تركه لهم مثلما فعل موسى النبي، إذ يؤكد لهم أن النصرات التي تحققت في أيامه تكثر بعد رحيله، لأن سرّ النصرة لا يكمن فيه بل في الحضرة الإلهية.

"ويفعل الرب بهم كما فعل بسيحون وعوج ملكي الأموريين اللذين أهلكهما وبأرضهما. فمتى دفعهم الرب أمامكم تفعلون بهم حسب كل الوصايا التي أوصيتكم بها. تشددوا وتشجعوا. لا تخافوا ولا ترهبوا وجوههم، لأن الرب إلهك سائر معك، لا يهملك ولا يتركك" [4-6].

الله الحال في وسط شعبه عمل في أيام موسى، ويبقى يعمل عبر الأجيال. وكقول الرسول بولس: "حتى أننا نقول واثقين: الرب معين لي فلا أخاف، ماذا يصنع بي إنسان؟!" (عب 13: 6).

خامسًا: دعوة يشوع وإقامته خلفًا له وتوصيته أمام كل الشعب، مؤكدًا لهم نجاحهم المستمر.

"فدعا موسى يشوع وقال له أمام أعين جميع إسرائيل: تشدد وتشجع لأنك أنت تدخل مع هذا الشعب الأرض التي أقسم الرب لآبائهم أن يعطيهم إياها، وأنت تقسمها لهم. والرب سائر أمامك. هو يكون معك. لا يهملك ولا يتركك. لا تخف ولا ترتعب" [7-8].

إذ الرب سائر أمامهم ويكون معهم لا يوجد مجال قط للخوف من إمكانيات العدو وخبراته الطويلة.

أثبت يشوع نجاحه في مواقف كثيرة، لكنه محتاج إلى تذكير مستمر لعمل الله معه، خاصة وأنه داخل في مرحلة جديدة من العمل.

طالبه موسى النبي أن يكون مثالاً حيًا للشعب فلا يخاف ولا يرتعب، لأنه إن ارتبك القائد انهار الكل وراءه. من أخطر الضربات لخدام الكلمة والقادة أن يفقدوا ثقتهم في الله، فلا يظهروا بالحق أقوياء في الرب، عاملين بروح القوة لا الضعف. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). فإن خوف القائد أو شكواه للشعب يُحطم نفسيتهم ويهز إيمانهم.

ليدرك القائد أن الله سائر أمامه يهيئ له الطريق ويقوده في الطريق الملوكي، وأنه معه، أي يصحبه في رحلاته ويسنده في كل عمل صالح. إنه لن يسمح له بالانهيار ولا يتخلى عنه.

"لا تخف ولا ترتعب" [8] يأتي الخوف طبيعيًا للإنسان الساقط فيحتاج إلى كلمة تشجيع باستمرار وهذا ما نجده من التكوين إلى الرؤيا (تك 15: 1، رؤ 1: 17).
2. قراءة التوراة في سنة الإبراء:

"وكتب موسى هذه التوراة وسلمها للكهنة بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب ولجميع شيوخ إسرائيل" [9].

تقول "المشنا" اليهودية أن قراءة الخمسة الأصحاحات الأولى من السفر مع أجزاء أخرى منه كانت تجري في الأعياد.

كتب موسى النبي في اللحظات الأخيرة عظاته والوصايا الواردة في الأصحاحات السابقة. يرى بعض الحاخامات أن موسى النبي كتب 13 نسخة من الأسفار الخمسة، وأعطى كل سبط نسخة، ووضع الثالثة عشرة في تابوت العهد. آخرون يرون أنه كتب نسختين، قدَّم واحدة للكهنة واللاويين للاستعمال العام كما جاء هنا [9]، والأخرى وضعت في تابوت العهد يُرجع إليها، خاصة حين يكسر الشعب الناموس، وينحرفوا إلى العبادة الوثنية، تسمى "نسخة الرب". يقول الأسقف باتريق[289] إن موسى كتب الأسفار الخمسة، أو أكملها.

أما عن قراءتها مرة كل سبع سنوات فيقول:

"وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة الإبراء في عيد المظال. حينما يجيء جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تُقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم" [10-11].

حدد سنة الإبراء، السنة السابعة موعدًا للقراءة العامة لكل الشعب للتوراة. هذا بجانب قراءة الأسرة اليومية لبعض الفقرات من الشريعة، وأيضًا كان مُوسى يقرأ في كل سبت في المجامع (أع 15). هذه القراءات سواء الخاصة في البيت أو الخاصة بالجماعات المحلية كل أسبوع لا تكفي بل تلزم القراءة العامة لكل الشعب.

سنة الإبراء مناسبة لقراءة كل الشريعة، حيث يتحرر العبيد، ويبرأ المديونين من ديونهم، وترجع الأراضي المباعة أو المرهونة، فيشعر الكل الأغنياء خلال عطائهم وسخائهم والفقراء خلال مساندتهم قد تهيأت نفوسهم للطاعة للوصية الإلهية. إن كانت الوصية تدفع الإنسان لعمل الخير، فإن عمل الخير يسند النفس لقبول الوصية والتجارب معها. غالبًا ما كان يُقرأ سفر التثنية كله مع مختصر من بقية أسفار موسى الخمسة.

في عيد المظال على وجه الخصوص يفرح الكل أمام الرب (لا 23: 40)، ويسكن الشعب أسبوعًا في خيام مصنوعة من أغصان الشجر، فيشعر الكل أنهم غرباء على الأرض، لهذا يسمعون الوصية الإلهية. وكأنهم يقولون مع المرتل: "غريب أنا على الأرض فلا تخفي عنك وصاياك" (مز 119). تُقرأ التوراة حيث وصية الرب هي مصدر الفرح الحقيقي. ينصت الكل إليها بكل بهجة قلب وفرح.

تُقرأ التوراة كل سبع سنوات، حيث سبت السنوات، إذ في وصية الله راحتنا وسبتنا الحقيقي. السنة السابعة تشير إلى العمل الإنجيلي حيث الحرية في المسيح يسوع وغفران الخطايا، السنة المقبولة لدى الرب (لو 1: 74-75).

لم تكن النساء وأطفالهن ملزمون أن يصعدوا في الأعياد الأخرى، أما في عيد المظال يلتزم الكل الرجال مع النساء والأطفال أن يصعدوا للعيد، فيسمع الكل الشريعة.

"اجمع الشعب: الرجال والنساء والأطفال والغريب الذي في أبوابك، لكي يسمعوا ويتعلموا أن يتقوا الرب إلهكم، ويحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة" [12].

طلب أن يجتمع الأطفال مع والديهم ومع الدخلاء في الإيمان لكي ينصتوا لكلمة الله ويحرصوا على التمتع بمخافة الرب. هكذا تقدم لهم الخميرة، فيختمر عجين الجيل الجديد. ينشأ الأطفال في جو كتابي، لا يشغلهم شيء سوى محبة الله والتمتع بوعوده الصادقة في مخافةٍ ووقارٍ.

من الذي يقرأ التوراة في عيد المظال في سنة الإبراء؟

للأسف لم يمارس الشعب ذلك، ولم يسمعوا لهذه الوصية سوى مرات محدودة للغاية منذ أيام يشوع حتى مجيء السيد المسيح. مرت قرون طويلة دون ممارسة هذا الطقس المهوب. قام يشوع بقراءة جميع كلام التوراة أمام بني إسرائيل من الشعب والشيوخ والعرفاء وقضاة مع الكهنة اللاويين حاملي تابوت عهد الرب، وأمام الغرباء الداخلين في الإيمان (يش 8: 33-35).

وعندما بنى سليمان الهيكل جمع الكل وقرأ أيضًا من التوراة، لذلك دعي نفسه "المبشر Preacher" (جا 1: 1-2، 12؛ 7: 27؛ 12: 8؛ 10: 9).

وأرسل الملك يهوشفاط رؤساء يهوذا ليعلموا ومعهم سفر شريعة الرب (2 أي 17: 9).

"صعد الملك (يوشيا) إلى بيت الرب مع كل رجال يهوذا وسكان أورشليم والكهنة واللاويين وكل الشعب من الكبير إلى الصغير، وقرأ في آذانهم كل سفر العهد الذي وُجد في بيت الرب. ووقف الملك على منبره وقطع عهدًا أمام الرب" (2 أي 34: 30-31).

وعند عودة الشعب من بابل اجتمع كل الشعب كرجلٍ واحدٍ إلى الساحة وقرأ عزرا الكاتب سفر شريعة موسى (نح 8: 1-3).

"وأولادهم الذين لم يعرفوا يسمعون ويتعلمون أن يتقوا الرب إلهكم كل الأيام، التي تحيون فيها على الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لكي تمتلكوها" [13].
3. ظهور الرب لموسى في الخيمة:


"وقال الرب لموسى هوذا أيامك قد قربت لكي تموت. ادع يشوع وقفا في خيمة الاجتماع لكي أوصيه. فانطلق موسى ويشوع ووقفا في خيمة الاجتماع" [14].

إذ جاءت اللحظات الحاسمة التي فيها ينهي موسى النبي أحاديثه مع شعبه، قال له الرب: "هوذا أيامك قد قربت لكي تموت". كلما قربت أيام رحيل موسى تراءى الرب بالأكثر له ليُدرك أن رحيله ليس إلا عبورًا إلى الرب ليراه وجهًا لوجه. إنه عطية إلهية مفرحة. كلما تجلى الرب في أعماق النفس تهيأ قلب الإنسان للموت بفرح وبهجة قلب.

دُعي موسى ويشوع للقاء مع الرب، واحد لكي يستعد للرحيل ويسلم عجلة القيادة في يد تلميذه، والآخر لكي يستعد لحمل آلام الرعاية ويستلم روح الأبوة الصادقة والقيادة الناجحة من معلمه.

ظهر مجد الرب لموسى النبي، وهذه هي المرة الوحيدة التي نقرأ فيها عن ظهور مجد الرب في هذا السفر، بينما نقرأ عنه ثلاث مرات في الأسفار السابقة. ويرى البعض أن ظهور مجد الرب هنا قبيل موت موسى إشارة إلى ظهور الشريعة الجديدة، العهد الجديد عند شيخوخة حرفية العهد القديم.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 31 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 31 جـ2 PDF Print Email

"فتراءى الرب في الخيمة في عمود سحاب، ووقف عمود السحاب على باب الخيمة" [15].

هكذا كلما تمتعنا بالحياة الإنجيلية وأدركنا عبورنا نحو السماء يتراءى الرب في خيمتنا نحن المتغربين، ويعلن مجده فينا.
3. ظهور الرب لموسى في الخيمة:

"وقال الرب لموسى هوذا أيامك قد قربت لكي تموت. ادع يشوع وقفا في خيمة الاجتماع لكي أوصيه. فانطلق موسى ويشوع ووقفا في خيمة الاجتماع" [14].

إذ جاءت اللحظات الحاسمة التي فيها ينهي موسى النبي أحاديثه مع شعبه، قال له الرب: "هوذا أيامك قد قربت لكي تموت". كلما قربت أيام رحيل موسى تراءى الرب بالأكثر له ليُدرك أن رحيله ليس إلا عبورًا إلى الرب ليراه وجهًا لوجه. إنه عطية إلهية مفرحة. كلما تجلى الرب في أعماق النفس تهيأ قلب الإنسان للموت بفرح وبهجة قلب.

دُعي موسى ويشوع للقاء مع الرب، واحد لكي يستعد للرحيل ويسلم عجلة القيادة في يد تلميذه، والآخر لكي يستعد لحمل آلام الرعاية ويستلم روح الأبوة الصادقة والقيادة الناجحة من معلمه.

ظهر مجد الرب لموسى النبي، وهذه هي المرة الوحيدة التي نقرأ فيها عن ظهور مجد الرب في هذا السفر، بينما نقرأ عنه ثلاث مرات في الأسفار السابقة. ويرى البعض أن ظهور مجد الرب هنا قبيل موت موسى إشارة إلى ظهور الشريعة الجديدة، العهد الجديد عند شيخوخة حرفية العهد القديم.

"فتراءى الرب في الخيمة في عمود سحاب، ووقف عمود السحاب على باب الخيمة" [15].

هكذا كلما تمتعنا بالحياة الإنجيلية وأدركنا عبورنا نحو السماء يتراءى الرب في خيمتنا نحن المتغربين، ويعلن مجده فينا.

ماذا قال الرب لموسى؟

أولاً: أن شعبه سيكسر العهد مع الله، هذا الذي من أجله جاهد موسى النبي أربعين عامًا، لكي يتمتع الشعب بالحب الإلهي، ويكون له نصيب في أرض الموعد رمز السماء. أما علة كسر العهد فهو ارتباطهم بالعبادة الوثنية ونسيانهم الله مخلصهم.

"وقال الرب لموسى: ها أنت ترقد مع آبائك، فيقوم هذا الشعب ويفجر وراء آلهة الأجنبيين في الأرض التي هو داخل إليها فيما بينهم، ويتركني وينكث عهدي الذي قطعته معه. فيشتعل غضبي عليه في ذلك اليوم، واتركه واحجب وجهي عنه، فيكون مأكله، وتصيبه شرور كثيرة وشدائد. حتى يقول: في ذلك اليوم أما لأن إلهي ليس في وسطي أصابتني هذه الشرور؟! وأنا أحجب وجهي في ذلك اليوم لأجل جميع الشر الذي عمله إذ التفت إلى آلهة أخرى" [16-18].

يؤكد الله أن كسر العهد هو من جانب الإنسان، إذ يقول: "يتركني وينكث عهدي الذي قطعته معه". فاللوم يقع على جانب الإنسان وحده.

في مرارة سقط شعب الله في عبادة آلهة الكنعانيين الذين كانوا أصحاب البلد، والآن يدعوهم الرب أجنبيين، لأنه سلم ملكية أرضهم لشعبه. لكن شعبه بعد أن تسلم الأرض رفض الله واهب الأرض وارتبط بالآلهة الغريبة التي عجزت عن حماية شعبها. هكذا إذ يقدم الله لنا كل إمكانية يسقط البعض في عبادة المال خلال الطمع أو عبادة بطونهم خلال النهم أو عبادة الملذات خلال الشهوات الشريرة.

ثانيًا: يقول الرب لموسى: "أنت ترقد مع آبائك" [16]، مع أن موسى رقد في جبل موآب، بعيدًا عن المناطق التي رقد فيها آباؤه. لهذا فإنه لا يمكن تفسير هذا القول الإلهي عن رقاد الجسد المجرد، وإنما عن راحة نفسه التي ترقد على رجاء مع نفوس آبائه السابقين له.

جاء في الترجوم ليوناثان بن عُزيل عن هذه العبارة: [أنت ترقد في التراب مع آبائك، وسترقد نفسك في كنز الحياة العتيدة مع آبائك[290]].

ثالثًا: الله في حكمته العجيبة يُعطي كل إنسان حسب قلبه. فإذ يطلب شعبه أن يترك الله [16]، يقدم لهم الله سؤل قلوبهم بأن يحجب وجهه عنهم [17]. هم أعطوا الله القفا لا الوجه، لهذا نزع وجهه عنهم فحُرموا من إشراقات حبه ولم يعودوا يتمتعون ببهاء مجده. بقوله: "احجب وجهي عنه"، يعني نزع نعمته عنهم وحمايته لهم.

رابعًا: تعليم إسرائيل خلال الترانيم والأغاني أو التسابيح. في مقدمة سفر الأمثال تحدثت عن اللغات التي يتحدث بها الله مع الإنسان، من بينها لغة التسبيح أو الترنيم. وها هو الله نفسه يطلب من موسى في اللحظات الأخيرة من حياته على أرض موآب أن يعلم شعبه بهذه اللغة.

"فالآن اكتبوا لأنفسكم هذا النشيد، وعلم بني إسرائيل إياه. ضعه في أفواههم،لكي يكون لي هذا النشيد شاهدًا على بني إسرائيل" [19].

لقد وضع موسى النشيد بإعلان الروح له، مقدمًا فيه تحذيرًا لشعبه الذي يحنث بالوعد ويكسر العهد.

إن كان النشيد لم يمنع الشعب من الارتداد عن عبادة الله الحيّ إلا أنه قدَّم بابًا للتوبة والرجوع إلى الله. فإنهم إذ يتركون الرب ويسقطون في المرارة يتذكرون خلال النشيد المحفوظ عن ظهر قلب أن الله سبق فأنذرهم، وأنه لا يزال ينتظرهم، فإنه لا يُسر بسقوطهم. وكأن الله قد أعد لهم الدواء مقدمًا إياه لهم حتى متى أصيبوا يجدوا علاجًا إلهيًا قائمًا بين أيديهم.

خامسًا: قدَّم الله لهم إمكانيات للشبع والراحة، فعوض تقديم ذبيحة شكر، سقطوا في الارتداد.

"لأني أدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم الفائضة لبنًا وعسلاً، فيأكلون ويشبعون ويسمنون ثم يلتصقون بآلهة أخرى ويعبدونها، ويزدرون بي وينكثون عهدي. فمتى أصابته شرور كثيرة وشدائد يجاوب هذا النشيد أمامه شاهدًا، لأنه لا ينسى من أفواه نسله. إني عرفت فكره الذي يفكر به اليوم قبل أن ادخله إلى الأرض كما أقسمت. فكتب موسى هذا النشيد في ذلك اليوم وعلم بني إسرائيل إياه. وأوصى يشوع بن نون وقال: تشدد وتشجع، لأنك أنت تدخل ببني إسرائيل الأرض التي أقسمت لهم عنها وأنا أكون معك" [20-23].


4. تسليم كتاب التوراة:

"فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً" [24-25].

إذ أكمل موسى النبي كتابة كلمات التوراة سلمها للاويين حاملي تابوت العهد، لا في طقس شكلي ومجاملات قاتلة، وإنما في صراحة ووضوح وتحذير، إذ قال لهم:

"خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدًا عليكم. لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هوذا وأنا بعد حيّ معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب، فكم بالأحرى بعد موتي؟!" [26-27].

ملخص خبراته الطويلة لأربعين عامًا ليس أن الشعب بكل قيادته قد قاومه مرارًا كثيرة، وإنما قاوموا الرب نفسه بالرغم من معاملات الله الفائقة معهم على يدي موسى، فماذا يكون حالهم بالأكثر بعد رحيله.

لقد أعلن لهم ما سيحدث معهم بعد موته:

"خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدا عليكم. لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم به، ويصيبكم الشر في آخر الأيام، لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم" [28-29].

عندما جاء السيد المسيح إلى العالم وقدم الخلاص المجاني أعلن أيضًا قبل موته أنه سيظهر مسحاء كذبة وأنبياء كذبة يضللون الناس (مت 24: 24). هذا أيضًا ما قاله الرسول بولس بخصوص ظهور معلمين كذبة بعد موته.

"فنطق موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل بكلمات هذا النشيد إلى تمامه" [30].

من وحي تثنية 31

هب لي روح القيادة الحقة

-     هب لي أن اقتدي بموسى أول قائد لشعبه.

أرى في نجاح القيادات الجديدة نجاحًا لي.

لا أنسب شيئًا من النجاح لنفسي.

بل كما وهبني الرب نجاحًا يهب الأجيال الجديدة ما هو أعظم وأقوى.

الله هو العامل عبر كل الأجيال.

-     علمني أن أحمل روح الرجاء في الجيل الجديد.

فأراك عاملاً فيهم بقوة.

أبث فيهم روح الشجاعة حتى يعملوا بك بروح القوة.

-     لنقتدي بموسى مستلم الشريعة.

نقدم للأجيال القادمة شريعة الرب منقوشة في قلوبنا،

معلنة في سلوكنا وحياتنا.

نحفظ وديعة التقليد الثمينة،

ألا وهي الحياة الإنجيلية العملية الصادقة.

-     كانت الشريعة كلها تُقرأ علانية في سنة الإبراء.

يسمعها حتى الأطفال في مخافة الرب.

يسمعونها في عيد المظال وهم في خيام!

لنقرأها دومًا للأجيال الجديدة.

لتكن كلمة الله مغروسة في كل قلب.

يجدون لذتهم فيها أثناء غربتهمّ

نقدمها لهم بروح الفرح الحقيقي.

يرونها سرّ بهجتنا الداخلية!

-     في أيام موسى الأخيرة كنت تتراءى له كثيرًا.

التهب قلبه بالحنين للانطلاق نحوك.

وسلم ذات الروح للقائد الجديد!

ليس لي ما أقدمه لهم سوى رؤياك!

-     ختم موسى حياته بالتغني بنشيد روحي.

هب لي أن أحمل روح التسبيح،

فتتقبل الأجيال القادمة لغة التسبيح.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 31 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 32 جـ1 PDF Print Email

نشيد موسى

تحت قيادة روح الله القدوس يقدم لنا موسى النبي نشيده الأخير. دُعي هذا النشيد مفتاح كل نبوة لأنه يتكلم عن ولادة الأمة وطفولتها ثم جحودها وارتدادها وأخيرًا عقابها فرجوعها.

قدم لنا موسى النبي أغنية تحمل فكرًا لاهوتيًا حيًا، فإنه كنبي لا يفصل بين الموسيقي واللاهوت. موسيقي بلا لاهوت تصير نوعًا من الميوعة ومضيعة للوقت، ولاهوت بلا موسيقي تفقد الإنسان رقته. إن كان اللاهوت يعتني بالإنسان ليقيم منه أيقونة حية لله، تحمل صورة للحياة المتهللة، فإن اللاهوت لا غنى له عن الموسيقى، إذ تقيم من الإنسان كائنًا سماويًا متهللاً وشاكرًا بلا انقطاع.

الحياة الإيمانية الصادقة هي قطعة موسيقية تعلن عن التناغم في حياة الإنسان بين سلوكه الزمني وتذقه لعربون الأبدية.

إن كانت حياة موسى النبي سلسلة لا تنقطع من الجهاد المستمر، وقد ذاق المرارة من قسوة قلب الشعب، لكن حياته في حقيقتها سيمفونية حب متهللة، سلسلة من التسابيح. فعند بدء انطلاقه إلى البرية إذ وهبه الله النصرة على فرعون وسط البرية ترنم موسى مع الشعب بنشيدٍ عندما جاءوا إلى البئر التي حفرها شرفاء الشعب (عد 21: 17)، وها هو الآن يختم موسى حياته بتسبحة رائعة، إذ دُعي للانطلاق من العالم ورأى بعيني الإيمان كنعان السماوية، فتهللت نفسه وهو على ضفاف نهر الأردن. يرى في الله الأب الذي يرافق ابنه كل الطريق، يقوده ويهتم بكل احتياجاته الروحية والمادية. تراه النفس كالنسر الذي يرف على فراخه، ويبسط جناحيه فيحميها، يترفق بها ويحملها على منكبيه، يعطيها كل رعايته ولا يتركها تعتاز إلى غيره. يشبعها وسط القفر، فيُخرج لها من الحجر عسلاً ومن صوان الصخر زيتًا، أي يصنع من أجلها المستحيلات[291].

سجل لنا موسى النبي في هذا النشيد ما تحمله أعماقه من جهة الله مخلصه، كما حمل مرارة وأنينًا من جهة ارتداد الشعب عن عبادة الله والارتباط بالرجاسات الوثنية، مما

جعلهم يسقطون تحت التأديب الإلهي.

حث موسى شعبه على الطاعة لله، وأخيرًا أمر الرب موسى بالصعود إلى جبل نبو لكي ينظر أرض كنعان ويموت.

1. مقدمة النشيد                               [1-2].

2. عظمة الله وبره                             [3-4].

3. انحراف الشعب وحنثه بالعهد                [5-6].

4. تذكير الشعب بأعمال الله                    [7-14].

5. شعب جاحد                                 [15-18].

6. تأديب الشعب الجاحد                        [19-43].

7. دعوة للطاعة                               [44-47].

8. دعوة موسى لصعود جبل نبو               [48-52].

1. مقدمة النشيد:

أدرك موسى عبوره عن العالم وتسليم القيادة في يدي تلميذه يشوع، وإذ جدد الجيل الجديد العهد مع الله قدَّم لله تسبحة رائعة يمجد فيها الله العظيم البار [1-4]. بالرغم من شر الشعب [5-6]. عدد أعمال الله فهو الخالق والمخلص والمحامي ويبقى أمينًا في عهده مع شعبه.

يفتتح موسى النبي نشيده قائلاً:

"أنصتي أيتها السموات فأتكلم، ولتسمع الأرض أقوال فمي. يهطل كالمطر تعليمي، ويقطر كالندى كلامي. كالطل على الكلا، وكالوابل على العشب" [1-2].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم[292] أنه إذ لا يوجد إنسان يسمع ويشهد للأمور الإلهية تُستدعى السماء للشهادة.

يدعو موسى النبي الملائكة وكل الطغمات السمائية، كما يدعو كل الأمم لكي تشهد على ما ينطق به بخصوص معاملات الله مع شعبه، ورد فعل الشعب تجاه عمل الله من خيانة وجحود. ويرى القديس أكليمندس السكندري[293] أن الله يستدعي المؤمنين أصحاب المعرفة السماوية (السماء) كما يستدعي من انشغلت قلوبهم بالأرضيات (الأرض) للشهادة.

نرى في إشعياء النبي (1: 2) كما في ميخا النبي (6: 2) دعوة الطبيعة للشهادة في محاكمة الإنسان أو في الخصومة القائمة بين الله وشعبه.

يسأل موسى السماء والأرض أن تنصتا له... ينادي النفس والجسد ليُسبحا معًا بنشيد حب الله ورعايته مقابل قسوة الإنسان وعصيانه. كلمات الله تحول القفر جنة، وكالندى تعطي برودة وسلامًا للنفس.

استخدم موسى النبي التسبحة للشكر وتمجيد الله (خر 15)، وها هو يستخدمها هنا للتعليم. بنفس الروح جاءت كثير من مزامير وتسابيح داود النبي تحت عنوان "من أجل التعليم". ويقول الرسول بولس: "لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى، وأنتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية بنعمة مترنمين في قلوبكم للرب" (كو 3: 16).

تعليم موسى ليس من عندياته، لكنه كالمطر النازل من السماء من عند الرب، وكما جاء في إشعياء: "لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعًا للزارع وخبزًا للأكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به، وتنجح في ما أرسلتها له" (إش 55: 10-11).

إنها لا تعتمد على حكمة البشر إنما "كالندى من عند الرب كالوابل على العشب الذي لا ينتظر إنسانًا ولا يصير لبني البشر" (مي 5: 7). المطر هو عطية الله، "لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة وأنتجت عشبًا صالحًا للذين فُلحت من أجلهم تنال بركة من الله" (عب 6: 7).

إنه ينطق بتعاليمه كالمطر الذي يبدأ بقطرات قليلة متوالية لكن سرعان ما تتحول إلى كميات ضخمة لا يستطيع أحد أن ينكرها. أو أن ما يعلنه موسى النبي هو كلمة الله التي تكون إما كالندى ترطب الكثيرين أو كالمطر الشديد أو السيول التي تهلك، كما حدث في أيام نوح. يكون التعليم فعّالاً وقويًا حين يصير كالندى والمطر الخفيف الذي لا يسبب إزعاجًا ولا يُسمع له صوت، فتدخل الكلمة إلى القلب بروح هادئ. "ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض" (مز 72: 6).

-     أتُريد أن تعرف بأية طريقة يُدعي المؤمنون سحابًا في الكتاب المقدس

يقول إشعياء:" وأوصى الغيم ألا يمطر عليه مطرًا" (إش 5: 6).

كان موسى سحابة، لذلك يقول:" يهطل كالمطر تعليمي" [2]. رسائل الرسل هي مطر روحي بالنسبة لنا. كحقيقة واقعة ماذا يقول بولس في رسالته إلي العبرانيين؟ "لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرًا" (عب 6: 7). مرة أخري يقول:" أنا غرست وأبُلس سقي" (1 كو 3: 6) [294].

القديس جيروم

-     إن كنا نحن البشر جميعًا نرغب في أن نروي حدائقنا، وإن لم توجد فيها مياه، نسحب المياه من البحر باذلين جهدًا عظيمًا، فإنه كم بالأكثر يلزم أن نبذل بالأكثر لكي نمد خضراوات أجسادنا (بالمياه) هذه التي في جنة الرب، أي في كنيسة الله، فنروي الأماكن الجافة بالمياه، ونلين الأماكن القفر بأنهار الكتاب المقدس والمجاري الروحية أو ينابيع الآباء القدامى، لكي بعد هذا نقتلع ما هو ضار ونغرس ما هو نافع؟

كما جاء في الرسول بولس نقول نحن خلفاؤه، وإن كنا أقل منه قدرة: "أنا غرست وأبلس سقي، ولكن هو الذي ينمي" (1 كو 3: 6).

فبمعونة الله يليق بنا أن نتمم ما هو من جانبنا، لنستمر في الغرس والسقي، فإننا إن تممنا التزامنا فإن الله يقدم إحسانه[295].

الأب قيصريوس

2. عظمة الله وبره:

"إني باسم الرب أُنادي. أعطوا عظمة لإلهنا. هو الصخر الكامل صنيعه. إن جميع سبله عدل، إله أمانة، لا جور فيه، صديق وعادل هو" [3-4].
ما هو التعليم الذي يقدمه موسى كالمطر النازل على الأرض ليحولها إلى جنة مثمرة؟

أولاً: عظمة الله التي تظهر في رعايته لخليقته، فهو "الصخر الكامل في صنيعه"، وقد تكررت كلمة "الصخر" في الأصحاح ست مرات، وكأنه هو الصخر لكل خليقته التي أوجدها في الأيام الستة. إنه الصخرة غير المتزعزعة، عليه تُبنى الكنيسة وفيه تختفي، فلا يلحق بها ضرر.

ثانيًا: الله "كامل في صنيعه"، كل ما خلقه صالح. وبالتالي هو صالح وكامل في عنايته بخليقته، كل ما يسمح به هو لخير شعبه. وكما يقول الحكيم: "قد عرفت أن كل ما يعمله الله أنه يكون إلى الأبد، لا شيء يُزاد عليه، ولا شيء ينقص منه" (جا 3: 14-15). عمل الإنسان مهما كان فاضلاً فهو غير كامل، أما عمل الله فكامل جدًا. لذا يقول السيد: "متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطّالون" (لو 17: 10).

ثالثًا: الله عادل وأمين، ليس فيه جور. وكما يقول النبي: "من هو حكيم حتى يفهم هذه الأمور؟! وفهيم حتى يعرفها؟! فإن طرق الرب مستقيمة والأبرار يسلكون فيها، وأما المنافقون فيعثرون فيها" (هو 14: 9). إنه الحق الذي لن يوجد فيه باطل ولا كذب، لا يخطئ قط متى أدّب. يعرف ما هو لبنيان الإنسان وما هو لصالح الجماعة، دون أن يظلم أحدًا. وكما يقول المرتل: "ليخبروا بأن الرب مستقيم، صخرتي هو ولا ظلم فيه" (مز 92: 15).

يُدعي الله "أمينًا" (1 كو 10: 3)، ويُدعى الإنسان أمينًا. يقول البابا أثناسيوس أن كلمة "أمين" تحمل معنيين في الكتاب المقدس، الأول "الإيمان" و"الثقة" وهذا يناسب البشر، والمعنى الثاني أنه "موضع ثقة" وهذا يناسب الله. فإبراهيم كان أمينًا لأنه آمن بكلمة الله، والله أمين كقول داود في المزمور: "الرب أمين في كل كلماته" (مز 145: 14 LXX)، لن يكذب[296].


3. انحراف الشعب وحنثه بالعهد:

مع أمانة الله التي لا يشوبها شائب انحرف الشعب وفي غباوة حنث بوعده مع الله. يقدم النبي مقابلة بين سمات الله وسمات شعبه. الله عظيم في حبه وعدله وحكمته، كالصخر لا يتغير يتكئ عليه المؤمنون في طمأنينة، وفيه يحتمون. لا تستطيع الحية أن تزحف على الصخر، لذا من يختبئ فيه لا تصيبه لدغات العدو. أيضًا من الصخر فاضت المياه للشعب في البرية [20]. أما الشعب فأفسد نفسه (هو 13: 9)، إذ في غباوة تجاهلوا أبوة الله. لكل إنسان ضعفاته حتى أولاد الله، أما هؤلاء فجيل ملتوٍ أعوج، محتاج أن يذكر عمل الله مع آبائهم ليرجعوا عن فساد قلوبهم.

"أفسد له الذين ليسوا أولاده عيبهم. جيل أعوج ملتوٍ. الرب تكافئون بهذا يا شعبًا غبيًا غير حكيم؟! هو عملك وأنشأك" [5-6].

بسلوكهم المعوج في معاملاتهم مع الله الأمين لم يضيروا الله في شيء إنما أفسدوا أنفسهم. هم مصدر خطيتهم، وهم علّة فسادهم وهلاكهم. وكما قيل: "هلاكك يا إسرائيل أنك عليّ على عونك" (هو 13: 9). "إن كنت حكيمًا فأنت حكيم لنفسك، وإن استهزأت فأنت وحدك تتحمل" (أم 9: 12).

كأنه يُعاتبهم قائلاً: ها أنتم تهلكون أنفسكم بإرادتكم الشريرة مدعين أنكم أولاد الله وأنكم منتسبون له. هل هذه هي المكافأة التي تقدمونها لله أبيكم والذي اقتناكم له؛ هذا الذي خلقكم وأوجدكم كأمة وشعب خاصٍ به؟!" إنه أب عجيب خلقهم وعالهم حتى في البرية ورعاهم وحمل أثقالهم، أفلا يشعرون بأحشائه الملتهبة حبًا لهم؟! ما يفعلونه إنما من قبيل الجحود وتجاهل حب الله وغنى بركاته عليهم. وكما يقول النبي: "فإن للرب خصومة مع شعبه، وهو يحاكم إسرائيل. يا شعبي ماذا صنعت بك؟ وبماذا أضجرتك؟ اشهد عليَّ. إني أصعدتك من أرض مصر وفككتك من بيت العبودية، وأرسلت أمامك موسى وهرون ومريم. يا شعبي أذكر بماذا تآمر بالاق ملك موآب، وبماذا أجابه بلعام بن بعور..." (مي 6: 2-5). إنه ضلال جنوني، إذ يقول: "يا شعبًا غبيًا غير حكيم؟!"

يميز هنا بين الخطايا التي تصدر عن ضعف مع شوق حقيقي للقداسة وجهاد من أجل البرّ في الله، وبين الخطايا التي تصدر عن عمدٍ وفي إصرارٍ دون رغبة حقيقية في التوبة والرجوع إلى الله. الأولى تصدر عن أولاد لله محبين ومجاهدين، والثانية تصدر عن مقاومين للحق. إنهم يخدعون أنفسهم فيظنون أنهم أولاد الله بينما هم مقاومون له.

"هو عملك وأنشأك" [6] كل البشر خليقة الله، ولكن المفديين فقط هم أولاده الحقيقيون (يو 1: 12).


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 32 جـ2 PDF Print Email

4. تذكير الشعب بأعمال الله:

إذ وجه الاتهام إلى الشعب في كسره للعهد مع الله دعاهم إلى إصلاح الموقف بتذكر معاملات الله معهم في الماضي عبر الأجيال ومنذ القدم، موضحًا كيف اهتم الله بهم، مقدمًا لهم كل إمكانية.

أولاً: اختار الله شعبه نصيبًا له.

"اذكر أيام القدم وتأملوا سني دورٍ فدورٍ. اسأل أباك فيخبرك، وشيوخك فيقولوا لك. حين قسم العلي للأمم، حين فرق بني آدم نصب تخومًا لشعوب حسب عدد بني إسرائيل. إن قسم الرب هو شعبه. يعقوب جبل نصيبه" [7-9].

يليق بالمؤمن أن يتعلم من آبائه ليس فقط كلمة الله ووصاياه (تث 6: 7؛ خر 12: 26-27)، وإنما عمله معهم عبر العصور. وكما يقول المرتل: "لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع. أقام شهادة في يعقوب، ووضع شريعة في إسرائيل التي أوصى آباءنا أن يعرفوا بها أبناءهم. لكي يعلم الجيل الآخر. بنون يولدون فيقومون ويُخبرون أبناءهم، فيجعلون على الله اعتمادهم ولا ينسون أعمال الله بل يحفظون وصاياه" (مز 78: 4-7).

كما يليق بالآباء أن يعلموا أولادهم وصايا الرب ويخبروهم عن عنايته العملية معهم، يليق أيضًا بالأبناء أن يشتاقوا إلى معرفة هذه الأمور لكي تكون خير قائد ومرشد لهم في طريقهم.

بالعودة إلى التاريخ الذي يشهد به الآباء والشيوخ، ندرك أن الله حين فصل أبناء آدم إلى أمم وشعوب وضع حدودًا كان يجب أن تلتزم بها ولا تتعدى أمة على أمة، أما بالنسبة لإسرائيل فجعل لها معزة خاصة إذ حسبها شعبه الخاص.

لقد دعيت أفريقيا بلد حام (مز 78: 51، 105: 23، 27؛ 106: 22)، وغالبًا ما صارت له ولنسله من بعده، وكانت أوربا من نصيب يافث، وآسيا من نصيب سام، أما أرض فلسطين فحسبت من نصيب الرب، يقدمها لشعبه الخاص. تقسيم العالم هكذا إلى ثلاثة أقسام بين أبناء نوح الثلاثة دُعي بالهجرة العامة، وقد تحققت بعد حوالي قرنين من عصر نوح. هذا تم قبل برج بابل بخمسة قرون حيث تفرقت البلاد إلى شعوب كثيرة بلغات مختلفة.

جاء في الترجمة السبعينية: "حين قسم العليّ للأمم، حين فرّق بني آدم نصب تخومًا لشعوبٍ حسب عدد ملائكة الله"، وكأن الله ائتمن كل أمة في يد ملاكٍ. أما بالنسبة لشعبه فاستلم قيادته بنفسه بكونهم نصيبه الخاص.

جاء في التقليد اليهودي كما في المسيحية الأولى أن الله قد عين ملاكًا خاصًا لكل أمة أو شعب، لكن الملاك لا يُلزم الأمة على سلوك معين. أما بالنسبة لكنيسة العهد القديم كما الجديد فقد عين رئيس الملائكة رئيس جند الرب مدافعًا عنه، وإن كان قد عهدها لروحه القدوس لتكون له.

-     توجد هنا شهادة أن للقديسين ملائكة، بل ولكل البشر[297].

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البعض في قوله "حسب عدد بني إسرائيل" تعني أن كنعان وأولاده الإحدى عشر (تك 10: 15) عددهم 12 يقابل الرب ال 12 سبطًا لإسرائيل حيث ترث الأسباط أرض كنعان وأولاده.

بقوله إن قسم الأرض ووضع حدودًا أوضح أنه يليق بالبشرية إلا تصارع لكي تغتصب من بعضها البعض. وكما قال الرسول بولس: "وصنع من دمٍ واحدٍ كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم" (أع 17: 26)، ويقول المرتل: "السموات سموات للرب، أما الأرض فأعطاها لبني البشر" (مز 115: 16). هكذا قدَّم الأرض لبني البشر ليعيشوا معًا في سلام، كل يسند أخاه لا أن يصارع معه.

من العجيب أن الله خالق السماء والأرض، مالك الكل، يحسب شعبه نصيبه الذي يُسر به، إذ يرى فيه الجنة المغلقة (نش 4: 12) التي يتمشى فيها ويستريح. حقًا يمكن القول بأن الله نصيب المؤمن بكون الأخير محتاجًا إلى الأول، يجد فيه كنزه وغناه وشبعه وفرحه وبهجة قلبه، أما أن يحسب الله الإنسان نصيبه، هذا الذي لا يحتاج إلى شيء، فذلك من أجل تكريم الله للإنسان. إنه تنازل أبوي فائق، يحسب ابنه الذي لا يملك شيئًا خاصًا به، ونصيبه.

-     إن كانت رغبتنا أن نكون ميراث الرب ونصيبه، فلنكن في شجاعة وقوة... لا يكن فينا شيء ضعيفًا، لا شيء يكون مهزوزًا، لا يكون فينا شيء ما لا يصلح أن يكون ميراثًا. فإن المسيح يتمجد في قديسيه، قائلاً: ميراثي كامل (جذاب)[298].

القديس جيروم

كأن الله قد أخرج شعبه من العبودية، واهتم بهم في البرية، لا ليهبهم أرضًا تفيض عسلاً ولبنًا، وإنما يقدم لهم ذاته، فيصير هو نصيبهم، وهم نصيبه.

"وجده في أرض قفر، وفي خلاء مستوحش خرب. أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه" [10].

ماذا يقصد بقوله وجده في أرض قفر سوى أنها أرض مصر التي كانت مع كل خيراتها تحسب أرض قفر، لأن الشعب كان تحت السخرية، ساقطًا في العبودية تحت يد فرعون القاسية. وربما يقصد البرية التي خرجوا إليها من مصر في طريقهم إلى أرض كنعان. كانوا في برية موحشة خربة، لكن الله أحاط بهم كمظلة يحتمون تحتها. فقد صار كسحابة تظللهم نهارًا، وكعمود نور يقودهم ليلاً. وكما يقول إستفانوس رئيس الشمامسة عن موسى النبي: "هذا هو الذي كان في الكنيسة في البرية مع الملاك الذي كان يكلمه في البرية ورعاهم وعلمهم".

لقد سمح ببقائهم في البرية طوال هذه المدة لكي يعزلهم عن العالم فينسون كل ما تعلموه من رجاسات وثنية في مصر، ولكي يصير الرب نورًا لهم ومظلة تحميهم، يقدم لهم طعامًا من السماء وشرابًا من الصخرة، ولا يحتاجون إلى ملابس ولا أحذية ولا أدوية، فيكون الله وحده هو شبعهم.

يقول المرتل: "وهداهم طريقًا مستقيمًا ليذهبوا إلى مدينة سكن" (مز 107: 7). دائمًا يقودنا الرب في الطريق المستقيم حتى وإن بدا أنه تيه في البرية نسير كما في دائرة مغلقة. لقد علمنا كيف نهتم بالرعاية الهادئة الطويلة للأجيال القادمة كما رعى شعبه أربعين عامًا في البرية.

"وصانه كحدقة عينه" [10]. يمكننا القول أن الله هو حدقة عيننا، به نرى الأمور غير المنظورة، ونتمتع بمعونة أسراره الإلهية. أما أن نصير نحن كحدقة عينه فهذا أمر عجيب وفائق في تقدير الله للإنسان. لا يوجد حب أعظم من هذا أن الخالق يحسب الإنسان كحدقة عينه، يهتم به ويحفظه ويصونه كمن يريد أن يحفظ بصره. يا له من تنازل إلهي فائق!

يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص بين عبارة معرفة موسى لله وجهًا لوجه وبين شوق العروس لقبلات عريسها بلا انقطاع حيث تتغنى: "ليقبلني بقبلات فمه" (نش 1: 2). فإنها إذ تلتقي النفس بالله وتتقبل منه قبلاته يزداد شوقها بالأكثر إليه لتطلب قبلات فمه بعد رؤيتها له. تطلب الله كما لو لم تكن قد رأته قط من قبل، ولا تتوقف هذه الرغبة قط من داخلها مع كل تمتع بالله يلتهبون برغبات متزايدة أكثر فأكثر[299].

"كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه، ويأخذها ويحملها على مناكبه، هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي" [11-12].

يحرك النسر عشه ثم يبسط جناحيه ويرف على جناحيه لكي يلزم صغاره على الاستعداد لترك العش والتمرن على الطيران. هكذا حرك الله كل ما هو حول شعبه بالضربات العشرة لكي يحركهم للرحيل من أرض مصر، والطيران في البرية لكي يدخلوا إلى أرض الموعد أو بالأحرى لكي يحملهم إليه. إذ يقول: "وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ" (خر 19: 4).

محبة النسور لصغارها ليس أن تحميها فحسب، بل أن تعلم صغارها وتدربهم على الطيران، فهي ليست محبة خاملة قاتلة لهم، لكنها محبة عاملة تسند الصغار وتهبهم إمكانيات جديدة. هكذا يحرك الله حياتنا لكي تنطلق في برية هذا العالم وسط الآلام كمن يطير إلى حضن الله، ونجد لنا فيه استقرارًا وراحة. إنه لا يحركنا نحو الحياة المترفة المدللة، لكن لكي يحمينا ويحوط حولنا وفي نفس الوقت نطير كما إلى السماء غير مبالين بضيقات العالم وتجاربه.

سبق أن تحدثنا عن جناحي الله أثناء دراستنا لسفر المزامير (مز 17: 8)، ورأينا أن جناحي الله هما المحبة والرحمة كقول القديس أغسطينوس[300]. كما يشيرا إلي جناحي الكاروبيم المظللين علي تابوت العهد حيث كان مجد الله يظهر هناك. ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أنه يليق بالمؤمن ليس فقط أن يحتمي تحت جناحي الله، وإنما أن يسترد جناحيه اللذين فقدهما بالخطية.

-     جناحا الله يمثلان قوة الله وبركاته وعدم فساده وما إلي ذلك.

كل هذه الخصائص الإلهية وُجدت في الإنسان حينما كان يشبه الله في كل شيء. لكن انحرافنا إلي الشر سلبنا أجنحتنا، ومن ثم أُعلنت نعمة الله لنا وأنارتنا. برفضنا الفساد والشهوات العالمية ينمو فينا جناحا القداسة والبر من جديد[301].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

-     يمكن تفسير هذه العبارة (تث 32: 11؛ مز 91: 1) بخصوص المخلص، إذ قدَّم لنا ظل (ملجأ) جناحيه علي الصليب... لقد ارتفعت يد الرب إلي السماء ليس طلبًا لمعونة، وإنما لكي تظللنا نحن خليقته البائسة[302].

القديس جيروم

وحده حرك شعبه للخلاص، أما الآلهة الأجنبية الوثنية فكانت عاجزة عن تقديم الخلاص للمصريين.

"اركبه على مرتفعات الأرض فأكل ثمار الصحراء، وأرضعه عسلاً من حجر، وزيتًا من صوَّان الصخر" [13].

قدم لشعبه المستحيلات، فأخرج لهم من الصحراء ثمارًا ومن الحجر عسلاً ومن صوان الصخر زيتًا [13]، أما أروع ما قدمه فهو دمه الثمين: "دم العنب شربته خمرًا" [14].

بقوله "اركبه مرتفعات الأرض" يقصد أنه خرج به إلى نصرات متوالية، لا يعرف السقوط والهزيمة، بل يعيش دومًا كما على القمم العالية. عِوض خبز المذلة الذي كانوا يأكلونه في مصر تحت العبودية جلسوا على قمم الجبال يأكلون ثمار الصحراء حيث الحرية والكرامة.

ولعلّه يقصد بمرتفعات الأرض أن الشعب انطلق إلى جبال كنعان، هناك الخضرة والثمار الفائضة، يتمتعون بالعسل الذي يقدمه النحل في وسط الحجارة، والزيت الذي من أشجار الزيتون التي تملأ المنطقة.

إنها صورة حيّة للمسيحي الذي ينطلق كما إلى عربون السماء فيحيا في المرتفعات، لا سلطان للخطية عليه، يأكل من ثمر الروح في وسط برية هذا العالم، ويتمتع بعذوبة المسيح كالعسل، ومن زيت الروح القدس الذي يسند النفس ويملأها صحة وسلامًا.

"وزبدة بقر ولبن غنم مع شحم خرافٍ وكباشٍ أولاد باشان وتيوس مع دسم للشعب (كلية) الحنطة، ودم العنب شربته خمرًا" [14].

يقدم الله لنا الزبدة والشحم كطعام روحي للناضجين، واللبن كشرابٍ للأطفال الصغار. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). يقدم مع الطعام الروحي الشراب الروحي، الخمر، الذي يشير إلى الفرح. فهو يشبع احتياجات الكبار والصغار، ويهب الكل فرحًا داخليًا.

نحن نعلم أن الحيوانات لا النباتات لها الكلية kidney، أما هنا فيقول "من دسم كلية الحنطة"، وكأن الحنطة تقدم غذاء نقيًا دسمًا خالصًا من كل شوائب كما تفعل الكلية.

-     ما هو عنقود العنب المتدلي من الخشب إلا ذاك العنقود الذي تدلّى من الخشبة في الأيام الأخيرة، والذي صار دمه مشربًا مخلِّصًا لمن يؤمن به؟! "اشربوا دم العنب". إنه يقصد بهذا الآلام المخلصة[303].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 32 جـ3 PDF Print Email

5. شعب جاحد:

بعد أن عرض موسى النبي في نشيده راية الله العجيبة من كل ناحية تحدث عن ارتداد إسرائيل عن الله.

"فسمن يشورون ورفس، سمنت وغلظت واكتسبت شحمًا، فرفض الإله الذي عمله وغبي عن صخرة خلاصه" [15].

"يشورون" [15] اسم شعري حبي لإسرائيل يترجم في السبعينية "المحبوب".

يشبِّه إسرائيل بفرسٍ أكل وشبع وسمن وغلظ وامتلأ شحمًا، فبدأ يرفس صاحبه الذي أوجده، وفي غباوة استهان بالله صخرة خلاصه. قدَّم الله لهم من خيراته فعِوض تقديم ذبيحة شكر له، يرفعون أقدامهم ليرفسوا الله نفسه. عندما يوبخهم الله خلال أنبيائه يثورون كبقرة جامحة وثورٍ غير معتاد أن يحمل النير. بكبريائهم لا يحتملون كلمة توبيخ حتى إن صدرت من الله خالقهم.

-     ليس الجسد ولا الطعام هما من الشيطان إنما الترف وحده هو هكذا[304].

-     هذه (الأحزان) تسحب الرحمة، وتقدم لنا الحنو، ومن الجانب الآخر فإن ذاك (الغنى) يرفعنا إلى كبرياء غبي ويقودنا إلى الكسل، ويدفع الإنسان إلى مظاهر كثيرة تجعله متشامخًا. لهذا يقول المرتل: "خير ليّ يا رب أنك أذللتني فأتعلم أحكامك" (مز 119: 71)... كما "الرب يعرف عندما يقضي أحكامًا" (مز 9: 16) [305].

القديس يوحنا الذهبي الفم

-     مديح الهراطقة هو الدهن الذي يمسحون به رؤوس البشر ويعدونهم بملكوت السماوات. هذا يجعل الرأس سمينة بالكبرياء. في الكتاب المقدس كل ما هو سمين يعبر عما هو غير مقبول، إذ قيل: "أكل يعقوب وشبع، سمن ورفس، سمن وغلظ وصار نهمًا" [15] [306].

القديس جيروم

أما أخطر علامة للثورة ضد الله فهي عبادة الأوثان:

"أغاروه بالأجانب، وأغاظوه بالأرجاس. ذبحوا لأوثان ليست الله. لآلهة لم يعرفوها أحداثٍ قد جاءت من قريب لم يرهبها آباؤكم. الصخر الذي ولدك تركته، ونسيت الله الذي أبدأك" [16-18].

عبادة الأوثان هي أخطر مثل للارتداد عن الله، هذه التي خلالها يسقطون في الآتي:

أولاً: عِوض الخضوع لله بروح الطاعة والحب، يغيظون الله بالعصيان والبغضة، مقدمين قلوبهم التي هي عرش الله كرسيًا للأوثان.

ثانيًا: عِوض القداسة يمارسون الرجاسات.

ثالثًا: يرفضون الله القريب منهم، أبوهم الذي ولدهم، ويرتبطون بالأجانب الغرباء عنهم، الذين لا يحملون لهم روح الأبوة والحنان. استبدلوا الأب بالغرباء.

رابعًا: قد يكون للأبناء شيء من العذر إن سقطوا في نفس العبادة الوثنية التي سقط فيها آباؤهم، أما أنهم يعبدون آلهة جديدة لم يسبق أن يتعبد لها آباؤهم فهم بلا عذر.

خامسًا: جاءت الآية [17] "ذبحوا للشياطين" في الترجمات السبعينية والفارسية والقبطية والفولجاتا.

6. تأديب الشعب الجاحد:

من أجل محبته لهم واهتمامه بخلاصهم يقوم الله بتأديب شعبه الجاحد بطرق كثيرة.

"فرأى الرب ورذل من الغيظ بنيه وبناته" [19].

هل يرذل الله بنيه وبناته؟ إذ التحف البنين والبنات بالخطية تطلع الرب القدوس إليهم فإذا بهم غير راغبين في الاتحاد معه، إذ لا يمكن أن تقوم الشركة بين القداسة والخطية. بهذا وضعوا أنفسهم في مركز المرذولين. وكما يقول المرتل: "وتنجسوا بأعمالهم، وزنوا بأفعالهم، فحمي غضب الرب على شعبه وكره ميراثه" (مز 106: 39-40).

"وقال: أحجب وجهي عنهم، وأنظر ماذا تكون آخرتهم. إنهم جيل متقلب أولاد لا أمانة فيهم" [20].

بقوله يحجب وجهه عنهم يعني يُعلن عن عدم سروره بتصرفاتهم، فإذا أعطوا الرب القفا لا الوجه، يصرف وجهه عنهم فلا يتمتعون بمسرته. يعاتبهم الرب قائلاً: "قائلين للعود أنت أبي، وللحجر أنت ولدتني؛ لأنهم حوّلوا نحوي القفا لا الوجه، وفي وقت بليتهم يقولون: قم خلصنا" (إر 2: 27). مع أنهم أولاد لكنهم فقدوا البنوة لله بسبب عدم أمانتهم، أو عدم جديتهم وثباتهم في الله أبيهم. صاروا أُناسًا تافهين بلا هدف، لا يُعتمد عليهم ولا يوثق فيهم.

"هم أغاروني بما ليس إلهًا. أغاظوني بأباطيلهم. فأنا أغيرهم بما ليس شعبًا، بأمة غبية أغيظهم" [21].

كثيرًا ما يقول الله: "أغاروني". اقتبس الرسول هذا في (رو 10: 19) ويتكرر الفكر في (هو 1: 9) وهدف الغيرة والسخط هذا هو جذب القلوب لترجع إليه.

إذ تجاهلوا أبوته الحانية وارتبطوا بالرجاسات يسمح بتأديبهم مستخدمًا ذات الشعب الذي تعلموا منه الرجاسات: "أنا أُغيرهم بما ليس شعبًا، بأمة غبية أغيظهم" [21]. ما يظنه الإنسان سرّ فرحه ولذته يتحول إلى إذلاله. قوله "أغِيرهم" تحمل الحب الإلهي فهو يثيرهم للتوبة. يرى القديس بولس (رو 10: 19) في ذلك نبوة عن قبول الأمم الإيمان لكي يرجع اليهود في آخر الأزمنة ويقبلوا المسيا المخلص. فكما رفض الشعب الإسرائيلي الله وتعبد لمن هو ليس إلهًا، هكذا رفض الله إسرائيل ودعا الأمم شعبًا مقدسًا له لكي يغيرهم، لعلهم يرجعون إليه ويتركون جحودهم للمخلص فيؤمنوا به في آخر الأيام.

-     يليق بهم من جهته أن يكونوا قادرين على تمييز الكارزين ليس فقط من جهة عدم إيمانهم فحسب، وعدم كرازتهم بالسلام (إش 52: 7)، وعدم تبشيرهم بالأخبار السارة، ولا من جهة الكلمة التي غرست في كل منطقة في العالم، ولكن من جهة الحقيقة عينها أنهم صاروا أقل من الأمم الذين صاروا في كرامة أعظم[307].

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إنه قد اشتعلت نار غضبي، فتتقد إلى الهاوية السفلى، وتأكل الأرض وغلتها، وتحرق أسس الجبال" [22].

إن كانوا يعتمدون على كثرة العدد، فإنهم كما بنار يحترقون فيهبطون إلى الهاوية، أي إلى منتهى البؤس والشقاء. وإن كانوا يثقون في قوتهم فستحرق أسس جبالهم، إذ لا يوجد حاجز ما يعوق التأديب الإلهي الذي يحل بالأشرار المقاومين للحق. يرى البعض أن هذه العبارة تحمل فكرًا نبويًا عن حرق الهيكل في أيام تيطس الروماني، حيث لا يبقى من الأساسات حجر على حجر (مت 24).

"أجمع عليهم شرورًا وأنفد سهامي فيهم" [23].


تشبه أحكام الله الخاصة بالتأديب كالسهام التي تطير بسرعة فائقة لا يمكن مقاومتها (أي 6: 4؛ مز 21: 8، 12؛ 38: 2-3؛ 64: 7؛ 91: 5). إن كان مسيحنا هو السهم الإلهي الذي يصوبه نحو النفس فتصرخ: "إني مجروحة حبًا" (نش 2: 5)، فإن تأديبات الرب أيضًا كالسهام التي تصوب نحو النفس لكي تنسحق بالتوبة فتعود ليشفيها المخلص من كل جراحاتها.

أما التأديبات التي يذكرها هنا فهي:

أولاً: الجوع "إذ هم خاوون (أو يحترقون) من جوع" [24].

يُسمح للإنسان بالمجاعة من الخبز المادي لكي يدرك مجاعته الداخلية، فيطلب الخبز النازل من السماء. وكما يقول: عاموس: "هوذا أيام تأتي يقول السيد الرب أُرسل جوعًا في الأرض، لا جوعًا للخبز ولا عطشًا للماء، بل لاستماع كلمات الرب" (عا 8: 11).

ثانيًا: الوباء والأمراض "ومنهوكون من حُمى" [24]، أو "من حرارة حارقة"، حيث لا تقدر مياه العالم كلها أن تهب النفس برودة وهدوءً، إنما دموع التوبة وحدها تنزع هذه الحرارة التي أثارها الفساد، أو النار التي أشعلتها الخطية.

ثالثًا:
الوباء "ودواء سام" أو "خراب مدمر"، فمن لا يبالي بما يصيب نفسه من وباء يسمح الله لجسده بالوباء ليُدرك ما حلّ بأعماقه.

رابعًا: هياج الخليقة ضده "أرسل فيهم أنياب الوحوش مع حمة زواحف الأرض" [24]. تتعطش الحيوانات المفترسة نحو افتراس الإنسان وتبث الثعابين سمومها، فيحيط الخطر بالإنسان من كل جانب.

خامسًا: الحروب وما تسببه من دمار في كل شيء.

"من خارج السيف يثكل، ومن داخل الخدور الرعبة. الفتى مع الفتاة، والرضيع مع الأشيب. قلت أبددهم إلى الزوايا، من الناس ذكرهم. لو لم أخف من إغاظة العدو من أن ينكر أضدادهم من أن يقولوا يدنا ارتفعت وليس الرب فعل كل هذه" [25-27].

إذ يستخدم الرب الأشرار لتأديب أولاده يعود ليرى هؤلاء الأشرار قد امتلأوا كبرياء حاسبين أن ما حدث ليس بسماحٍ إلهيٍ، وإنما بيدهم الرفيعة [27]، لذا يؤدبهم هم أيضًا بسبب إهانتهم لله.

أقسى التأديبات التي يسقط الإنسان فيها هو أن يسقط تحت يد أخيه الإنسان، خلال الحروب أو الأَسر أو العبودية. أمر السهام التي يلجأ إليها الله لتأديب الإنسان هو الإنسان نفسه، إذ يصير أحيانًا أكثر قسوة من الحيوانات المفترسة، بل وأكثر عنفًا من الموت، حيث يشتهي الإنسان الموت ليخلص من يد أخيه فلا يجده.

هكذا يضع الشرير نفسه في مرارة المُرّ، إذ يصير الله الرحوم مؤَدِبًا. يُعاني جسده من الجوع والعطش، ويصير كما في أتون نار ليس من إمكانية لإطفائه، ويحل الخراب بكيانه، وتهيج الطبيعة ضده، ويصير أخوه الإنسان سهمًا قاتلاً ومدمرًا له. هذا كله لكي يدرك الإنسان خطورة ما حل بأعماقه فيلجأ إلى الله مخلصه، فيرفعه ويسنده. ليحمل الإنسان مخافة الرب فلا يخاف من كل هذه الأمور، بل تتحول إلى بنيانه وتصير موضوع نصرته وإكليله.

لكن الله الذي لا يُريد هلاك الخاطئ بل أن يرجع ويحيا، لا يؤدب بلا حدود، ولا يغضب إلى الأبد، بل غضبه حب، وتأديباته للخلاص. لهذا يعود فيرحم شعبه الراجع إليه.

أولاً: يرجع عن غضبه لئلا يظن العدو الذي نال نصرة على الشعب فعل ذلك عن قوةٍ واقتدارٍ، وليس بسماح إلهي لتأديب شعبه [27].

ثانيًا: يليق بالشعب الساقط تحت التأديب أن يرجع إلى عقله، فيتمتع ببصيرة روحية، ليرى نهاية التأديب وغايته.

"إنهم أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم. لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأملوا آخرتهم" [28-29].

يليق بهم أن يتفطنوا لما يحدث معهم ويروا ما حل بهم من خراب، لا بسبب قوة العدو وحنكته العسكرية، وإنما بسبب رفض الشعب لله صخرته التي يحتمي فيها.

يدعو شعبه "أمة عديمة الرأي وبلا بصيرة"، فإنها إذ تركت الله فقدت الحكمة وأُصيبت بالعمى، ولم تدرك حقيقة الأمر.

بالمنطق البشري: "كيف يطرد واحد ألفًا، ويهزم اثنان ربوة؟" [30]. لا يمكن أن يتم ذلك "لولا أن صخرهم باعهم والرب سلمهم" [30]. ليس من مبررٍ آخر لدمارهم بهذه الصورة غير الطبيعية سوى تركهم لله حاميهم والمدافع عنهم، فسلمهم مؤقتًا للأعداء.

-     أمين هو ذاك الذي يقدر بأن ألفًا يطاردهم واحد، وعشرة آلاف يهربون أمام اثنين،

لأن النصرة في المعركة لا تتحقق بالعدد بل بالبر[308].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ اصحاح 32 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
<< Start < Prev 1 2 3 4 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


11 هاتور 1736 ش
21 نوفمبر 2019 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك