إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا توجد ضيقة دائمة تستمر مدى الحياة لذلك في كل تجربة تمر بك قل : مصيرها تنتهي سيأتي عليها وقت وتعبر فيه بسلام إنما خلال هذا الوقت ينبغي أن تحتفظ بهدوئك وأعصابك ، فلا تضعف ولاتنهار ، ولاتفقد الثقة في معونة الله وحفظه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر التثنية

+ تفسير سفر التثنية +



تفسير سفر التثنية اصحاح 11 جـ2 PDF Print Email

ثالثًا: أن تحل عليهم بركة الرب. يرى البعض أن المصريين إذ كانوا يقطنون في الوادي بجوار نهر النيل لا يعتمدون على بركة السماء مثل سكان أرض كنعان الذين يعتمدون بالكلية على مياه الأمطار، إذ أن الأمطار في مصر نادرة.

"لأن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها ليست مثل أرض مصر التي خرجت منها، حيث كنت تزرع زرعك وتسقيه برجلك كبستان بقول. بل الأرض التي أنتم عابرون إليها لكي تمتلكوها هي أرض جبال وبقاع. من مطر السماء تشرب ماءً. أرض يعتني بها الرب إلهك. عينا الرب إلهك عليها دائمًا من أول السنة إلى آخرها" [10-12].

يتحدث الله مع شعبه كما مع طفلٍ صغيرٍ لم يبلغ بعد إلى النضوج؛ يقدم بركاته لهم من أرض خصبة وأمطار مبكرة ومتأخرة، ورعاية إلهية لكل احتياجاتهم الزمنية. هذه كلها تحمل مفاهيم رمزية يتمتع بها الناضجون روحيًا، عِوض الأرض يرون السماء بين أيديهم، وعِوض المطر يستقبلون روح الله القدوس حالاً في داخلهم، وعِوض العناية الإلهية باحتياجاتهم المادية يقدم الله ذاته هبة وعطية لهم.

يقدم لنا موسى النبي مقارنة بين أرض مصر وأرض كنعان، فأرض مصر التي كانت أرض العبودية بالنسبة لليهود تعتمد على مياه النيل والينابيع التي  تحت الأرض، أما أرض الموعد كنعان، فتعتمد على مياه الأمطار. الأولى ترتوي بمياه من تحت الأرض، والأخرى ترتوي بمياه من السماء. وكما يقول القدِّيس جيروم: [قام إبراهيم بكل هذه (الرحلات) لكي يسكن في أرض الموعد التي ترتوي من فوق، وليس كمصر من أسفل... إنها أرض التلال والوديان التي ترتفع فوق البحر. لا يوجد فيها إغراءات العالم نهائيًا، بل الإغراءات الروحية العظمى. مريم أم الرب تركت الأراضي المنخفضة (السفلية) وانطلقت في طريقها على التلال وذلك بعد سماعها رسالة الملاك، وتحققت أنها تحمل في داخلها ابن الله (يو 1: 26، 31، 39) [115]].

الري في مصر هو المشكلة الرئيسية، إذ يجب تجهيز القنوات لمياه النيل، ولكن الري في كنعان يتم بنعمة الله، إذ ينزل المطر بدون تعب البشر. ففي الخريف ينزل المطر المبكر وقت البذار، وفي الربيع ينزل المطر المتأخر وقت الحصاد (يع 5: 7) وهكذا يذكرنا الري في كنعان دومًا بعناية الله المدبرة، ويعطي مثالاً لحياة المسيحي الذي يهبه الرب بدون تعب، ما يجاهد الآخرون في نواله.

في كنعان تعتمد الزراعة على الأمطار في مواسم معينة، ليس في سلطان الإنسان أن يتحكم فيها. لهذا فإنه كل أمة لا تصعد إلى أورشليم لتسجد للملك رب الجنود يحل عليها غضب الله وتُنزع عنها البركة، وقد رُمز لذلك بالحرمان بالمطر، إذ قيل في زكريا: "ويكون أن كل من لا يصعد من قبائل الأرض إلى أورشليم ليسجد للملك رب الجنود لا يكون عليهم مطر؛ وإن لا تصعد ولا تأتِ قبيلة مصر ولا مطر عليها تكن عليها الضربة التي يضرب بها الرب الأمم الذين لا يصعدون ليعيدوا عيد المظال" (زك 14: 17-18).

تعبير "تسقيه برجلك" [10] يفهمه الفلاحون القدامى حيث كانوا أحيانًا بقدمهم يحركون قليلاً من الطمي فتتدفق المياه من مجرى إلى آخر لتسقي الأرض. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هكذا في لحظات يستطيع الفلاح بقدمه أن يروي بستانه، وعندما يرتوي البستان يعيد الطمي من جديد حتى لا يغرق الزرع الصغير. كما أن هذا التعبير يحمل معنى أن السقي في قدرته إتمامه وتحت سلطانه، يعتمد على ذراعه البشري.

كان الفلاحون في مصر ينزلون بأرجلهم في الوحل ويهيئون مجاري المياه لتسقي الزرع، أما في كنعان فيجلسون في بيوتهم ويستريحوا ويقوم الله بسقي زرعهم بمياه الأمطار التي تدعى "أنهار الله أو سواقيه". وكما يقول المرتل: "تعهدت الأرض وجعلتها تفيض، تغنيها جدًا، سواقي الله ملآنة ماء" (مز 65: 9). هكذا يوجه الله أنظارنا لا إلى الأرض (نهر النيل)، بل نحو السماء (الأمطار)، لكي يسقي نفوسنا وأجسادنا بمياه روحه القدوس السماوي، فيتحقق الوعد الإلهي معنا: "أكون لإسرائيل كالندى" (هو 14: 5). وكما قال برنابا وبولس: "هو يفعل خيرًا، يعطينا من السماء أمطارًا، وأزمنة مثمرة، ويملأ قلوبنا طعامًا وسرورًا" (أع 14: 17).

لعل أعظم عطية قُدمت لهم هي: "عينا الرب إلهك عليها دائمًا من أول السنة إلى آخرها" [12]. إذ نعتمد على عناية الله المباشرة، وتتطلع أنظارنا نحو السماء تترقب مياه محبته، نراه متطلعًا إلينا بلا انقطاع من أول السنة إلى آخرها. الله في حبه لشعبه يود أنهم يرفعون أعينهم نحوه فتلتقي أعينهم بعينيه.

3. اعبد الرب بكل قلبك فتشبع:

من يشتهي بالحب أن يحفظ الوصية ترتفع أنظاره نحو الله، فيرى الله متطلعًا إليه بنظرات حب فائقة، وتفيض عليه ينابيع مياه الروح القدس لتروي بستان الحب الداخلي.

"فإذا سمعتم لوصاياي التي أنا أوصيكم بها اليوم لتحبوا الرب إلهكم وتعبدوه من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم، أعطي مطر أرضكم في حينه المبكر والمتأخر" [13-14].

ما هو هذا المطر المبكر إلا الروح القدس الذي عمل مبكرًا في العهد القديم حيث كانت بذار كلمة الله تغرس في أرض الإنسان، وأما المطر المتأخر فهو عطية الروح القدس في العهد الجديد. لهذا بعد أن تحدث هوشع النبي عن عمل قيامة المسيح فينا أشار إلى عطية الروح القدس بالمطر المتأخر، إذ يقول: "يُحْيينا بعد يومين، في اليوم الثالث يقيمنا أمامه. لنعرف فلنتتبع لنعرف الرب. خروجه يقين كالفجر يأتي إلينا كالمطر، كمطرٍ متأخر يسقي الأرض" (هو 6: 2-3). إنه يهب روحه للإنسان كمدينة تتمتع بالمطر عطية الله، "وأمطرت على مدينة واحدة، وعلى مدينة أخرى لم أمطر" (عا 4: 7).

المطر المبكر يسقط في نوفمبر في منطقة اليهودية بعد وضع البذار في التربة وتهيئة الأرض للزراعة، أما المطر المتأخر فيسقط في إبريل حيث يكون القمح قد نما ويحتاج إلى مياه، فتمتلئ السنابل بالقمح. بدون المطر المبكر لا يمكن البدء في الزراعة، وبدون المتأخر لا تأتي الزراعة بالمحصول اللائق.

الأرض التي تتمتع بالمطر المبكر والمتأخر تنتج المحاصيل التالية:

أولاً: محاصيل للإنسان "فتجمع حنطتك وخمرك وزيتك" [14]. وكما يقول المرتل: "المنبت... خضرة لخدمة الإنسان لإخراج خبز من الأرض، وخمر تفرح قلب الإنسان لإلماع وجهه أكثر من الزيت، وخبز يسند قلب الإنسان" (مز 104: 14-15).

إذ يعمل الروح القدس فينا نجمع من أرض قلبنا التي تقدست به حنطة فنأكل من خبز الملائكة، ونشرب خمرًا روحيًا فنفرح بالرب، وننال زيتًا حيث نُمسح للرب كهنة وملوكًا. نتمتع بالشبع الداخلي والفرح الروحي والكرامة المقدسة في الرب.

ثانيًا: الطعام للحيوانات "وأعطي لبهائمك عشبًا في حقلك، فتأكل أنت وتشبع" [15]. يهتم الله حتى بالحيوانات والطيور من أجل الإنسان. يقول المرتل: "تشبع أشجار الرب أرز لبنان الذي نصبه، حيث تعشش هناك العصافير، أما اللقلق فالسرو بيته. الجبال العالية للوعول، الصخور ملجأ للوبار" (مز 104: 16-18).

إن كان الله يهب النفس شبعًا وفرحًا وكرامة (حنطة وخمرًا وزيتًا) فإنه أيضًا يشبع احتياجات الجسد، معطيًا للبهائم عشبًا. أما الإنسان الذي ينحرف عن الحب ويرفض الوصية فتصير حياته قفرًا لا بستانًا، ويفقد حياته.

"فاحترزوا من أن تنغوي قلوبكم، فتزيغوا وتعبدوا آلهة أخرى، وتسجدوا لها. فيحمى غضب الرب عليكم ويغلق السماء، فلا يكون مطر، ولا تعطي الأرض غلتها. فتبيدون سريعًا عن الأرض الجيدة التي يعطيكم الرب" [16-17].

يليق بالمؤمنين أن يكونوا حذرين لئلاَّ يخدعهم أحد، فتنحرف قلوبهم عن الله إلههم، فيكون ثمر هذا الانحراف الآتي:

أولاً:
حلول غضب الرب عليهم، عوض تمتعهم بتلاقي أعينهم بعيني الرب الناظرتين عليهم ليلاً ونهارًا يُحرمون من نظرات الرب الحانية، وحضرته واهبة كل بركة. يتطلع المؤمن إلى وجه الله فيجذبه إلى عينيه مترنمًا: "عيناه كالحمام على مجاري المياه مغسولتان باللبن، جالستان في وقبيهما" (نش 5: 12)، أما الأشرار فيصرخون: "عيناه كلهيب نارٍ" (رؤ 1: 14).

ثانيًا:
انغلاق السماء أمامهم، فتصير كالنحاس، لا تقدم لهم مطرًا، ولا تنفتح أبوابها أمامهم. يُحرم الأشرار من مطر الروح القدس، فتتحول أعماقهم إلى قفرٍ، وإلى مسكن للأرواح الشريرة. وتجد الخطايا لها فيها مسكنًا، بكونها وحوش برية ضارية.

ثالثًا: تمتنع أرضهم عن الإثمار، حيث لا نجد فيها أثرًا لثمار الروح القدس من محبة وفرح وسلام الخ، بل تمتلئ من الشوك والحسك.

رابعًا:
يهلكون سريعًا، ويُحرمون من الحياة على الأرض الجديدة. فبعدما نالوا الحياة الجديدة وإمكانية التمتع بالسمويات تُسحب منهم كل هذه النعم الإلهية، ويفقدون ما سبق أن تمتعوا به.

4. سمر وصاياه على قلبك فتختبر أيام السماء:

إذ يهبنا الله روحه القدوس، مطرًا مبكرًا ومتأخرًا، يحوِّل أعماقنا إلى فردوس مملوء من ثمر الروح. أما من جانبنا فبالروح القدس الساكن فينا نقدس كل ما لنا لحساب الوصية الإلهية: القلب والنفس والحواس من لمس ونظر وكلام، حتى النوم واليقظة والمسكن.

أولاً: تكريس القلب للوصية الإلهية، "فضعوا كلماتي هذه على قلوبكم" [18]. إنها كنز ثمين وعزيز علينا جدًا، لا نثق أن نودعها في مخازنٍ خارجية، بل مخزنها هو القلب بكل طاقات الحب التي فيه. فيه نخفي الوصية ونحوط بها بكل عواطفنا ومشاعرنا، كمن يحفظها فتحفظه هي.

ثانيًا: تكريس النفس للوصية، "ونفوسكم" [18]. تعاملنا معها ليس على مستوى المظهر الخارجي المجرد، لأنها إذ تختفي في النفس تُخرج كل التصرفات لتظهر كثمرٍ طبيعيٍ ورد فعل لسكناها داخل النفس. تقطن فينا، فنقطن نحن أيضًا فيها.

ثالثًا:
تكريس كل أعمالنا ولمسات أيدينا بالوصية، "واربطها علامة على أيديكم" [18]. لننقشها على أيدينا، فينقش الله أسماءنا على كفيه، "هوذا على كفي نقشتك" (إش 49: 16). وكما سبق فقلنا أنه لا تزال عادة وضع علامة على اليد أو الإصبع ليتذكر الإنسان أن يمارس عملاً هامًا يلتزم به. هكذا إذ نربط أيدينا بالوصية لا ننسى قط التزامنا نحو الله بأن نرد له حبه بالحب.

رابعًا:
تكريس نظراتنا للوصية، "ولتكن عصائب بين عيونكم" [18]، لا نرى أحدًا أو شيئًا إلا من خلالها. بالوصية تصير لنا نظرة جديدة نحو الله والإنسان والعالم والجسد والزمن وكل ما يحيط بنا أو في داخلنا.

خامسًا: تكريس اللسان للوصية، "وعلّموها أولادكم متكلمين بها حين تجلسون في بيوتكم، وحين تمشون في الطريق" [19]. مع القريب والغريب ليس لنا ما نتحدث به معهم سوى كلمة الرب.

سادسًا: تكريس لحظات النوم واليقظة للوصية، "وحين تنامون وحين تقومون" [19].

سابعًا: تكريس المسكن للوصية، "واكتبها على قوائم أبواب بيتك، وعلى أبوابك" [20].

يعود فيؤكد البركات التي تحل بهم بحفظهم الوصية والطاعة:
أولاً: حياة مثمرة وممتدة ومباركة

"لكي تكثر أيامك وأيام أولادك على الأرض التي أقسم الرب لآبائك أن يعطيهم إيّاها كأيام السماء على الأرض" [21].

تحول الوصية أيامنا على الأرض إلى أيام سماوية. كل لحظة من لحظات عمرنا لها تقديرها في عيني الله. إننا كمؤمنين حقيقيين يلزمنا أن نحمل ربنا يسوع المسيح السماوي في قلوبنا، فتصير السماء ليست ببعيدة عنّا، بل أقرب إلينا من كل ما هو حولنا. نحمل ربنا يسوع المسيح مع سمعان الشيخ على أذرعنا الداخلية، ونطوف به حول المذبح الذي أقامه الله فينا، السماء الجديدة، عندئذ يلتهب قلبنا بالشوق إلى الأبديات، فنترنم قائلين: "الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام حسب قولك، لأن عينيّ قد رأتا خلاصك" (لو 2: 29).

نرتفع مع بطرس ويعقوب ويوحنا في معية السيد المسيح السماوي على جبل التجلي، فنرى مجد الرب السماوي، ونصرخ قائلين: "يا رب جيد أن نكون ههنا".

هكذا نسير مع مسيحنا السماوي القائم من الأموات طوال طريق حياتنا فنردد مع تلميذي عِمواس: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق؟!" (لو 24: 22).

تتحول حياتنا إلى حوارٍ ممتعٍ مع السماوي، فننعم بما نالته السامرية التي تركت كل ما لديها، جرتها التي تشير إلى كل ما هو زمني، لتنطلق إلى اخوتها، تدعوهم للقاء مع السماوي الذي قال لها كل ما فعلت (يو 4: 29).

باختصار صارت الأخرويات مركزها هو حضور المسيح السماوي القائم من الأموات في عالمنا، يهبنا روحه القدوس الذي يشكلنا لنصير أيقونة السماوي، ويحوّل قلبنا الترابي إلى سماء جديدة. فتصير الأبدية أمرًا نذوق عربونه، ونلمسه في واقعنا العملي. وكما يقول القدِّيس أكليمندس السكندري: [إنه بالنسبة للغنوصي (محب المعرفة الروحية) تصير الأرض سماءً![116]].

-    يجب أن تتوقوا إلى السماء، والأمور التي في السماء، بل حتى قبل بلوغنا السماء، فقد أمرنا أن نجعل الأرض سماءً، وأن نتصرف ونتحدث في كل الأمور كما لو كنا نتحدث هناك، بينما نحن على الأرض.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 11 جـ3 PDF Print Email

هذا أيضًا يجب أن يكون غاية صلاتنا التي نقدمها للرب. فلا شيء يُعيق وصولنا إلى كمال القوى العلوية لأننا نقطن على الأرض؛ إنه من الممكن حتى ونحن نسكن هنا أن نفعل كل شيء كما لو كنا قاطنين سلفًا في الأعالي[117].

-     حقًا لقد جاء السيد ليُلغي الأمور القديمة ويدعونا إلى وطن أعظم.

إنه يصنع كل شيء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن عاطفتنا نحو الأرض.

لهذا السبب أشار إلى الوثنيين أيضًا قائلاً: "إن هذه كلها تطلبها الأمم" (مت 6: 33)؛ التي تقدم تعبها كله من أجل الحياة الحاضرة، ولا تُبالي بالأمور المقبلة، ولا بأي فكر سماوي[118].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

عندما تتحقق إرادة الله بواسطتنا نحن الذين على الأرض كما تتحقق بالذين هم في السماء نتشبه بالسمائيين، إذ نحمل مثلهم صورة السماوي (1 كو 15: 49) ونرث ملكوت السماوات (مت 25: 34). ويأتي الذين بعدنا وهم على الأرض يصلون لكي يتشبهوا بنا إذ نكون نحن في السماء (الفردوس) [119].
العلامة أوريجانوس

-   الخالق نفسه هو موضع الإنسان، لكن ليس كمكانٍ (مادي)، فقد جبله ليسكن فيه. وإذ أعطى الإنسان أذنه للمجرب هجر مسكنه، هجر حب الخالق. فلكي يخلصنا القدير ظهر لنا جسديًا، وإن أمكنني القول، إنه اقتفى أثر الإنسان الذي هرب منه وجاء به إليه كموضعٍ يُحفظ فيه الإنسان المفقود[120].
الأب غريغوريوس الكبير

ثانيًا: حياة نصرة وتمتع بميراث أعظم.

"لأنه إذا حفظتم جميع هذه الوصايا التي أنا أوصيكم بها لتعملوها، لتحبوا الرب إلهكم، وتسلكوا في جميع طرقه، وتلتصقوا به. يطرد الرب جميع هذه الشعوب من أمامكم، فترثون شعوبًا أكبر وأعظم منكم" [22-23].

مع ضخامة العدو من جهة العدد، وإمكانياته وخبراته العسكرية العظمى، إلا أن الله يعطي أولاده الحافظين جميع وصاياه روح الغلبة والنصرة. إنه يهبهم أن يرثوا بركات كثيرة. هذه النصرة وذلك الميراث يُقدم للذين يحفظون الوصايا الإلهية ويمارسونها عمليًا، معلنين حبهم للرب ملتصقين به. إنه يطلب منهم الالتصاق به بكونهم أبناءه الأعزاء جدًا لديه، أو العروس السماوية التي تتحد به كعريس سماوي. غاية الوصية الحب الذي يقدم اتحادًا فائقًا وعجيبًا بين الله والإنسان .

يحسب كلمة الله أنه صار جسدًا واحدًا مع النفس أكثر من صيرورة الإنسان جسدًا واحدًا مع زوجته (تك 2: 24). لمن يليق بالأكثر أن يكون روحًا واحدًا مع الله إلا للنفس البشرية التي ترتبط هكذا بالله بالحب حتى يُقال عنها تصير روحًا واحدًا مع الله[121]؟

العلامة أوريجانوس
ثالثًا: حياة النمو الدائم

"كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم. من البرية ولبنان. من النهر، نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم" [24].


تحقق هذا حرفيًا في أيام سليمان (2 أي 9: 26)، ولا يزال يتحقق روحيًا في حياة كل مؤمن. فمن يطأ محبة العالم بقدمي قلبه يستعبد العالم، وأما من ينحني أمام العالم مشتهيًا ملذاته وغناه وكرامته يطأ العالم بقدميه عليه ويستعبده. حين نطأ محبة العالم بأقدامنا تخضع لنا البراري القفر والأراضي الخصبة المملوءة بالثمار، ويمتد سلطاننا من المشارق إلى المغارب، وتصير تخمنا متسعة جدًا تحتضن إن أمكن الكل.
رابعًا: حياة المهابة والوقار

"لا يقف إنسان في وجهكم. الرب إلهكم يجعل خشيتكم ورعبكم على الأرض التي تدوسونها كما كلمتكم" [25].

من يكرم الوصية ويمارس مخافة الرب ينال كرامة ويهبه الله مخافة أمام الجميع.
5. تمتع ببركة الطاعة لا لعنة العصيان:

لخص موسى النبي كل أحاديثه عن الوصية الإلهية وحفظها والطاعة أو العصيان في كلمتين "البركة واللعنة".

"انظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة" [26].

وهبنا الله حرية الإرادة؛ لنا أن نقبل البركة أو اللعنة؛ في سلطاننا أن نستخدم هذه العطية "الإرادة الحرة" إما للبركة أو للعنة، وذلك بالطاعة لله أو عصيانه. إننا لسنا خليقة غير عاقلة يحركها الله بغير إرادتها، لكنه وهو القدير ترك لنا كمال الحرية حتى إذ نسلك بنعمته بالطاعة نتكلل، وإن رفضنا عمله فينا نُدان.

"البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم. واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم، لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها" [27-28].

يقدم الله وعودًا وتهديدات. بالوعود، لا يقتني لنفسه شيئًا بل يهب ماله للإنسان، وبالتهديدات لا يحمل عاطفة انتقام، إنما نصيحة حب عن ثمر العصيان الطبيعي، وما يفعله في حياة البشرية.

هذه البركات التي يعد بها وهذه اللعنات التي يحذرهم منها ليست بالأمور الخفية، لكنها أمور خطيرة يعلنها أمام الجماعة على جبلي جرزيم وعيبال. قد تم ذلك قبل عبورهم نهر الأردن (تث 27: 11)، وأيضًا بعد العبور (يش 8: 33).

"وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها، فاجعل البركة على جبل جرزيم، واللعنة على جبل عيبال" [29].

يتحقق هذا في أول المناطق التي ذهب إليها إبراهيم في كنعان حيث تسلم وعدًا إلهيًا (تك 12: 6-7).

تحقق هذا قبل دخول كنعان ليشجعهم على الإيمان والتمتع بالوعود الإلهية، وتم بعد دخول كنعان لكي يستمر الشعب في الطاعة والنمو في الوصية.
لماذا اختار جبلي جرزيم وعيبال؟

كلمة "جرزيم" مشتقة من الفعل العبري gaaraz ويعني "يقطع أو يحصد" حيث كان الجبل غنيًا بالأشجار والثمار، لهذا صار مناسبًا للحديث عن البركة. أما "عيبال" فليس له أصل عبري إنما غالبًا من الكلمة العبرية "عبالاً"، وتعني خشونة أو متهلهل الخ[122]، أو ربما من abalo وتعني حجارة بيضاء، إذ كان الجبل قفرًا ليس عليه خضرة.

"أما هما في عبر الأردن وراء طريق غروب الشمس في أرض الكنعانيين الساكنين في العربة مقابل الجلجال بجانب بلوطات مورة. لأنكم عابرون الأردن لتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب إلهكم يعطيكم تمتلكونها وتسكنونها. فاحفظوا جميع الفرائض والأحكام التي أنا واضع أمامكم اليوم لتعملوها" [30-32].

أعلن الشعب كله مع الخدام قبولهم العهد الإلهي، لينالوا البركات الإلهية المعلنة على جبل الجرزيم، ويتحاشوا اللعنات المعلنة على جبل عيبال، وذلك بحفظ الوصايا والفرائض والأحكام الإلهية عمليًا.

الآن تمتد أنظارهم نحو أرض الموعد ليعبروا إلى الجلجال، وهناك يقيمون مذبحًا، ينصبون خيمة الاجتماع ويضعون تابوت العهد. يعبروا ليدخلوا أرض الموعد ويملكوا ما قدمه الله لهم. هكذا يليق بنا أن نعبر خلال الطاعة للوصية إلى كنعان السماوية، فلا نقيم مذبحًا حجريًا ولا خيمة اجتماع ولا تابوت عهد، بل نتمتع بالحضرة الإلهية الفائقة، ونقيم كملوك مع ملك الملوك، بروح النصرة والغلبة.

من وحي تثنية 11

هب لي ولأولادي

أيام السماء على الأرض!

-    دخلت بشعبك إلى أرض الموعد،

أرض تفيض عسلاً ولبنًا!

لا تحتاج إلى مياه النيل لكي تسقيها،

إنما أنت ترويها بمطر السماء!

عجيبة هي عنايتك بشعبك!

عيناك عليهم من أول السنة إلى آخرها.

-    هب لي أن اختبر أيام السماء على الأرض.

ترويني بمطر نعمتك الفائقة.

يداك تقدمان لي عذوبة السماء،

فأقدمها للأجيال الجديدة خبرة حياة!

-    احمل إليهم كلماتك التي في قلبي.

يودعها قلبي في قلوبهم.

يختبرون معي بركة الوصية،

وينعمون بالحياة الإلهية المطوّبة.

-    خطيتي أفقدتني رؤية عينيك.

خطيتي أغلقت أمامي أبواب السماء،

فصارت نحاسًا تصد كلماتي.

خطيتي أفقدتني أمطار حبك الفائق.

-     لتعمل كلماتك في قلبي،

فترتفع نظراته إليك.

تلتقي عيناي بعينيك،

فيذوب قلبي حبًا.

بكلمتك يتقدس قلبي ونفسي.

بوصيتك تتقدس يداي وكل حواسي.

بوصيتك أصير بكليتي لك.

استعذب سمواتك، وأصير سماءً تسكن أنت فيها.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 11 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 12 جـ1 PDF Print Email

الهيكل وإزالة كل أثرٍ للوثنيَّة

يحمل هذا الأصحاح خطِّين واضحين:

1. إن كان الله قد قدَّم لهم أرض الموعد كهبة إلهيَّة مجَّانيَّة، فمن جانبهم يلتزمون بإزالة كل أثر للنجاسة فيتمتَّعون بالحياة المقدَّسة. كان إسرائيل في ذلك الحين من أحدث الأمم الناشئة، وكان الشعب الداخل أرض الموعد قد وُلد في البريَّة لا يحمل خبرات الأمم القديمة. لهذا كان الاحتمال كبيرًا أن يُبهر الشعب بما يراه في أرض الموعد من ثقافات وإنجازات. لهذا جاء الأمر الإلهي مشدِّّدًا بهدم كل ما يمت للأوثان.

2. وهبهم الله الأرض المقدَّسة، وفي نفس الوقت طالبهم أن يقيموا له بيتًا مقدَّسًا له، في الموقع الذي يحدده لهم. يعطي الكثير ويطلب منهم ممَّا أعطاهم لتأكيد الحب المشترك بينه وبينهم.

بعد أن تحدَّث موسى النبي عن بركات قبول الوصيَّة الإلهيَّة والتجاوب معها، واللعنة التي تحل بمن يعصاها، تحدَّث عن إزالة كل أثرٍ للعبادة الوثنيَّة. فالتساهل مع الخطيَّة أو ترك آثارها يسحب قلب المؤمن تدريجيًا عن محبَّة الله، ويفسد أعماقه، فلا يجد لذَّة وعذوبة في الوصيَّة الإلهيَّة. هذا وقد أمر بضرورة عدم تقديم ذبائح خارج المكان الذي يحدِّده الرب لإقامة عبادة مقدَّسة، حتى لا يعطي لأحدٍ فرصة أن يقدِّم ذبيحة لغير الله أو يعبد الله بطريقة تشبه العبادة الوثنيَّة. وأيضًا عدم شرب الدم كعادة الوثنيِّين، وعدم السؤال عمَّا كان الوثنيُّون يمارسونه حتى لا ينشغل المؤمنون بما يلوِّث أفكارهم. هكذا حرص الله ألاَّ يتسلَّل أدنى دنس من العبادة الوثنيَّة وعاداتها إلى شعبه الذي اختاره ليكون مقدَّسًا له.

تعبد الكنعانيُّون لآلهة كثيرة، فكانوا يقيمون مذابح في مواضع مختلفة. هنا يثبت فكرة الوحدانيَّة في أذهان الشعب لمنع تقديم الذبائح في غير الموضع الوحيد المختار كهيكل لله [1-14]، حيث يسكن اسم الله [11] . قبل هيكل أورشليم كان مقدس الرب هو خيمة الاجتماع أو تابوت العهد.

الله هو الذي يختار موضع مقدسه، بل ويختار الطريقة التي يُعبد بها، رافضًا أن يتبنَّى شعبه طريقة الكنعانيِّين في العبادة [31]. يرفض ما اعتاد الكنعانيُّون عليه من شرب الدم [15-28]، وأيضًا تقديم ذبائح بشريَّة [29-31].

1. إزالة آثار الوثنيَّة                           [1-4].

2. إقامة بيت الله                               [5-15].

3. الامتناع عن شرب الدم                     [16].

4. الأكل أمام الرب                             [17-18].

5. الاهتمام باللآوي                            [19].

6. عدم أكل الدم                                [20-28].

7. عدم الاستفهام عن العبادة الباطلة           [29-32].

1. إزالة آثار الوثنيَّة:

حينما يستريح الإنسان من تجاربه غالبًا ما ينسى الله ويتجاهل وصيَّته، لهذا يؤكِّد موسى النبي لشعبه أنَّهم متى ورثوا الأرض حسب وعد الله لهم وجب عليهم أن يحفظوا الوصيَّة الإلهيَّة.

"هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون لتعملوها في الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيَّام التي تحيون على الأرض" [1].

بقوله "في الأرض" واضح إن الكاتب يشعر بأن دخول إسرائيل إلى أرض الموعد وشيك، هذا ما يسود السفر كله.

يؤكِّد لهم أن الوصيَّة ملزمة للإنسان مادام حيًّا على الأرض. لم تُقدِّم له لكي يسلك بها وقت الشدَّة فقط في البريَّة، وإنَّما يلتزم بها هي بعينها في كنعان. يليق أن يجاهد الإنسان في الطاعة للوصيَّة حتى النفس الأخير.

جاءت الوصيَّة العظمى صريحة أنَّه لا يوجد ألاَّ إله واحد، يجب أن يعبدوه دون غيره من الآلهة الباطلة. لهذا عندما يدخلون الأرض يمحون كل أثر للعبادة الوثنيَّة.

"تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي ترثونها، آلهتها على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء. وتهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم، وتحرقون سواريهم بالنار، وتقطعون تماثيل آلهتهم، وتمحون اسمهم من ذلك المكان" [2-3].

السواري asherahs هي أعمدة خشبيَّة كانوا يقيمون عليها الأصنام للعبادة.

من العجيب أنَّه يقول للجيل الذي يدخل كنعان لأول مرة "الأرض التي ترثونها" [2] كأنها كانت ملكًا لآبائهم وقد ورثوها عنهم. لقد وعد الله إبراهيم أن يُعطي هذه الأرض لنسله، فحسبها قد صارت لهم حتى ولو لم يكونوا بعد قد وضعوا أياديهم عليها. الآن جاء هذا الجيل لكي يملك ويرث ما هو لآبائهم.

بقوله: "آلهتهما على الجبال الشامخة وعلى التلال وتحت كل شجرة خضراء" [2]. يعلن كما لو أن الآلهة الوثنيَّة بانتشار مذابحها قد احتلت هذه المواقع التي كان يجب تقديسها للرب خالق المسكونة. احتلَّت الجبال والتلال إشارة إلى أنَّها آلهة ثابتة ومرتفعة ليس من يقدر أن يحطِّمها، وتحت كل شجرة إذ كان سكان المنطقة يعتبرون آلهتهم هو مصدر الخصوبة والأثمار. كان يجب إزالة كل أثر للوثنيَّة في هذه المواقع ليُعلن الشعب أن الله وحده هو حصن شعبه الذي لن يتزعزع. يرفعهم إلى أعالي السموات، ويهبهم لا خصوبة الحيوانات والنباتات فحسب بل وثمر الروح المتزايد.

أولاً: أراد الله إبادة كل أثر للأوثان، لأن الأرض صارت مقدَّسة للرب، فلا يمكن الجمع بين المقدَّسات الإلهيَّة والآثار الدنسة التي تحمل رائحة الرجاسات. لم يقبل أن تستخدم الأماكن الوثنيَّة لعبادة الله الحيّ حتى لا يحدث خلط بينهما. من يلتقي بالله القدُّوس يبغض "حتى الثوب المدنَّس من الجسد" (يه 23).

ثانيًا: إذ اختارهم الله خاصَّته، يعتز بهم ويكرمهم، لهذا يليق بهم أن يختاروا الله دون سواه، فيخجلوا من الوثنيَّة ويرذلونها تمامًا ويبغضونها. وكما يقول الرسول: "كونوا كارهين الشرّ ملتصقين بالخير" (رو 11: 9).

ثالثًا: لم يسمح ببقاء أي أثر للوثنيَّة لئلاَّ تجتذب النفوس الضعيفة في لحظات ضعفهم، فينحرفوا نحوها.

رابعًا: يعلن ملكوت الله في حياة الناس، وأيضًا في المكان المقدَّس، فلا نعزل تقديس الإنسان عن تقديس المكان الذي يعبد فيه إلهه.

خامسًا: أمرهم ألاَّ ينقلوا العادات الوثنيَّة إلى عبادة الله. "لا تفعلوا هكذا للرب إلهكم" [4]. لقد خشي لئلاَّ يحاولوا أن يكرموا الله فيقدِّمون الذبائح على الجبال والتلال وتحت كل شجرة خضراء كما كان يفعل الوثنيُّون. فإن الله لا يطلب هذه الأمور، بل الطاعة له. لا يليق بنا أن نكرمه حسب فكرنا البشري، بل حسب فكره الإلهي.

سادسًا:
يقدِّم لنا مبدأ هامًا يمس حياتنا العمليَّة، خاصة الروحيَّة، وهو عدم الخلط بين الحق والباطل، بين الكلمة والنور. فيليق بالمؤمن الذي يود الشركة مع الله النور أن يرفض كل أعمال الظلمة، يلزمه أن يخلع كل أعمال الإنسان القديم ويلبس الإنسان الجديد بكل أعماله وأفكاره. لا يتهاون مع فكر واحد شرِّير بل يحطِّمه تمامًا، متذكِّرًا كلمات يوحنا الحبيب: "إن قلنا إن لنا شركة معه (الله) وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق" (1 يو 1: 6).

هل لا تزال الوصيَّة الخاصة بإبادة الأوثان قائمة اليوم؟

كلُّنا في حاجة إلى إبادة الوثن الذي نقيمه في داخلنا، فكل ارتباك أو انشغال يفصلنا عن الله، ويفقدنا رؤية السمويَّات هو وثن يجب تحطيمه. ليست المادة ولا العمل في ذاته ولا الأحداث المفرحة أو المحزنة هي الوثن بل انشغال القلب والفكر وانحرافهما عن الاهتمام بخلاص الإنسان هو الوثن.

2. إقامة بيت الله:

الله، إله الأرض كلَّها، لكنَّه اختار موضعًا خاصًا يُدعى اسمه عليه: "موضع اسم رب الجنود" (إش 18: 7)، "موضع مسكن مجدك" (مز 26: 8). لقد حدَّد لهم الالتزام بمكانٍ معيَّن يختاره الرب كبيت له، يقدِّمون فيه عبادتهم وتقدماتهم وذبائحهم، لكنَّه لم يكن بعد قد حدَّد موقعه، بل ترك ذلك إلى بعد استلامهم الأرض، فهو يقدِّم الوصيَّة في وقتها المناسب.

واضح أن الكاتب لم يكن يعرف موقع الهيكل حتى لحظات الكتابة ممَّا يرجح أن السفر قد كتبه موسى النبي أو بعد انتقاله قبل بناء الهيكل في أورشليم.

ربًّما يظن البعض أن كتاب الشريعة قد بدأ بالجانب السلبي إذ يعلن عن هدم كل ما للأمم، لكن من الواضح أنَّه يهدف إلى الجانب الإيجابي: تأكيد دور الذبيحة والدم في حياتهم الذي لن يتحقَّق مع بقاء العبادة الوثنيَّة.

يربط ما بين تحطيم كل ما للأمم خاصة العبادة الوثنيَّة وإقامة مسكن لله في وسطهم. الأرض التي استخدمت قبلاً للدنس هي بعينها تتقدَّس لتُحسب موضع سكنى الله. لا يريد الله الهدم بل البناء، محوِّلاً طاقاتنا من الشرّ إلى الخير.

لما كان الهيكل هو موضع الذبيحة ومركز حياة شعب الله الداخل في ميثاق مع الله، لذا يؤكِّد هنا أن الله نفسه هو الذي يختار موضعه [5، 11، 18] ليدعى فيه اسمه، وأنه موضع واحد. حقًا إن الذبائح الحيوانيَّة متعددة لتكشف جوانب الصليب الكثيرة، لكنَّها تقدِّم في هيكل واحد، كأنَّها ذبيحة غير متكرِّرة.

لم يسمح الله لشعبه بتقديم الذبائح في أي موضع غير المكان الذي اختاره لنفسه ليكون بيتًا له، وفيه يُقام مذبح له. بهذا يحفظهم من السقوط في تقديم ذبائح للأوثان أو على مذابح وثنيَّة.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 12 جـ2 PDF Print Email


"بل المكان الذي يختاره الرب إلهكم من جميع أسباطكم ليضع اسمه فيه، سكناه تطلبون، وإلى هناك تأتون. وتقدِّمون إلى هناك محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم ونذوركم ونوافلكم وأبكار بقركم وغنمكم" [5-6].

كان تابوت العهد يمثِّل الحضرة الإلهيَّة، وحيث يُوجد ينسب الله المكان إليه، ويحسبه بيته المقدَّس. يحوي التابوت لوحيّ الشهادة، فلا ينال أحد بركة إلاَّ من خلال تابوت العهد الذي يمثِّل تقديم الشريعة أو كلمة الله كما من فم الله نفسه.

أثناء رحلتهم في البرِّيَّة لم تكن خيمة الاجتماع دائمًا منصوبة، ولم يكن ممكنًا تحديد موقع معيَّن لممارسة العبادة. هذا ولم يكن ممكنًا ممارسة كل الطقوس حسب الشريعة، أمَّا بعد بناء الهيكل في الموقع الذي اختاره الرب فقد صار الأمر مختلفًا تمامًا.

استقر تابوت العهد أولاً في شيلوه، ولكن بسبب الشرّ الذي ارتكبه الشعب حلّ غضب الله على الموضع. انتقل من موضع إلى آخر وأخيرًا في أيَّام داود النبي تثبَّت في أورشليم حتى قام سليمان بن داود ببناء الهيكل، وتراءى الرب لسليمان ليلاً، وقال له: "اخترت هذا المكان لي بيت ذبيحة" (2 أي 7: 12). ما فعله سليمان كان عطيَّة من قبل الله له ولشعبه، إذ قال: "وأنا بنيت لك بيت سكني مكانًا لسكناك إلى الأبد" (1 أي 6: 2). "مبارك الرب إله إسرائيل الذي كلَّم بفمه داود أبي وأكمل بيديه قائلاً: "منذ يوم أخرجت شعبي من أرض مصر لم أختر مدينة من جميع أسباط إسرائيل لبناء بيت ليكون اسمي هناك، ولا اخترت رجلاً يكون رئيسًا لشعبي إسرائيل، بل اخترت أورشليم ليكون اسمي فيها" (1 أي 6: 4-6).

في العهد القديم كان تقديم الذبائح في بيت واحد لله، أمَّا في العهد الجديد فقد صارت الأرض وملؤها للرب ولمسيحه، يقدِّم بخور للرب في كل مكان (ملا 1: 11). كما أعلن السيِّد المسيح للمرأة السامريَّة أن العبادة الحقَّة لا ترتبط بهذا الجبل ولا بأورشليم، بل بالروح والحق أينما وجد المؤمنون الحقيقيُّون (يو 4: 23).

ماذا يفعلون في بيت الرب؟

أولاً: يقدِّمون المحرقات والذبائح والتقدمات [6، 11]، فإنَّه يليق بالمسيحي أن يقدِّم ذبائح الحب لله.

ثانيًا: أن يأكلوا هناك أمام الرب: "وتأكلون هناك أمام الرب إلهكم " [7]. إنَّه لا يطلب فقط تقديم عطاياهم التي هي في الواقع جزء من هباته لهم، إنَّما يطلب أيضًا أن يتقدَّموا ليأكلوا طعامًا مقدَّسًا. أنَّه يريد أن يُشبع أعماقهم، يطلب ما لهم، لا ما هو له، لأنَّه غير محتاج إلى شيء. إلهنا يشتاق أن يجلس معنا ونحن معه، يأكل معنا ونأكل معه، على مستوى الصداقة والحب، لذا يقول: "هأنذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب ادخل إليه وأتعشَّى معه وهو معي" (رؤ 3: 20).

يُريدنا أن نأكل أمامه فيشبع قلوبنا بحبُّه وعقولنا بمعرفته وحواسنا بقداسته، واهبًا إيَّانا شبعًا لكل أعماقنا.

ثالثًا: أن يمارسوا الفرح في الرب في هذا البيت، مؤكِّدًا الالتزام بالفرح [7، 12، 18]. يكرر في هذا السفر الدعوة للفرح أمام الرب (14: 26؛ 16: 11، 14؛ 26: 11؛ 27: 7).

"وتفرحون بكل ما تمتد إليه أيديكم، أنتم وبيوتكم كما بارككم الرب إلهكم" [7].

لعلَّه يتحدَّث هنا عن الاحتفال بالأعياد الرئيسيَّة التي فيها تقدَّم ذبائح معيَّنة، فإنَّه يود أن يجعل من بيته "بيت الفرح" الذي فيه يجتمع المؤمنون معًا ليحتفلوا بالعيد.

أحد ملامح العبادة اليهوديَّة والحياة هي الفرح (تث 12: 7، 18). ليس شيء يفرِّح قلب الله مثل أن يفرِّح أبناؤه به في بيته، لهذا لم يسر بهم حين غطُّوا مذبحه بالبكاء والصراخ (ملا 2: 13).

يفرح المؤمن بالرب ويسحب قلوب أسرته وعبيده ومن حوله ليحيوا بالفرح في الرب. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). الإيمان هو دعوة للتمتُّع بالفرح الداخلي السماوي، ننعم به وسط الآلام، ونعيشه حتى في لحظات البكاء وخلال دموع التوبة. فمع مرارة التوبة تختبر النفس فرح الروح وسلام القلب. بالفرح يقبل المؤمن كل الأتعاب ويعبر الضيقات متمتِّعًا بالشركة مع مسيحه واهب الفرح الحقيقي.

-     عذوبة التفاح تُعوِّض مرارة الجذور. والرجاء في نوال ربح يعطي بهجة أثناء مخاطر البحر. وتوقع نوال الصحَّة يخفِّف ما يسبِّبه الدواء من رغبة في القيء. من يرغب في المكسَّرات (لوز أو بندق الخ) يكسر غلافها. هكذا من يرغب في الفرح بالضمير المقدَّس يحتمل بسهولة مرارة التوبة[123].
القدِّيس جيروم


يرى القدِّيس أغسطينوس أن سرّ فرح المؤمنين هو تمتُّعهم بجمال الحق الإلهي إذ يقول:

-     الآن تطلَّع يا يسوع الطوباوي من جبلك المقدَّس. انظر إلى مؤمنيك الحقيقيِّين وسط الجماهير، فإنَّهم لا يجدون بهجة إلاَّ في أن يُسألوا ويُقاوموا ويحاورهم الآخرون على الدوام.

افتح عن عيونهم أيُّها الرب، فيروك ويندهشون بجمال حقَّك، ويجرون إليك متعبِّدين لك[124].
القدِّيس أغسطينوس

رابعًا: أن يفرح معهم اللآوي الذي في أبوابهم [12].

"وتفرحون أمام الرب إلهكم أنتم وبنوكم وبناتكم وعبيدكم وأماؤكم واللآوي الذي في أبوابكم، لأنَّه ليس له قسم ولا نصيب معكم" [12].

إن كان يبدو أن الذكور وحدهم كانوا ملتزمين بالحضور إلى بيت الرب للاحتفال بالعيد (خر 23: 17)، لكن كان يسمح للنساء أن يرافقوهم في رحلتهم هذه (1 صم 1: 3-23).

كان اللآويون يساعدون الكهنة في أعمالهم الطقسيَّة، كما كانوا ينتشرون في المدن ليعلِّموا الشعب شريعة الله. يليق بنا أن ندعو اللآويين ليدخلوا إلى بيوتنا، ونسمع من أفواههم شريعة الله، ونفرِّح قلوبهم بتجاوبنا مع الكلمة.

كانوا يقدِّمون العشور والبكور للآويين لخدمة الهيكل ولكي يعيش بها اللآويون.

لماذا طالبهم بالعبادة المركزيَّة خاصة في تقديم الذبائح؟

أولاً: لحفظهم من الإغواء بتقديم ذبائح للأوثان أو على مذابح وثنيَّة، فقد كانت الإغراءات تحوِّط بهم من كل جانب، وكان إمكانيَّة السقوط واردة.

ثانيًا: لكي يحفظ روح الجماعة والوحدة، فيلتقوا معًا في بيتٍ واحدٍ، وبقلبٍ واحدٍ. فالهيكل يمثِّل مركزًا للوحدة. في العهد القديم سألهم أن يعبدوا الرب في مكان واحد، خاصة أثناء الاحتفال بالأعياد، حتى يحقِّق وحدتهم كأمَّة واحدة تتعبَّد للإله الواحد، بعيدًا عن العبادات الوثنيَّة. أما في العهد الجديد فعِوض المكان الواحد صار لنا اللقاء في شخص واحد، هو شخص ربنا يسوع المسيح، فيه تجتمع من الأمم والشعوب والألسنة كأعضاء في الجسد الواحد، يحملنا إلى حضن أبيه الواحد، ويُقيم منا كنيسة واحدة مجيدة بلا عيب.

ثالثًا: لتأكيد وحدانيَّة الله، إذ لنا إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس (1 تي 2: 5)، وأنَّّه لا يوجد إلاَّ طريق واحد به نلتقي مع الله أبينا ألاَّ وهو شخص السيِّد المسيح.

رابعًا: إنَّه ليس من حقِّهم اختيار المكان، بل الله هو الذي يختاره.

"لا تعملوا حسب كل ما نحن عاملون هنا اليوم أي كل إنسان مهما صلح في عينيه. لأنَّكم لم تدخلوا حتى الآن إلى المقر والنصيب اللذين يعطيكم الرب إلهكم. فمتى عبرتم الأردن وسكنتم الأرض التي يقسِّمها لكم الرب إلهكم وأراحكم من جميع أعدائكم الذين حواليكم وسكنتم آمنين، فالمكان الذي يختاره الرب إلهكم ليحل اسمه فيه تحملون إليه كل ما أنا أوصيكم به محرقاتكم وذبائحكم وعشوركم ورفائع أيديكم وكل خيار نذوركم التي تنذرونها للرب. احترز من أن تصعد محرقاتك في كل مكان تراه. بل في المكان الذي يختاره الرب في أحد أسباطك هناك تصعد محرقاتك وهناك تعمل كل ما أنا أوصيك به" [7-14].

في الوقت الذي فيه يطلب ألاَّ يفعل كل إنسان حسب هواه الشخصي كرَّر هذا الأصحاح تعبير: "احترز لنفسك" ثلاث مرات [13، 19، 30]. إنَّه يحث كل إنسان أن يهتم بما لنفسه، لا بالتمسُّك بأفكاره الخاصة، بل بمراجعته لأعماقه الداخليَّة. بنفس الروح يحث الرسول بولس تلميذه تيموثاوس: "لاحظ نفسك" (1 تي 4: 16). كما يحث أهل كورنثوس قائلاً: "ليمتحن الإنسان نفسه" (1 كو 11: 28).

هكذا يسألنا موسى النبي وأيضًا الرسول بولس أن يحترز كل منا لنفسه، أي يليق بالفكر أن يسلك في الطريق الملوكي ممتحنًا قلبه الداخلي لئلاَّ يكون قد انحرف آلاف الأميال عن طريق الله. ليس له أن يمتحن الآخرين ويدينهم، بل يمتحن نفسه كما بنارٍ لئلاَّ بينما ينشغل بامتحان الآخرين ونقدهم يصير هو شاردًا عن الحق.

عملنا أن نحب الآخرين ونطلب خلاصهم ليُشاركونا المجد الأبدي، لا أن ندينهم وننتقدهم!

يرى البابا أثناسيوس الرسولي أن الله قد أمر ألاَّ تقدَّم ذبائح خارج مدينة أورشليم وخارج الموضع الذي اختاره الله، وذلك حتى متى تدمَّرت المدينة يدرك الكل أن الظلال قد انتهت ولم تعد هناك حاجة إلى الذبائح الحيوانيَّة الرمزيَّة[125].

-    الآن ما هي المحرقة الروحيَّة؟ "ذبيحة التسبيح" (مز 50: 14 LXX]. في أي موضع نقدِّمها؟ في الروح القدس. من أين تعلَّمنا هذا؟ من كلمات الرب نفسه: "إن الساجدين الحقيقيِّين يسجدون للآب بالروح والحق" (يو 4: 23) [126].
القدِّيس باسيليوس الكبير

"ولكن من كل ما تشتهي نفسك تذبح وتأكل لحمًا في جميع أبوابك. حسب بركة الرب إلهك التي أعطاك، النجس والطاهر يأكلانه كالظبيّ والآيل" [15].

لم يكن اللحم طعامًا معتادًا يوميًا عند الشعب، بل كانوا يأكلونه عند التقدمات أو وقت الأعياد.

في أثناء الرحلة في البرِّيَّة كانت الحيوانات التي تذبح للأكل مثل الثيران والماعز والحملان تُذبح كتقدمة سلامة عند دار الخيمة، ويُرش دمها، ويُحرق شحمها على المذبح. وكان ذلك يتم خشية أن يقدِّم أحد ذبائح للأوثان، أمَّا بعد دخول أرض الموعد وانتشار الأسباط على تلك المساحات الشاسعة فقد ترك لهم حق الذبح للطعام في مدنهم وبيوتهم. سمح لهم بذبح بعض الحيوانات التي لا يجوز تقديمها ذبائح للرب (لا 17: 3)، تُذبح في بيوتهم للأكل وليس كتقدمات للرب، وذلك مثل الظبي والآيل، بشرط أن يتم ذلك "حسب بركة الرب".


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 12 جـ3 PDF Print Email

3. الامتناع عن شرب الدم:

"وأمَّا الدم فلا تآكله على الأرض تسفكه كالماء" [16].

لماذا جاءت الوصيَّة في العهدين القديم والجديد تمنع شرب الدم؟

أولاً:
يرى البعض أن بعض الوثنيِّين كانوا محبِّين لسفك الدماء، لهذا ظنُّوا أن آلهتهم محبَّة لسفك الدماء، لذا كانوا يشربون الدم كطقس ضروري في العبادة، لكي يبهجوا الشيَّاطين. وكما يقول المرتِّل داود: "تكثر أوجاعهم الذين أسرعوا وراء آخر، لا أسكب سكائبهم من دم، ولا أذكر أسماءهم بشفتيّ" (مز 16: 4). كان شرب الدم يُعتبر شركة مع الشيَّاطين[127].

مع كل وجبة طعام يليق بنا أن نشعر بالحضرة الإلهيَّة، وبالجوع إليه.

ثانيًا: حمل هذا العمل رمزًا لدور السيِّد المسيح الخلاصي الذي جاء ليُحطِّم مملكة إبليس تمامًا.

ثالثًا: كان يُنظر إلى الدم بكونه يحمل حياة الإنسان، فسفك الدم أو شربه يعتبر ذبيحة، لا تُقدِّم لإنسان ما، ولا يجوز له أن يأكل الدم أو يشربه.

رابعًا: لأنَّه إلى وقت قريب كان الإنسان في عنفه، خاصة عند الأخذ بالثأر يقتل ويشرب من دم القتيل كنوعٍ من التشفي، لهذا منعت الوصيَّة شرب الدم بوجه عام.

-     السبب لمنع أكل الدم أنَّه مكرَّس ليقدِّم لله وحده. أو لعلَّ المنع كان لأن الله أراد أن يصد الناس عن الاندفاع إلي سفك الدماء البشريَّة. فمنعهم من أكل دم الحيوانات لئلاَّ يحملهم هذا علي السقوط تدريجيًا في خطيَّة سفك دماء البشريَّة. سبق فقلت إنَّنا كثيرًا ما نسمع خصمًا يهدِّد خصمه، قائلاً: "سأقتلك وأشرب من دمك"[128].

القدِّيس يوحنا ذهبي الفم

4. الأكل أمام الرب:

"لا يحل لك أن تأكل في أبوابك عُشر حنطتك وخمرك وزيتك، ولا أبكار بقرك وغنمك، ولا شيئا من نذورك التي تنذر ونوافلك ورفائع يدك. بل أمام الرب إلهك تأكلها في المكان الذي يختاره الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك واللآوي الذي في أبوابك وتفرح أمام الرب إلهك بكل ما امتدَّت إليه يدك" [17-18].

في البرِّيَّة حيث لم يكن قد استقر تابوت العهد في موضعٍ ثابتٍ كان يُسمح لهم بتقديم ذبائح للرب والأكل منها أينما وجدوا. لم يكن يوجد احتمال أن يشتركوا مع الوثنيِّين في الذبائح للعبادة الوثنيَّة، أمَّا وقد استقرُّوا في أرض الموعد فإنَّه صار الاحتمال قائمًا، لذلك جاءت الوصيَّة مشدَّدة أنَّه لا يجوز أن يذبحوا للرب في غير بيت الرب، ولا أن يأكلوا من هذه الذبائح في بيوتهم.

لقد سمح لهم أن يأكلوا لحمًا في بيوتهم ويذبحوا كما يشاءوا لكن غير ذبائح الرب.

كان للخدم – حتى العبيد الغرباء – حقوق كثيرة وامتيازات وسط الشعب الإسرائيلي. أحد هذه الامتيازات هو اشتراكهم في الأعياد الكبرى وتمتُّعهم بالأفراح (تث 16: 11).

5. الاهتمام باللآوي:

"احترز من أن تترك اللآوي كل أيَّامك على أرضك" [19].

لم ينل اللآويُّون نصيبًا أو ميراثًا في أرض الموعد، لأن الرب هو نصيبهم وميراثهم. لذا يليق بالمؤمنين أن يقدِّموا عشورهم وبكورهم ونذورهم التي للرب لخدَّامه. إن كان يليق بخدَّام الكلمة أن يتفرَّغوا للخدمة والعمل الروحي، فإنَّه ليس بالكثير أن تُقدِّم لهم احتياجاتهم الماديَّة.

6. عدم أكل الدم:

سبق الحديث عنه في الآية [16].

"إذا وسَّع الرب إلهك تخومك كما كلَّمك وقلت آكل لحمًا لأن نفسك تشتهي أن تأكل لحمًا فمن كل ما تشتهي نفسك تأكل لحمًا. إذا كان المكان الذي يختاره الرب إلهك ليضع اسمه فيه بعيدًا عنك، فاذبح من بقرك وغنمك التي أعطاك الرب كما أوصيتك وكل في أبوابك من كل ما اشتهت نفسك. كما يؤكل الظبي والآيل هكذا تأكله، النجس والطاهر يأكلانه سواء. لكن احترز أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس مع اللحم. لا تأكله، على الأرض تسفكه كالماء. لا تأكله لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إذا عملت الحق في عينيّ الرب. وأمَّا أقداسك التي لك ونذورك فتحملها وتذهب إلى المكان الذي يختاره الرب. فتعمل محرقاتك اللحم والدم على مذبح الرب إلهك، وأمَّا ذبائحك فيسفك دمها على مذبح الرب إلهك واللحم تأكله. احفظ واسمع جميع هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إلى الأبد إذا عملت الصالح والحق في عينيّ الرب إلهك" [20-28].

"إذا وسَّع الله تخمك" [20]، كان وعد الله لمؤمنيه أن يوسِّع تخومهم (تك 15: 18؛ خر 23: 27-31)، لكي يتمتَّعوا بخيرات الأرض ويأكلوا ما تشتهيه نفوسهم. الآن يحقِّق الله هذا الوعد الإلهي في أرضه المقدَّسة، في الإنسان الجديد الذي يتَّسع قلبه ليأكل من ثمار الروح: الحب والفرح والسلام والصلاح... عمل روحه القدُّوس أن يوسِّع قلب الإنسان فيجد لذَّة في احتضان إن أمكن كل البشريَّة، حتى المقاومين له، إذ يُشارك بهذا سمات المسيح محب البشريَّة. هذا هو الطعام الذي نشتهي أن نأكله بعمل نعمة الله فينا.

أعطى للشعب الحق في ذبح حيوانات الحقل، وأيضًا صيد بعض الحيوانات كالظبي والأيل، خاصة بالنسبة للساكنين في مناطق جبليَّة، يصطادون ويذبحون ويأكلون في أي موقع.

يوجد تفريق بين "أقداسك" [26] المخصَّصة للمحرقات والتقدمات الدينيَّة وبين ما يذبحونه للطعام فقط [15، 20، 21].

الظبي والإيل [15] حيوانان يسكنان الجبال، خفيفا الحركة، ولابد أن عددها كان كبيرًا وقت إلقاء الخطاب؛ على أنَّها اعتُبرت ترفًا في المدن بعد ذلك (1 مل 4: 23).

7. عدم الاستفهام عن العبادة الباطلة:

"متى قرض الرب إلهك من أمامك الأمم الذين أنت ذاهب إليهم لترثهم وورثتهم وسكنت أرضهم. فاحترز من أن تصطاد وراءهم من بعد ما بادوا من أمامك ومن أن تسأل عن آلهتهم قائلاً: كيف عبد هؤلاء الأمم آلهتهم، فأنا أيضًا أفعل هكذا. لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنَّهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب ممَّا يكرهه، إذ احرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم. كل الكلام الذي أوصيكم به احرصوا لتعملوه، لا تزد عليه ولا تنقص منه" [29-32].

لعدم المزج بين الذبيحة المقدَّسة والذبائح الوثنيَّة يحذِّرهم حتى من مجرَّد الاستفهام عن العبادة الوثنيَّة التي كان الأمم يمارسونها، إذ بلغ بهم الفساد والعنف أنَّهم كانوا يقدِّمون أبناءهم وبناتهم ذبائح بشريَّة للأوثان.

اختارهم الله شعبه وأزال من أمامهم الأمم الوثنيَّة، فلا يليق بهم أن يقيموا منهم مثالاً يحتذون به.

أن ما يمارسه الوثنيُّون هو دنس للرب. حقًا الأمر غاية في الخطورة حين تصير الذبيحة التي غايتها تقديس الإنسان دنسًا ونجاسة (أم 15: 8).

لماذا سمح الله بقتل الأمم؟ "إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم" (12: 31). لم يكن هناك طريق لإصلاح البشريَّة إلاَّ بإبادة من تقسَّت قلوبهم حتى قدَّموا بنيهم محرقات!! ارتبط الأمم بالعبادة الوثنيَّة والرجاسات والعنف.

قدّم هذا الأصحاح الخطوط العريضة للعبادة:

1.   أين نعبد الرب؟ الله يختار المكان.

2.   ما هو جوهر العبادة؟ الحضرة الإلهيَّة، وسكنى الله وسط شعبه [5-11].

3.   كيف نعبده؟ حسب الفكر الإلهي لا البشري.

4.   من يعبده؟ كل الأسرة حتى الأطفال الصغار.

5.   ما هو جو العبادة؟ فرح في الرب.

6.   ما هي علاقة العبادة بالخلاص؟ الحاجة إلى تقديس الدم، بدونه لن يتم غفران الخطيَّة.

7.   ما هي علاقة العبادة بالحياة؟ حتى في أكلنا نأكل أمام الرب.

8.   ما هو دور المؤمنين؟ الإيجابيَّة في كل شيء، فيساهموا حتى في العطاء المادي ونفقات بيت الرب وخدامه.

من وحيّ تثنية 12
لأفرح أمامك!


-     تشتاق أن تحملني إليك،

فآكل وأفرح أمامك!

لتهدم كل وثن، ولتخرب كل هيكل فاسد،

وتقم من أعماقي هيكلاً مقدَّسًا مختارًا لك.

اقبل محرقة حبِّي وذبيحة شكري لك.

لتقبل تقدماتي التي هي ممَّا لك أقدِّمها لك.

-     هب لي ألاَّ أمزج عبادتي لك بعبادة وثن،

بل ويكون القلب كلُّه لك وحدك.

أي مكان اخترته لي لأتعبَّد لك فيه

إلاَّ الجلجثة؟

لترتبط عبادتي بصليبك،

فتسكب حبَّك في قلبي،

وتملأ نفسي فرحًا وتهليلاً.

وتتَّسع تخوم، قلبي فيحمل كل بشر فيه!

-    لأهرب من كل موقع رجس،

ولأتحرَّر من كل عادة دنسة!

حرِّرني من كل رجاسة وثنيَّة،

فلا أشرب دمًا ولا آكل مخنوقًا!

لا أحمل قلبًا قاسيًا ولا نفسًا دنسة!

قدِّسني إلى التمام فأنت هو القدُّوس وحدك!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 12 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 13 جـ1 PDF Print Email

الغواية إلى العبادة الوثنيَّة

في الأصحاح السابق تحدَّث في شيء من الحزم والصراحة ضدّ الوثنيَّة والوثنيِّين المصرّين على العبادة للأصنام، الآن يوجِّه حديثه عن الذين يغوون اخوتهم نحو الوثنيَّة. الله ليس عنده محاباة، لذا جاءت الشريعة غاية في الصرامة ضدّ الإسرائيليِّين الذين يغوون اخوتهم.

يُعالج موسى النبي هنا الجانب السلبي من الوصيَّة الأولى الخاصة بإبادة كل أثرٍ للوثنيَّة، فإذا بدت قاسية، فلنذكر أنَّه كان يجب تطهير الأرض من عبادة الأصنام، بإهلاك الوثنيِّين الكنعانيِّين. ويجب أن يلقى كل إسرائيلي نفس المصير إذا وقع في نفس الخطأ.

اعتمدت العبادات الكنعانيَّة على العِرافة والسحر وما شابه ذلك، الأمر الذي حرَّمه الله تمامًا. لهذا بعد أن تحدَّث عن إبادة كل أثر للعبادة الوثنيَّة وتهيئة الجو للعبادة لله الحيّ وحده عالج موضوع الذين يدَّعُون النبوَّة كذبًا أو الذين يغوون الآخرين نحو العبادة الوثنيَّة، سواء كان هؤلاء يدعون النبوَّة وعمل المعجزات، أو كانوا من أقرب الأقرباء، أو يمثِّلون مدينة بأكملها.

بعد تركيزه على الذبيحة المقدَّسة في هيكل الرب الواحد، حذرنا من مصادر الانحراف، إذ يليق بنا أن نحمل روح التمييز فلا ننخدع وراءها. هذه المصادر هي:

1. النبوَّة الكاذبة [1-6]: في كل عصر يوجد أنبياء كذبة يخدعون البسطاء بالآيات والعجائب، كما فعل السحرة في أيَّام موسى (راجع 2 تس 2: 9؛ مت 24: 23-25؛ رؤ 13:13-14).

2. علاقات القرابة والدم [7-11]: كما حدث مع سليمان الذي جرى وراء آلهة غريبة بسبب نسائه الأجنبيَّات. يلزمنا أن نبتر كل علاقة تحطِّم أبديَّتنا بلا تردُّد.

3. الانحراف الجماعي [12-18]: كثيرون ينحرفون بسبب الضغط الجماعي كي لا يبدو أنَّهم شواذ. آمن القدِّيس أثناسيوس الرسولي أنَّه يمارس عمل الرب لذا قال بقوَّة: "وأنا ضدّ العالم". لنحب سكان العالم ونترفَّق بالجميع، لكنَّنا لا ننجرف خلال هذا التيار، بل نلتزم بالسلوك حسبما تمليه علينا رسالتنا!

1. النبي الكذَّاب             [1-5].

2. القريب الذي يغوي       [6-11].

3. المدينة التي تغوي         [12-18].

وسائل الغواية:

يرى البعض أن موسى النبي قدَّم في هذا الأصحاح ثلاث وسائل للغواية تعمل في كل عصر لتحطيم الإيمان:

أولاً: الفلسفات الإلحاديَّة، فالفلاسفة الملحدون أشبه بأنبياء كذبة يقدِّمون فلسفاتهم بأسلوب معسول جذَّاب، فيكون أشبه بالآيات والعجائب التي تخدع البسطاء.

ثانيًا: الجو الاجتماعي والأسري الفاسد، يسحب الإنسان عن الشركة الحيَّة مع الله.

ثالثًا: الرأي العام، إذ ينحني الإنسان للرأي السائد حتى لا يُحسب متخلِّفًا عن المجتمع، حتى وإن كان هذا الرأي محطِّمًا لأبديَّته.
1. النبي الكذَّاب:

"إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلمًا، وأعطاك آية أو أعجوبة. ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلَّمك عنها، قائلاً: لنذهب وراء آلهة أخرى لم نعرفها ونعبدها. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم، لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبُّون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" [1-3].

النبي الكاذب شخصيَّة مألوفة في العهد القديم تعاود الظهور في العهد الجديد، خادمة إبليس، مغرية على الشرّ (مت 24: 24، رؤ 18: 20). يدَّعي النبي الكاذب أنَّه يتقبَّل إعلانات إلهيَّة بطريقة أو أخرى كما بواسطة الأحلام؛ ويحاول تأييد ادعائه بصنع آيات أو عجائب مخادعة.

لقد استلم الشعب الشريعة، فلم يكن بالصعب عليهم اكتشاف الأنبياء الكذبة. كلمة الله هي التي تفرز النبي الحق من النبي الكذَّاب، أمَّا صنع الآيات والعجائب فليس معيارًا لصدقهم أو كذبهم، لأنَّها قد تخدع.

لا نتعجَّب من إمكانيَّة قيام أناسٍ من وسط الشعب يدَّعون النبوَّة ويصنعون آيات وعجائب لكي ينحرفوا بالمؤمنين عن الحق. لهذا يحذِّرنا الرسول بولس قائلاً: "إن بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشَّرناكم فليكن أناثيما" (غلا 1: 8). سيصنع ضدّ المسيح أيضًا في آخر الأيَّام عجائب وآيات، حتى لو أمكن أن يضل المؤمنين (مت 24: 24). والشيطان نفسه أحيانًا يظهر على شكل ملاك نور لكي يضلِّل المؤمنين (2 كو 11: 14).

يحذِّرنا السيِّد المسيح قائلاً: "حينئذ إن قال لكم هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدِّقوا، لأنَّه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلُّوا لو أمكن المختارين أيضًا، ها أنا قد سبقت وأخبرتكم" (مت 24: 23-25).

يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [يتحدَّث هنا عن ضدّ المسيح والذين يدعون مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، الذين يوجدون بكثرة حتى في أيَّام الرسل، أمَّا قبل مجيء المسيح الثاني فيوجدون بأكثر حرارة ].

يستخدم ضدّ المسيح وأتباعه كل وسيلة للخداع، مقدِّمًا آيات وعجائب هي من عمل عدو الخير للخداع. لذلك فالحياة الفاضلة في الرب وليس الآيات هي التي تفرز من هم للمسيح ومن هم لضدّ المسيح. وكما يقول القدِّيس أغسطينوس: [يحذِّرنا الرب من أنَّه حتى الأشرار يقدرون أن يصنعوا معجزات معيَّنة لا يستطيع حتى القدِّيسين أن يصنعوها، فليس بسببها يُحسبون أعظم منهم أمام الله].

لماذا يسمح الله بوجود أنبياء كذبة؟ لكي يتزكَّى المؤمنون، ويكلَّلون من أجل محبَّتهم له من كل قلوبهم ومن كل أنفسهم.

يحذِّرنا من الأنبياء الكذبة وأصحاب الأحلام الباطلة، لكي لا نجري وراءهم ولا نمارس ما يطلبونه، بل ولا نعطي آذاننا للاستماع إليهم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). "فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم". هكذا ننجو من السقوط الذي حلَّ بأمِّنا حواء لأنَّها أعطت أذنيها للحيَّة. ففي بعض التجارب يليق بنا أن نقول مع السيِّد المسيح: "ابعد عنِّي يا شيطان".

يظهر الله هنا كطبيب عجيب يعلم أن النبي الكاذب كخليَّة السرطان إن تُركت في الجسم دمَّرته تمامًا، لهذا يلزم استئصاله من وسط شعبه. لقد تُرك آخاب الملك وإيزابل وسط الشعب، فاجتذبا الشعب إلى العبادة الوثنيَّة، فسقط كثيرون تحت الحكم الإلهي. قُتل الآلاف وصار الكثيرون عبيدًا في مذلَّة يُعاملون من الأشوريِّين كحيوانات. ألم يكن من الأفضل رجم الأنبياء عِوض كل هذا الدمار؟!

-     قد يقول أحد: "ماذا نفعل فإن السحرة والرائيين غالبًا ما يكشفون لنا عن علامات حقيقيَّة خاصة بالمستقبل؟" يحذِّرنا الكتاب المقدَّس في هذا الشأن وينصحنا: فإنَّهم وإن قالوا الحق فلا تصدِّقوهم "لأن الرب إلهك يمتحنكم لكي يعلم هل تتَّقونه أم لا" [3][129].
الأب قيصريوس

-     كثيرون ينسبون لأنفسهم اسم المسيح ليخدعوا إن أمكن حتى المؤمنين.

الأب ثيؤفلاكتيوس

-     عندئذ سُيحل الشيطان فيعمل بكل قوَّته خلال ضدّ المسيح بطريقةٍ باطلة ومدهشة... إنَّه يخدع الحواس الميِّتة بأوهام، فيظهر كمن يعمل أعمالاً في الحقيقة هي وهم؛ أو ربَّما يفعل عجائب حقيقيَّة لكنَّها تضلِّل الناس عن الحق، إذ يحسبونها قوَّة إلهيَّة.

القدِّيس أغسطينوس

-     المسيح هو الحق، وضدّ المسيح يبطل الحق. المسيح هو الحكمة، ويأخذ ضدّ المسيح مظهر الحكمة بسرعة وبطريقة حاذقة. كل الأمور الممتازة تنطبق على المسيح وكل مظاهر الفضائل (المخادعة) تنطبق على ضدّ المسيح. فإن كل نوع من الصلاح يعبَّر عنه المسيح في ذاته لبنيان المؤمنين، يجد الشيطان طريقًا لتقليده بطريقة سخيفة مظهريَّة لكي يخدع المؤمنين[130].

العلامة أوريجانوس

يرى العلامة أوريجانوس أن ضدّ المسيح (والأنبياء الكذبة) يفسد مفهوم الكتب المقدَّسة فتحل رجسة الخراب في هيكل الرب (مت 24: 15).

-     يفهم بالموضع المقدَّس كل قول ورد في الكتاب الإلهي الذي تكلَّم به الأنبياء من موسى فيما بعد، ونطق به الإنجيليُّون والرسل. في هذا الموضع المقدَّس الذي للكتب المقدَّسة غالبًا ما يقف ضدّ المسيح، الكلمة الباطل؛ هذه هي رجسة الخراب[131].

العلامة أوريجانوس

قيل "الله لا يجرَّب أحدًا" (يع 1: 3)، لا يُفهم أن الله لا يجرِّب أحدًا بأي نوعٍ من التجارب بل لا يجرِّبه بأنواع معيَّنة، لئلاَّ يكون المكتوب باطلاً: "الرب إلهكم يمتحنكم (يجرِّبكم)" (تث 13: 3). الله لا يجرِّبنا بالتجربة التي تقودنا للخطيَّة، لكنَّه يهبنا أن نُجرَّب بالتجربة التي بها يُمتحن إيماننا.

ماذا يعني بقوله: "لكي يَعلَم"؟ أنَّه لا يحتاج أن يمتحنا لكي يعلَم ما في داخلنا، لكنَّه يقصد بذلك أنَّنا نكتشف نحن ذواتنا فنعلَم ما في داخلنا.

-     على كل الأحوال لا يمكن أن يفهم القول... بأي معنى سوى هذا، إنَّكم بواسطته تُعرفون، ويكون ذلك شهادة لكم عن تقدُّمكم في محبَّته[132].

-     هذا يعني أنَّه يجعلنا أنَّنا نحن نعرف[133].

-     أنَّها تعني أنَّه يجعلنا "نعلم". مرة أخرى في العبارة: "قم يا رب" (مز 3: 7) تعني اجعلنا أن نقوم، هكذا عندما يُقال أن الابن لا يعلم هذا اليوم، ليس لأنَّه يجهله، وإنَّما لا يجعل الذين لا يعرفونه بعد يعرفوه ولا يظهره لهم[134].

القدِّيس أغسطينوس



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 13 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 13 جـ2 PDF Print Email

هكذا من الجانب السلبي نرفض مجرَّد الاستماع لهذا الصوت الغريب، أمَّا من الجانب الإيجابي فيقول:

"وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتَّن، ووصاياه تحفظون، وصوته تسمعون، وإيَّاه تعبدون، وبه تلتصقون" [4].

هكذا نكرِّس كل كياننا للشركة مع الله بالسير معه، والسلوك بمخافته، وحفظ وصاياه، وتقديس الآذان للاستماع إليه.

تظهر جسامة الجريمة، إذ يأمر بقتل المجرم نفسه، حتى لا يحطِّم إيمان آخرين.

"وذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم يُقتل، لأنَّه تكلَّم بالزيغ من وراء الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض مصر وفداكم من بيت العبوديَّة، لكي يطرحكم عن الطريق التي أمركم الرب إلهكم أن تسلكوا فيها، فتنزعون الشرّ من بينكم" [5].

كان يصعب على الشعب أن يميِّز بين المرض والمريض، فمتى كان المرض خطيرًا وتنتقل عدواه سريعًا يُقتل المريض حتى ينجو الشعب من الوباء.

يُنظر إلى النبي الكذاب كعدوٍ عام للشعب وكخائنٍ للبلد ولله ملك الملوك، لذلك يُحكم عليه بالإعدام رجمًا.

حذّر الله شعبه في العهد القديم من قيام أنبياء كذبة، وفي العهد الجديد ربط بين قيام أنبياء ومسحاء كذبة ونهاية الأيَّام (مت 24: 11؛ 1 تي 4: 1؛ 2 بط 2: 1)، وإن الآيات والعجائب ستكون مضلِّلة (مت 24: 24؛ 2 تس 2: 9-10). وجاء المعلِّمون الكذبة ضمن قائمة الأنبياء الكذبة (مت 7: 15؛ 2 بط 2: 1). وبسبب شوق البشريَّة إلى المعرفة يسقطون في هذا الخداع بغير حكمة (أف 4: 14)، إذ يرغبون في معرفة ما هو جديد (2 تي 4: 3).

يمتحن الأنبياء بواسطة الشريعة وكلمة الله (إش 8: 20). يأمرنا القدِّيس يوحنا الحبيب: "امتحنوا الأرواح" (1 يو 4: 1)، فإن كانت تعاليمهم مناقضة لكلمة الله يجب رفضهم. "إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام، لأن من يسلِّم عليه يشترك في أعماله الشرِّيرة" (2 يو 10-11)

2. القريب الذي يغوي:

إذ كان وباء انتشار الوثنيَّة خطيرًا لذلك طالبت الشريعة بقتل من يغوي على العبادة الوثنيَّة، مهما كانت درجة قرابة الإنسان الذي يحاول الإغواء سرًا، أو مهما بلغت صداقته له. فإنَّه يليق بالمؤمن أن يحدِّد موقفه: الله أم قريبه؟ فإن الله يحسب كل حب نقدِّمه للقريب مقدَّم له، لكن إن كان هذا الحب يفقدنا شركتنا مع الله، فلنا أن نختار أحد الاثنين. بنفس الروح: "من أحبَّ أبًا أو أمَّا أكثر منِّي فلا يستحقَّني، ومن أحبَّ ابنًا أو ابنة أكثر منيَّ فلا يستحقنيَّ" (مت 10: 37). "إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يُبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وأخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو 14: 26).

"وإذا أغواك سرًّا أخوك ابن أمَّك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلاً: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك، من آلهة الشعوب الذين حولك، القريبين منك أو البعيدين عنك، من إقصاء الأرض إلى إقصائها، فلا ترض منه، ولا تسمع له، ولا تشفق عينيك عليه، ولا ترق له، ولا تستره، بل قتلاً تقتله. يدك تكون عليه أولاً لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيرًا. ترجمه بالحجارة حتى يموت" [6-10].

"وإذا أغواك سرًّا أخوك"، الأخ في العبريَّة هو القريب، وهذا ما نلاحظه في أيَّامنا كيف تسحب الروابط العائليَّة الكثيرين إلى الارتداد، فتهاجمنا التجربة حتى عن طريق بيوتنا.

"أخوك ابن أمَّك"، ليس فقط من هو في مرتبة الأخ، بل وإن كان أخًا حسب الجسد من أم واحدة.

"امرأة حضنك"، أي زوجة تحبُّها وتحتضنها، وتلتزم أن تحميها كما بأحضانك.

"صاحبك الذي مثل نفسك"، أي الصديق العزيز إلى الإنسان كنفسه. جاءت كلمة "صاحب" في العبريَّة بمعنى من تجد فيه بهجة، وتدخل معه في صداقة حقَّة.

ليس عجيبًا أن يتحدَّث عن الأخ أو الأخت أو الابن والابنة أو الصديق الذي يحاول سرَّا أن يجتذب الإنسان إلى الخطيَّة، فقد استخدم الشيطان حواء لتغوي رجلها آدم، وظن أيضًا أنَّه قادر أن يخدع يسوع المسيح خلال تلميذه بطرس.

الإغواء إلى الشرّ يحوِّل القريب إلى عدو، إذ يصير قاتل نفسٍ. من نحبُّهم ونعتز بهم، إن أساءوا استغلال هذا الحب فيخونونا بإهلاك نفوسنا يأخذون موقف الأعداء الذين يجتذبوننا إلى خطيَّة مهلكة.

يبدأ الشخص المُتَّهم بالرجم أولاً ليحمل المسئوليَّة أمام الله أنَّه صادق في اتهامه لقريبه أو لصديقه أنَّه يغويه سرًّا على العبادة الوثنيَّة، ثانيًا لكي يعلن أن الله قبل كل قريب أو صديق، هو فوق الكل.

"لأنَّه التمس أن يطوِّحك عن الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبوديَّة. فيسمع جميع إسرائيل ويخافون ولا يعودون يعملون مثل هذا الأمر الشرِّير في وسطك" [10-11].

مع أن الغواية تتم سرًا [6]. لكن العقوبة تتم علنًا [10]، حتى يكون عبرة لمن يظن أنَّه يخدع غيره في الخفاء. يجب أن يكون العقاب علنًا حتى يخاف الباقون ولا يخطئون، كما توضِّح ضرورة التشدُّد في هذا التدبير الجديد الذي فيه يسكنون الأرض (أع 5: 11).
3. المدينة التي تغوي:

ماذا إن قامت المدينة بأكملها أشبه بثورة ضدّ العهد مع الله وخدمت آلهة غريبة؟

"إن سمعت عن إحدى مدنك التي يعطيك الرب إلهك لتسكن فيها قولاً، قد خرج أناس بنو لئيم من وسطك، وطوَّحوا سكَّان مدينتهم قائلين: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفوها، وفحصت وفتَّشت وسألت جيدًا، وإذا الأمر صحيح وأكيد، قد عُمل ذلك الرجس في وسطك، فضربًا تضرب سكَّان تلك المدينة بحد السيف وتخربها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف. تجمع أمتعتها إلى وسط ساحتها وتُحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة للرب إلهك، فتكون تلاًّ إلى الأبد لا تُبنى بعد. ولا يلتصق بيدك شيء من المُحرَّم" [12-17].

يلاحظ الآتي:

أولاً:
يقول "إحدى مدنك"، أي إحدى مدن إسرائيل، فإنَّه ليس لنا أن نحكم على الذين في الخارج، وكما يقول الرسول بولس: "لأنَّه ماذا لي أن أدين الذين من خارج؛ ألستم أنتم تدينون الذين من داخل، أمَّا الذين من خارج فالله يدينهم؟‍" (1 كو 5: 12-13).

فالمدينة التي تعبد الله الحيّ ثم انحرفت بكاملها للعبادة الوثنيَّة، وصارت عثرة لبقيَّة مدن يهوذا. وكما يقول بطرس الرسول: "لأنَّه كان خير لهم لو لم يعرفوا طريق البرّ من أنَّهم بعدما عرفوا يرتدُّون عن الوصيَّة المقدَّسة المسلَّمة لهم" (2 بط 2: 21).

ثانيًا: إذا قام بعض الرجال بإغراء الشعب، يدعوهم "بنو لئيم". بنو لئيم معناها "بطَّالون"، وقد ترجمت "بنو بليعال" في (قض 19: 22، 20: 13) في قصَّة جبعة. هؤلاء ليس فيهم مخافة الرب، ولا يخشون حتى الناس، يقاومون ضمائرهم ويكسرون الشرائع. يقول الرسول: "أي اتِّفاق للمسيح مع بليعال؟" (2 كو 6: 15) وكأنَّه يضع بليعال في مكان الشيطان، فبنو بليعال هم "أبناء إبليس". هكذا صار هؤلاء خميرة فاسدة حوَّلت كل العجين إلى الفساد لتحمل طبيعة إبليس الفاسدة.

يحذِّرنا الكتاب المقدَّس من الأشرار: "أمَّا خاطئ واحد فيُفسد خيرًا جزيلاً" (جا 9: 18). "لا تضلُّوا، فإن المعاشرات الرديَّة تفسد الأخلاق الجيِّدة" (1 كو 15: 33).

ثالثًا: لما كان الأمر فيه دمار للمدينة، لهذا يلزم الفحص بتدقيق والسؤال جيِّدًا والتأكَّد من حقيقة الأمر. عندما أراد الله أن يهلك مدينة سدوم قال: "انزل وأرى" (تك 18: 21).

يرى بعض الكتَّاب اليهود أنَّه إذا أُتُّهم إنسان أنَّه يغوي إلى العبادة الوثنيَّة فإنَّه يُقدَّم للمحاكمة لدى محكمة صغرى، أمَّا إذا أُتُّهِمت مدينة بذلك فتُقدَّم أمام مجمع السنهدريم. فإذا تيقَّن المجمع من صدق الأمر أرسل اثنين متعلِّمين للنصح والإرشاد، فإن قبلت المدينة النصح، وقدَّمت توبة تُقبل، وتصير المدينة في سلام. وإن رفضت وأصرَّت على العبادة الوثنيَّة يقيمون حربًا ضدَّها لإبادتها منعًا من تسرُّب أفكارها الوثنيَّة إلى غيرها من مدن إسرائيل.

رابعًا: إن وُجدت قلَّة قليلة مؤمنة فإنَّها تخرج من المدينة، كما من مكان خطر، بعد ذلك يُضرب الرجال والنساء والأطفال بالسيف [15]، ثم يُؤتى بكل الأمتعة في ميدان عام وتُحرق بالنار، وتتحوَّل المدينة إلى رماد ولا تُبنى من جديد.

خامسًا: لا يسمح لأحد أن يأخذ شيئًا من أمتعة هذه المدينة لأنَّها محرَّمة [17]، وإلاَّ كان نصيبه مثل عخان بن كرمي، إذ خان خيانة وأخذ من الحرام، فغضب الرب على بني إسرائيل بسببه (يش 7: 1).

سادسًا: يُزال كل أثر للخطيَّة "لكي يرجع الرب من حمو غضبه" [17]. هكذا فإن الله غيور ويحسب عبادة آلهة غريبة جريمة كبرى. في العهد الجديد يُحسب الله الخلط بين مائدة الرب ومائدة الشيَّاطين خطيَّة عظمى إن صح التعبير.

"إن ما يذبحه الأمم فإنَّما يذبحونه للشيَّاطين لا لله. فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء الشيَّاطين. لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شيَّاطين ولا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة شيَّاطين. أم نغير الرب؟ ألعلَّنا أقوى منه؟" (1 كو 10: 19-21).

سابعًا: يُكافئ الله الذين يرجعون عن هذه الخطيَّة، بكونهم صانعي الحق في عينيه. "لكي يرجع الرب من حمو غضبه ويعطيك رحمة يرحمك ويكثرك كما حلف لآبائك. إذا سمعت لصوت الرب إلهك لتحفظ جميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم لتعمل الحق في عيني الرب إلهك" [17-18].

من وحيّ تثنية 13
لتنكسر كل يدٍ تغويني!

-     يدك تحملني كما إلى أحضانك الأبديَّة.

لتنكسر كل يدٍ تسحبني منك.

إن امتدت يد نبي كاذب أو مخادع لتصنع آيات،

يدك وحدها تقدر أن تحفظني.

فلا يخطفني أحد منك.

-     لتُبتر يد أخي أو أختي أو أي قريب لي،

إن تجاسرت لتستغل القرابة،

فتحرمني من التمتُّع بالقرابة لك!

فأنت أبي وأخي وأختي والكل لي!

-     إن انحرفت المدينة بأكملها وراء الباطل،

وإن انخدع العالم كلُّه وراء الفساد،

تبقى نفسي أمينة لك!

أنت فوق الكل!

لأقتنيك يا أيها القدُّوس،

حتى وإن فقدت العالم كلُّه!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 13 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

شرائع للتقديس
الجنازات والأطعمة والعشور

بعد حديثه الصارم فيما يخص الإغواء إلى العبادة الوثنيَّة عالج بعض العادات الوثنيَّة الخاصة بالجنازات [1-2]، مطالبًا إيَّاهم أن يتذكَّروا أنَّهم "أولاد للرب" و"شعب مقدَّس ومختار وخاص". ثم عرض موضوع الأطعمة الطاهرة والنجسة. فمن أجل ممارسة التقدمات والذبائح بقلوب نقيَّة طاهرة وضع شريعة الحيوانات الطاهرة والنجسة ليميِّزهم عن الكنعانيِّين [3-21]، كما طالبهم بتقديم العشور [22-23] لكي تُستخدم في سد احتياجات خدَّامه المختارين وأيضًا الفقراء [28-29].

1. عادات جنائزيَّة           [1-2].

2. الحيوانات الطاهرة       [3-8].

3. الأسماك الطاهرة        [9-10].

4. الطيور الطاهرة          [11-20].

5. الجثَّة الميِّتة             [21].

6. العشور                  [22-29].

1. عادات جنائزيَّة:

يمارس المؤمن الحياة القدسيَّة خلال عاداته حتى في اللحظات القاسية كالموت، وفي حياته اليوميَّة كالأكل والشرب، وفي عبادته كالعطاء، وفي علاقته بالغير كالاهتمام بالغرباء والمحتاجين.

"أنتم أولاد للرب إلهكم. لا تخشموا أجسادكم، ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميِّت. لأنَّك شعب مقدَّس للرب إلهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" [1-2].

إذ يقدِّم لهم شرائع خاصة بتقديسهم تمس تصرُّفاتهم اليوميَّة وفي مناسبات معيَّنة لا يصدر الله أوامر لكي تُطاع دون مناقشة، وإنَّما كأب يؤكِّد لهم بنوَّتهم له، فما يصدر عن الأب إنَّما هو حب فائق لبنيانهم. ما يطلبه الله من هذه الشرائع ليس مجرَّد تنفيذها بطريقة آليَّة، وإنَّما يطلب تجاوب الأبناء مع محبَّة أبيهم ليصيروا مقدَّسين كما هو قدُّوس.

أما وقد جاء الابن الوحيد الجنس وبروحه القدُّوس وهبنا روح البنوَّة لله الآب، صارت وصيَّة العهد الجديد عذبة ومفرحة. لا نرى في الوصايا أوامر ونواهٍ، بل نراها طريقًا ملوكيًا لائقًا بأبناء الله. كأولاد لله نقبل الوصيَّة، بل ونحتمل شركة الآلام مع المسيح المصلوب لكي نرث ونتمجَّد معه. "فإن كنَّا أولادًا فإنَّنا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع المسيح، إن كنَّا نتألَّم معه لكي نتمجَّد أيضًا معه" (رو 8: 15). "ثم بما أنَّكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب؛ إذًا لست بعد عبدًا بل ابنًا، وإن كنت ابنًا فوارث لله بالمسيح" (غلا 4: 6-7).

كأولاد لله يلتزمون بحياة خاصة تناسبهم، تختلف في الداخل كما في السلوك الخارجي عن غيرهم. يذكِّرهم دائمًا بمركزهم: "أنتم أولاد الرب إلهكم". فقد دخلوا مع الله في ميثاق، ليس عن استحقاق خاص بهم، لكن خلال غنى مراحم الله الذي اختارهم ليكونوا شعبًا مقدَّسًا ومختارًا وخاصًا به. يليق بشعب الله أن يحمل قدسيَّة خاصة ولا يتمثَّل بالشعوب المحيطة به. أنَّه يرفعهم فوق جميع الشعوب من جهة الحياة المقدَّسة، فلا يليق بهم أن ينزلوا إلى العادات الوثنيَّة مثل تجريح الجسم وجعل رؤوسهم قرعًا للتعبير عن مشاعر الحزن في الجنازات.

أوصاهم الله بالامتناع عن العادات الوثنيَّة لكي ينفتح أمامهم الطريق للتعاليم الجديدة والإيمان الحيّ العملي. فقد كان من عادات الوثنيِّين تقطيع الشعر أو حلقه، وتجريح الوجه والضرب على الصدر، ووضع أصباغ قاتمة على الوجه، أمور يعبِّرون بها عن شدَّة حزنهم على الميِّت. فكان لزامًا على شعب الله ألاَّ يُشارك الوثنيِّين عاداتهم هذه علامة تمتُّعهم بحياة جديدة تختلف عمَّا للوثنيِّين.

الامتناع عن هذه العادات تعتبر شهادة عن مفاهيم جديدة للمؤمنين أولاد الله بخصوص الموت، إذ يرون في الأموات المقدَّسين في الرب راحلين إلى حياة أفضل. لم تنتهِ حياتهم بموتهم، بل لا زالوا أحياء مع إبراهيم واسحق ويعقوب، ينتظرون المجد الأبدي.

لقد حمل شعب الله في أجسادهم "الختان" علامة الرب، فلا يليق بهم أن يحملوا علامات الآلهة الغريبة، ألا وهي تجريح أجسامهم. فقد كان من عادة الوثنيِّين تجريح أجسادهم ليس فقط في الجنازات، وإنَّما أثناء ممارسة العبادة للآلهة كما كان يفعل كهنة البعل (1 مل 18: 28).

الله خالق الجسد لن يُسر بمن يُشوِّه جسده، بل بمن يهتم به ويعوله ويكرمه بما يليق كعطيَّة مقدَّسة من الرب. كل خليقة الله صالحة (1 تي 4: 4). الجسم هو عطيَّة إلهيَّة جميلة، ليس من حق الإنسان أن يشوِّهه بالتجريح مهما كان السبب. تجريح الأجساد في الجنازات يجعلهم كالأطفال الذين يشوِّهون أجسادهم متى لعبوا بسكِّينٍ ما، هكذا الله في أبوَّته يود أن يسحب السكِّين من أيديهم كي لا يضرُّوا أنفسهم.

التجريح والقرع يشيران إلى ما يحل بأقرباء المنتقل من يأس والمبالغة في الحزن، بينما يأمرنا الرسول بولس: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيُّها الاخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (1 تس 4: 13). امتناعهم عن هذا الحزن المفرط يشهد لإيمانهم بالقيامة من الأموات، ونصرتهم على الموت، وعدم خوفهم من العبور في وادي ظلال الموت.

تمييزهم عن غيرهم من الشعوب الوثنيَّة في الجنازات يُعلن إيمانهم بالحضرة الإلهيَّة في كل حين، حتى أمام الموتى، فإن الله هو إله الأحياء والأموات، يضم الكل معًا ليعيشوا معه إلى الأبد.

إن كنَّا لا ننكر أن المؤمن يحزن من أجل آلام الفراق، لكن في حدود، وإلي حين، فإن كثير من الوثنيِّين قبلوا الإيمان بالسيِّد المسيح عندما رأوا كيف واجه المسيحيُّون الموت بشجاعة وبشاشة. وقد سجَّل لنا الشهيد يوستين تأثُّره بهذا قبل قبوله الإيمان[135].

حتى في فترات السلام كان أحد العوامل التي جذبت الوثنيِّين نحو الإيمان طقوس جنازات المسيحيِّين وما حملوه من أحاسيس السلام والرجاء في الأبديَّة[136].

الإنسان الذي يسمِّر عينيه علي أعماقه الداخليَّة فيرى مسيحه في داخله، يتطلَّع أيضًا إلي موت الجسد فيراه عطيَّة إلهيَّة، قنطرة عبور إلي الخلود، وتحرُّر حقيقي من الحياة الزمنيَّة بكل أمراضها الروحيَّة والجسديَّة.

-     إن موت الأبرار صار رقادًا، بل صار هو الحياة.

القدِّيس باسيليوس الكبير

تطلَّع القدِّيس غريغوريوس النزينزي إلى أخته الأكبر منه القدِّيسة جورجونيا كنموذجٍ حيٍّ للمسيحي، وقد تأثَّر بها جدًا إذ كان مغرمًا بتقواها وورعها. وأوضح كيف استعدَّت للموت بلا خوف:

-    موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 12: 22-23)... التي يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين في السماء.

-     كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته في أماكن أمينة. لم تترك شيئًا وراءها سوي جسدها. لقد فارقت كل شيء من أجل الرجاء العلوي. الثروة الوحيدة التي تركتها لأبنائها هي الاقتداء بمثالها، وأن يتمتَّعوا بما استحقَّته.
-    هنا أتكلَّم عن موتها وما تميَّزت به وقتئذٍ لأوفيها حقَّها... اشتاقت كثيرًا لوقت انحلالها، لأنَّها علمت بمن دعاها وفضَّلت أن تكون مع المسيح أكثر من أي شيء آخر على الأرض (في 1: 23).

تاقت هذه القدِّيسة إلى التحرُّر من قيود الجسد والهروب من وحل هذا العالم الذي نعيش فيه. والأمر الفائق بالأكثر أنَّها تذوَّقت جمال حبيبها المسيح إذ كانت دائمة التأمُّل فيه.

بقوله "اختارك الرب" [2] لا يعني السلبيَّة من جهة الإنسان، إنَّما يلزمه السلوك بما يليق بهذا الاختيار ليُحسب عضوًا حقيقيًا في الشعب المقدَّس.

-     لماذا اختارنا؟ "لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدامه" (أف 1: 4). ذلك لكي عندما تسمع "اختارنا" لا تظن أن الإيمان وحده يكفي، بل يضيف الحياة والسلوك.

يقول إنَّه اختارنا بهذا الهدف، "لنكون قدِّيسين وبلا لوم"...

إن كان البشر في اختيارهم يختارون ما هو أفضل، بالأكثر يفعل الله ذلك.

بالحقيقة إن الاختيار هو عطيَّة الله المحب الرحيم، وهو أيضًا سلوك صالح.

لقد جعلنا قدِّيسين، ويليق بنا أن نستمر في القداسة. الإنسان القدِّيس هو من يشترك في الإيمان، الإنسان الذي بلا لوم هو الذي له حياة غير ملومة[137].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم


2. الحيوانات الطاهرة:

قلنا إن المؤمن الحقيقي يشعر بالحضرة الإلهيَّة حتى عند وقوفه أمام ميِّت عزيزٍ جدًا لديه، فيسلك بما يليق بهذه الحضرة، وما يناسب إيمانه. الآن يُعلن المؤمن إدراكه للحضرة الإلهيَّة حتى عند مائدة الطعام، فقد كشف له الله عن الأطعمة المحلَّلة وتلك الدنسة. السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل يهم الله نوع الأطعمة التي يأكلها مؤمنوه؟

أولاً: لكي يشعر المؤمن – في العهد القديم – بأنَّه ملتزم بقانون يحكمه في كل تصرُّفاته، لا ليحد حرِّيته، وإنَّما ليسنده، فيسلك بما يليق كابن لله. يشعر الإنسان المسيحي بالالتزام في كل سلوكه حتى في أكله وشربه ليس من أجل ضميره فقط، ولكن من أجل اخوته الضعفاء في الإيمان حتى لا يضع لهم معثرة (رو 14: 13). لقد وضع الرسول بولس مبدأ إيمانيًا حيًّا يقود سلوكنا وهو: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله. كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيِّين ولكنيسة الله، كما أنا أيضًا أُرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 31-33).

ثانيًا: لكي يشعر بأنَّه مكرَّس للرب، ينتسب إلى شعب مختار، ومملكة روحيَّة متميِّزة. إذ كان الله يود أن يعزل شعبه إلى حين حتى لا يشتركوا مع الأمم في رجاساتهم، أمر بعزلهم عن الاشتراك معهم في مائدة واحدة. فمن لا يشترك مع الغير على ذات المائدة لا يشترك في الأمور الأخرى. في كثير من البلاد حاليًا من يرفض الاشتراك مع إنسان في مائدة واحدة يُحسب كمن يرفض الدخول معه في أيَّة علاقات. في كثير من بلاد الشرق الأوسط من يرفض أن يشترك مع شخص على مائدة يُحسب كمن أهان واستخفَّ بمن يدعوه للوليمة. هكذا أراد الله أن يقطع شعبه من كل علاقة أو شركة جادة مع الأمم الوثنيَّة.

ثالثًا:
لكي يفكِّر دومًا في الطهارة والقداسة حتى في أكله وشربه، لكي يصير قدِّيسًا كما أن الله قدُّوس. وكأن التمييز بين الأطعمة المحلَّلة والدنسة هي دعوة يوميَّة للشعب لكي ينشغل بالحياة المقدَّسة.

رابعًا: لأن الله أراد أن يمنع شعبه من الاشتراك مع الوثنيِّين في موائدهم التي يعتبرونها جزءً لا يتجزَّأ من العبادة الوثنيَّة. إذ كانت العبادة لا تقف عند تقديم الذبائح والبخور بل تمتد إلى الاشتراك في موائد للشيَّاطين. أمَّا وقد جاء السيِّد المسيح إلى العالم وحلَّ بين البشريَّة كواحدٍ منهم لاق بالمؤمنين ألاَّ يعتزلوا العالم وإلاَّ فيلزمهم الخروج منه (1 كو 5: 10)، لكنَّهم لا يشاكلون أهل العالم، بل يسلكون في جدَّة الحياة. وكما يقول الرسول بولس: "لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2). "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟! لأنَّكم قد اُشتريتم بثمن، فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 15، 20). صار الإنسان بكل كيانه للسيِّد المسيح الذي وحده يقوده بروحه القدُّوس، فيملك على النفس والروح والجسد بكل مواهبه وإمكانيَّاته ليعمل لمجد الله.

خامسًا: تحمل هذه الأطعمة رموزًا روحيَّة كما سبق فرأينا في دراستنا لسفر التكوين. التمييز بين الحيوانات الطاهرة والدنسة، وبالنسبة للطيور والحيوانات البحريَّة إنَّما يدعو المؤمن لإدراك التمييز بين المؤمنين الحقيقيِّين السالكين بروح البرّ والقداسة وغيرهم.

سادسًا:
الله خالق الجسد مع النفس، فهو يهتم بكل ما يخص الإنسان جسديًا وروحيًا.

سابعًا: يود الله أن يؤكِّد وحدة الإنسان، فما يدخل المعدة له أثره حتى على النفس. وما تحمله النفس من مشاعر روحيَّة ونفسيَّة له تأثيره على الجسد.

سبق الحديث في شيء من التفصيل عن الأطعمة المحلَّلة والأطعمة المحرَّمة وما تحمله من مفاهيم رمزيَّة روحيَّة أثناء دراستنا لسفر اللآويِّين[138]، كما قدُّمت لأجل جوانب صحيَّة. لا توجد في العهد الجديد أطعمة طاهرة وأخرى نجسة، بل كل خليقة الله صالحة (1 تي 4: 4).

الآن في المسيح يسوع لا توجد أطعمة محلَّلة وأخرى محرَّمة، لكن من يهتم بحياته الروحيَّة يلزمه أيضًا أن يكون حريصًا فيما يخص جسده. اذكر على سبيل المثال شتَّان ما بين أم وهي تعد الطعام تمزجه بصلواتها وتسابيحها وبين أم تمزجه بأغاني عالميَّة. شتَّان بين من يمزج طعامه بالصلاة، فيشعر أنَّه في حضرة الرب حتى أثناء تناوله الطعام، وبين من يشغل ذهنه بأمور مفسدة أثناء ذلك.

السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 14 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 14 جـ2 PDF Print Email

"لا تأكل رجسًا ما. هذه هي البهائم التي تأكلونها: البقر والضأن والمعز. والآيل والظبي واليحمور والوعل والرئم والثيتل والمهاة. وكل بهيمة من البهائم تشق ظلفًا وتقسمه ظلفين وتجتر، فإيَّاها تأكلون. إلاَّ هذه فلا تأكلوها ممَّا يجترّ وممَّا يشق الظلف المنقسم: الجمل والأرنب والوبر، لأنَّها تجترّ لكنَّها لا تشق ظلفًا فهي نجسة لكم. والخنزير لأنَّه يشق الظلف لكنَّه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا" [3-8].

الحيوانات المحلَّلة هي التي تتَّسم بالاجتراء ومشقوقة الظلف. إن أخذنا البقرة كمثال للاجتراء فإنَّها تحمل في داخلها معدة معقَّدة بها أكثر من مكان. ففي الصباح تأكل العشب الذي يدخل في موضع معيَّن في المعدة. وعند الظهيرة تستريح تحت ظل شجرة أو تقف خلف حائط تستظل وتبدأ في اجتراء ما سبق أن أكلت، فتنقله من موضعه في جزء معيَّن من المعدة إلى موضع آخر بعد أن تطحنه بأسنانها. هذه صورة للمؤمن الذي يجد في كلمة الله طعامه، يأكله ليجلس بين الحين والآخر يتأمَّل فيه. وكما يقول المرتِّل: "طوبى للرجل الذي في ناموس الرب يلهج نهارًا وليلاً" (مز 1: 2).

-     التأمُّل في الشريعة لا يعني مجرَّد قراءتها بل ممارستها. وكما يقول: الرسول بولس في موضع آخر: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله"[139] (1 كو 10: 30).
القدِّيس جيروم

-     لنحسب كل شيء ثانويًا بجانب الاستماع إلى كلمة الله، إذ لا يوجد وقت غير مناسب لها... بل كل الأوقات تناسبها[140].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

أمَّا الظلف المشقوق، فهو مشقوق من جانب علامة الانفصال، ومتَّحد من جانب علامة الوحدة. لهذا يشير الاجتراء إلي اللهج الدائم في كلمة الله[141]، أو كما يري العلامة أوريجانوس هو الانطلاق من المعني الحرفي لكلمة الله إلي المعني الرمزي[142].

يشير شق الظلف إلي قبول المؤمن للكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد[143]، أو المؤمن الذي يعرف أن يتقدَّس في هذه الحياة الزمنيَّة ويكون مقدَّسًا في الحياة الأبديَّة[144]، أو المؤمن الذي له إيمان ثابت في الآب والابن[145].

من يسير بظلفٍ مشقوق من جانب ومتَّحد من الجانب الآخر، هو ذاك الذي يعرف كيف يسير بروح التمييز. يعرف ما لحياته الزمنيَّة وما هو حدودها، وما هو لحياته الأبديَّة وكيف تشغله. أمَّا عن الوحدة فإنَّه في كل سلوكه اليومي والتعبُّدي لا ينفصل قط عن مسيحه بل يسلك في المسيح يسوع ربنا. يقول الرسول بولس: "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه" (كو 2: 6).

إن كان الظلف يشير إلي ما هو ميِّت في جسمنا، فإن شق الظلف يشير إلي شق ما هو ميِّت فينا، أي الإماتة عن الشهوات القاتلة للنفس.

ولعلَّ السبب في رفض الأطعمة النجسة غالبًا لأنَّها كانت تستخدم كذبائح للأوثان مثل الخنزير والجمل. وفي فلسطين كان هذان الحيوانان يأكلان الحشائش السامة وكثيرًا ما تصيبهما الحشرات الضارة.

الله لا يطيق النجاسة، والعجيب أن الشعب في عناده يطلب ما هو نجس، لذا يقول في إشعياء النبي: "شعب يغيظني بوجهي دائمًا، يذبح في الجنات ويبخِّر على الآجر، يجلس في القبور، ويبيت في المدافن، يأكل لحم الخنزير، وفي آنية مرق لحوم نجسة" (إش 65: 3-4). لقد قدَّم لهم أنواعًا مختلفة من الحيوانات التي يمكن أكل لحمها حتى متى أشار إلى الامتناع عن حيوانات نجسة مثل الخنزير لا يتضايقوا.
3. الأسماك الطاهرة:

"وهذا تأكلونه من كل ما في المياه، كل ما له زعانف وحرشف تأكلونه. لكن كل ما ليس له زعانف وحرشف لا تأكلوه أنَّه نجس لكم" [9-10].

نجد تحريمًا ضمنيًا ضدّ أكل الأسماك المحارية، لأنَّها تقتات على الأوساخ.

لكي تكون الحيوانات المائيَّة طاهرة يلزمها شرطان:

الأول: يكون لها زعانف تساعدها علي السباحة، فتقاوم كل تيَّار مياه. هذا يشير إلى النفس التي تقدر أن تجتاز مياه هذا العالم بقوَّة.

الثاني: يكون لها حرشف يحميها ممَّا يحيط بها، هذا الحرشف يشير إلي نعمة الله التي يتمسَّك بها المؤمن لكي يقاوم كل فساد محطِّم للنفس.
4. الطيور الطاهرة:

"كل طير طاهر تأكلون. وهذا ما لا تأكلون منه النسر والأنوف والعقاب. والحدأة والباشق والشاهين على أجناسه. وكل غراب على أجناسه. والنعامة والظليم والساف والباز على أجناسه. والبوم والكركي والبجع. والقوق والرخم والغواص واللقلق والببغا على أجناسه والهدهد والخفاش. وكل دبيب الطير نجس لكم لا يؤكل. كل طير طاهر تأكلون" [11-20].

الطيور المذكورة في [12-18] تقتات بالجيف، وعليه فإنَّها مُحرَّمة.

تُحسب الطيور الجارحة دنسة، لأنَّها لا تحمل حبًا بل عنفًا وافتراسًا للغير. هكذا من لا يحمل روح الحب بل البغضة والكراهيَّة لا يُحسب مقدَّسًا في عينيّ الرب.
الحشرات بوجه عام تُحسب دنسة.
5. الجثَّة الميِّتة:

"لا تأكلوا جثَّة ما، تعطيها للغريب الذي في أبوابك فيأكلها أو يبيعها لأجنبي لأنَّك شعب مقدَّس للرب إلهك، لا تطبخ جديًا بلبن أمّه" [21].

يحذِّرنا من أكل الجثَّة الميِّتة، لجوانبٍ صحيَّة، وأيضًا لمفهومٍ رمزي، فإنَّه يليق بالمؤمن ألاَّ يقتات بالأمور الميِّتة فيموت معها، بل يغتذي بكلمة الله الحيَّة والواهبة الحياة. لقد أراد الله أن يبتعد مؤمنو العهد القديم عن كل ما هو ميِّت، حتى يدركوا أنَّه يجب أن يدعوا الموتى يدفنون موتاهم، وأن يطلبوا ما هو فوق حيث لا يقدر الموت أن يلحق بهم.

القانون اليوم يمنع الجزَّار من بيع الجثث ضمانًا لمنع الأمراض، وخوفًا من التعرُّض للتسمُّم أو العدوى.

أحد العوامل للامتناع عن أكل الدم، هو عدم أكل الحيوانات والطيور الميِّتة حيث يكون دمها فيها لم يسل منها بذبحها.

جاءت وصيَّة عدم ذبح جدي بلبن أمّه لمنع السحر. كان الكنعانيُّون يطبخون الجدي بلبن أمّه كسحر ورقيَّة لزيادة الخصب. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وأيضًا لمراعاة الاعتبارات الطبيعيَّة بين الوالدين والصغار حتى بين الحيوانات والطيور، مثل منع ذبح البقرة أو الشاة وابنها في يومٍ واحدٍ (لا 22: 28)، أو أحد الطيور الحاضنة مع صغارها (تث 22: 6). وقد سبق فقيل: "لا تطبخ جديًا بلبن أمّه" (خر 23: 19؛ 34: 25). لقد خلق الله الحيوانات من أجل الإنسان، وسُمح له أن يذبحها ويأكلها، لكنَّه يفعل هذا مع مراعاة مشاعر الأم (من الحيوانات والطيور). كأن الله يدفع مؤمنيه نحو الترفُّق بكل الخليقة حتى غير العاقلة، مراعيًا مشاعرها ما استطاعوا.

بخصوص الجدي لا يُطبخ بلبن أمّه، يرى البعض أنَّه يشير هنا إلى الحمَل الذي يقدَّم للفصح.
6. العشور:

يقدِّم لنا ثلاثة استعمالات لمواردنا: لخدمة الله، ولسعادة عائلاتنا، والاهتمام باحتياجات الغير.

تحدَّث عن العشور وتقديمها لله موضِّحًا النقاط التالية:

1. حفظ السبت يقوم على أساس تقديم العشور، فإن كل وقت الإنسان وغناه هو عطايا من الله، وأمانة له عندنا (تث 8: 18، مت 25: 14). يجب أن نخصِّص جزءً للمقدَّس كعلامة على تقديس الكل (23: 25).

"تعشيرًا تعشِّر كل محصول زرعك الذي يخرج من الحقل سنة بسنة" [22].

2. كان تقديم العشور والباكورات فرصة لإقامة الأعياد والكرم على كل من في الأبواب [27] وكأن موسى بذلك يتطلَّع إلى أيَّام السلام والرخاء المقبلة. تقديم العشور علامة تقديس كل ما نملكه لحساب الرب. يبدو أنَّها شريعة تقليديَّة سُلِّمت عبر الأجيال (يعقوب في بيت إيل تك 28: 22). إذ يشعر المؤمن أن ما يملكه (الأرض) هو عطيَّة مقدَّسة من الرب، لذا يلتزم أن يقدِّم العشور علامة تجاوب قلبه بالحب مقابل الحب الإلهي. في حبُّه يقدِّم للآويِّين (خدام الكلمة) والغرباء والأيتام والأرامل [29]. أمَّا ثمرة ذلك فهو الفرح [26] والبركة [29].

"وتأكل أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره ليحل اسمه فيه عشر حنطتك وخمرك وزيتك وأبكار بقرك وغنمك، لكي تتعلَّم أن تتَّقي الرب إلهك كل الأيَّام.ولكن إذا طال عليك الطريق حتى لا تقدر أن تحمله، إذا كان بعيدًا عليك المكان الذي يختاره الرب إلهك ليجعل اسمه فيه إذ يباركك الرب إلهك. فبعه بفضَّة وصُرّ الفضَّة في يدك واذهب إلى المكان الذي يختاره الرب إلهك" [23-25].

3. يربط العطاء بالفرح: "وأنفق الفضَّة في كل ما تشتهي نفسك في البقر والغنم والخمر والمسكر وكل ما تطلب نفسك، وكل هناك أمام الرب إلهك وافرح أنت وبيتك، واللآوي الذي في أبوابك لا تتركه لأنَّه ليس له قسم ولا نصيب معك" [26-27].

"في آخر ثلاث سنين تخرج كل عُشر محصولك في تلك السنة وتضعه في أبوابك. فيأتي اللآوي لأنَّه ليس له قسم ولا نصيب معك، والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك ويأكلون ويشبعون، لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يدك الذي تعمل" [28-29].

-     في هذه التقدمة (فلسيّ الأرملة مر 12: 41-44). بالحق ظهر ما تعدَّى حديث موسى بخصوص موضوع تقدمة الأموال. فقد تقبَّل موسى عطايا من الذين لهم مالاً، أمَّا يسوع فيتسلَّم عطايا حتى من الذين ليس لهم.

هيجيمونس[146]

-     عُهد إلينا أن ندبِّر ونستخدم الغنى الزمني من أجل الصالح العام، لا كمن يملكون شيئًا ملكيَّة خاصة أبديَّة. إن قبلت الحقيقة أن المالك على الأرض هو إلى حين، فإنَّك تستطيع أن تتمتَّع بملكيَّة أبديَّة في السماء. تذكر الأرملة التي نست نفسها خلال اهتمامها بالفقراء، وفكَّرت فقط في الحياة العتيدة، فقدَّمت كل ما لديها، كما شهد الديَّان نفسه. أنَّه يقول بأن الآخرين قدَّموا من فضلاتهم، أمَّا هي إذ لم تملك إلاَّ فلسين وكانت أكثر احتياجًا من كثير من الفقراء – مع أنَّها فاقت كل الأغنياء في الغنى الروحي – فكَّرت فقط في الحياة العتيدة، وإذ كانت مشتاقة إلى الكنز السماوي لذلك قدَّمت مرة واحدة كل ما يُسحب من الأرض، وأصرَّت أن تردُّه... لنردّ للرب العطايا التي وهبنا إيَّاها. لنقدِّمها له، ذاك الذي يتقبَّلها في شخص كل فقير أو فقيرة. لنعطي بسرور، أقول أنَّه سيكون لنا فرح عظيم عندما نتقبَّل المكافأة التي وعد بها[147].

بوليناس أسقف نولا

Paulinus of Nola

4. يوجد نوعان من العشور، الأولى تقدَّم للآويين ومنها يُدفع نصيب الكهنة (عد 18: 24-28؛ نح 10: 37-38). ما تبقَّى يُدفع منه العشور الثانية التي يأكلون منها أمام الرب في السنتين الأولى والثانية، أمَّا عشور السنة الثالثة فتدفع للآويين والفقراء (تث 14: 28-29). في السنتين الرابعة والخامسة يأكل منها أصحابها، وفي السنة السادسة تقدَّم للفقراء والسنة السابعة تقدَّم سبتًا للأرض ويكون كل شيء مشاعًا (خر 23: 10-11)[148].

5. يشعر اللآويون أنَّهم ملتزمون بتقديم البركة للشعب خلال التعليم والصلاة، ويفرح الشعب أن يشاركهم عطايا الرب لهم [29].


من وحيّ تثنية 14

لأسلك كابنٍ لك،

وكعضوٍ في شعبك المقدَّس
!

-     اخترتني ابنًا لك،

قطعت معي عهدًا، وقدَّمت لوحيّ العهد ميثاقًا.

هب لي أن أسلك بما يليق كابنٍ مقدَّس لك.

-     ليكن لي السلوك اللآئق،

بمن ينتسب لشعبٍ خاص، فينتسب للقدُّوس.

لا أسلك بغباوة الجهال،

فلا أجرح جسدي في جنازة،

ولا أصير أقرع بسبب حزنٍ مفرط.

-     ليتقدَّس حتى أكلي وشربي.

فلا يدخل فمي شيء غير لائق،

ولا يدخل قلبي دنس ما.

-     لأقدِّم لك العشور والبكور والنذور،

واحسب ذلك رمزًا لتقديم كل مالي،

فإنَّني لا أملك شيئًا.

كل ما في يدي هو من غنى حبَّك ورعايتك.


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 14 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 15 جـ1 PDF Print Email

الحياة السَبتيَّة

الله الذي يجد مسرَّته في أن ينسب نفسه للأيتام والأرامل والمطرودين والمرذولين، يقدِّم شريعته من أجل تحويل حياة كل إنسان إلى حياة سبتيَّة، أي يصير كل عمره "سبت للرب". يود أن يحوِّل حياتنا إلى الراحة الحقَّة فيه. يجد الفقير في الله راحته، ويتمتَّع الغني بذات الحياة. وقد تحدَّث الكتاب المقدَّس قبلاً عن السنة السبتيَّة (خر 23: 10، لا 25: 1-7).

أوضح في هذا الأصحاح أن المدينين العاجزين عن سداد ديونهم لا يُحرمون من الانتفاع بالسنة السبتيَّة. هذا لا يعني أن الدين قد أزيل تمامًا، لكن المدينين يصيرون غير ملزمين بإيفاء الديون، أمَّا من كان عاجزًا عن الدفع فيُعفى منه. كما تحدَّث عن تحرير العبد العبراني (خر 21: 2-10) وعن ثقب أذن العبد الذي يقبل العبوديَّة بإرادته.

1. السنة السبتيَّة           [1-6].

2. الاهتمام بالفقراء        [7-11].

3. العبد العبراني            [12-18].

4. البكور                   [19-23].

1. السنة السبتيَّة:

إن كانت الحياة المقدَّسة لا تقف عند ممارسات معيَّنة بل تمس علاقاتنا بأنفسنا والله والناس، لذا جاءت شريعة "سنة الإبراء" تكشف عن اهتمام الله، وبالتالي اهتمام أبنائه، بالمدينين غير القادرين على الإيفاء وإبرائهم من أجل الرب نفسه، وأيضًا بالمعدمين، والعبيد الذين لم يجدوا من يهتم بشأنهم.

"في آخر سبع سنين تعمل إبراء. وهذا هو حكم الإبراء. يبرئ كل صاحب دينٍ يده ممَّا أقرضه صاحبه. لا يطالب صاحبه ولا أخاه، لأنَّه قد نودي بإبراء للرب" [1-2].

أولاً:
الله هو إله الكل، ينسب نفسه للمحتاجين والمتألِّمين، لذا قدَّم لهم شريعة سنة السبت (السنة السابعة) كسنة إبراء. يظهر مدى اهتمام الله بأولاده، إذ يحسب أن من كان مدينًا لأخيه، كأن الرب نفسه هو المدين. لهذا إذ يصر على إبراء الاخوة المحتاجين من ديونهم في السنة السبتيَّة "في آخر سبع سنين"، يدعو هذا الإبراء "إبراء الرب" [2].

ثانيًا: يريد الله أن يقيم من كل أيَّام حياتنا سبتًا مفرحًا، وراحة فيه. ففي كل أسبوع يقيم سبتًا للرب، أو "يوم الرب"، الذي فيه يعلن راحته بخلقته للعالم في الأيَّام الستَّة الأولى، وإذ خلق الإنسان في اليوم السادس استراح، مشتهيًا أن يقدِّم راحة الحب لمحبوبه الإنسان في اليوم السابع. أمَّا وقد جاء الكلمة الإلهي وأعاد خلقتنا، بإقامتنا معه من الأموات، وسكنى روحه القدُّوس فينا فجعل من يوم الأحد سبتًا له ولنا، صار هذا اليوم "يوم الرب" الذي يحوِّل كل أيَّام حياتنا إلى حياة مقدَّسة ومُقامة في الرب.

كل سبعة سنوات يقيم في السنة السابعة سنة للرب ليبارك كل سنين عمرنا، وكل خمسين عامًا، أي بعد سبع سنوات سبع مرات (7 × 7 = 49) يقيم لنا يوبيلاً مفرحًا في الرب. بمعنى آخر يقدِّم لنا الله على الدوام كل فرصة ممكنة لكي نتمتَّع بحياتنا كعيدٍ وراحةٍ في الرب. بقوله "إبراء للرب" يُعلن أن كل ما يمارسه المؤمن من عبادة أو احتفالات بأعياد أو عطاء أو تنازلات، جميعها باسم الرب ولأجله؛ وكأن المؤمن في كل أفكاره الداخليَّة وسلوكيَّاته إنَّما يحيا في الرب.

حقًا ما أروع تعبير "سنة إبراء للرب"، فإنَّها تشير إلى عمل السيِّد المسيح الذي كرز "بسنة الرب المقبولة" (لو 4: 19)، فقد جاء ليُبشر المساكين، وبالعتق للمسبيِّين (لو 4: 18؛ إش 58: 6). جاء إلينا نحن الفقراء، المثقَّلين بالديون ليقدِّم لنا المصالحة مع الله مجَّانًا بدمه (2 كو 5: 20).

كان جميع أولاد الله منذ آدم يتطلَّعون إلى سنة "الإبراء للرب"، وإذ نزل مسيحنا إلى الجحيم التقى بهم ألوف ألوف وربوات من الآباء والأنبياء والكهنة الشعب، من كبار وصغار يترقَّبون ذاك الذي وحده يفي دينهم، ويدخل بهم إلى التمتُّع بسنة الإبراء للرب.

ثالثًا: كما أن سبت الرب أو راحته هي في إبراء نفوسنا من الدين الذي كان علينا من جهة خطايانا، فدفع الثمن ببذل حياته من أجلنا، يليق بنا أن نرد هذا الحب بالحب نحو اخوتنا، فنغفر لهم أخطاءهم من نحونا، ونبرئهم من كل دين.

رابعًا: عدم إساءة استغلال الإبراء، إذ يقول: "الأجنبي تطالب، وأمَّا ما كان لك عند أخيك فتبرِّئه يدك منه" [3]. مطالبة الأجنبي بالدين ليس فيه إحجامًا، فإنَّه كغريبٍ يعيش في كنعان لا يملك أرضًا بل يعيش على التجارة أو الصناعة، فهو لا يفقد دخله في سنة الإبراء كما بالنسبة لليهودي. لهذا فهو مُطالب بتسديد ما اقترضه. يرى البعض أن الإبراء عن السنة السبتيَّة وحدها، يعود فيسدِّد المدين الدين بعد ذلك. وعلَّة ذلك في نظرهم أولاً أنَّه في السنة السبتيَّة لا يُمارِس أحد زراعته، وبالتالي لا توجد محاصيل يمكن بيعها لتسديد الديون. ثانيًا لو أن الدين يُمحى تمامًا، هذا يدفع الكثيرين إلى عدم إقراض الآخرين حتى لا تضيع قروضهم عليهم متى حلَّت السنة السبتيَّة.

جاءت كلمة "يبرئ" في العبريَّة تعني "يترك"، أي يترك الدائن الدين بين يديّ المدين، كما تُترك الأرض بلا زراعة في تلك السنة.

خامسًا: يسمح الله أن يوجد فقراء ومدينون بين شعبه، لكن إلى حين وفي حدود معيَّنة. "إلا أن لم يكن فيك فقير" [4]. فإذ يتم الإبراء كل سبع سنوات لا يوجد بينهم فقير مدقع، ولا من يحل به البؤس الشديد. يسمح بالفقر المؤقَّت وفي حدود معيَّنة، فيمارس الفقير مع الغني حياة الشكر؛ ويفرح الغني حين يُعطي ويبرِّئ، إذ يحسب أن ما يقدِّمه هو لشخص الرب نفسه، ويفرح الفقير والمدين إذ يرى الرب المحب معلنًا ومتجلِّيًا في سلوك الأغنياء والدائنين.

يرى البعض أن بقوله: "إلا أن لم يكن فيك فقير" [4]، يؤكِّد أن الإبراء ليس عامًا، بل هو إبراء للمحتاجين الفقراء، فإن غاية السنة السبتيَّة ليس أن يستغل المدينون دائنيهم، وإنَّما حفظ المؤمنين من الفقر المدقع.

سادسًا: إن كان الله قد طالب الدائنين أن يبرِّئوا المدينين، فقد قدَّم نفسه ملتزمًا أن يعوِّضهم عن الخسارة بنفسه:

"لأن الرب إنَّما يباركك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا لتمتلكها. إذا سمعت صوت الرب إلهك لتحفظ وتعمل كل هذه الوصايا التي أنا أوصيك اليوم. يباركك الرب إلهك كما قال لك، فتقرض أممَّا كثيرة وأنت لا تقترض، وتتسلَّط على أممٍ كثيرة، وهم عليك لا يتسلَّطون [4-6].

عوض كونهم دائنين لاخوتهم يجعلهم دائنين لأممٍ كثيرة، ويهبهم قوَّة وسلطانًا على أممٍ كثيرةٍ. وكأنَّه لا يأمر الأغنياء بالإبراء مجانًا، لكنَّه يطلب لهم الغنى الأعظم والقوَّة والسلطة، لكن ليس على حساب اخوتهم بل بالنسبة للغرباء.

يبرز الرسول بولس اهتمامه بالمعطي كما بالشخص الذي يأخذ، قائلاً: "فإنَّه ليس لكي يكون للآخرين راحة ولكم ضيق، بل بحسب المساواة، كما هو مكتوب الذي جمع كثيرًا لم يفضل، والذي جمع قليلاً لم ينقص" (2 كو 8: 13-15).

سابعًا: إن كانت الأرض التي أعطيت للشعب هي هبة مجانيَّة من قبل الله الذي يريد لهم الغنى والحريَّة، فإنَّه يليق بهم ألاَّ يتركوا الفقراء المقترضين في حالة فقر ومذلَّة، إذ قيل: "الغني يتسلَّط على الفقير، والمقترض عبد للمقرض" (أم 22: 7).

ثامنًا: لئلاَّ يتوقَّف الأغنياء عن إقراض الفقراء طالبهم بالإبراء في السنة السابعة فقط بعد التأكَّد من عجز المدين عن السداد. هذا وقدم الله نفسه ضامنًا للتعويض عن كل خسارة.

تاسعًا: جاءت الشريعة الخاصة بالسنة السبتيَّة التي فيها يتم "الإبراء للرب" درسًا عمليًا في التخلِّي عن محبَّة المال أو الطمع الذي يسيطر على القلوب بكونه عبادة أوثان. وكما يقول الرسول بولس: "فإنَّكم تعلمون هذا أن كل طمَّاع الذي هو عابد للأوثان ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله" (أف 5: 5). "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الطمع الذي هو عبادة الأوثان" (كو 3: 5).

يليق بالإنسان أن يعمل لا ليجمع لنفسه بل ليُعطي الآخرين: "بالأحرى يتعب عاملاً الصالح بيديه ليكون له أن يعطي من له احتياج" (أف 4: 28).

في الواقع هذه الشريعة الخاصة بإبراء المدينين الفقراء كانت أشبه بإعلان "الاخوة" بين جميع المؤمنين في الله الواحد. يقوم الإبراء على أساس الله أب للجميع، طبيعته غافر الذنوب، فمن يعفو عن أخيه يستحق أن ينال العفو من الله. وقد قدَّم السيِّد المسيح توضيحًا لذلك بمثل المدين بعشرة آلاف وزنة الذي أبرأه الدائن، لكن إذ رفض أن يعفو عن العبد رفيقه المدين له بمائة دينار عاد الدائن يطلب منه أن يفي بالعشرة آلاف وزنة. يقول سليمان الحكيم: "المروي هو أيضًا يُروى" (أم 11: 25)، من يروي الآخرين بالحب إنَّما يروي نفسه بحب الله الأعظم.
2. الاهتمام بالفقراء:

"إن كان فيك فقير أحد من اخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك، فلا تقسِ قلبك، ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير. بل افتح يدك له واقرضه مقدار ما يحتاج إليه. احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم قائلاً قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تعطيه. فيصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيَّة. اَعطه ولا يسؤ قلبك عندما تعطيه، لأنَّه بسبب هذا الأمر يباركك الرب إلهك في كل أعمالك وجميع ما تمتد إليه يدك. لأنَّه لا تفقد الفقراء من الأرض، لذلك أنا أوصيك قائلاً: افتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك" [7-11].

إن حسبنا أن ما ورد في هذا الأصحاح هو جزء من البرنامج الذي وضعه الله بخصوص الفقراء "Program for the poor"، كما تفعل الآن أغلب بلاد العالم، فإن الله قد دخل بنا إلى جذور المشكلة. فقد قامت أنظمة كثيرة تَدَّعي أنَّها "اشتراكيَّة" وظنَّت أنَّها تقضي تمامًا على وجود فقراء مدقعين في المجتمع، كما وضعت البلاد الرأسماليَّة المتقدِّمة برنامج خاص بالمحتاجين، ومع هذا نجد في كل الصنفين في المدينة الواحدة أغنياء غنى فاحشًا وفقراء مدقعين تمامًا[149]. أمَّا الله فقد أعلن: "لا تقسِ قلبك... احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم" [7-8]. فإن مشكلة التفاوت الخطير في الطبقات ماديًا ترجع إلى القلب الذي أفسدته الخطيَّة، ولا علاج بالأنظمة الخارجيَّة ما لم يتغيَّر القلب ويتجدَّد، رافضًا الخطيَّة.

أولاً: يلزمنا خلال الحب أن نعطي أو نقرض حسب ظروفنا وحسب احتياج الغير. "لا تقسِّ قلبك" [7]، فالإحسان ينبع من القلب، كما أن إحسان الله من قلبه المحب.

ثانيًا: يهتم الله بتقديسنا، وتشكيل أعماقنا مع سلوكنا الظاهري، لهذا يوصي: "فلا تقسِ قلبك، ولا تقبض يدك على أخيك الفقير" [7]. عندما تقبض اليد أو تغلق عن العطاء إنَّما تكشف عن قسوة القلب الداخليَّة. لأنَّه "إذا امتلأت السحب مطرًا تريقه على الأرض" (جا 11: 3). إذ يكون لنا الإيمان نبسط أيدينا للعطاء بسخاء، وكما يقول: يعقوب الرسول: "إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي، فقال لهما أحدكم: أمضيا بسلام استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد، فما المنفعة؟!" (يع 2: 15-16).

يحذِّر الأغنياء لا من الامتناع عن إعطاء قروض فحسب، وإنَّما عما هو أهم وهو فساد القلب ولؤمه:

"احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم، قائلاً: قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تعطيه" [9].

يحذِّرنا من الأفكار الخفيَّة النابعة عن قلبٍ فاسدٍ، فلا يكفي الحذر من التصرُّف الخاطئ فحسب، وإنَّما من الأعماق الفاسدة. أمَّا العين السيئة أو الشرِّيرة هنا فهي ضدّ العين البسيطة التي طوَّبها السيِّد المسيح (مت 6: 22؛ لو 11: 34).

-     هذه هي قمَّة الفضيلة، أساس كل وصايا الله، أن يرتبط حب الله بحب القريب (مت 22: 39، مر 12: 31، لو 10: 27). من يحب الله لا يستخف بأخيه، ولا يحسب المال أفضل من العضو الذي له، بل يظهر له سخاءً عظيمًا، مهتمًا بذاك القائل: "بما أنَّكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40). أنَّه يدرك أن رب الكل يحسب أن ما يُفعل بسخاء للفقير لإراحته قد فعل معه هو. فلا يتطلَّع الشخص إلى مظهر الفقير البسيط بل إلى عظمة ذاك الذي يعد بأن يقبل ما يقدَّم للفقير كأنَّه مقدَّم له[150].
القدِّيس يوحنا الذهبي الفم



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 15 جـ2 PDF Print Email

ثالثًا: بقوله "يباركك الرب" [10] يؤكِّد أن الدائن الذي يتنازل عن الدين للمدين الفقير بقلبٍ نقيٍ مملوء حبًا لله لا يفقد شيئًا، بل وتصير كل حياته "بركة". تتبارك كل أعماله، وكل ما تمتد إليه يده. إذ يرى الدائن في مدينه الرب نفسه يتقبَّل إيفاء الدين، ويصير كمن هو حامل الرب فيه، يصير مباركًا به، ويصير كل ما يلمسه مباركًا. أينما حلَّ حلَّت بركة الرب العاملة فيه على كل ما حوله!

رابعًا: قد يمتنع الإنسان عن الإقراض خاصة عند اقتراب السنة السابعة، حاسبًا ذلك نوعًا من الحكمة، فيطلب ما لنفسه متجاهلاً ما هو لله وللغير. وكما يقول المرتِّل: “لأنَّه في حياته يبارك نفسه، ويحمدونك إذا أحسنت إلى نفسك" (مز 49: 18). الله يريدنا أن نعطي بسرور (2 كو 9: 7)، أمَّا عطيَّته للسخي فهي كما يقول في إشعياء النبي: "يقودك الرب على الدوام، ويشبع في الجدوب نفسك، وينشط عظامك فتصير كجنَّة ريَّا وكنبع مياه لا تنقطع مياهه" (إش 58: 11).

خامسًا: تحذّرنا الوصيَّة الإلهيَّة من تجاهل الفقراء والمعتازين، فإنَّهم إذ يصرخون يسمع الله أصواتهم المملوءة مرارة. وقد حذَّرنا العهد الجديد من هذا الأمر: ففي (مت 25: 31-46) حسب الله من يتجاهل الفقراء يفقد الميراث الأبدي، لأن التجاهل موجَّه ضدّ الله نفسه. ويحذِّرنا يعقوب الرسول من الظلم الساقط على العمال الفقراء قائلاً: "هوذا أجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ وصياح الحصَّادين قد دخل إلى أذنيّ رب الجنود" (يع 5: 4). جاء في (1 يو 3: 17) "وأمَّا من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجًا وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبَّة الله فيه؟!"

أحد الهبات التي يقدِّمها الله لشعبه أن يوجد بينهم فقراء حتى تمتد أيديهم بالحب والعطاء، فينالون بركة العطاء، ويتمتَّعون بعمل الله معهم: “لأنَّه لا تُفقد الفقراء من الأرض" [11]، فيحنو الرب علينا بحبُّه. وجود فقراء بيننا أو معتازين إلى شيء ما هو إلاَّ فرصة لكي نفتح قلوبنا بالحب وأيادينا بالعطاء (15: 11). يقول السيِّد المسيح: "لأن الفقراء معكم كل حين" (يو 12: 8). أنَّها بركة لكي يجد الأغنياء الصالحين فرصة العطاء بكل القلب، ويرفع الفقراء قلوبهم بالشكر لله واهب الحب. لكن التفاوت الخطير ووجود فقراء مدقعين هو ثمرة من ثمار خطايانا وفساد قلوبنا. وإذ يعلم السيِّد أن الخطيَّة لا تفارق العالم الحاضر أكَّد أن الفقراء معنا في كل حين. إذن الحاجة هي إلى تقديس القلب، فنعمل ما استطعنا مع الفقراء، ونرفع بالحب هذا التفاوت بصورته القاسية.
3. العبد العبراني:

"إذا بيع لك أخوك العبراني أو أختك العبرانيَّة وخدمك ست سنين ففي السنة السابعة تطلقه حرًا من عندك" [12].

لقد دُعي الشعب للحريَّة، فإن اضطرَّ إنسان ما أن يبيع نفسه عبدًا يلزمه ألاَّ يُترك في عبوديَّة دائمة بل يتحرَّر، إمَّا في السنة السابعة أو سنة اليوبيل أيُّهما أقرب (خر 21: 2).

علَّق جون نيوتن الذي كان سابقًا تاجرًا للعبيد قبل تجديده على هذه الآية في مكتبه لتُذكِّره بالدين الذي كان عليه بصفة خاصة.

إذ دافع القدِّيس جيروم عن بتوليَّة القدِّيسة مريم أوضح أن الذين دُعُوا اخوة يسوع كانوا أبناء خالته من مريم أخت أمه، وذلك حسب عادة اليهود، إذ يدعون اليهود اخوة، خاصة الأقرباء. وقد اعتمد على سفر التثنية (15: 12؛ 17: 15؛ 22: 1)[151].

"وحين تطلقه حرًا من عندك لا تطلقه فارغًا. تزوِّده من غنمك ومن بيدرك ومن معصرتك كما باركك الرب إلهك تعطيه. واذكر أنَّك كنت عبدًا في أرض مصر ففداك الرب إلهك، لذلك أنا أوصيك بهذا الأمر اليوم. ولكن إذا قال لك لا اخرج من عندك لأنَّه قد أحبَّك وبيتك إذ كان له خير عندك. فخذ المخرز واجعله في آذنه وفي الباب، فيكون لك عبدًا مؤبَّدًا، وهكذا تفعل لأَمتك أيضًا. لا يصعب عليك أن تطلقه حرًا من عندك لأنَّه ضعفيّ أجرة الأجير خدمك ست سنين، فيباركك الرب إلهك في كل ما تعمل" [13-18].

حين يُطلب من السيِّد أن يطلق عبيده يليق به ألاَّ يظن أنَّه فعل أمرًا عظيمًا، إنَّما يرُدّ الدين الذي عليه عند الرب. فالرب أخرجه من أرض مصر حين أخرج آباءه ووهبهم عند خروجهم ذهبًا كثيرًا مع بركات لا حصر لها، لذا يرُدّ المؤمن هذا الدين الإلهي لدى أخيه العبد، فيُطلقه ويهبه مع الحريَّة عطايا كثيرة.

إبراء العبد في السنة السابعة من عبوديَّته ليس منحة من السيِّد نحو عبده أو أَمَته، إنَّما هو حق لكل إنسان أن يعيش حرًا، لا يجوز لأحد أن يغتصب منه هذا الحق. فإن السنوات الست التي يعمل فيها العبد هي التزام بالعمل، وليس بفقد الحريَّة التي وهبها الله للإنسان.

أمَّا إن أراد العبد أن يبقى في بيت السيِّد، ليس عن عوز أو احتياج أو عدم وجود فرصة عمل له بل "لأنَّه قد أحبَّك"، فتثقب أذنه عند الباب كعلامة لا للعبوديَّة، بل للحب الفائق. فبكامل إرادته فضَّل العبوديَّة الملتحمة بالحب، عن الحريَّة التي تصاحبها انفصال عن المحبوب! الحب يعطي العبوديَّة الاختياريَّة عذوبة فائقة.

مع أن عدديّ [16-17] يُظهران لنا أن الرق كان مباحًا في إسرائيل إلاَّ أن حالة العبيد كانت سعيدة في غالب الأحيان، وكانت القوانين تساندهم.

"أَمتك" [17] ينطبق هذا على السيِّدات اللآتي قدَّمن أنفسهنَّ للخدمة باختيارهنَّ، كما ينطبق على الرجال المذكورين آنفًا، ولا ينطبق على من بُعن كسراري (خر 21: 7).
4. البكور:

"كل بكر ذكر يولد من بقرك ومن غنمك تقدِّسه للرب إلهك، لا تشتغل على بكر بقرك ولا تجز بكر غنمك. أمام الرب إلهك تآكله سنة بسنة في المكان الذي يختاره الرب أنت وبيتك. ولكن إذا كان فيه عيب عرج أو عمى، عيب ما رديء فلا تذبحه للرب إلهك. في أبوابك تآكله: النجس والطاهر سواء كالظبي والآيل. وأمَّا دمه فلا تآكله، على الأرض تسفكه كالماء" [16-23].

سبق الحديث عن ذلك في (خر 13: 1، 15؛ 11: 30؛ عد 18: 17-18).

إن كان الله قد فدى كل بكر من شعبه، فلم يهلكوا مع أبكار المصريِّين أثناء الضربة العاشرة (خر 13: 11-16)، لهذا يليق بهم أن يقدِّموا بكور حيواناتهم علامة الرغبة في تكريس كل ما لهم للرب [19-23].

الله الكُلِّي النقاوة والقداسة لا يقبل من أيدي شعبه ذبيحة بها عيب، خاصة وأنَّها ظل لذبيحة المسيح الذي بلا خطيَّة. كل عيب في أيَّة ذبيحة أو تقدمة لا تكون لمغفرة الخطايا، بل تضيف إلى الخاطئ خطيَّة العصيان للوصيَّة.

قيل عن ذبيحة المسيح: “لأنَّه إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجَّسين يقدِّس إلى طهارة الجسد، فكم بالأحرى يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب يظهر ضمائركم من أعمال ميِّتة لتخدموا الله الحيّ؟!" (عب 9: 14). يقدِّم السيِّد المسيح نفسه ذبيحة بلا عيب لكي يحضر لنفسه كنيسته المفديَّة بدمه "كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو أي شيء من مثل ذلك بل تكون مقدَّسة وبلا عيب" (أف 5: 27). لهذا يوصينا بطرس الرسول: "اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنسٍ ولا عيبٍ في سلام" (2 بط 3: 14). هذا هو عمل المخلِّص نفسه كقول يهوذا الرسول: "القادر أن يحفظكم غير عاثرين ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج" (يه 24). كما قيل عن المفديِّين في مجدهم السماوي: "في أفواههم لم يوجد غش لأنَّهم بلا عيب قدام عرش الله (رؤ 14: 5).

إذ نتَّحد بالمسيح يسوع ربنا الذبيح الذي بلا عيب نحمل برّه، فنصير في عينيّ الآب بلا عيب، مقدِّمين حياتنا مبذولة مع مسيحنا كذبيحة حب وشكر متَّحدة بذبيحة المسيح.

عندما سألت لائيته القدِّيس جيروم أن يقدِّم لها نصائح في تربيتها لابنتها باولا Paula (على اسم جدَّتها)، قدم لها هذا النص ليوضِّح لها أنَّه يجب ألاَّ تهمل في تقديم ابنتها تقدمة طاهرة للرب بلا عيب. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). [أتحدَّث بصفة عامة لأنَّه بخصوص حالتك ليس أمامك اختيار، إذ قدَّمتي طفلتك حتى قبل الحبل بها. من يقدِّم ذبيحة فيها عيب عرج أو عمى، عيب ما رديء يكون قد ارتكب جريمة دنس. كم بالأكثر تعاقب من صارت مستعدَّة لتقديم جزء من جسدها ومن نقاوة نفسها التي بلا لوم لقبلات الملك ثم تعود فتهمل في تقدمتها؟[152]].

نهتم بالأرض (الزراعة) والفقراء والعبيد، هكذا يلزمنا أن نهتم ببيت الله فنقدِّم البكور التي بلا عيب للرب (راجع 13: 1-2؛ 34: 19-20؛ لا 27: 26-29؛ عد 18: 15-19). تقدَّم بكور البقر والغنم التي بلا عيب لله كذبائح سلامة، أمَّا التي بها عيب فيذبحونها في منازلهم. ما هذه البكور إلاَّ ظلال للبكر الحقيقي يسوع المسيح الذي هو بلا عيب، قُدِّم عن البشريَّة كلَّها ذبيحة سلام لله أبيه، يشتمها رائحة رضًا عنَّا جميعًا.

من وحيّ تثنية 15
لتكن حياتي كلَّها سبتًا لك

-     إذ خلقت الإنسان في اليوم السادس،

صار اليوم السابع سبتًا لك.

وجدت في الإنسان راحتك من أجل مسرَّتك به.

ووهبت الإنسان سبتك راحة له.

لتكن حياتي كلَّها سبتًا لك يا مصدر كل راحة!
-     إذ تجد راحتك في المحتاجين والمتعبين،

سألتني أن اهتم بكل محتاج ومتألِّم!

لأترفَّق بهم من أجلك.

لأبرئ كل مدين محتاج!

أنت تفي، أنت تُعوِّضني عن كل تنازل من جانبي!

وفَّيتَ بدمك الثمين كل ديون نفسي،

هب لي أن أتنازل عن كل دين مادي من أجلك!

-     صرت أخًا لي أنا غير المستحق أن أكون لك عبدًا،

هب لي أن أقبل كل فقير أخًا لي في الرب.

إذ قبلت أن أكون لك عبدًا،

أخذتني إلى أبواب سمائك وفتحت أذني لسماع صوتك.

قبلتني ابنًا مباركًا، شريكًا لك في المجد الأبدي!

-     وهبتني كل شيء،

لأقدِّم لك ممَّا لك العشور والبكور.

اقبل تقدمتي التي هي عطيَّتك!

إنِّي أخجل إذ أرى واهب الكل يمد يده ويقبل تقدمتي!

لك المجد يا من تنازل ليقبل تقدمتي!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 16 جـ1 PDF Print Email

الأعياد السنويَّة

غاية الوصيَّة الإلهيَّة أن تتحوَّل حياة المؤمن إلى عيدٍ دائمٍ، وكما يؤكِّد في هذا الأصحاح "لا تكون إلاَّ فرحًا" [15]. يحدِّثنا موسى النبي عن الثلاثة أعياد السنويَّة الرئيسيَّة الكبرى (خر 23: 14-17؛ 34: 18-23؛ لا 23)، والتي يمكن دعوتها "أعياد السياحة أو الغربة"، فيها يذكر الشعب تغرُّبه بفرح وسرور مقدِّمًا عطايا لبيت الرب قدر استطاعته وهي:

1. عيد الفصح [1-8]: يرمز للفداء، فيه تهلَّلت البشريَّة بغلبتها على إبليس.

2. عيد الأسابيع أو البنطقستي [9-12]: يرمز لفرحنا بحلول الروح القدس علينا (العنصرة).

3. عيد المظال [13-17]: إذ نقيم هنا كما في مظالٍ نترقَّب كمال المجد في المسيح.

لم يشر هنا إلى الأعياد الكبرى الأخرى مثل عيد الأبواق ويوم الكفَّارة، إذ اكتفى بالأعياد التي يجتمع فيها الشعب معًا في بيت الرب. وقد سبق لنا الحديث عن الأعياد أثناء دراستنا لأسفار الخروج والعدد واللاويِّين، عن مفاهيمها الروحيَّة، وطقوسها، ونظامها، لدراسة الأعياد راجع [عد 28-29].

يهتم هنا بالتركيز على الفرح الجماعي والعبادة الجماعيَّة في الموضع الذي يختاره الرب، وألاَّ يظهر المؤمن فارغًا في بيت الرب. يختم ذلك بتأكيد العدالة في القضاء في بيت الرب، وعدم الخلط بين عبادة الله والعبادة الوثنيَّة. علامة الإخلاص للعهد عطاء القلب لله بممارسة الفرح والتهليل. هكذا تمزج الشريعة العطاء القلبي بالفرح المستمر في الرب مع ممارسة العدالة كعلامة للإخلاص لله العادل الذي يرفض الظلم. إذ لا يفصل بين الشرائع التي تحكم بين المؤمنين والشرائع الخاصة بالعبادة. هذا ما نلاحظه عبر السفر كلُّه. فلا عدالة وحب بدون عبادة نقيَّة، وليست عبادة مقبولة دون عدل ورحمة نحو الاخوة. هكذا تمتزج العبادة بالسلوك ليعملا معًا كحياة واحدة مقدَّسة لا تتجزَّأ.

1. عيد الفصح                                 [1-8].

2. عيد الأسابيع                               [9-12].

3. عيد المظال                                 [13-15].

4. الأعياد والعطاء                             [16-17].

5. الأعياد والعدالة                             [18-20].

6. عدم الخلط بين عبادة الله والأوثان          [21].

1. عيد الفصح:


عيد الفصح بالنسبة للشعب العبراني له معناه الخاص، ففيه خروج آبائهم من مصر ليعبروا إلى البريَّة، منطلقين نحو أرض الموعد. وهو العيد الذي فيه وُضع الأساس لإقامة الشعب كأمَّة وُلدت في مصر، في بلدٍ غريب، ثم انطلقت إلى البريَّة كصبيَّة غريبة مخطوبة لعريسها. كقول الرب في سفر إرميا: "قد ذكرت لكِ غيرة صباكِ، محبَّة خطبتكِ، ذهابك ورائي في البريَّة في أرض غير مزروعة" (إر 2: 2). وكأن عيد الفصح هو تذكُّر انطلاق الصبيَّة المولودة في الغربة إلى حالة نضوج لتكون عروسًا روحيَّة للسماوي.

هذا ما جعل حدث "الخروج" أو "عيد الفصح" عَصَب الكتاب المقدَّس، بكونه ظلاً للخروج الذي حقَّقه لنا فصحنا يسوع المسيح، الذي يعبر بنا من أرض العبوديَّة إلى البريَّة، متَّجهين نحو السماء، كعروسٍ سماويَّة مزينة لرجلها (رؤ 21: 2). وقد سبق أن عرض سفر الخروج لتفاصيل هذا العيد في الأصحاح الثاني عشر.

شريعة عيد الفصح لها قدسيَّتها الخاصة، فيلتزم الشعب بحفظ الشهر كلُّه، مع أن العيد يحتفل به لمدَّة أسبوع واحد وسط الشهر.

"احفظ شهر أبيب واعمل فصحًا للرب إلهك، لأنَّه في شهر أبيب أخرجك الرب إلهك من مصر ليلاً" [1].

جاء في الترجمة السبعينيَّة: "احفظ شهر الأمور الجديدة، واحفظ الفصح للرب إلهك".

-     لقد انتهى زمان الظلال، والأمور القديمة قد بطلت، الآن شهر الأمور الجديدة قد صار بين أيدينا، والذي يليق بكل إنسان أن يحفظ العيد في طاعة له[192].

البابا أثناسيوس الرسولي

شهر أبيب أو شهر الثمار الجديدة (ما بين شهريّ مارس وإبريل)، هو الشهر الذي فيه تمتَّع الشعب بالخروج من مصر، والانطلاق من العبوديَّة. صار هذا الشهر هو بدء السنة اليهوديَّة (خر 12: 2).

-     إن كان الله نفسه يحب العيد، ويدعو إليه، لهذا لا يليق يا اخوة أن تتأخَّروا في الاحتفال به، ولا أن تحفظوه بإهمال، وإنَّما نأتي إليه بنشاطٍ وغيرةٍ، ونقبل نحو هذا العيد السماوي بغيرة[193].

البابا أثناسيوس الرسولي

دُعيَ عيد العبور حيث عبر الملاك المهلك على الأبواب المرشوشة بالدم ولم يهلك أحدًا (خر 12: 2). قُدِّم الفصح ليلاً، وفي نصف الليل ضرب الرب أبكار المصريِّين (خر 12: 29)، عندئذ ألحَّ المصريُّون على الشعب أن يخرج.

في هذا العيد نخرج روحيًا من "رعمسيس" بمصر، وفي ذهن العلامة أوريجانوس معناها "الارتباك". ننطلق من حيث الارتباك والفساد إلى حيث السلام الداخلي والقداسة. عيد الفصح هو دعوة لمراجعة النفس في ارتباطها بالفصح الحقيقي، ذبيحة المسيح الفريدة، القادرة وحدها أن تنقلنا إلى حضن الآب، حاملين برّ مخلِّصنا، فنجد فيه فرحنا الدائم، وسلامنا الأبدي، وشركتنا الحيَّة السماويَّة مع القدُّوس نفسه.

لنخرج روحيًا كما في نصف الليل وسط الظلمة الدامسة، لننعم بعربون السماء، حيث لا تحتاج إلى شمسٍ أو قمرٍ ولا إلى سراجٍ يُضيئها، لأن شمس البرّ نفسه يشرق فيها. يقيم فينا ملكوته السماوي، ويعكس بهاء مجده علينا، فلا تقدر قوَّات الظلمة أن تقترب إلينا.

مع كل يوم أحد، بل مع كل نسمة من نسمات حياتنا نحتفل بعيد الفصح، حيث نختبر قيامة المسيح فصحنا، فنعيش الحياة المقامة التي تتحدَّى آخر عدو وهو الموت! يحوِّل الله كل أيَّامنا إلى عيدٍ غير منقطعٍ، ويُشرق في نصف الليل وسط الظلمة لنتمتَّع ببهاء مجده وسط غربتنا.

"فتذبح الفصح للرب إلهك غنمًا وبقرًا في المكان الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه. لا تأكل عليه خميرًا، سبعة أيَّام تأكل عليه فطيرًا خبز المشقَّة، لأنَّك بعجلة خرجت من أرض مصر لكي تذكر يوم خروجك من أرض مصر كل أيَّام حياتك. ولا يرى عندك خمير في جميع تخومك سبعة أيَّام. ولا يبت شيء من اللحم الذي تذبح مساء في اليوم الأول إلى الغد. لا يحل لك أن تذبح الفصح في أحد أبوابك التي يعطيك الرب إلهك. بل في المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحل اسمه فيه هناك تذبح الفصح مساء نحو غروب الشمس في ميعاد خروجك من مصر. وتطبخ وتأكل في المكان الذي يختاره الرب إلهك، ثم تنصرف في الغد وتذهب إلى خيامك. ستَّة أيَّام تأكل فطيرًا وفي اليوم السابع اعتكاف للرب إلهك لا تعمل فيه عملاً" [2-8].

سبق لنا الحديث عن طقس هذا العيد في تفسير خروج 12، وعدد 28. أمَّا هنا فنركِّز على النقاط التالية.

أولاً:
أن تقدَّم ذبائح العيد في المكان الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه [2، 6، 7]. لم يشر هنا إلى أورشليم، إذ لم يكن قد بُني الهيكل بعد. هذا يؤكِّد أن السفر قد كُتب قبل عصر داود حيث اختيرت أورشليم كمدينة الله ليُقيم فيها سليمان بن داود هيكل الله.

تُقدَّم الذبائح "في المكان الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه" [2]، مؤكِّدًا أن بيت الرب هو هبة الله لشعبه، يختار الموضع ليُعلن سكناه في وسط شعبه. هكذا إذ يتطلَّع الإنسان إلى أعماقه يرى في داخله هيكلاً اختاره الرب لكي يقدِّم فيه ذبائح الحب والشكر لله خلال الصليب "ذبيحة الفصح". في داخلنا أورشليم الروحيَّة التي اختارها الله بنفسه مدينته المقدَّسة، وأقام فيها هيكله، ويتقبَّل في داخلها تقدماتنا.

لا زالت الوصيَّة قائمة: "تذبح الفصح للرب إلهك غنمًا وبقرًا في المكان الذي يختاره الرب ليحل اسمه فيه" [2]. ما هو هذا المكان سوى الجلجثة، حيث قُدِّمت ذبيحة الفصح الفريدة، فإن كل تقدمة أو ذبيحة تُقدَّم خارج الجلجثة لن يشتمها الله الآب رائحة سرور ورضا. هذا هو عمل روح الله القدُّوس، الذي يجعل من الكنيسة جلجثة يلتقي فيها المصلوب مع محبوبيه القادمين ليحملوا معه صليبه. هناك تقدَّم ذبائح الحب الحق.

عمل الروح القدس أيضًا أن يُقيم من النفس جلجثة ويبني مذبحًا غير مصنوع من حجارة، بل هو مذبح فائق، فيه يُعلن مسيحنا صليبه، وتجد النفس لذَّتها باللقاء معه قائلة: "تحت ظلِّه اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقي، أدخلني إلى بيت الخمر وعَلَمه فوقي محبَّة" (نش 2: 3-4).

ليتنا لا نذبح الفصح في الموضع الذي نختاره نحن، بل يختاره روح الرب ويُقيم منه جلجثة حقَّة!

ثانيًا: في [2] أشار إلى تقديم الذبيحة في اليوم الأول من العيد، من الغنم أو البقر، حيث تؤكل في العشاء الخاص بالفصح، لا يبقى منها شيء إلى اليوم التالي. أمَّا في بقيَّة أيَّام العيد فيُمكن ذبح أيَّة حيوانات أخرى. يربط العيد بالذبائح، فالفصح نفسه هو ذبيحة؛ والمسيح فصحنا ذُبح لأجلنا (1 كو 5: 7)، كما كانت تقدَّم ذبائح أخرى خلال أيَّام العيد السبعة (عد 28: 19). لهذا يقول: "فتذبح الفصح للرب إلهك غنمًا وبقرًا" [2].

في كل قدَّاس إلهي إذ نحتفل بعيد فصحنا، أي بصليب المسيَّا وقيامته، فيه نتمتَّع بالشركة مع المسيح الذبيح، فنقدِّم حياتنا المبذولة ذبيحة حب مقبولة خلال الصليب. من لا يقبل الصلب مع المسيا المصلوب لا يختبر بهجة القيامة معه، ولا يتذوَّق "عيد الفصح". لهذا يقول القدِّيس أغسطينوس وهو يتطلَّع إلى المذبح الذي يحمل جسد الرب ودمه المبذولين مطالبًا إيَّانا أن نقبل شركة آلامه عمليًا، فيقول: "أنتم فوق المذبح، أنتم داخل الكأس".

ثالثًا:
يأكلون فطيرًا غير مختمرٍ لمدة سبعة أيَّام [3-4، 8]، ليس فقط لا يستخدمون الخميرة طوال أيَّام العيد، بل ولا يسمحون بوجودها في البيت (1 كو 5: 7).

رابعًا
: يدعو هذا الفطير "خبز المشقَّة"، إذ هو ليس سهلاً في الهضم، وطعمه غير لذيذ. ربَّما يشير إلى القسوة التي كانوا يعانون منها في أرض العبوديَّة. إذ يأكلونه يتذكَّرون كيف خرج آباؤهم من مصر بسرعة ولم يكن خبزهم قد اختمر. حسب الطقس اليهودي كان رب العائلة يكسر الخبز غير المختمر، ويعطي كل واحد من أفراد الأسرة وهو يقول له: "هذا هو خبز المشقَّة الذي أكله آباؤك في أرض مصر".

رأى الرسول بولس في الخبز غير المختمر إشارة إلى الاحتفال بالعيد بروح الإخلاص بغير رياء، أو بغير خمير الخبث (1 كو 5: 7). هذا العيد يمتد إلى سبعة أيَّام، أي إلى الأسبوع كلُّه، أو كل حياة الإنسان.

يرى المسيحي في كل أيَّام حياته عيدًا للفصح، حيث يقبل المسيح الذبيح في أعماقه علَّة فرحٍ سماوي لا ينقطع.

بقوله: "تذهب إلى خيامك" [7] واضح أن السفر قد كُتب حيث كان الشعب لا يزال يسكن الخيام. غير أن هذا التعبير صار فيما بعد مستخدمًا ليشير إلى المساكن سواء كانت خيامًا أو مبانٍ (1 صم 13: 2؛ 2 صم 20: 1؛ 1 مل 8: 66 الخ).


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 16 جـ2 PDF Print Email

المسيح فصحنا:

كان عيد الفصح يسكب على اليهود بهجة خاصة مرة واحدة في السنة، فيه تذبح مئات الألوف من الحملان العاجزة عن تطهير الأعماق الداخليَّة. أمَّا رجال الله الحقيقيُّون فكانوا يتطلَّعون إلى الحمل الحقيقي القادر وحده أن يطهِّر إلى التمام، ويسكب بهجة على المؤمنين كل أيَّام غربتهم، بل وفي السماء عينها. رأى القدِّيس يوحنا الحبيب في وسط العرس إنَّه "خروف قائم كأنَّه مذبوح" (رؤ 5: 6). وإذ رأى القدِّيس يوحنا المعمدان يسوع مقبلاً إليه قال: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيَّة العالم" (يو 1: 29). وقال عنه الرسول بطرس: "عالمين أنَّكم اُفتديتم لا بأشياء تفنى بفضَّة أو ذهبٍ من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدمٍ كريمٍ كما من حملٍ بلا عيب ولا دنسٍ، دم المسيح، معروفًا سابقًا قبل تأسيس العالم" (1 بط 18: 19). هكذا قبل سقوطنا في الخطيَّة قبِل كلمة الله بإرادته أن يقدِّم نفسه كخروف فصح ليعبر بالإنسان الذي سيسقط ويدخل به إلى الأمجاد. أمَّا الرسول بولس فبكل وضوح يدعو صليب المسيح عيدًا للفصح، إذ يقول: "لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا، إذًا لنعيد" (1 كو 5: 7-8).

هكذا حوَّل مخلِّّصنا يسوع المسيح بصليبه حياتنا إلى عيد فصحٍ دائمٍ، فلا نأكل لحم خروفٍ عاجز عن القيامة، بل نتناول جسده ودمه المبذولين، فننعم بالحياة الفصحيَّة المقامة. نأكله لا بأعشابٍ مُرَّةٍ، بل بروح التوبة الصادقة، فندخل إلى بهجة ملكوته السماوي. لا نرش الدم على قوائم أبواب بيوتنا، بل يرشُّه روح الله في أعماقنا، فتنفتح أمامنا أبواب السماء، ويصير لنا حق الدخول إلى حضن الآب في استحقاقات دم المسيح وبرِّه.
2. عيد الأسابيع:

يرتبط عيد الفصح بحدثٍ تاريخيٍ، وهو انطلاق الشعب من العبوديَّة، كرمز للحرِّيَّة التي صارت لنا في المسيح يسوع. أمَّا عيد المظال أو الأسابيع ففيه تقدمة شكر لعمل الله الذي يفيض علينا بالميراث من الأرض التي وهبنا إيَّاها. العيد الأول هو عيد المصالحة بين الله والإنسان خلال الدم، والعيد الثاني هو عيد المساواة بين بني البشر، فيشترك الكل معًا في الفرح أمام الرب، أيضًا خلال ذبيحة المسيح.

عيد الأسابيع الذي هو البنطقستي أو الخمسين، حيث يحتفل بعد سبعة أسابيع من عيد الفطير (اليوم الخمسين). فيه يُبعث الرسل لحصاد حزمة شعير تُقدَّم للرب كبكورٍ (لا 33: 10). يرى البعض أن العيد يحتفل بالعناية الإلهيَّة بالأرض حيث يتم الحصاد في موعده خلال رعاية الله بالأحوال الجويَّة.
كيف يُحتفل بالعيد؟

"سبعة أسابيع تحسب لك من ابتداء المنجل في الزرع تبتدئ أن تحسب سبعة أسابيع. وتعمل عيد أسابيع للرب إلهك على قدر ما تسمح يدك أن تعطي، كما يباركك الرب إلهك" [9-10].

أولاً: إحضار تقدمة للرب، كلٌ قدر استطاعته [10]
، وهي تقدمة اختياريَّة، أشبه بجزية تقدَّم للملك "الله نفسه" صاحب الأرض، والذي وهبها للشعب كي يعمل فيها. هذه تقدمة "حرِّيَّة الإرادة"، إذ تُرك للمؤمن أن يقدِّم حسب كرمه دون وضع حدود معينة، ولكي يقدِّم بفرح وبكامل حرِّيَّته. كما أن الرب يعطيه بسخاء، إذ يبارك محصوله [10]، هكذا يليق به أن يقدِّم له ممَّا وهبه بسخاء.

إذ هو عيد شكر لله السخي في العطاء، يليق أن يعبَّر عن هذا العيد ليس فقط بالعبادة وإنَّما أن يتشبَّه المؤمن بإلهه فيكون سخيًا في العطاء لأخيه المحتاج.

ثانيًا: أن يُمزج العطاء بالفرح:

"وتفرح أمام الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأَمتَك واللاوي الذي في أبوابك والغريب واليتيم والأرملة الذين في وسطك، في المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحل اسمه فيه" [11].


يترجم المؤمن شكره لله عمليًا بعطائه السخي لأخيه، وفرحه بالعطاء بروح التسبيح. فيفرح ويُفرِّح قلوب اخوته معه.

غاية الأعياد تمتُّع المؤمن بالفرح الروحي ليحيا كما في السماء، ويعكس هذا الفرح على حياة أسرته وأقربائه والعاملين معه وتحته. يمارس هذا الفرح في بيته وعبادته وعمله وفي لقائه مع الغير، خاصة المساكين والمحتاجين. فالفرح أمام الرب لا يقف عند تقديم تسابيح بالفم لله، وإنَّما يعبر الإنسان بكل كيانه عن فرحه وشكره لله.

يرى أحد المفسِّرين اليهود راشي[194] Rashi أن الله يطلب من المؤمن أن يفرِّح قلوب ثمانية: أربعة من جانب المؤمن هم: "الابن والابنة والعبد والأَمَة"، وأربعة من جانب الله: "اللاوي والغريب واليتيم والأرملة". هكذا يحتفل المؤمن بالعيد، جالسًا وسط أسرته وعبيده ورجال الله والغرباء والمحتاجين. يهتم المؤمن بأسرته ليشتركوا معه في بهجته بالعيد، ولا ينسى عبيده العاملين في بيته، وفي نفس الوقت يشترك معه من يخدم الرب ومن يهتم بهم الرب من أيتام وأرامل.

كل من يفقد حبُّه العائلي، أو يتشامخ على المرذولين من العبيد والإماء، أو لا يبالي بخدَّام الرب، ولا يفتح بيته للغرباء، ولا يهتم بالمحتاجين، يعجز عن أن يحتفل بالعيد.

بهذا يصير الاحتفال بالعيد أيقونة للسماء حيث يجتمع الكل حول الله ويتمتَّعون بأحضانه، فيجد المؤمن نفسه كما في وسط أسرته، بلا تمييز بين سيِّد وعبد، ذكر وأنثى، يهودي أو أُممي، غني أو فقير، كاهن وأحد أفراد الشعب.

يرتبط هذا الفرح بالعبادة، خاصة بتقديم ذبائح السلامة، وذبائح التسبيح والشكر لله، فيصير القلب حاملاً طبيعة الشكر المتهلِّلة.

يميِّز نوع الفرح، فيقول "تفرح أمام الرب"، لأن فرح العالم الذي يقوم على اللهو وعدم الالتزام بالمسئوليَّة وما إلى ذلك لا يتحقَّق أمام الرب، ولا يملأ النفس في الداخل، بل غالبًا ما يتحوَّل إلى حزن.

ثالثًا: التأمُّل في عمل الله الخلاصي:

من أهم العوامل التي تبعث الفرح الداخلي في النفس وتدفعنا إلى حفظ الوصيَّة الإلهيَّة هو تذكُّر معاملات الله معنا في حياتنا، وخلاصه العجيب لنا.

"وتذكَّر أنَّك كنت عبدًا في مصر، وتحفظ هذه الفرائض" [12].

هكذا يربط بين الفرح وعمل الله الخلاصي مع حياة الشكر والطاعة للوصيَّة، كلَّها جوانب متلاحمة لحقيقة واحدة هي "الشركة مع الله المخلِّص".
كنيسة بنطقستيَّة:

رأينا في عيد الفصح رمزًا للسيِّد المسيح الفصح الحقيقي الذي حوَّل حياتنا على الأرض كما إلى السماء، إلى عيد لا ينقطع. نراه فتتهلَّل نفوسنا وينطق كل كياننا بتسبحة الحمل الجديدة. أمَّا بالنسبة لعيد الأسابيع أو "البنطقستي" فنرى الكنيسة تقيم هذا العيد كل أيَّام تغربها على الأرض، فتقدِّم للآب المسيح البكر، تقدمة الشكر العجيبة التي لحساب كل المؤمنين، وكما يقول الرسول: "الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (1 كو 15: 20). هذا هو أول وأعظم حصاد، مقبول لدى الآب، وموضع سروره. من يتَّحِدون به يصيرون معه أبكارًا، فيقال عنه: "أنَّهم باكورة أخائيَّة" (1 كو 16: 15). وكما يقول الرسول يعقوب: "شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" (يع 1: 18). كما يُقال عنهم: "هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب، هؤلاء أُشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف" (رؤ 14: 4). هكذا تبقى الكنيسة البكر في حالة عيدٍ مستمرٍ تقدِّم مسيحها البكر، السنبلة الأولى، تردِّدها في حضرة الآب، تقدمة شكر مقبولة لديه.
3. عيد المظال:

تتكامل هذه الأعياد الثلاثة معًا بإعلانها عن احتياجنا إلى تقديس الله لعملنا في هذا العالم في كل مراحله، إذ كان اليهود يحتفون بعيد الفصح مع ضربة المنجل الأولى للحصاد علامة بدء العمل، وبعيد البنطقستي حين يتم الحصاد علامة استمرار بركة الرب وسط عملنا، وبعيد المظال في نهاية السنة الزراعيَّة لكي تختم بركة الرب على عملنا في نهاية الطريق. كأن بركة الرب ترافقنا في البداية وخلال العمل وحتى النهاية.

في عيد الفصح يتمتَّع المؤمن بالمصالحة مع الله، وفي عيد الأسابيع يقدِّم المؤمن الشكر لله بالسخاء مع اخوته وشعوره بالمساواة بين المؤمنين، وفي عيد المظال يفرح المؤمن بغربته مشتاقًا نحو الانطلاق إلى السماء. هذه الأعياد الثلاثة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وهي تُوجِد نوعًا من الاتِّحاد بين الله والإنسان والسماء، هذا الاتِّحاد يولِّد فرحًا جماعيًا وشخصيًا، لن يتحقَّق إلاَّ خلال ذبيحة السيِّد المسيح على الصليب.

يُذكرهم هنا ببعض الطقوس الخاصة بعيد المظال التي سبق فتحدَّث عنها (عد 29: 12). ويوضِّح الحقائق التالية:

أولاً: الربط بين عمل المظال والجمع من البيْدر ومن المعصرة: "تعمل لنفسك عيد المظال سبعة أيَّام عندما تجمع من بيْدرَك ومن معصرتك" [13]، فإنَّه إذ يهبنا الرب بركة في محصولاتنا ويسكب فيض عطاياه الزمنيَّة علينا ببركته الفائقة يخشى لئلاَّ ترتبط نفوسنا بالعالم لا بخالقه. لهذا كلَّما تمتَّعنا بالخيرات يليق بنا أن نقيم لأنفسنا "المظال"، متذكِّرين أنَّنا غرباء ونزلاء على الأرض، التي لن نستقر عليها أبديًا.

ثانيًا: ارتباط الشعور بالغربة بالفرح السماوي في الرب.

"وتفرح في عيدك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأَمَتك واللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك سبعة أيَّام تعيِّد للرب إلهك في المكان الذي يختاره الرب، لأن الرب إلهك يبارك في كل محصولك، وفي كل عمل يديك، فلا تكون إلاَّ فرحًا" [14].

هذا العيد هو دعوة لإدراك حقيقة مركز الإنسان في العالم، إنَّه غريب. وكما يقول المرتِّل: "لأنِّي أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائي" (مز 39: 12). هذه النظرة ليست تشاؤميَّة، إذ يرافقها تطلُّع نحو السماء المفتوحة وأذرع الله المبسوطة للمؤمنين، لكي ينطلقوا إليه ويستريحوا فيه. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكما يقول الرسول بولس: "لأنَّنا نعلم إنَّه إن نقُض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من الله بيت غير مصنوع بيدٍ أبدي" (2 كو 5: 1). الشعور بالغربة مصحوبًا بالرجاء في السماء يولِّد فرحًا داخليًا.

هذه هي إرادة الله لنا أن نفرح أمامه، وتفرح قلوب الآخرين معنا. إن كان يليق بمن هم في ظل الناموس أن يفرحوا ويبعثوا الفرح في حياة الآخرين كم بالأكثر يليق بنا نحن الذين دخلنا إلى عهد النعمة وتمتَّعنا بسكنى الروح القدس الدائمة فينا، هذا الذي يهبنا ثماره التي هي المحبَّة والفرح الخ.

يفرح المؤمن من أجل ما وهبه الله من عطايا وبركات، ويفرح أيضًا أنَّه يعطي الغير، فيكون فرحه في العطاء أكثر من الأخذ، حاسبًا فرح اخوته فرحًا له!

إنَّنا نفرح في العيد من أجل الرب نفسه عيدنا، ومن أجل عطاياه التي تعلن عن حبُّه لنا، ومن أجل إنَّه يهبنا بركة العطاء للغير فتفرح قلوبهم، ونفرح من أجل مواعيده الصادقة والأمينة التي ننالها حين يحملنا إلى حضن الآب عِوض المظال التي نعيش فيها هنا، ونتمتَّع بشركة المجد معه. إنَّنا لا نعرف هنا إلاَّ الفرح الروحي الداخلي: "فلا تكون إلاَّ فرحًا" [15].

السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 16 جـ3 PDF Print Email

4. الأعياد والعطاء:

يقدِّم لنا لمسات عامة خاصة بهذه الأعياد السنويَّة الثلاثة، كما جاء في (خر 23: 16-17، 34: 23).

أولاً: ممارسة الحياة الجماعيَّة في الرب.

"ثلاث مرَّات في السنة يحضر جميع ذكورك أمام الرب إلهك. في المكان الذي يختاره في عيد الفطير وعيد الأسابيع وعيد المظال" [16].

ظهور الذكور معًا ثلاث مرَّات في السنة في موضع العبادة المركزي يشير إلى تأكيد الوحدة في الرب، والشركة معًا بروح الفرح الجماعي.

ثانيًا: العطاء.

"ولا يحضروا أمام الرب فارغين. كل واحدٍ حسبما تُعطي يده كبركة الرب إلهك التي أعطاك" [16-17].


هذا العطاء هو ذبيحة شكر تُقدَّم للرب ممَّا يعطينا، كلٍ حسب اتِّساع قلبه، قدر ما يفيض قلبه بروح الشكر لله، ومحبَّته لاخوته كي يشبع احتياجاتهم ويفرح قلوبهم، وذلك كما يشبع الله احتياجاته ويسكب فرحه عليه. يوصينا الرسول بولس: "وأمَّا من جهة الجمع لأجل القدِّيسين في كل أول أسبوع ليصنع كل واحدٍ منكم عنده خازنًا ما تيسر" (1 كو 16: 1-2). كما يقول عن أهل مكدونيَّة: "أَعطوا حسب الطاقة، أنا أشهد وفوق الطاقة من تلقاء أنفسهم، ملتمسين منَّا بطلبة كثيرة أن نقبل النعمة وشركة الخدمة التي للقدِّيسين. وليس كما رجونا بل أعطوا أنفسهم أولاً للرب ولنا بمشيئة الله" (2 كو 8: 2-5).

صورة رائعة للعطاء، فهو عطاء النفس لله ولمحبِّيه قبل عطاء المادة، أو عطاء الحب والفرح قبل العطاء المنظور، نابع عن شوق حقيقي ورغبة صادقة للعطاء، قدَّموه حسب طاقتهم، بل ما هو فوق إمكانيَّاتهم، إذ حسبوا ذلك كرامة ومجدًا أن يتمتَّعوا بنعمة العطاء ويشتركوا في خدمة القدِّيسين. إنَّهم تمثَّلوا بالأرملة الفقيرة التي قدَّمت كل ما عندها (لو 21: 4).
5. الأعياد والعدالة:

يود الله لشعبه ممارسة الفرح في الرب، فيأتون إلى بيته فرحين، ويتهلَّل الكل بالفرح، والغنى بعطائه بسخاء وحب، والفقير بقبوله العطيَّة بشكر وامتنان. يتحقَّق هذا الفرح بالأكثر حيث يقيم لهم قضاة وعرفاء في جميع الأبواب، أي عند باب كل مدينة وقريَّة كي ينظروا في متاعب الشعب وينصفوا المظلومين.

لم تقم مباني خاصة بالقضاء، ولا كان القضاء يُقام في ميادين البلاد العامة بل عند أبواب أسوار المدينة، لماذا؟

أولاً:
لأن أغلب المدن كان لها أسوار، منها يخرج العاملون في الزراعة والحقول كل يوم حيث يعبرون إلى أماكن عملهم، ومنها يدخلون بعد العمل؛ كما يدخل منها كل الغرباء أو القادمين من بلاد أخرى، فكانت أبواب الأسوار تعتبر مناطق عامة يلتقي عندها الداخلون والخارجون.

ثانيًا:
إن كان يجب تحصين المدينة بأسوارٍ قويَّة لحماية سكان المدينة من العدو، فإنَّه يليق أن ترتبط هذه الحماية بالعدالة. بدون العدل لا تقدر الأسوار أن تحفظ المدينة من العدو، بل يدمِّرها الظلم.

ثالثًا: الله نفسه كُلِّي العدالة هو السور الذي يحمي شعبه، لذا يقول: "أكون لها سور نارٍ من حولها، وأكون مجدًا في وسطها" (زك 2: 5).

"قضاة وعرفاء تجعل لك في جميع أبوابك التي يعطيك الرب إلهك حسب أسباطك، فيقضون للشعب قضاء عادلاً" [18].

يليق بالقاضي أن يدرك أن من قبل محبَّة الله وتنازله سُمح للإنسان أن يمارس القضاء، "لأن القضاء لله" (تث 1: 17). القاضي هو وكيل وسفير عن الله، لذا يليق أن يقدِّم صورة لائقة بهذا المركز الخطير. لقد دُعي القضاة آلهة: "في وسط الآلهة يقضي، حتى متى تقضون جورًا، وترفعون وجوه الأشرار؟!" (مز 82: 1). ويوصينا الرسول بولس: "لتخضع كل نفسٍ للسلاطين الفائقة، لأنَّه ليس سلطان إلاَّ من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتَّبة من الله" (رو 13: 1).

لقد أقام لهم قضاة حسب أعدادهم مع رؤساء ألوف ورؤساء مئات وذلك في البريَّة. الآن وهم قادمون إلى المدن يقيم لهم قضاة وعرفاء (الهيئة التنفيذيَّة للقضاء) تكون عند كل مدينة وقرية. فكما ينطلق الرجال إلى بيت الرب للعبادة بفرحٍ، يجدون عند بيوتهم من ينصفهم من الظلم ويدافع عن المظلومين منهم.

بجانب السبعين شيخًا الذين اختارهم موسى فصاروا نواة وبداية لمجمع السنهدرين الذي يجلس للقضاء في القدس أقيم في المدن الكبرى وفي المدن الصغيرة التي تحوي أكثر من 120 عائلة مجالس قضاء حسب تعداد المدينة، وقد تجدَّد ذلك في أيَّام يهوشافاط (2 أي 19: 5، 8).

يرى البعض أن العرفاء officers هنا هم مجموعة السكرتاريِّين والكتبة الذين يرافقون القضاة، لمساعدتهم، وربَّما يكونون أشبه بمشيرين لهم يقدِّمون مشورات تسندهم.

لم يذكر هنا عدد القضاة والعرفاء، إذ يختلفون من مدينة إلى مدينة أو من قريَّة إلى أخرى حسب التعداد.

لقد طلب الله من الشعب أن يقيموا القضاة، فيختاروا من يروا فيهم روح العدالة وعدم المحاباة.

جاء في النص العبري "قضاء عادلاً عادلاً"، هذا التكرار يشير إلى التأكيد. تكرارها مرَّتين، ربَّما لأن رقم 2 يشير إلى المحبَّة التي تجعل من الاثنين "واحدًا"، وكما قدَّمت الأرملة الفلسين في الخزانة خلال حبَّها، وأيضًا قدَّم السامري الصالح فلسين للفندق من أجل الاهتمام بالجريح علامة حبُّه. هكذا يليق بالقاضي وهو يصدر الحكم بالعدل ألاَّ يحمل في داخله كراهيَّة أو بغضة حتى للمحكوم عليهم بالتأديب أو الرجم، إنَّما يلزم أن يحمل في داخله محبَّة لا تنفصل قط عن العدل.

"لا تحرِّف القضاء، ولا تنظر إلى الوجوه، ولا تأخذ رشوة. لأن الرشوة تعمي أعين الحكماء وتُعوِّج كلام الصدِّيقين" [19].

إذ يعلم الله فساد قلب الإنسان وانحرافه لذا حذَّر القضاة من ثلاثة أمور: "الحيد عن الحق، محاباة الوجوه، الرشوة".

-     بينما يطلبون المال (الرشوة) يفقدون نفوسهم. ليس أحد يقتني ربحًا بظلم دون خسارة عادلة. حيث يوجد الربح تكون الخسارة. يكون الربح في مال الصندوق، أمَّا الخسارة فتكون في الضمير[195].

الأب قيصريوس

يحذِّر القضاة من ممارسة أي ظلم، ورفض أيَّة رشوة (خر 23: 8)، بل يلتزموا بالعدالة.

"العدل العدل تتبع، لكي تحيا وتمتلك الأرض التي يعطيك الرب إلهك" [20].

يقصد بالعرفاء غالبًا العاملين لتحقيق القضاء مثل الجند وأيضًا الذين يقومون بالتفتيش مثل مراجعة الموازين والمقاييس.
6. عدم الخلط بين عبادة الله والأوثان:

"لا تنصب لنفسك سارية من شجرة ما بجانب مذبح الرب إلهك الذي تصنعه لك. ولا تقم لك نصبًا، الذي يبغضه الرب إلهك" [21].

ذكر الأنصاب والسواري برهان على أن هذه الخطابات أُلقيت في زمن مبكِّر، حيث تتجلَّى مظاهر العبادة الكنعانيَّة، وليس في زمن متأخِّر تأثَّر الشعب فيه بما حوله من عادات وثنيَّة. واضح أن الحديث قُدِّم للشعب قبل إقامة هيكل سليمان حيث كان يمكن إقامة مذابح في مناطق متعدِّدة.

السارية (الشارية) Asherah كانت شجرة مقدَّسة أو عمودًا خشبيًا يرمز للآلهة عشتاروت Astarate أو في شبه إحدى الآلهة، وكانوا يفترضون وجود قوَّة سحريَّة فيها.

النصب masseba هو عمود من حجر له قيمة مقدَّسة، وقد يكون تذكاريًا، يشير إلى الإله الذكر بعل.

المذبح الذي يُقام باسم الرب هو للشعب لا لله، "الذي تصنعه لك"، فالله ليس في حاجة إلى ذبائح وتقدمات، بل نحن نحتاج إلى المصالحة مع الله.

يبغض الله الخلط بين الحق والباطل، والعبادة لله مع عبادة الأوثان. فإنَّه يليق بالإنسان ألاَّ يعرِّج بين الفريقين، بل يسلك في الطريق الملوكي باستقامة. فهو لا يطالبنا أن نسلك بالحق فحسب، إنَّما وأن ندقِّق في سلوكنا حتى لا نُعثر أحدًا. لهذا ليس فقط يرفض العبادة الوثنيَّة، وإنَّما مجرَّد غرس سارية من خشب أو إقامة نصب بجوار الهيكل حتى وإن لم يستخدمه المؤمن في العبادة الوثنيَّة، لكي لا يشك أحد أن الذي صنع المذبح يمارس عبادة وثنيَّة.

جاء في الترجمة السبعينيَّة "لا تقم لك عمودًا، الأشياء التي يبغضها الرب إلهك". يميِّز القدِّيس جيروم في تعليقه علي عنوان المزمور 16 "نقش تذكاري لداود" بين النصب التذكاري الذي يُسر الله به، والنصب أو العمود التذكاري الذي يبغضه الله.

فالمزمور 16 وغيره من المزامير تمثِّل نقشًا تذكاريًا ينحت علي نفوسنا كلمات الله حتى نتذكَّر علي الدوام موت الرب، وذلك كما أقام يعقوب عمودًا تذكاريًا علي قبر راحيل. هكذا يري القدِّيس جيروم في قلوب المؤمنين أشبه بقبرٍ مقدَّس يُنحت عليه تذكار عن موت المسيح، وتشارك مسيحها آلامه وموته.

توجد أيضًا نصب تذكاريَّة يبغضها الرب، كما أقام أبشالوم لنفسه عمودًا تذكاريًا، وكما صارت امرأة لوط نفسها عمودًا تذكاريًا بتطلُّعها إلي خلف لا إلي الأمام[196].

من وحيّ تثنيَّة 16

لا تكون إلاَّ فرحًا!

-     أقمت من سبتك سبتًا لي، ومن راحتك راحة لي.

فإنَّك تستريح فيَّ، وتهبني راحة فيك.

تود أن تجعل من كل أيَّامي أعيادًا مقدَّسة،

بل تود أن تدخل بي إلى عيدٍ لا ينقطع.

-     جعلت من حياتي أيَّامًا جديدة على الدوام.

تخرجني في كل يوم من عبوديَّة الخطيَّة.

وتعبر بي إلى كنعان السماويَّة.

فأُعيد لك عيد العبور يا أيُّها الفصح الحقيقي!

-     أيَّامي كلَّها أيَّام حصاد.

ثمر روحك القدُّوس لا ينقطع ولا ينقص!

لأتقدَّم أمامك بثمر روحك، وتأكل نفسي وتفرح.

لأشبع من عملك، ولتُشبع نفوس الجائعين معي!

لتأكل يا أيُّها القدُّوس من جنَّتك التي غرستها فيَّ.

لتدعو أصحابك السمائيِّين، فيأكلوا ويشربوا ويفرحوا!

-     أقضي حياتي كلَّها كعيدٍ للمظال.

لن تستقر نفسي مادمت على الأرض،

بل تحيا في خيمة هذا الجسد.

حتى التقي بك واستقر في حضن أبيك!
-     توصيني بل تعدني:

"لا تكون إلاَّ فرحًا!"

نعم لأفرح!

أفرح بسبوتك وبأعيادك غير المنقطعة.

أفرح حين أقدِّم لك ممَّا وهبتني.

فلا أظهر أمامك فارغًا.

-     لأفرح ببرَّك، وأسلك بروح العدالة المملوءة حبًا.

فلا يتسلَّل ظلم إلى قلبي.

ولا أُعثر أحدًا في سلوكي.

لتفرح بعملك معي يا مخلِّصي الصالح.

ولتفرح نفسي مع جسدي وكل كياني.

وليفرح كل فقير ومحتاج بسخاء قلبي.

وليفرح كل متألِّم إذ يجد في حياتي روح العدالة والحب!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 17 جـ1 PDF Print Email

حزم مع عابدي الأوثان
والقضاة والملك

يعالج الأصحاحان (17-18) السمات التي يلتزم بها قادة الشعب الرئيسيِّين في ذلك الحين وهم: الملك والكاهن والنبي. اتَّسمت العبادة الوثنيَّة باللهو والرجاسات بينما تتَّسم العبادة لله الحقيقي بالجدِّيَّة مع التوبة. الأولى تولِّد فرحًا مؤقَّتًا لن يشبع النفس، أمَّا الثانية فتهب فرحًا داخليًا. الله في محبَّته لشعبه قدَّم لهم الأعياد لكي تتحوَّل حياتهم إلى فرحٍ دائمٍ في الرب، لن يتحقَّق خلال التهاون أو التراخي في ممارسة وصيَّة الرب. لهذا يتحدَّث في حزمٍ عن أمورٍ ثلاثة: عقوبة العبادة الوثنيَّة؛ وخضوع القضاة بروح الطاعة للنظام الجماعي المقدَّس، التزام الملك بالوصيَّة الإلهيَّة.

1. عقوبة عابدي الأوثان             [1-7].

2. خضوع القضاة للنظام              [8-13].

3. التزامات الملك                      [14-20].
1. عقوبة عابدي الأوثان:


"لا تذبح للرب إلهك ثورًا أو شاة فيه عيب شيء ما رديء، لأن ذلك رجس لدى الرب إلهك" [1].

إذ سبق فأعلن أن الفرح الحقيقي والدائم هو في الالتصاق بالله القدُّوس والدخول معه في عهدٍ دائمٍ، لهذا يليق بالمؤمنين ليس فقط أن يكونوا قدِّيسين كما هو قدُّوس (لا 10: 44)، وإنَّما ألاَّ يقدِّموا ذبيحة بها عيب. الله قدُّوس وذبيحة المصالحة يلزم أن تكون مقدَّسة بلا عيب بكونها ظل للسيِّد المسيح الذي بلا عيب، فينعم على شعبه بالحياة المقدَّسة.

كل ثورٍ أو شاه به عيب يٌقدِّم للرب ليس فقط لا يكون مقبولاً لديه، وإنَّما يحسبه رجس وخطيَّة، لأن في ذلك إهانة للذبيح الحقيقي الذي بلا عيب.

على لسان آخر نبي في العهد القديم يحذِّر الله شعبه من تقديم ذبيحة بها عيب، قائلاً: "وإن قرَّبتم الأعمى ذبيحة أفليس ذلك شرًا؟! وإن قربَّتم الأعرج والسقيم أفليس ذلك شرًا؟!" (ملا 1: 8).

"إذا وجد في وسطك في أحد أبوابك التي يعطيك الرب إلهك رجل أو امرأة يفعل شرًا في عينيّ الرب إلهك بتجاوز عهده، ويذهب ويعبد آلهة أخرى، ويسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لكل من جند السماء الشيء الذي لم أوصِ به، وأخبرت وسمعت وفحصت جيدًا، وإذا الأمر صحيح أكيد قد عمل ذلك الرجس في إسرائيل، فاخرج ذلك الرجل أو تلك المرأة الذي فعل ذلك الأمر الشرِّير إلى أبوابك، الرجل أو المرأة، وأرجمه بالحجارة حتى يموت" [2-5].

يُنظر إلى عبادة الأوثان كجريمة عظمى، بكونها خيانة ضدّ الله وضدّ الجماعة المقدَّسة وضدّ الإنسان نفسه، لهذا فإن عقوبتها هي الإعدام رجمًا.

كانت الأوثان منذ القديم تتركَّز بالأكثر في عبادة الشمس والقمر والكواكب، ثم اتَّجهت نحو التماثيل التي تصور بطريقة أو أخرى بشرًا أو حيوانات أو طيورًا أو زحَّافات. أمَّا خطورة هذه الخطيَّة فهي أن من يمارسها لا يهدأ حتى يغوي الآخرين ليمارسوا نفس العبادة. إنَّها أشبه بوباء يحل بالنفس لينتشر في نفوس الآخرين. يظن البعض أن ذكر عبادة  الشمس يشير إلى أن السفر قد كتب في عصر آشور، لكن هذه العبادة  قديمة ترجع إلى ما قبل عصر موسى النبي، إلى أيَّام Sumerian times[197].

يرى البعض أن عبادة الشمس بدأت في أيَّام برج بابل حيث خشي الناس لئلاَّ يرسل الله عليهم فيضانًا آخر، فالتجأوا إلى الشمس ظانين إنَّها لن ترسل فيضانًا. هؤلاء لم يدركوا أن للشمس دور في سقوط الأمطار وحدوث الفيضانات، خلال تبخير المياه وارتفاعها كسحب في السماء ثم سقوطها على شكل أمطار[198]. لقد عبدوا الشمس والقمر والكواكب حاسبين إنَّها صديقة للإنسان، عبدوها وجحدوا خالقها.

لماذا يُنظر إلى عبادة الأوثان كجريمة عظمى؟

أولاً: إنَّها تمثل عصيانًا مباشرًا لله الذي لم يأمر بالعبادة الوثنيَّة، بل حرمها. عبادة الأوثان هي حركة تمرُّد ضدّ الله. إن كان التمرُّد ضدّ الملك الزمني يُحسب جريمة عظمى، كم بالأكثر التمرُّد ضدّ ملك الملوك؟!

ثانيًا: إنَّها شرّ في عينيّ الرب: "يفعل شرًا في عينيّ الرب إلهك بتجاوز عهده" [2]، يبغضها ولا يطيقها، لأنَّها تعني إحلال الخليقة الجامدة في موضعه.

ثالثًا: تحمل خيانة للعهد المُبرم مع الله، فهي نوع من الخيانة للعهد الزوجي، تكسر الرباط الزوجي الروحي بين الله ومؤمنيه.

رابعًا: رجس في إسرائيل [4]؛ فإن كان الله قد اختار شعبه ليكون خاصًا به، مقدَّسًا ومكرَّسًا له، يتمِّم إرادته الإلهيَّة، يقدِّم له معرفته لأسراره الإلهيَّة. فإنَّه إن انحرف إلى العبادة الوثنيَّة تكون خطيَّته أعظم من الشعوب الأخرى. إنَّها رجس!
ما هي شريعة السقوط في العبادة الوثنيَّة؟

أولاً: الفحص الدقيق، فمع جسامة هذه الخطيَّة لا يمكن معاقبة شخصٍ ما لمجرَّد الاشتباه في تصرُّفاته، بل يلزم الفحص الدقيق للأمر.
"وأخبرت وسمعت وفحصت جيِّدًا، وإذا الأمر صحيح أكيد، قد عمل ذلك الرجس في إسرائيل" [4].

مع اهتمام الشريعة بقداسة شعب الله القدُّوس، إلاَّ أنَّه يجب إلاَّ يُساء إلى سمعة أحد أو يُجازي ظلمًا. لهذا فإن كل إنسان يعتبر بريئًا حتى تثبت إدانته بعد تدقيق شديد. وفي نفس الوقت من تثبت إدانته بعد الفحص الدقيق لا يجوز التهاون معه.

في الأصحاح السابق رأينا تأكيد الشريعة أن يُقام قضاة يتَّسمون بالعدالة وعدم المحاباة، وفي هذا الأصحاح يطلب أن يكونوا قادرين على الفحص الدقيق للقضايا حتى لا يسقط أحد تحت الظلم. إن كانت "أحكام الرب حق عادلة كلَّها" (مز 19: 9) فإن القاضي كوكيل الله يلتزم أن يلتحف بالعدالة في غير محاباة للوجوه.

قد لا يجد الإنسان الفقير من ينصفه في أي مكان، لذا لاق به أن يلجأ إلى بيت الله ليجد في "كراسي القضاء" العدالة. في بيت الرب يرى حمل الله الذي يقدِّم روح البرّ والعدل مع الرحمة والحنو. كثيرون يتعثَّرون في إيمانهم بسبب ما قد يجدوه من محاباة لدى رجل الدين.

ثانيًا: أن تتم المحاكمة بوجود شاهدين أو ثلاثة [6] كدليلٍ صادقٍ ضدّ المُشتكى عليه. إذ لا يجوز تحت التظاهر بالدفاع عن مجد الله يُساء إلى إنسان بريء.
"على فم شاهدين أو ثلاثة شهود يُقتل الذي يُقتل، لا يقتل على فم شاهد واحد. أيدي الشهود تكون عليه أولاً لقتله، ثم أيدي جميع الشعب، أخيرًا فتنزع الشرّ من وسطك" [6-7].

ثالثًا: عقوبة عبادة الأوثان الرجم، سواء كان العابد رجلاً أو امرأة، فإنَّه لا يُقدَّم ضعف المرأة عذرًا للتعبُّد للأوثان.

رابعًا: يتم الرجم عند باب المدينة، وفي مواضع أخرى نجد أن العقوبة كانت تنفَّذ خارج أسوار المدينة (نح 8: 1؛ أي 29: 7؛ أع 7: 58؛ عب 13: 12)، وفي أثناء التيه في البريَّة كانت تتم خارج المحلَّة (لا 24: 14؛ عد 15: 36). ويُلقي الشاهدان أو الأكثر أول الحجارة وذلك للأسباب التالية:

أ. مادامت الخطيَّة علنيَّة، أو يمكن أن تصير علانيَّة، يجب أن تكون العقوبة علنيَّة.

ب. لكي تتَّعظ المدينة كلَّها، فيكون ذلك درسًا للجميع.

ج. إذ يُلقي الشهود الحجارة الأولى لا يستطيعون أن يتبرَّروا أمام ضمائرهم إن كانوا شهود زورٍ، إذ يشعروا بأنَّهم قتلوا إنسانًا بأيديهم ظلمًا.

-     في ظل الشريعة القديمة من يعصى الكهنة يُطرد خارج المحلَّة ويُرجم بواسطة الشعب، أو تقطع رأسه، ويكفر عن استخفافه بدمه. أمَّا الآن فإن العاصي يُقطع بسيف الروح أو يُستبعد من الكنيسة ويُقطع إلى أجزاء بواسطة الشيَّاطين الثائرة[199].

القدِّيس جيروم

د. الترجمة الحرفيَّة للنص العبري هي: "الرجل الميِّت يموت"، أو "رجل الموت" (1 مل 2: 26)، أو "ابن الموت" (1 صم 20: 31). وكان ما يصدر عليه من حكم بالموت ليس بالأمر الغريب عنه لأنَّه بفعله الشرِّير صار بالفعل ابن الموت، وفي قبضته. كان رجمه إنَّما يظهر ما حلَّ بنفسه من موت.


2. خضوع القضاة للنظام:

العمل القضائي ليس كرامة يقتنيها القاضي لذاته، لكنَّه التزام ومسئوليَّة، لهذا وُضعت القواعد التالية:

أولاً:
لا يحكم القاضي في أمرٍ يشك فيه أو يجد صعوبة في أخذ قرار من جهته. إنَّه يلتزم أمام ضميره أن يحوِّله إلى قضاءٍ أعلى، إلى أصحاب خبرة أكثر منه.

"إذا عسر عليك أمر في القضاء بين دمٍ ودمٍ، أو بين دعوى ودعوى، أو بين ضربة وضربة من أمور الخصومات في أبوابك، فقم واصعد إلى المكان الذي يختاره الرب إلهك، واذهب إلى الكهنة اللآويِّين، وإلى القاضي الذي يكون في تلك الأيَّام، واسأل فيخبروك بأمر القضاء، فتعمل حسب الأمر الذي يخبرونك به من ذلك المكان الذي يختاره الرب، وتحرص أن تعمل حسب كل ما يعلِّمونك" [8-10].

لقد نصح يثرون حمى موسى زوج ابنته أن يتفرَّغ للقضايا الكبرى والصعبة (خر 18: 13 الخ)، وبعد موت موسى وُجد بعض الأشخاص لهم تقديرهم العام كرجال الله يقومون بنفس الدور مثل نثنائيل ودبُّورة وجدعون. وأحيانًا كان يقوم بهذا الدور رئيس الكهنة، حين يكون ساميًا وقادرًا على تدبير هذه الأمور مثل عالي الكاهن، وأحيانًا يقوم بالدور مجمع من الكهنة واللآويِّين الذين يخدمون المقدَّس.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 17 جـ2 PDF Print Email

ثانيًا: يلتزم القاضي بالخضوع لمن هو أكثر منه خبرة وفي رتبة أعلى، إذ يليق به أن يكون متواضعًا، محبًا للتعلُّم.

"وتحرص أن تعمل حسب كل ما يعلِّمونك. حسب الشريعة التي يعلِّمونك، والقضاء الذي يقولونه لك تعمل. لا تحد عن الأمر الذي يخبرونك به يمينًا أو شمالاً. والرجل الذي يعمل بطغيانٍ، فلا يسمع للكاهن الواقف هناك ليخدم الرب إلهك أو للقاضي، يُقتل ذلك الرجل، فتنزع الشرّ من إسرائيل. فيسمع جميع الشعب ويخافون ولا يطغون بعد" [10-13].

طالبت الشريعة بإقامة قضاة عادلين علامة ارتباط الشعب بالعهد مع الله العادل. لكن تبقى القضايا الصعبة التي يصعب على القضاة المحليِّين البت فيها، فإنَّها تُرفع إلى الكهنة اللآويِّين وإلى القاضي في هيكل، كما إلى القضاء العالي على أعلى مستوى، من لا يقبل حكمهم يُقتل (17: 8-13).

يروي لنا سفر أخبار الأيَّام الثاني ما فعله يهوشفاط، إذ بعدما أقام قضاة في الأرض في كل مدن يهوذا، أقام هيئة قضاء عليا في أورشليم: "وكذا في أورشليم أقام يهوشافاط من اللآويِّين والكهنة ومن رؤوس آباء إسرائيل لقضاء الرب والدعاوي" (2 أي 19: 8). إذ أقام يهوشفاط ملك يهوذا قضاة في كل المدن قال لهم: "انظروا ما أنتم فاعلون، لأنَّكم لا تقضون للإنسان بل للرب وهو معكم في أمر القضاء. والآن لتكن هيبة الرب عليكم" (2 أي 19: 6-7).

-     يليق بالبشر أن يحفظوا الطريق بعناية أثناء سيرهم بين النار والماء، حتى لا يحترقون ولا يغرقون. هكذا يليق بنا أن ننظم خطواتنا بين قمَّة الكبرياء ودوَّامات الخمول، كما هو مكتوب: "لا تنحرف يمينًا ولا يسارًا"[200].

القدِّيس أغسطينوس

يليق بالقاضي أن يطيع القاضي الأكبر منه، وإلاَّ فيُرجم ليكون عبرة للشعب كلُّه. يبدو أن الخطأ بسيط لا يستحق الرجم. لكن وإن بدا الخطأ بسيط غير أن مرتكبه في مركز قيادي، لذا تُحسب أخطاؤه جسيمة من أجل مركزه. فكما يليق بالآخرين أن يطيعوه يلتزم هو بطاعة رؤسائه. الله لا يطيق في القائد أن يكون متعجرفًا وعنيدًا!

3. التزامات الملك:
أولاً: أن يكون الملك مؤمنًا.

"متى أتيت إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك وامتلكتها وسكنت فيها، فإن قلت اجعل عليَّ ملكًا كجميع الأمم الذين حولي. فإنَّك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك. من وسط اخوتك تجعل عليك ملكًا. لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبيًا ليس هو أخاك" [14-15].

بالنسبة للشعب، فإنَّهم إذ يلتقون مع شعوب كثيرة لهم ملوك عظماء وأقوياء يشتهون أن يكون لهم ملك مثل سائر الأمم المحيطة بهم.

لقد أدرك موسى النبي خلال خبرته بشعبه، وأيضًا بروح النبوَّة أنَّهم إذ يستقرُّون في أرض الموعد، عِوض اعتزازهم بقيادة الله ملكهم يطلبون ملكًا أرضيًا. عِوض افتخارهم بالله ملكهم يشتهون ما للأمم. هذه مشاعر الإنسان الطبيعي لا الروحي، يطلب المجد الظاهر، ولا يختبر جمال المجد الداخلي. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). حتى بعد خبرتهم المُرَّة مع ملوكٍ أشرارٍ حين جاء السيِّد المسيح رفضوه، أرادوا أن يكون لهم ملكًا أرضيًا يحرِّرهم ويهبهم سلطانًا زمنيًا.

تحدَّث موسى عن الملك الذي يقود الشعب، الأمر الذي اشتهاه الشعب بعد حوالي 400 عامًا من نياحة موسى النبي. لقد اشتهوا أن يُقيموا ملوكًا حسب شهوة قلبهم لا حسب فكر الله. وكما جاء في هوشع النبي: "أقاموا رؤساء وأنا لم أعرف" (هو 8: 4). لهذا يؤكِّد هنا: "فإنَّك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك" [15].

واضح من أسلوب الكتابة أنَّه لم يكن بعد قد ظهر النظام الملكي في إسرائيل، بل وأن ظهوره يبدو إنَّه احتمال بعيد وغير مقبول.

لم يكن موسى النبي في تخوُّفه من إقامة ملوك على الشعب بأقل ممَّا كان لصموئيل النبي الذي طلب من الشعب: "فالآن اجعل لنا ملكًا يقضي لنا كسائر الشعوب" (1 صم 8: 5)، فساء الأمر في عينيّ صموئيل. حذَّرهم صموئيل النبي: "تصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم" (1 صم 8: 18)، "فأبى الشعب أن يسمعوا لصوت صموئيل وقالوا: لا، بل يكون لنا ملك" (1 صم 8: 19).

بروح النبوَّة علم موسى النبي أن الشعب سيُصر على إقامة ملك لهم مثل سائر الشعوب، وجاء الحديث هنا يضع الخطوط العريضة لما يلتزم به الملك.

لم يعدهم الله بملكٍ ولا أمرهم أن يختاروا لهم ملكًا، بل جاءت الشريعة تنظم وتكشف عن سمات من يكون ملكًا. لقد أراد الله أن يكون هذا الشعب هو خاصته، يميِّزهم عن سائر الشعوب، وينسبهم إليه بكونه ملكهم. فإن اشتهوا أن يكون لهم ملك، يسمح لهم بذلك بشرط أن يحقِّق إرادة الله، وأن يكون ظلاًّ ورمزًا للملك المسيَّا.

شرع الناموس القوانين الخاصة بالحكم الملكي، فإنَّهم إن طلبوا ملكًا يلزم أن يكون الملك باختيار الله نفسه، ومن شعب الله، وليس إنسانًا غريبًا بسبب قوَّته أو إمكانيَّاته الفائقة أو شخصيَّته القويَّة. يخشى لئلاَّ ينحرف بالشعب إلى العبادة الوثنيَّة والآلهة الغريبة، ويدفع الشعب إلى ممارسات دنسة غير لائقة. لذلك يليق بالملك أن يكون مؤمنًا، يحمل رمزًا للملك الحقيقي، المسيَّا المخلِّص، الذي هو عظم من عظامنا (عب 2: 14). إذ يكون الملك مؤمنًا يشتاق أن يحقِّق لا إرادته الذاتيَّة بل إرادة الملك السماوي، ملك الملوك.

إذ طلب منهم ألاَّ يختاروا رجلاً أجنبيًا كملك واضح أن الشريعة أعطت للشعب حق اختيار الملك. وواضح من الوصيَّة هنا تأكيد الله التزام الشعب بالعمل الإيجابي في اختيار الملك (وبالتالي كل القيادات). فمن حق كل إنسان، بل من واجبه أن يُساهم في اختيار القائد المؤمن الذي يسلك بروح الرب. لذلك ركَّز الرسول بولس على التدقيق الشديد في اختيار الشماس أو الكاهن أو الأسقف في رسائله (1، 2 تيموثاوس، تيطس).

في كتابه "عن الكهنوت" يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم:

[هؤلاء الذين ينتمون إلى المسيح يدمرون ملكوته أكثر من الأعداء والمقاومين له، وذلك باختيارهم غير المستحقِّين للخدمة[201]].

[لا يكفي أن يعتذروا عمَّن اختاروه بعدم معرفتهم له. لأن عذرهم هذا يزيد من مسئوليَّتهم، إذ ما حسبوه مبرَّرًا لهم يزيد مسئوليَّتهم.

أليسوا إن أرادوا شراء عبدٍ يقدِّمونه أولاً إلى الطبيب لكي يفحصه، ويطلبون من البائع ضمانات ويستعلمون عنه من جيرانه، وبعد هذا كلُّه لا يتجاسرون على شرائه بل يطلبون فرصة ليكون العبد تحت الاختبار؟! ومع هذا فإن من يقدِّم شخصًا إلى وظيفة عظيمة كهذه، يقدِّم شهادته وتذكيته باستهتار دون اعتناء أو تدقيق، إنَّما لمجرَّد تلبية رغبة البعض؟! من إذًا يتوسَّط لنا في ذلك اليوم، إن كان الذين يدافعون عنَّا هم أنفسهم في احتياج إلى من يدافع عنهم؟!

فمن يُختار، يلزمه أن يُفحص بتدقيق لأنَّه إن كان قد تحرَّى عنه وعرف عدم استحقاقه، ومع ذلك اختاره، فإن أي اتهام ضدّ المُختار يتحمَّل من اختاره العقوبة مع المختار، بل وتكون عقوبة الأول أشد[202]].

ويقول القدِّيس جيروم: [في هذه الأيَّام كثيرون يبنون كنائس، حوائطها وعمدها من رخام ثمين، أسقفها متألِّقة بالذهب، مذابحها محلاَّة بالجواهر، أمَّا بالنسبة لاختيار خدَّام الله فلا يعطون اهتمامًا[203]].

ثانيًا: أن يتجنب الملك كل ما يجعله بعيدًا عن الله.

يليق به أن يحمل روح التواضع على خلاف الملوك المحيطين به من الأمم [16-17]. فلا ينشغل بما يحرمه من الحياة التقويَّة المقدَّسة مثل حب المجد الباطل، والملذَّات الجسديَّة، ومحبَّة الغنى.

فمن جهة محبَّة المجد الباطل يقول:

"ولكن لا يكثر له الخيل، ولا يرد الشعب إلى مصر لكي يكثر الخيل، والرب قد قال لكم: لا تعودوا ترجعون في هذه الطريق أيضًا" [16].

يليق بالملك أن يدرك أن الأمة لم توجد من أجله، بل هو من أجلها، فلا يعمل ما لترفه ومجده الذاتي، بل ما هو لصالح الجماعة.

يليق بالملك ألاَّ يرد الشعب إلى العبوديَّة التي خرجوا منها، أي من مصر. فإن هذا الطريق يجب أن يُغلق تمامًا، فيعيش الشعب بروح الحرِّيَّة وليس بروح العبوديَّة. فإن رد الشعب إلى مصر لا يعني مجرَّد إرسال البعض لشراء خيل له، وإنَّما أن تتحوَّل حياة الملك نفسه إلى بلد مستعمر يُسخَّر طاقات الشعب لحسابه، من أجل غناه ومجده الشخصي.

كثيرًا ما يميل الإنسان إلى أرض العبوديَّة القديمة، كما اشتهى الشعب العبراني في البريَّة العودة إلى مصر ليأكل الكُرَّات والبصل ويشتم رائحة قدور اللحم. هكذا كثيرًا ما يرتد قلب الإنسان إلى أعمال الإنسان القديم الفاسد عِوض تمتُّعه بأعمال الإنسان الجديد الذي على صورة خالقه. يليق بالمؤمن ألاَّ يرتد قلبه مع قلب امرأة لوط إلى الوراء لئلاَّ يصير عمود ملح، بل ينفتح أمامه الرجاء في الحياة العتيدة. يقول مع الرسول بولس: "أفعل شيئًا واحدًا إذ أنسى ما هو وراء واَمتد إلى ما هذا قدَّام؛ أسعى نحو الغرض لأجل جُعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (في 3: 13-14).

بهذه النظرة المستقبليَّة المفرحة لا يرتد قلبنا إلى الماضي، فنشتهي أن تعود بنا عقارب الساعة إلى ما مرّ وانتهى، بل نسر بالأيَّام التي عبرت وبنهاية كل عام، متهلِّلين بالحاضر، ومنطلقين نحو المستقبل بروح الفرح المجيد.

- يمكننا أن نأخذ الفرس رمزًا لأيَّة ممتلكات في هذا العالم، أو لأي نوع من الكرامة نتَّكل عليها في كبرياء، حاسبين خطأ أنَّكم كلَّما ارتفعتم يزداد آمانكم وعلوّكم. ألا تُدركون بأيّ عنفٍ سوف تلقون؟! كلَّما ارتفعتم إلى أعلي يكون سقوطكم بأكثر ثقل... فكيف إذن يتحقَّق الأمان؟ فإنَّه لا يتحقَّق بالقوَّة ولا بالسلطة ولا بالكرامة ولا بالمجد ولا بالفرس[204].

القدِّيس أغسطينوس




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 17 جـ3 PDF Print Email

يري العلامة أوريجانوس أن الخيل تشير إلي الشيَّاطين التي سقطت من السماء بسبب كبريائها، هؤلاء الذين تبعوا القائل: "أصعد فوق مرتفعات الرب وأصير مثل العليّ" (إش 14: 14).

-     امتطي فرعون خيله، فسقط في نوم وهلك. كان للمصريِّين أيضًا خيولهم وهلكوا. لهذا السبب فإن الشريعة قد قدَّمت دواء ألاَّ يملك عبراني خيلاً. تذكَّر أن سليمان لم يكن له حصان من أورشليم أو من اليهوديَّة، إنَّما اِتشترى بعض الخيل من مصر (2 مل 10: 28). كانت الخيول تباع في مصر. "هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل، أمَّا نحن فباسم الرب إلهنا نذكر" (مز 19: 8). هؤلاء بالحق الذين يمتطون خيولاً ينامون ويهلكون. ربَّنا له خيول أيضًا، لكن له بجانب ذلك جبال مشرقة، أمَّا جبال الشيطان فمملوءة ظلامًا[205].

القدِّيس جيروم

-     كُتب في سفر المزامير: "باطل هو الفرس لأجل الخلاص" (مز 33: 17)؛ وجاء في موضع آخر في الكتاب المقدَّس: "الفرس والمركبة طرحهما في البحر" (خر 15: 1). كانت الوصيَّة الصادرة لملك إسرائيل ألاَّ يمتطي خيلاً (تث 17: 16)... أظن أن الخيول هي البشر الخطاة وراكبيها هم الشيَّاطين التي تمتطي الأشرار، الذي تحوَّل إلي مُضطهد هو فرس، والشيطان هو قائده الذي يرشقنا برمح. الخيل يجري والشيطان يرشق بالرماح. الخيل مسُوق في حالة هياج بمن يثيره ويهيِّجه بجنون بغير إرادته[206].

القدِّيس جيروم

لم يُمنع الملك من أن يركب خيلاً، وإن كان ملك الملوك في تواضعه دخل أورشليم راكبًا على أتان وجحش ابن أتان. لقد مُنع من المبالغة في استخدام الخيول كنوعٍ من المجد الباطل، أو لأنَّه مع كثرة الخيل يعطي أناسًا غير مستحقِّين للكرامة أن يستغلُّوا موقعهم في القصر الملكي، قيل: "قد رأيت عبيدًا على الخيل، ورؤساء ماشين على الأرض كالعبيد" (جا 10: 7).

يخشى الله على الملك من أن يعتز بقوَّته الذاتيَّة وإمكانيَّاته العسكريَّة، إذ قيل: "هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل، أمَّا نحن فباسم الرب إلهنا نذكر" (مز 20: 7). كما قيل: "لن يخلص الملك بكثرة الجيش. الجبَّار لا يُنقذ بعظم القوَّة. باطل هو الفرس لأجل الخلاص وبشدَّة قوَّته لا ينجى" (مز 33: 17). "لا يخلِّصنا أشور، لا نركب على الخيل" (هو 14: 3).

كانت مصر هي مصدر التصدير للخيول إلى كنعان (1 مل 10: 28-29)، فلم يرد لهم اقتناء خيول كثيرة حتى لا يدخلوا في معاملات تجاريَّة مع مصر بطريقة مبالغ فيها ممَّا يدفعهم إلى الحنين إلى آلهة المصريِّين مثل عجل أبيس، كما فعلوا في البريَّة حيث صبُّوا عجلاً ذهبيًا وتعبَّدوا له.

يلتزم الملك أن يثق في الرب ويسلك حسب وصايا العهد [18-20]. يليق به أن يُدرك أنَّه بدوره خاضع للملك السماوي. لا يظن الملك أنَّه فوق القانون أو الشريعة الإلهيَّة، ولا في عينيّ الله أعظم من الخاضعين له.

أمَّا من جهة الشهوات الجسديَّة فقيل عن الملك: "ولا يكثر له نساء لئلاَّ يزيغ قلبه" [17]. هذا ما سقط فيه سليمان الحكيم: "وأحبَّ الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون، موآبيات وعمونيَّات وأدوميَّات وصيدونيَّات وحثِّيَّات... فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبَّة... فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه" (1 مل 11: 1-6).

حذَّر الملك من محبَّة الغني: "وفضَّة وذهبًا لا يكثر له كثيرًا" [17]. فإن محبَّة المال تدفع الملك إلى الضغط على الشعب لأجل نفعه الخاص. يبدو أن سليمان الحكيم سقط في هذا الضعف (1 مل 12: 4). محبَّة المال تجعل الملك يثق في إمكانيَّاته وقدراته لا على ذراع الرب، قيل: "لا تتَّكلوا على الظلم، ولا تصيروا باطلاً في الخطف؛ إن زاد الغني فلا تضعوا عليه قلبًا" (مز 62: 10). لقد جمع داود النبي ذهبًا وفضَّة (1 أي 29: 4)، لكن لم يجمعهما لنفسه بل لخدمة الله، ولخدمة شعب الله وليس لخدمة أسرته الخاصة.
ثالثًا: يلتزم بالوصيَّة الإلهيَّة.

"وعندما يجلس على كرسي مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة في كتاب من عند الكهنة اللاويِّين. فتكون معه، ويقرأ فيها كل أيَّام حياته، لكي يتعلَّم أن يتَّقي الرب إلهه، ويحفظ جميع كلمات هذه الشريعة وهذه الفرائض ليعمل بها، لئلاَّ يرتفع قلبه على اخوته، ولئلاَّ يحيد عن الوصيَّة يمينًا أو شمالاً. لكي يطيل الأيَّام على مملكته، هو وبنوه في وسط إسرائيل" [18-20].

يليق بالملك أن يكون أولاً وقبل كل شيء رجل الكتاب المقدَّس، رجل كلمة الله، يعشق الكلمة الإلهيَّة. يليق به أن يكون طالبًا مجتهدًا في دراسته لكلمة الله، فيسلك بروح الطاعة للوصيَّة الإلهيَّة، وينحني قلبه بروح الحب نحو الله الذي أقامه ملكًا، ونحو شعبه، بهذا يهبه نجاحًا في كل شيء.

أ. يرى البعض النسخة من الشريعة التي يكتبها الملك بنفسه هي "سفر التثنيَّة"، حيث تقدَّم وصايا وشرائع تمس حياة الملك والقادة، ليس مثل سفري اللآويِّين والعدد حيث أغلب الشرائع تمس الطقوس والخدمة والكهنوت. ويرى البعض أن الشريعة هنا تعني أسفار موسى الخمسة التي كانت تحفظ معًا في وحدة واحدة كأساس لكل ما يمس الجانب الديني.

ب. بلا شك كان الملك لديه أكثر من نسخة من الشريعة، لكنَّه يلتزم أن يكتب بخط يده نسخة له بعد جلوسه على العرش إن كان لم يكتب نسخة قبل توَلِّيه الحكم. يلزم أن يكتب نسخة جديدة لتكون أشبه بتجديد العهد بينه وبين الله. تُكتب النسخة عن تلك التي بين يديّ الكهنة المحفوظة في تابوت العهد أمام الرب لكي تطابق الأصل.

ج. غالبًا ما يكون لدى الملك نسَّاخ خطوطهم أجمل ممَّا للملك، لكنَّه يلتزم أن يكتب بخط يده، لأن الكتابة تثبت الأفكار، وتسند الشخص ليتأمَّل ما يكتبه أكثر من القراءة المجرَّدة. بهذا يود أن تُطبع الشريعة في ذهن الملك.

د. يتعلَّم الملك أنَّه ليس في شئون دولته ما هو أهم من أن يجلس وينشغل بوصيَّة الله، تحت كل ظروف المملكة وثقل المسئوليَّة. ليس له عذر أنَّه يحمل مسئوليَّات كثيرة، وأنَّه يمكن لغيره أن يقوم بهذا العمل.

ه. لا يكفي أن يكتبها ويحفظها في خزانته، إنَّما يلتزم أن يقرأها لا مرة ولا مرَّتين، إنَّما يبقى يراجعها كل أيَّام حياته.

و. غاية القراءة أن تتحوَّل إلى حياة التقوى، فيخاف الرب إلهه. يُدرك أنَّه وإن نال سلطانًا ومهابة، لكنَّه يلتزم بالانحناء بمخافة أمام سلطان الله وعزَّته. الله فوق الكل، وملك الجميع.

ز. يلتزم بالأمانة في تنفيذ جميع الوصايا والفرائض، فيكون حافظًا للشريعة على الدوام.

ح. بالشريعة يتعلَّم التواضع فلا يرتفع قلبه على اخوته.

ط. تصير أيَّامه طويلة أي مثمرة ومباركة.

من وحيّ تثنيَّة 17
هب لي روح القداسة والعدل والسلطة

-     تشتاق أيُّها الآب القدُّوس أن تقيمني لك قدِّيسًا.

أرسلتَ لي ابنك القدُّوس لكي يحملني إليك.

وقدَّمت لي روحك القدُّوس لكي يقدِّسني إلى التمام!

هب لي ألاَّ أقدِّم لك ما لا يليق بك،

بل لتشتم في كل تقدماتي رائحة ابنك القدُّوس.

ليته لا يكون في أعماقي عيب ولا دنس،

فتخرج صلاتي وكل عبادتي مقدَّسة فيك!

-     في القديم كانت عبادة الأوثان جريمة كبرى عقوبتها الرجم.

ليعمل روحك الناري في قلبي فينزع كل آلهة غريبة عنِّي.

لا يكون للرجاسة موضع في أعماقي.

بل يسكن روحك في داخلي، يهبني روح القداسة.

-     هب لي مع القداسة روح العدالة.

أقمتني قاضيًا، فأحكم على نفسي بروح العدالة.

أنت قاضي القضاة، تدين كل البشر.

هب لي روح الحق مع التواضع!

لتكن وصيَّتك هي الحكم في داخلي.

-     مع القداسة والعدالة هب لي روح السلطة.

أنت ملك الملوك.

تقيم من شعبك ملوكًا لكن ليس كملوك الأمم.

اخترتني ملكًا أحمل سلطانًا روحيًا.

أقول لهذا الفكر اذهب فيذهب، ولذاك أدخل فيدخل!

هب لي سلطانًا فلا أخشى الخطيَّة،

ولا أهاب الشيطان أو الأحداث!

بك أصير ملكًا،

بك تغتني نفسي بكل البركات،

بل أدرك أسرار وصيَّتك.

شريعتك هي دستور مملكتي الداخليَّة.

لا أحيد عنها يمينًا ولا يسارًا.

هي تهيِّئ لي طريقي الملوكي!


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 17 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 18 جـ1 PDF Print Email

خدَّام الرب

إذ قبل الكهنة اللآويون الرب نصيبًا لهم يلتزم الشعب أن يقدِّموا لهم نصيب الرب، ألا وهي العشور والبكور والنذور. بالنسبة للكهنة اللآويِّين المتفرِّقين بين المدن يلتزم الشعب باحتياجاتهم الماديَّة. أمَّا خدَّام الشيطان مثل العائفون والمتفائلون والسحرة فلا يكون لهم موضع في وسطهم. لقد كان للأمم المحيطة أنبياء كذبة وأصحاب عرافة يعتمدون على قوَّة الشيطان، لذا حرمَّ الله ممارسة العِرافة [9-14].

أقام الله لشعبه أنبياء ينطقون بكلمة الله ويعلنون إرادته [15-19]. كل نبي يتنبَّأ بغير ما ينطق به الرب يموت [20-22].

من الجانب الآخر قدم نبوَّة عن الخادم الحقيقي: "النبي المنتظر" وهو رب الأنبياء المتجسِّد، أي عن مجيء السيِّد المسيح، بقوله: "يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من اخوتك مثلي، له تسمعون..."، إذ هو فريد في نبوَّته، رب الأنبياء، الذي يهب حياة لمن يسمع له، وكل نفس لا تنصت له تُباد من الشعب (أع 3: 22-23؛ 7: 37 الخ).

1. نصيب الكهنة اللآويِّين            [1-8].

2. لا عائفون ولا سحرة             [9-14].

3. النبي المنتظر                     [15-22].

1. نصيب الكهنة اللآويِّين:


كان الشعب على وشك الدخول إلى أرض الموعد، وهي أرض خصبة، وكما رأينا تعتمد على الأمطار، وكأن الله نفسه هو الذي يعولهم بالأرض كما بالمياه. الآن خصَّص سبطًا كاملاً ليس له أرض زراعيَّة يعيش عليها ليؤكِّد أن ميراث الرب هو لهم. إنَّهم مثَل حي للاعتماد الكامل على الله بدون أرض!

لم يهتم الله أن يذكر شيئًا عن حقوق الملك، بل على العكس نجد صموئيل النبي يحذر الشعب الطالب أن يقيم ملكًا عليه، قائلاً: "هذا يكون قضاء الملك الذي يملك عليكم. يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه لمراكبه وفرسانه ويركضون أمام مراكبه، ويجعل لنفسه رؤساء ألوف ورؤساء خماسين، فيحرثون حراثته، ويحصدون حصاده، ويعملون عدَّة حربه وأدوات مراكبه. ويأخذ بناتكم عطارات وطبَّاخات وخبَّازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيتونكم أجودها ويعطيها لعبيدكم، ويعشِّر زروعكم وكرومكم ويعطي لخصيانه وعبيده..." (1 صم 8: 11-15).

بينما يهتم باحتياجات الكهنة واللآويِّين ويحدِّد نصيبه ليكون لهم النصيب الأعظم ممَّا له، يحذِّر الشعب ممَّا يفعله الملوك الذين كثيرًا ما يسيئون استخدام سلطانهم ويسلبون ما ليس لهم.

أولاً: لكي لا ينشغل الكهنة بأمور هذه الحياة، ولا بغناه، بل بما هو لبنيان النفوس لم يكن لهم نصيب في غنائم الحرب ولا في أرض الموعد التي قُسِّمت بالقرعة بين الأسباط. لقد أكَّد الله أنَّه هو نصيبهم وميراثهم.

"لا يكون للكهنة اللآويِّين كل سبط لاوي قسم ولا نصيب مع إسرائيل. يأكلون وقائد الرب ونصيبه. فلا يكون له نصيب في وسط اخوته. الرب هو نصيبه كما قال له" [1-2].

في العهد القديم لا يكون للكهنة اللآويِّين، كل سبط لاوي، قسم ولا نصيب مع إسرائيل في الأرض التي وُزِّعت على الأسباط. أمَّا في العهد الجديد فالكنيسة كلَّها، كهنة وشعبًا، يشعرون أن نصيبهم هو الرب نفسه؛ موضعهم هو الأرض الجديدة، كنعان السماويَّة.

يأكل الكهنة "وقائد الرب" [1]. جاءت الترجمة الحرفيَّة "نيران يهوة" ويقصد بها هنا ما جاء في سفر العدد: "هكذا يكون لك من قدس الأقداس من النار كل قرابينهم مع كل تقدماتهم وكل ذبائح خطاياهم وكل ذبائح آثامهم التي يردِّدونها لي" (عد 18: 9). أمَّا في العهد الجديد فصار من حق كل المؤمنين لا أن يأكلوا وقائد ناريَّة، بل يسكن فيهم الروح الناري، ويحوِّلهم إلى وقائد وذبائح ناريَّة. يصيرون كخدَّام الله الملتهبين نارًا، يسكن فيهم كما في وسطهم الله، النار الآكلة.

يأكل الكهنة نصيب الرب من عشورٍ وبكورٍ ونذورٍ، وفي العهد الجديد يقدِّم الرب نفسه لهم ليكون نصيبهم، يتناولون جسده ودمه المبذولين حبًا عن البشريَّة كلها. الرب الذي هو روح هو نصيبهم، لكن إذ لهم أجسادهم هبة من الله لا يتركها جائعة، بل يلتزم أن يُشبعها، يقدِّم لهم نصيبه نصيبًا لهم.

يردّد كل مؤمن حقيقي مع المرتِّل: "الرب هو نصيب ميراثي وكأسي، أنت الذي ترد لي ميراثي" (مز 16: 5)، "صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر" (مز 73: 26).

يشتاق الجسد أن يقتني كل العالم ويحتويه، بينما لن تشبع النفس إلاَّ من الله خالقها. هو وحده يملأ كل فراغ فيها، ويهبها كل شبعٍ وفرحٍ وسلامٍ. بامتلاكها للرب إلهها تقتني كل شيء، فتردِّد مع الرسول: "كفقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء" (2 كو 6: 10)، "إن كل شيء لكم" (2 كو 3: 21-22).

ثانيًا: لم يترك الله للشعب حرِّيَّة العطاء للكهنة حسب كرمهم، إنَّما وضع شريعة تحدِّد نصيبهم.

"وهذا يكون حق الكهنة من الشعب من الذين يذبحون الذبائح بقرًا كانت أو غنمًا. يعطون الكاهن الساعد والفكِّين والكِرش. وتعطيه أول حنطتك وخمرك وزيتك وأول جزاز غنمك. لأن الرب إلهك قد اختاره من جميع أسباطك لكي يقف ليخدم باسم الرب هو وبنوه كل الأيَّام" [3-5].

يرى كل من يوسيفوس[207] وفيلون[208] والتلمود أن ما ورد هنا [3] لا يقصد به الذبائح في هيكل الرب، وإنَّما ذبح الحيوانات في البيوت للاستعمال الخاص.

أ. في سفر اللآويِّين (7: 32-34) أُعطي للكهنة الحق في الصدر والساق اليمنى، هنا يضيف الفكِّين والكِرش. كان أفضل نصيب من الذبيحة يُقدَّم لله على المذبح الناري، وما هو أقل يُقدَّم للكهنة واللآويِّين، ويكتفي مقدِّم الذبيحة بما تبقَّى. هذا مع استثناء ذبيحة المحرقة فإنَّها تقدَّم بأكملها لله.

كانت مشاعر المتعبِّدين أن الله ساكن في وسط شعبه الذي وهبهم أرض الموعد فصارت ملكًا لهم، وهم يفضِّلونه، فيقدِّمون له أفضل ما لديهم، أمَّا كهنته واللآويون فهم ممثِّلون له، لهذا كان المتعبِّدون يفرحون وهم يقدِّمون من أفضل ما لديهم.

ما هو نصيب المسيحي الحقيقي ككاهنٍ للرب:

·    الساعد: يشير إلى الله الذي يسند ساعد المؤمن للعمل لحساب ملكوت الله.

·        الفكِّين: تشيران إلى تقديس الكلمات الصادرة من الفم. يري القدِّيس جيروم أن "بيت فاجي" تعني "بيت الفك"، وتحمل رمزًا لبيت الاعتراف (بالفم)، فإن هذا البيت ينتمي للكهنة.

-     كانت العادة أن يُعطى الفك للكهنة. قد يسأل أحد: لماذا يتسلَّم الكاهن وحده الفك Siagona؟... إنَّه جزء من العمل الكهنوتي أن يكون قادرًا علي تعليم الشعب، إذ يقول النبي: "اسأل الكهنة عن الشريعة" (حجي 2: 12). إنَّه من واجب الكهنة أن يجيبوا الأسئلة علي الشريعة، وبالتالي ينالون قوَّة التعبير التي يُرمز لها بالفك، ومعرفة الكتب المقدَّسة التي يُرمز لها بالصدر.

لا نفع للكلمات حيث لا توجد معرفة.

عندما تستلم الفك والصدر عندئذ تستلم عضلات الساعد، التي هي رمز للأعمال[209]. فإنَّه لن تستفيد شيئًا إن كان لديك إمكانيَّة الكلمات والحديث بسهولة، ولا تكون لك معرفة، ما لم تترجم هذه إلي أعمال[210].

القدِّيس جيروم

·      الكرش: تكريس الأعماق الداخليَّة الخفيَّة لحساب الرب.

·       أول الحنطة: له نصيب في الخبز النازل من السماء.

ب. بكور الفواكه التي تظهر في مواسمها ولا يمكن حفظها لزمن طويل، يبدو إنَّها كانت تُقدَّم للكهنة الذين يعيشون في وسطهم للعمل الرعوي في المدن.

يقدِّمون كل احتياجات الكهنة اللآويِّين العاملين في الهيكل. يقدِّمون لهم بكور الحنطة والخمر والزيت للطعام، وجزاز الغنم للبس. ويقدِّم الكهنة اللآويون من هذه البكور والنذور والتقدمات احتياجات الفقراء والمعوزين.

ثالثًا:
إن كان الله قد التزم بتقديم نصيبه لخدَّامه، فيليق بخدَّامه ألاَّ ينشغلوا بنصيبهم بل يقفوا ويخدموا باسمه هم وأبناؤهم كل الأيَّام. تُمتص كل أفكارهم في الشهادة للرب أمام الشعب، وتدريب أبنائهم على الخدمة.

رابعًا: يرى البعض[211] أن كلمة "ذبائح" [3] لا تعني فقط الذبائح الحيوانيَّة التي تقدَّم للرب بل كل ما يُذبح للاستعمال العام. وكأن للكهنة نصيب في كل ما يُذبح حتى وإن كانت ذبائح في المدن للطعام وليس كتقدمة للرب. فالكهنة يشاركون الشعب في طعامهم اليومي.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 18 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 18 جـ2 PDF Print Email


خامسًا: ينال اللآوي بجوار نصيبه "ما يبيعه عن آبائه" [8]. فإن كان اللآويُّون ليس لهم حق الميراث من أرض الموعد التي قسِّمت على الأسباط بالقرعة، لكن سُمح لهم أن يشتروا بيوتًا وقطعان وحقول كما في حالة أبياثار (1 مل 2: 26؛ إر 32: 7-8).

"وإذا جاء لاوي من أحد أبوابك من جميع إسرائيل حيث هو متغرِّب وجاء بكل رغبة نفسه إلى المكان الذي يختاره الرب" [6].

لقد اختار الله سبط لاوي لخدمة هيكله، لكنَّه لم يجبر أحدًا منهم على الخدمة بل يقول: "وجاء بكل رغبة نفسه إلى المكان الذي يختاره الرب" [6]. الله لا يحطِّم الإرادة البشريَّة لكنَّه يشتاق أن تكون في انسجام مع إرادته، يقدِّسها ويعمل بها.

وخدم باسم الرب إلهك مثل جميع اخوته اللآويِّين الواقفين هناك أمام الرب. يأكلون أقسامًا متساويَّة عدا ما يبيعه عن آبائه" [7-8].

بقوله "وخدم" [7] يؤكِّد الله أن الكهنوت ليس درجة للكرامة لكنَّها فرصة للعمل والخدمة. مشاركة في عمل السيِّد المسيح غاسل أقدام الآخرين. إنَّه يعمل عمل الرب بروح الله القدُّوس، عمل يبدو كأنه مستحيل لكنَّه مملوء عذوبة وكرامة مقدَّسة.

يردِّد كل مؤمن حقيقي مع المرتِّل: "الرب هو نصيب ميراثي وكأسي، أنت الذي ترد لي ميراثي" (مز 16: 5)، "صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر" (مز 73: 26).

يشتاق الجسد أن يقتني كل العالم ويحتويه، بينما لن تشبع النفس إلاَّ من الله خالقها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). هو وحده يملأ كل فراغ فيها، ويهبها كل شبع وفرح وسلام. بامتلاكها للرب إلهها تقتني كل شيء، فتردِّد مع الرسول: "كفقراءٍ ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء" (2 كو 7: 10)، "إن كل شيء لكم" (2 كو 3: 21-22).

كان للآويِّين بيوت، ومع هذا اُعتبروا رُحَّل وغرباء في هذا العالم، إذ لم يكن لهم نصيب في الأراضي التي تورث لأبنائهم.

هنا يؤكِّد الله إنَّه يحب الذين يحبُّون مذبحه المقدَّس. كل اهتمام موجَّه إليهم يحسبه موجَّهًا إليه شخصيًا.

2. لا عائفون ولا سحرة:

إذ يتحدَّث عن الكهنة خدَّام الرب الممثِّلين له، والذين يمثِّلون الشعب أمامه، يحذِّرهم من الالتجاء إلى خدَّام الأوثان أو ما يماثلهم ممَّن يظنُّون إنَّهم يمارسون عملهم الرعوي خلال إجازة الابن أو الابنة في النار خاصة وقت الأزمات لاسترضاء الآلهة (لا 10:18؛ 20: 2-5)، أو العرافة، أو العيافة، أو التفاؤل، أو السحر، أو الرقي (استخدَّام اسم الله في السحر)، أو سؤال الجان، أو التابعة للجان، أو استشارة الموتى.

"متى دخلت الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تتعلّم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم. لا يوجد فيك من يُجيز ابنه أو ابنته في النار، ولا من يعرف عِرافة، ولا عائف، ولا متفائل، ولا ساحر، ولا من يرقي رقية، ولا من يسأل جانًا، أو تابعة، ولا من يستشير الموتى" [9-11].


-     القداسة بالنسبة لهم تكمن في تحرُّرهم من العادات الوثنيَّة، لكن الأمر ليس هكذا بالنسبة لنا. يقول الرسول بولس: "لتكون مقدَّسة جسدًا وروحًا" (1 كو 7: 34)[212].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

اشتهر كل من قدماء المصريِّين والكلدانيِّين بفنون السحر، وقد مارس الكنعانيُّون السحر (1 صم 28: 7-10). وكانت الشعوب تتطلَّع إليه بكونه يحمل نوعين: سحر صالح يُستخدم في معالجة الأمراض وحلّ المشاكل ومساندة القادة على أخذ قرارات مصيريَّة الخ، وسحر شرِّير غايته الإضرار بالآخرين كأن تسكنهم الشيَّاطين أو تصيبهم أمراض أو يفقدون سلامهم الخ. وقد جاءت الشريعة الموسويَّة لتؤكِّد أن كل أنواع السحر مهما كانت وسائلها أو أهدافها شرِّيرة واعتبرتها دنسًا ورجسًا.

أراد الله أن يحصِّن شعبه من العبادة الوثنيَّة وكل رجاساتها وعاداتها وخدَّامها. إذ كانوا في خطر الالتجاء إلى كل أنواع السحر وما يشبهه، والالتجاء إلى الشيطان لتحقيق شهواتهم حتى إنَّهم كانوا يقدِّمون أبناءهم وبناتهم ذبائح بشريَّة لملوك الإله الممثِّل للشمس (لا 18: 21). يخشى لئلاَّ يلجأوا إلى الشيطان واتِّباعه في معرفة المستقبل والاستشارة في تحرُّكاتهم وتصرُّفاتهم عِوض الالتجاء إلى الله خلال خدَّامه. لقد وهبهم الله الأرض المقدَّسة لكي تكون لهم شركة معه لا مع عدو الخير.

يورد موسى النبي هنا تسعة تعبيرات عن استخدَّام التنبُّؤ بالمستقبل عن طريق السحر. ربَّما لم تعد هذه الأنواع موجودة الآن كما هي لكن للأسف يوجد ما يشبهها، بل وأشر منها حيث انتشرت حركة "عبادة الشيطان" وما يتبعها من الدعوى بالتنبُّؤ بالمستقبل بوسائل كثيرة.

من الصعب التمييز بين الأصناف التي ذكرها موسى النبي عن أنواع السحر والعرافة في أيَّامه، إذ تختلف في التعبيرات عما يُستخدم حاليًا في ذات المجال.

غالبًا ما يقصد بالعرافة معرفة الإرادة الإلهيَّة خلال تصويب الأسهم كما جاء في (حز 21: 21): "لأن ملك بابل قد وقف على أم الطريق على رأس الطريقين ليعرف عرافة، صقل السهام، سأل بالترافيم، نظر إلى الكبد".

ويُقصد بالعيافة قراءة المستقبل عن طريق السحاب وصنع أصوات غريبة.

التفاؤل هو التعرُّف على الأمور المخفيَّة عن طريق قراءة الكأس كما في أيَّام يوسف. يشير نفس التعبير في السريانيَّة إلى التنبُّؤ عن طريق ملاحظة الطيور والنار والمطر وبعض المظاهر الطبيعيَّة.

أمَّا بالنسبة للسحر فتُستخدم أدوية وأعشاب يعتقد البعض أن لها تأثير سحري. يستخدم البعض كلمات سحريَّة، أو يربطون إنسانًا ويعقدون عقدًا سحريَّة.

في هذه الأنواع نرى كيف يُسيء عدو الخير استخدَّام كل شيء. أساء استخدام الطبيعة التي خلقها الله صالحة ومقدَّسة لأجلنا، كما أساء استخدام حتى أكلنا وشربنا مثل قراءة الفنجان، وأساء استخدام جسد الإنسان نفسه مثل قراءة الكف، بل وحتى بالنسبة لاخوته الراقدين فيدعى الإنسان بقدرته على استدعاء ميتٍ يتنبَّأ عن المستقبل.

لا يريد الله أن يخفي إرادته الإلهيَّة عنَّا، ولا يريد أن يجعل من المستقبل أمرًا مجهولاً، لهذا فقد أعلن عن إرادته بطرق كثيرة حتى جاء كلمة الله نفسه، الابن الوحيد الجنس ليتحدَّث معنا وجهًا لوجه (عب 1: 1). لكن للأسف كثيرًا ما يفضِّل الإنسان الطرق الخاطئة والمضلِّلة من كل أنواع السحر والعرافة عن الاستماع لصوت الرب نفسه.

خلق الله الإنسان كائنًا يتطلَّع إلى المستقبل، فالحيوانات يمكنها أن تشبع اليوم ولا تفكِّر في الغد، أمَّا الإنسان فبطبعه يميل إلى الغد. هذا الاشتياق يلهب في قلب المؤمن رغبة حارة ولهيبًا متَّقدًا نحو معرفة الحياة العتيدة. إنَّه يتوق أن ينطلق ليرى الله ويرتمي في أحضانه، ويتعرَّف على السمائيِّين ويشاركهم تسابيحهم، ويلتقي برجال الله منذ آدم حتى آخر الدهور. أمَّا وقد فسد القلب تحوَّلت هذه الرغبة إلى حالة قلق واضطراب نحو المستقبل في هذا العالم. هذا ما يدفعه أحيانًا إلى الالتجاء إلى السحر والعرافة.

لماذا يرفض الله التنبُّؤ خلال السحر وما يشبهه؟

أولاً: يضلِّل الشيطان البشريَّة بإحدى وسيلتين تبدوان كأنَّهما متناقضتان. إمَّا أنَّه يحث الإنسان على إنكار عالم الأرواح، إنكار وجود الله نفسه وملائكته والشيطان وخلود النفس البشريَّة، بهذا يحطِّم رجاء الإنسان في الأبديَّة. وأمَّا السلاح الآخر الذي يبدو معارضًا للأول وهو مع عدم إنكار وجود الله والأرواح المقدَّسة والشيَّاطين إلاَّ أن العدو يوحي للبشر أنَّه صاحب سلطان، يعطي بفيض ما لا يعطيه الله. أذكر في حديثي مع أحد الشبان وقد بدأ يرتبط بعبادة الشيطان أنَّه قال لي: "لماذا لا أعبد الشيطان وهو يعطيني كل ما أطلبه؟" إنَّها ذات التجربة التي أراد العدو أن يجرِّب بها السيِّد المسيح، إذ "أخذه أيضًا إبليس إلى جبلٍ عالٍ جدًا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي" (مت 4: 9).

ثانيًا: الالتصاق بأعمال الشيطان يفقد الإنسان قدسيَّته، إذ يمارس الرجاسة مثل سائر الأمم [9]. الله نور، من يسلك فيه يتمتَّع بالنور والحق، ومن يشترك في أعمال إبليس إنَّما يسير في الظلمة ويرتبط بالباطل.

ثالثًا: أعمال إبليس تفقد الإنسان لطفه ورقَّته، فيحمل نوعًا من القسوة أو العنف حتى بالنسبة لأولاده، فيقدِّم أحيانًا أبناءه ذبائح بشريَّة.

يقدِم لهم الأسباب التي تمنع الالتجاء إلى الشيطان واتباعه:

أولاً: هذه التصرُّفات هي رجس عند الرب، مكروهة لديه. "لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب" [12]. إذ من يحب الله لا يطيق أعمال الشيطان الرجسة والمكروهة لدى الرب.

ثانيًا: طردت هذه الأعمال الأمم من كنعان، إذ يقول: "وبسبب هذه الأرجاس الرب إلهك طاردهم من أمامك" [12]. فإن مارس الشعب ما قد مارسته الأمم يكون نصيبهم كنصيب الأمم المطرودين أمامهم.

ثالثًا: يشتهي الله أن يميِّزهم عن الأمم فيكونوا كاملين في عينيه في كل شيء.

"تكون كاملاً لدى الرب إلهك. إن هؤلاء الأمم الذين تخلفهم يسمعون للعائفين والعرَّافين، وأمَّا أنت فلم يسمح لك الرب إلهك هكذا" [13-14].

بنفس الروح يقول الرسول بولس: "فأقول هذا وأشهد في الرب أن لا تسلكوا فيما بعد كما يسلك سائر الأمم أيضًا بُبطل ذهنهم، وأمَّا أنتم فلم تتعلَّموا المسيح هكذا" (أف 4: 17، 20). يقول أيضًا مع برنابا الرسول: "الذي في الأجيال الماضية ترك جميع الأمم يسلكون في طرقهم" (أع 14: 16). لقد ترك الأمم في طرقهم الرديئة فحطَّموا أنفسهم، أمَّا شعب الله فيسلك في طريق الرب.

غاية منعنا من هذه الطرق الخاطئة هي شوق الله إلى كمالنا: "تكون كاملاً لدى الرب إلهك" [13]. إنَّه لا يطلب حرماننا من شيء بل يطلب شبعنا به وكمالنا فيه.

اعتمد أتباع بيلاجيوس على الآية [13] في إمكانيَّة الإنسان أن يصير كاملاً بذاته، قائلين أمَّا إن السامعين قادرين على تنفيذ ذلك أو يكون الخطأ ممَّن وضع وصيَّة مستحيل تنفيذها[213]. وقد أجاب القدِّيس جيروم على ذلك قائلاً بأن هذا ما يطلبه الله للجهاد من أجله لكن حتى رسل المسيح أنفسهم لم يكونوا كاملين بعد.

يدعونا الله إلى الكمال، أو إلى النمو الدائم في الحياة الكاملة، لكن يليق بنا أن نميِّز بين الكمال الإلهي المطلق والكمال عمد الإنسان.

-     كما أن نهاية الحياة هي بداية الموت، هكذا التوقُّف في سباق الفضيلة علامة بداية السباق في الشر[214].

-     ما يحمل علامات الحدود فهو ليس بفضيلة[215].

-     من يسعى نحو الفضيلة الحقيقيَّة لا يشترك إلاَّ في الله، الذي هو نفسه الفضيلة المطلقة[216].

-     كما قلت ليس للكمال حدود، حدود الفضيلة هي غياب للحدود. كيف يمكن لشخص أن يبلغ طلب الحدود حيث لا يمكن أن توجد حدود[217].

-     لا يتجاهل أحد أمر الرب القائل: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (مت 5: 48). فإنَّه في حالة الأمور الصالحة بطبيعتها، فإنَّه وإن كان البشر يدركون عجزهم عن بلوغ كل شيء، لكن ببلوغهم جزء منها ينالون كرامة عظيمة[218].

-     يليق بنا أن نظهر اجتهادًا عظيمًا ألاَّ نسقط من الكمال الذي يمكن بلوغه بل نطلبه قدر المستطاع. إلى هذا الحد لنتقدَّم في هذا الأمر الذي نسعى فيه. فإن كمال الطبيعة البشريَّة يكمن ربَّما في ذات النمو في الصلاح[219].

القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص

3. النبي المنتظر:

في كل العصور لأعمال السحر والعرافة وكل أنواع التنبُّؤ جاذبيَّتها الخاصة حتى يومنا هذا، وفي أكثر البلاد تقدُّمًا ومعرفة، لهذا كان لابد من تقديم عمل فائق يشبع احتياجات الإنسان ويكشف عن أسرار المستقبل. لهذا أعلن موسى النبي في خطابه الوداعي عن مجيء السيِّد المسيح الذي وحده يحمل النفس كما إلى السماء لترى الأبواب مفتوحة، وتجد لها موضعًا في حضن الآب. بهذا تستقر النفس وتستريح، وتنتظر في رجاء يوم الرب العظيم حيث يتمتَّع الإنسان بكليَّته بالشركة في المجد الأبدي. وكأنَّه يليق بالمؤمن في العهد القديم أن يكرِّسوا طاقاتهم لمعرفة المستقبل نحو رؤية مجيء المسيا مخلِّص العالم؛ وبمؤمني العهد الجديد بانتظار مجيئه ليحملهم إلى مجده.

جاء "كلمة الله" الذي هو "حكمة الله" لنقتنيه، فنرى المستقبل واضحًا، بل نذوق عربونه بروح الفرح والتهليل.

مع عظمة شخصيَّة موسى النبي الذي احتمل الشعب قرابة أربعين عامًا، ذاق فيها الكثير من غلاظة قلوبهم، حمل قلبًا كبيرًا يتَّسع لكل الشعب، وقد أعطاه الرب صنع الآيات والعجائب بصورة لم يكن ممكنًا ألاَّ يتوقَّع الشعب قيام نبي مثله. لقد وجَّه موسى النبي أنظار الشعب إلى مجيء السيِّد المسيح من وسطهم، وكان من الصعب أن يدرك كمال شخصيَّته، وإن أدركها يصعب أن يقدِّمها للشعب.

"يُقيم الرب إلهك نبيًا من وسطك من اخوتك مثلي، له تسمعون" [15].

هنا وعد بمجيء "النبي". كاد الشعب أن يعبد موسى النبي بعد موته، لذلك أخفى ميخائيل رئيس الملائكة جسده، وصارع مع إبليس الذي أراد إظهاره لينحرف الشعب عن عبادة الله إلى عبادة موسى. فلو قال موسى أن القادم أعظم منه لظنُّوا وجود إلهين، إذ لم يكن ممكنًا لهم إدراك الأقانيم الإلهيَّة، لهذا قال: "مثلي". بتجسُّده صار إنسانًا، فصار مثله.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 18 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 18 جـ3 PDF Print Email

أولاً: يقول "من وسطك"، أي من وسط إسرائيل وليس من أمة أخرى كما يحاول البعض ادعاء ذلك. أكَّد السيِّد المسيح ذلك بقوله للسامريَّة: "لأن الخلاص هو من اليهود" (يو 4: 22). ويقول القدِّيس يوحنا: "جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله" (يو 1: 11).

تحدَّث بطرس الرسول مع جمع اليهود بعد العنصرة عن شخص المسيح، قائلاُ:

"ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل. الذي ينبغي أيضًا أن السماء تقبله إلى أزمنة ردّ كل شيء التي تكلَّم عنها الله بفم جميع أنبيائه القدِّيسين منذ الدهر. فإن موسى قال للآباء إن نبيًا مثلي سيُقيم لكم الرب إلهكم من اخوتكم. له تسمعون في كل ما يكلِّمكم به. ويكون أن كل نفسٍ لا تسمع لذلك النبي تُباد من الشعب. وجميع الأنبياء أيضًا من صموئيل فما بعده جميع الذين تكلَّموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيَّام" (أع 3: 20-24).

وفي خطاب رئيس الشمامسة إسطفانوس الوداعي عن شخص المسيح قال: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل نبيًا مثلي سيُقيم لكم الرب إلهكم من اخوتكم له تسمعون" (أع 7: 37). ويقول الإنجيلي يوحنا: "فلمَّا رأى الناس الآية التي صنعها يسوع (إشباع الجموع) قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم" (يو 6: 14).

ثانيًا: بقوله "نبيًا من وسطك" ميَّزه عن بقيَّة الأنبياء، إذ وُجد في كل العصور أنبياء كثيرون. هنا يقصد "النبي" الذي وحده يستطيع القول: "أنا هو نور العالم" (يو 8: 22)، الكلمة الذي به تكلَّم الآب معنا (يو 1: 1؛ عب 1: 2).

ثالثًا: يقول: "مثلي"، فإنَّه وإن كان رب الأنبياء لكنَّه صار مثل موسى.

·        كان موسى يتحدَّث مع الله بطريقة فائقة، إذ قيل عنه: "إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له، في الحلم أكلِّمه، أمَّا عبدي موسى فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي. فمًا إلى فم وعيانًا أتكلَّم معه لا بالألغاز، وشبه الرب يعاين" (عد  12: 6-8). "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه" (تث 34: 10). أمَّا بالنسبة ليسوع المسيح، ابن الله وكلمته، فإنَّه في الآب والآب فيه (يو 14: 10). إدراكه لإرادة الآب كاملة (يو 5: 20-21).

·        موسى مقدِّم الشريعة لإسرائيل ومخلِّصهم من عبوديَّة فرعون، والمسيح هو معلِّم البشريَّة ومخلِّص العالم من عبوديَّة إبليس.

·        موسى مؤسِّس التدبير الجديد للشعب بآيات وعجائب فائقة، والمسيح جاء إلى العالم ليُقيم العهد الجديد بقوَّته الإلهيَّة الفائقة.

·        كان موسى أمينًا لكن كعبدٍ (عد 12: 7)، وأمَّا المسيح فهو الابن الوحيد الجنس. "موسى كان أمينًا في كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلَّم به، وأمَّا المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسُّكنا بثقة الرجاء وأفكاره ثابتة إلى النهاية" (عب 3: 5-6).

·        قام موسى وسيطًا بين الله وشعبه كما رأينا في (تث 5: 5)، أمَّا السيِّد المسيح فهو الوسيط الذي وهو واحد مع الآب في ذات الجوهر حملنا أعضاء في جسده، وصالحنا مع أبيه. "لأنَّه يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح، الذي بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (1 تي 2: 6-7). لكن شتَّان ما ين الوساطتين، الأول وسيط لنوال العهد الإلهي خلال خدمة الظلال وشبه السمويَّات، أمَّا الثاني فدخل بنا إلى السماء عينها. وكما يقول الرسول بولس: "الذين يخدمون شبه السمويَّات وظلِّها، كما أوحى إلى موسى وهو مزمع أن يصنع المسكن، لأنَّه قال اُنظر أن تصنع كل شيء حسب المثال الذي أُظهر لك في الجبل، ولكنَّه الآن قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط أيضًا لعهدٍ أعظم فقد تثبَّت على مواعيدٍ أفضل" (عب 8: 5-6).

·        امتاز موسى النبي عن بقيَّة الأنبياء إنَّه تحدَّث مع الله فمًا لفمٍ (عد 12: 6-8)، أمَّا المسيح فهو في حضن الآب نزل إلى السماء يخبرنا عن الآب (يو 1: 18؛ 3: 13).

·        موسى النبي صنع آيات وعجائب فائقة باسم الرب، أمَّا المسيح فصنع آيات كثيرة بأمرٍ منه، يشهد القدِّيس يوحنا عن العجز عن حصر أعمال المسيح خاتمًا إنجيله بالقول: "وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25).

·        قام موسى النبي بدور الملك والقائد، وجاء المسيح ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ 19: 16؛ 1 تي 6: 16).

·        لم يوجد في تاريخ البشريَّة كلَّها من قدَّم الشريعة الإلهيَّة سوى موسى النبي والسيِّد المسيح. تسلَّم موسى الشريعة حينما اضطرب الشعب وخافوا بسبب النار والجبل الذي يُدخِّن، أمَّا السيِّد المسيح فجاء يهب نعمة فوق نعمة، مقدِّمًا الحق والنعمة معًا (يو 1: 14).

رابعًا: يقول: "واجعل كلامي في فمه، فيكلِّمكم بكل ما أوصيه به" [18]. مع أن السيِّد المسيح هو بعينه كلمة الله، لكنَّه إذ تجسَّد خضع بالطاعة ليتمِّم إرادة أبيه عنَّا، التي هي واحدة مع إرادته. لهذا لا نعجب إنَّه إذ قالوا: "كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلَّم؟ أجابهم يسوع وقال: تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني. إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلَّم أنا من نفسي؟ من يتكلَّم من نفسه يطلب مجد نفسه، وأمَّا من يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم" (يو 7: 15-18). إذن قد تحقَّق هذا الوعد العظيم وجاء "النبي"، يسوع المسيح العظيم مخلِّص العالم!

لا يمكن أن تنطبق العبارات التي نطق بها العظيم في الأنبياء إلاَّ على شخص السيِّد المسيح، إذ قيل عنه إنَّه مثله، وقد قيل عن موسى: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهًا لوجه، في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها في أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه، وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل" (تث 34: 10-12). فإن كان لم يقم نبي مثل موسى ولا يقوم فكيف يقيم الله نبيًا مثله، إلاَّ بمجيء ذاك الذي هو ربُّه وصار مثله؟!

يقدِّم تحذيرًا من الأنبياء الكذبة، فبعد مجيء المسيح أيضًا يأتي أنبياء كذبة، ويطالبنا بعدم الخوف من النبي الكذَّاب [20-22].

-     يتحدَّث موسى النبي عن المسيح قائلاُ: "يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من اخوتك مثلي، له تسمعون" [15]. لهذا فمن لا يطيعه يعصى الناموس[220].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

-     توقَّعوا إنَّه سيأتي نبي خاص إذ يقول موسى هذا هو المسيح، لذلك لم يقولوا (ليوحنا): "أأنت نبي؟" قاصدين بهذا إنَّه واحد من بين الأنبياء العاديِّين بل جاء التعبير: "ألنبيْ أنت؟!" (يو 1: 21). بإضافة أداة التعريف، قاصدين بذلك: "هل أنت هو النبي الذي سبق فأخبرنا عنه موسى؟" لهذا لم ينكر إنَّه نبي إنَّما رفض أن يدعى "ذاك النبي!" [221].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

-     إنَّه يشبهه، بمعنى من جهة الجسد، وليس من جهة سموّ العظمة. لذلك دعي الرب يسوع "النبي"[222].

القدِّيس أغسطينوس

"حسب كل ما طلبت من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً: لا أعود اسمع صوت الرب إلهي، ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلاَّ أموت. قال لي الرب: قد احسنوا فيما تكلَّموا. أقيم لهم نبيًّا من وسط اخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه فيكلِّمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلَّم به باسمي أنا أطالبه. وأمَّا النبي الذي يطغي فيتكلَّم باسمي كلامًا لم أوصه أن يتكلَّم به أو الذي يتكلَّ باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي. وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلَّم به الرب. فما تكلَّم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلَّم به الرب بل بطغيان تكلَّم به النبي فلا تخف منه" [16-22].

يريد الله أن يلتقي مع كل إنسان شخصيًا ويتحدَّث معه وجهًا لوجه، لكن الإنسان عاجز عن هذا اللقاء، إذ لا يقدر أحد أن يتطلَّع إلى بهاء مجد الله ويعيش. لقد صرخ: "لا أعود اسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضًا لئلاَّ أموت"، لهذا كان لابد أن يتحقَّق الإعلان الإلهي للبشر خلال إنسان. لهذا تحدَّث الله مع موسى النبي على جبل سيناء وسط النار من أجل كل الشعب.

هكذا أرسل الله من جيل إلى جيل نبيًا أو أكثر يتحدَّث الله إليه لحساب شعبه حتى يتجسَّد كلمة الله نفسه الذي يظهر كنبيٍ على مثال موسى، وهو رب الأنبياء. عندئذ يستطيع الإنسان أن يلتقي مع الله، ويتحدَّث معه.

كان العالم في حاجة إلى الإعلان الإلهي ليس خلال المسيح فحسب، بل وفيه، لقد تحدَّث مع الجماهير كواحدٍ منهم، ولم يُعلن مجده إلاَّ لقلَّة "بطرس ويعقوب ويوحنا" على جبل تابور في تجلِّيه، وأحضر موسى وإيليا ليشهدا له كممثِّلين للناموس والأنبياء.


من وحيّ تثنيَّة 18
خدَّام الله وخدَّام الشيطان

-     في يديك مفاتيح قلبي.

لتفتح ولتدخل ولتُقم في أعماقي.

ليدخل معك خدَّامك الحقيقيُّون.

يعلنون كلمتك ويختفون في وصيَّتك.

يجدون راحتهم في ملكوتك القائم فيَّ!

-     لتغلق أبواب قلبي بمفاتيح الحق.

فلا يدخل نبي كاذب ولا تتسلَّل رجاسة!

لن أسأل آخر غيرك.

ليس للشيطان وملائكته موضع في داخلي!

-     طال انتظار المؤمنين لمجيئك.

انتظرك آدم ومعه حواء،

وترقب الآباء والأنبياء مجيئك!

أخيرًا أتيت إلى عالمنا.

حوَّلت أرضنا إلى سماء.

قدَّمت دمك كفَّارة عن العالم كلُّه!

نعم لتدخل إلى عالم قلبي الداخلي.

ولتُعلن حلولك في أعماقي!

طال انتظاري لك يا مخلِّص نفسي!



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 18 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

مدن الملجأ والشاهد الكاذب

إن كان يليق بشعب الله أن يترجموا حياتهم الدينيَّة إلى سلوك لائق في كل العلاقات الاجتماعيَّة والمعاملات المدنيَّة والجنائيَّة، فإنَّهم كشعبٍ مبتدئٍ في الحياة الروحيَّة احتاجوا إلى شريعة تفصيليَّة تحكم سلوكهم ومعاملاتهم.

أشار في الأصحاح السابق إلى مجيء "النبي" المنتظر الذي له نسمع، فنتمتَّع بالخلاص. الآن يقدِّم لنا صورة رمزيَّة لهذا الخلاص المسياني، وهو إقامة مدن الملجأ، التي يلجأ إليها كل قاتلٍ ارتكب القتل خطأ بغير إرادته.

هذا العدل الجزائي البدائي بعيد كل البعد عن القتل المتعمِّد، والغرض منه أن يمنعه فهو لا يكسر الوصيَّة السادسة بل بالأحرى يحفظها.

تحدَّث أيضًا عن احترام حقوق اللآخرين، سواء بالنسبة لممتلكاتهم أو لنفوسهم. فلا يجوز للإنسان أن ينقل تخومه ليستولى على أرض ليست من حقّه. ولا يليق به أن يشهد كذبًا على إنسان بريء.

1. مدن الملجأ              [1-13].

2. نقل التُخُم                [14].

3. شهادة الزور             [15-31].

1. مدن الملجأ:


"متى قرض الرب إلهك الأمم الذين الرب إلهك يعطيك أرضهم وورثتهم وسكنت مدنهم وبيوتهم، تفرز لنفسك ثلاث مدن في وسط أرضك التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها. تصلح الطريق وتثلث تخوم أرضك التي يقسم لك الرب إلهك، فتكون لكي يهرب إليها كل قاتل. وهذا هو حكم القاتل الذي يهرب إلى هناك فيحيا، من ضرب صاحبه بغير علمٍ وهو غير مبغضٍ له منذ أمس وما قبله. ومن ذهب مع صاحبه في الوعر ليحتطب حطبا فاندفعت يده بالفأس ليقطع الحطب وافلت الحديد من الخشب وأصاب صاحبه فمات، فهو يهرب إلى إحدى تلك المدن فيحيا. لئلاَّ يسعى وليّ الدم وراء القاتل حين يحمى قلبه ويدركه إذا طال الطريق ويقتله وليس عليه حكم الموت لأنَّه غير مبغضٍ له منذ أمس وما قبله. لأجل ذلك أنا آمرك قائلاً: ثلاث مدن تفرز لنفسك. وإن وسَّع الرب إلهك تخومك كما حلف لآبائك أعطاك جميع الأرض التي قال أنَّه يعطي لآبائك. إذا حفظت كل هذه الوصايا لتعملها كما أنا أوصيك اليوم لتحب الرب إلهك وتسلك في طرقه كل الأيَّام فزد لنفسك أيضًا ثلاث مدن على هذه الثلاث. حتى لا يسفك دم بريء في وسط أرضك التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فيكون عليك دم" [1-10].

ليس كل قتل هو جريمة، إنَّما يجب دراسة كل حالة على حدة، فقد ميَّزت الشريعة بين نوعين من القتل:

أ. القتل خطأ: [4-6]: يمكن للقاتل أن ينجو من الانتقام منه بالهروب إلى إحدى مدن الملجأ (عد 35: 9-34).

ب. القتل عمدًا: يجوز للولي أن ينتقم من القاتل [11-13].

أحد الأوامر التي قدِّمت لأبناء نوح أن من يسفك دم إنسان يُسفك دمه انتقامًا للدم (تك 9: 6). الآن استقرَّت هذه الشريعة. لكن ماذا إن سُفك دم خطأ وليس عن قصد. لهذا أمر الله بإقامة مدن الملجأ، كما سبق فرأينا في دراستنا لسفر الخروج (21: 13)، وسفر العدد (35: 10) الخ. لقد عالج سفر العدد هذا الأمر بالتفصيل، غير أنَّه إذ كان الشعب على وشك الدخول إلى أرض الموعد قدَّم لهم توجيهات عمليَّة لإقامة الثلاث مدن في الضفَّة الشرقيَّة.

أولاً: تحديد ثلاث مدن للملجأ في أرض كنعان، في الضفَّة الغربيَّة، حيث كان موسى قد حدَّد ثلاث مدن في الضفَّة الشرقيَّة [1-3، 7]. تُقسَّم المنطقة كلها إلى ثلاثة أقسام، متساويَّة قدر المستطاع، وتكون مدينة الملجأ مركز كل قسم، حتى يستطيع كل إنسان أينما وُجد أن يجد بالقرب منه مدينة للملجأ. تعتبر مدينة الملجأ أشبه بمكان حفظ يلجأ إليه القاتل حتى تتم محاكمة عادلة، ويُفصل في أمره إن كان قاتلاً عن خطأ أم عن عمد. فمدينة الملجأ هي صون وحماية للبريء وليس للمجرم.

لا نجد تسجيلاً لزيادة هذه المدن التي طلبها موسى، وهذا دليل غير متعمِّد على صحَّة السِفر، فإن أي كاتب متأخِر ما كان يمكن أن يبتدع هذا.

تُشير مدينة الملجأ إلى السيِّد المسيح، مخلِّص العالم، الذي نزل إلى أرضنا ولم يعد بعيدًا عنّا، بل هو قريب إلينا جدًا، لا نبحث عمَّن يصعد إلى السماء لكي ينزله، ولا من يهبط إلى الجحيم لكي يصعده إلينا، بل هو قائم في قلوبنا (رو 10: 8). لقد جاء إنجيلنا بالخلاص وجعله بين أيدينا. أنَّه يقرع على أبوابنا الداخليَّة لعلَّنا نقبله، نفتح له فيدخل عريس نفوسنا ليتعشَّى معنا. جاء مسيحنا إلى أرضنا ليصير حصننا، فيه نتحرَّر من الدينونة (رو 8: 1)، ونخلص من كل جريمة في حماية إلهيَّة فائقة (رو 5: 1، 9-10؛ 8: 31-39). تطلَّع إشعياء النبي إلى هذه المدينة الفريدة فقال: "لنا مدينة قويَّة؛ يجعل الخلاص أسوارًا ومترسة" (إش 26: 1). هذا ما يؤكِّده الرسول بقوله: "آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص" (أع 16: 31).

في القديم كان القاتل يهرب من وجه الولي إلى مدينة ملجأ ليحتمي فيها حتى تتم محاكمته، وإن وجد بريئًا يبقى إلى موت الكاهن. أمَّا في العهد الجديد فإن الولي والقاضي في نفس الوقت هو الرب يسوع، عِوض الانتقام يفتح لنا أحشاءه الإلهيَّة ملجأ لنا فنستريح فيها. ونبقى فيها إلى الأبد، ننعم لا بالبراءة فقط بل وبشركة أمجاده.

إنَّه ليس فقط مدينة الملجأ بل وهو الطريق المفتوح لنا، لذا لاق بنا أن نسرع بروحه القدُّوس وندخل فيه، ولا نؤجِّل، حتى لا يلحق بنا السيف وتهلك نفوسنا.

ثانيًا: أجاب هذا الأصحاح على السؤال التالي: كيف يعرف الهارب مدينة الملجأ؟ نحن نعلم أن كثير من الطرق في القديم كانت تُمهَّد خلال سير الحيوانات التي تحمل الأثقال خاصة القوافل. وهذا وقد كان اليهود في ذلك الحين لا يعرفون الطرق، إذ عاشوا في البريَّة طوال الأربعين عامًا. يلتزم المسئولون أن يهيِّئوا الطرق المؤديَّة إلى مدن الملجأ، فيُزيلوا كل عقبات تعطِّل الانطلاق إليها، كما يلتزمون بإقامة جسور والاهتمام بها للعبور عليها نحو هذه المدن، وعند مفترق الطرق توضع لافتات يُكتب عليها: "ملجأ! ملجأ!" وكان المسئولون ملتزمين بإصلاح هذه الطرق كل عام في شهر أذار. هكذا يليق بخدَّام الكلمة أن يُهيِّئوا الطريق لكل نفس كي تلتقي بالمخلِّص كملجأ لها. يلتزموا بأن يُزيلوا كل عقبة، ليفتحوا باب الرجاء أمامهم ليتمتَّعوا ببرّ المسيح وقداسته عِوض خطاياهم، وعدم الفساد عِوض فسادهم.

كما التزم المسؤولون بتهيئة الطرق في كل مكان نحو مدن الملجأ، هكذا الله في حبُّه هيَّأ للبشريَّة الطريق نحو يسوع المسيح، فأعلن عنه لأبوينا الأوَّلين في أول لقاء معهما بعد سقوطهما، ومهَّد الطريق لمعرفته خلال الآباء الأنبياء والأحداث والشريعة حتى لا يوجد أي عذر لمن يرفض الالتجاء إليه. لقد بعث إلينا بنبوَّات واضحة أشبه بعلامات تشير نحو شخص المخلِّص، مدينة ملجأنا.

كان الهارب ملتزمًا أن يبقى في المدينة حتى موت رئيس الكهنة فيخرج منها (عد 35: 25-29)، ومسيحنا رئيس الكهنة الأعظم مات مرة ليدخل بنا فيه، ولن يموت بل يبقى حيًّا بعد قيامته حتى لا يخرج أحد منه، بل نسكن فيه وهو فينا أبديًّا (يو 15: 4؛ كو 1: 23؛ عب 3: 14؛ 10: 38-39). في اختصار قد وضع أمامنا ملجأ خلاصنا (عب 6: 18).

ثالثًا: كانت خطيَّة القتل لها خطورتها العظمى (أم 28: 17)، وفي العهد الجديد فإن مجرَّد الغضب يدفع بالإنسان إلى نار جهنم. ومع أن السهو يعتبر خطيَّة تقدَّم عنها ذبيحة، إلاَّ أن القتل سهوًا لا يُحسب خطيَّة يُعاقب عليها، وإنَّما يسمح لمرتكبها أن يهرب إلى مدينة الملجأ حتى لا يحق للولي أن ينتقم للدم.

لقد قتل شاول الطرسوسي كثيرين لكنَّه فعل هذا بجهالة لذلك ظهر لهم السيِّد المسيح نفسه وأعلن له الحق، فاشتاق أن يُقتل من أجل اسمه. وغفر أيضًا السيِّد لصالبيه لأنَّهم فعلوا هذا عن عدم معرفة.

رابعًا: جاءت فكرة مدن الملجأ تكشف عن نيَّة الله المترفِّق بشعبه الذي يدخل بالنفوس المؤمنة الهاربة من الدينونة إلى جنبه بالإيمان بدم المسيح. من يهرب من الخطيَّة إلى السيِّد المسيح يجده فاتحًا أبواب محبَّته مدينة ملجأ له.

خامسًا: لا يوجد ملجأ للقتلة عن عمد، أي للمصريِّين على قتل النفوس، والسلوك بروح إبليس السفَّاك. ليس من حق القاتل عمدًا أن يجد رحمة عند القاضي الذي لا يحمل السيف عبثًا، بل للانتقام من سافكي الدم. لا يتمتَّع بالمغفرة من كان مصمِّمًا على الخطيَّة (عب 10: 26).

يخبرنا اليهود أن الطرق المؤديَّة لمدن الملجأ كانت متَّسعة جدًا، حوالي 32 ذراعًا، وكانت دائمًا تحفظ في حالة جيِّدة[223].

سادسًا: يلاحظ أن الشريعة لم تحسب كل مدن اللآويِّين مدن ملجأ، بل اختارت ثلاث مدن في كل ضفَّة لتأكيد أن اللآويين على قدم المساواة مع الشعب، إن أخطأ لاوي وقتل عن غير عمد لن تحميه مدينته، بل يلزمه أن يهرب إلى مدينة ملجأ حتى تتم محاكمته. هذا ما تؤكِّده الشريعة باستمرار أن الكاهن، وإن نال كرامة خدمة الله، لكنَّه يقف مع الشعب أمام الله وتكون دينونته أشد وأقسى بسبب معرفته.

سابعًا: ربَّما يتساءل البعض إن كانت الشريعة الموسويَّة قد أباحت للوليّ أن ينتقم لدم قريبه، فنجيب بأن الشريعة أرادت أن تحد بكل الطرق من الانتقام. ففي القديم، وحتى إلى وقت قريب في بعض بلاد صعيد مصر كما في كثير من البلاد الصحراويَّة، إن قتل إنسان آخر لا تكتفي أسرة القتيل بقتل القاتل، إنَّما يعتدون على كل الأسرة وينتقمون بقتل القاتل وأحيانًا أولاده وأقاربه ويتحوَّل الأمر إلى حرب داخليَّة بين العائلات، قد تمتد إلى عشرات السنوات. كل منهم يتربَّص للانتقام لأسرته بلا ضابط. لهذا جاءت الشريعة لتضع حدًا بالسماح للوليّ وحده أن يقتل القاتل وليس أهل بيته أو أقرباءه.

هكذا جاءت الشريعة هنا تحقِّق الآتي:

أ. ترفع من شأن المؤمنين لكي لا يعيشوا بلا ضابط من جهة الانتقام والآخذ بالثأر.

ب. تأكيد قدسيَّة حياة الإنسان، سواء بالنسبة للقتيل أو القاتل.

ج. لا يوجد إنسان فوق القانون، بل يخضع الكاهن كما الشعب للشريعة.

د. التزام الجماعة المقدَّسة بإقامة محاكمات عادلة وبتأنِّي في غير اندفاعٍ.

سابعًا: الله مالك السماء والأرض وهب شعبه أرض الموعد بكل ما فيها من مدن؛ لكنَّه طلب أن تكون له ثلاث مدن في كل ضفَّة تنسب إليه، أشبه بمدن الله التي يلجأ إليها الطالبون رحمته. كل المدن مدنه وهبها للبشر، لكنَّه يعود فيطلب قليل القليل ليكون مكرَّسًا لعمله الإلهي في حياة البشريَّة.

ليت إلهنا يجد في أعماقنا مدينة ملجأ يقبلها وينسبها إليه، فتتجلَّى محبَّته ونعمته فيها.

ثامنًا:
توضع على مفارق الطرق علامات يُكتب عليها "ملجأ miklot" بخط واضح، حتى متى رآها الهارب لا يقف ليقرأ أو يبحث أو يناقش، إنَّما يسرع نحو المدينة، فإن الوقت بالنسبة له مقصِّر. أنَّه في خطر! ما هذه العلامات إلاَّ الكتاب المقدس الذي يوجِّهنا نحو مخلِّصنا يسوع المسيح. أنَّه ليس وقت للمناقشات الغبية بل للانطلاق بسرعة نحو المخلِّص لنرتمي في أحضانه ونختفي فيه، فلا يقدر العدو أن يلحق بنا ويقتلنا.

إنجيلنا هو العلامات التي تقودنا إلى مدينة الملجأ الفريدة "يسوع المسيح"، وإذ نحن أنفسنا قد صرنا رسالة المسيح المقروءة من جميع الناس لاق بنا كإنجيل مفتوح أن يقرأ الكل فينا كلمة miklot، ويجدون في أعماقنا طريقًا يقود إلى المخلِّص. هذا هو حال الكنيسة الحيَّة. إنَّها علامة تحمل ذات الكلمة، تقود كل نفس في طريق الحق، وتدخل به إلى الملجأ الإلهي، ليتمتَّع بحريَّة مجد أولاد الله، وسلام الله الذي يفوق كل عقل، وفرح السماء الذي لا ينقطع. الكنيسة هي المنارة التي تحمل بهاء المسيح الذي يشرق على النفوس. إنَّها تنادي الجميع: "اهربوا إلى الملجأ، إلى الرجاء الذي يقدِّمه لكم الإنجيل".

يليق بالمؤمنين أن يجاهدوا بروح الحق، لكنَّهم كأعضاء في كنيسة المسيح يدركوا أن حياتهم ليست إلا اختفاء في المسيح يسوع ملجأهم.



السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 19 جـ2 PDF Print Email

حق الالتجاء إلى المذبح:

في أيَّام الإمبراطور قسطنطين ظهر نظام كنسي شبيه بمدن الملجأ، وهو أن يلجأ المتَهم إلى المذبح ويمسك بقرونه، فلا يُقتل حتى تتم محاكمة عادلة له. ففي أيَّام القدِّيس يوحنا الذهبي الفم قاوم أتروبيوس هذا الأمر، وأخذ موقفًا مضادًا من الكنيسة. وحين أُتُّهم بخيانة الإمبراطور وتدبير مؤامرة لقتله التجأ إلى المذبح، وتوقع رجال الشرطة والشعب أن ينتقم منه القدِّيس يوحنا الذهبي الفم بتسليمه خارج الكنيسة كي يُقتل. لكن ذهبي الفم أعلن محبته لمقاوميه. وقد ألقى حديثين عن مفهوم الكنيسة ورسالتها حتى نحو مقاوميها أمام الشعب، معلنًا أن جمال مذبح الله أن يحب الأعداء[224].

وقد تطورت هذه العادة في أوربا، فكان يسمح البعض بحماية المتَهمين إن التجأوا إلى المذبح أو الكنيسة أو أي مكان مقدَّس لمدَّة شهر وأحيانًا لمدَّة ثلاثة أيَّام حتى تتم محاكمتهم. لا يعني هذا حماية المجرمين والقتلة إنما إعطاء فرصة كافيَّة للمحاكمة العادلة، وأيضًا فرصة لتوبة الخاطئين ورجوعهم إلى الله. كما أعطت الفرصة للأساقفة أن يشفعوا في أمر بعض التائبين منهم.

ولكن إذا كان إنسان مبغضًا لصاحبه فكمن له وقام عليه وضربه ضربة قاتلة فمات ثم هرب إلى إحدى تلك المدن. يرسل شيوخ مدينته ويأخذونه من هناك ويدفعونه إلى يد ولي الدم فيموت. لا تشفق عينك عليه، فتنزع دم البري من إسرائيل فيكون لك خير" [11-13].

حرصت الشريعة على حماية أصحاب القلوب النقيَّة والنيَّة الطاهرة، وبغير عمد تسببوا في قتل آخرين فبنت لهم مدن الملجأ. وفي نفس الوقت رفضت الشريعة الإلهيَّة حماية أصحاب القلوب الشرِّيرة، الذين يحملون بغضة وكراهيَّة لاخوتهم ويقومون بقتلهم، فإن مدن الملجأ لم تُبنَ لأمثالهم. إن هربوا إليها يسحبون منها ويُقتلون.

إنها صورة مُرّة لبعض الأشرار الذين يخفون قلوبهم الذئبية البغيضة برداء التدين، الذي يلزم أن يُشق الثوب تمامًا ويُفضح الشرِّير وينال ثمرة شره، ما دام لم يتب.

لا توجد مدينة ملجأ للقلوب البغيضة، فإن مسيحنا كلي الحب يفتح أبواب قلبه لمن يود أن يعيش بالحب، أمَّا من يحمل كراهيَّة فليس له موضع فيه. مسيحنا مدينة ملجأ لمن يغتسل من جرائمه في دمه، فبالرحمة الإلهيَّة الملتحمة بالعدل يستقر المؤمن في المسيح ويتمجد معه إلى الأبد. أنَّه يحتضن الخطاة التائبين، المعترفين بخطاياهم، والذين يتبرَّرون بالإيمان.

2. نقل التُخُم:

اهتم سفر التثنيَّة بالأرض التي يرثها شعب الله، فنجده بعد تأكيده: "تنزع دم البريء من إسرائيل فيكون لك الخير" [13]، يكمل الحديث: "لا تنقل تخم صاحبك الذي نصبه الأولون في نصيبك الذي تناله في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لكي تمتلكها" [14]. وكأن نقل علامات حدود الأرض لاغتصاب جزء من نصيب الغير لا يقل خطورة عن سفك دم بريء. سرّ هذا ما حملته أرض الموعد من رمز للحياة السماويَّة الموعود بها، وكأن من يسفك دم برئ ليس بأقل من أن يفقد آخر نصيبه الأبدي أو خلاص نفسه خلال العثرة.

موضوع الأرض التي ينالها كل سبط كميراثٍ دائمٍ له تمثل بالنسبة له حياة أو موت، فمن يحرك العلامات التي تحدِّد أرضه ليغتصب جزء من أرض أخيه يكون كمن قد اغتصب منه بركة الرب التي هي حياته، أو كمن اغتصب ميراث العهد [14].

بالقرعة نال كل سبط نصيبه من الأرض، وأيضًا كل عشيرة. إرادة الله أن يدرك كل إنسان غنى نعمة الله عليه دون طمع فيما ليس له، فليس من حق أي شخص أن يعتدي على ما للآخرين.

يعطينا الله درسًا هامًا، وهو أن يدرك كل إنسان حدوده وممتلكاته، محترمًا حقوق الغير وممتلكاتهم. نقل التخم عمل فيه عدم أمانة وخداع وطمع وإصابة الآخرين بالأضرار. هذا ما يليق أن يتدرب عليه حتى الأطفال الصغار في تعاملهم حتى مع والديهم وبقيَّة أعضاء الأسرة. فمع سخاء العطاء لطفل يدرِّبونه على إدراك حدود ممتلكاته، والاقتناع بما وُهب له.

3. شهادة الزور:

"لا يقوم شاهد واحد على إنسان في ذنب ما أو خطيَّة ما من جميع الخطايا التي يخطئ بها على فم شاهدين أو على فم ثلاثة شهود يقوم الأمر. إذا قام شاهد زور على إنسان ليشهد عليه بزيغ، يقف الرجلان اللذان بينهما الخصومة أمام الرب أمام الكهنة والقضاة الذين يكونون في تلك الأيَّام. فإن فحص القضاة جيِّدًا وإذا الشاهد شاهد كاذب قد شهد بالكذب على أخيه، فافعلوا به كما نوى أن يفعل بأخيه، فتنزعون الشر من وسطكم. ويسمع الباقون فيخافون، ولا يعودون يفعلون مثل ذلك الأمر الخبيث في وسطك. لا تشفق عينك، نفس بنفسٍ، عين بعينٍ، سن بسنٍ، يد بيدٍ، رجل برجلٍ" [15-21].

ربَّما يحدث خلاف على القتل إن كان عمدًا أم سهوًا، وهل يوجد عداء سابق بين القاتل والقتيل. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). قد يحدث خلاف أيضًا على الحدود التي لتُخم الأسباط أو العشائر، فكيف يكون الحكم في هذه الأمور وغيرها؟ الحاجة ملحَّة أحيانُا إلى شهادة البعض، لهذا تُعالج الشريعة موضوع "شهادة الزور". ترفض الشريعة قيام الشهادة على شخصٍ واحدٍ (عد 35: 30؛ تث 17: 6)، بل على الأقل بشخصين [15-19]. الشهادة الزور تحسب خيانة للعهد مع الله نفسه الذي يبغض الظلم والكذب [19-21].

-     وإن كانت المعاصي ترتكب سرًّا، لكن يلزم أن نكتفي بشهادة شاهدين كبرهان على البحث والتقصِّي[225].

-     إذ كتب عنوان معيَّن على آلام الرب عندما صلب، كُتب بالعبرانيَّة واليونانيَّة واللآتينيَّة: "ملك اليهود" (يو 19: 19)، في ثلاثة ألسنة، إذ ثبت العنوان بثلاثة شهود لأنَّه على فم شاهدين أو ثلاثة شهود تثبت الكلمة[226].

القدِّيس أغسطينوس

جاءت الشريعة الموسويَّة تطالب: "نفس بنفسٍ، عين بعينٍ، سن بسنٍ، يد بيدٍ، رجل برجلٍ" [21]، بهذا ارتفعت بالإنسان في بدء حياته الروحيَّة من روح الانتقام بأكثر ممَّا أصابه من ضرر، إذ يميل الإنسان بطبعه أن يقاوم الشر بشرٍ أعظم. هكذا ارتفعت به الشريعة لكي تهيئه للحب تدريجيًا حتى يمارس بالنعمة الإلهيَّة محبَّة العدو فيقاوم الشر بالخير. إنَّها تدخل بالإنسان إلى الحب والتسامح بتدريبه تدريجيًا على ضبط نفسه.

الشريعة حازمة وعادلة، من يستطيع أن يتبرَّر أمامها؟! شكرًا لله الذي نقلنا بغنى حبُّه من تحت الشريعة إلى عهد النعمة، فنقف أمام كرسي الرحمة، ويستر مسيحنا بدمه الذكي علينا، فنتبرَّر أمام الله. لقد دفع مسيحنا الثمن وحقَّق متطلِّبات الشريعة، مقدِّمًا لنا كمال الحريَّة للحياة الجديدة التي بلا لوم قدَّام الله.

من يشهد بالزور يقدِّم للمحاكمة في محكمة عليا، أمام الكهنة والقضاة الذين هم أمام الرب. فكما يجلس القضاة عند أبواب المدينة ويحكمون، هكذا يجلس الكهنة والقضاة أمام باب الهيكل ليحكموا حسب إرادة الله (تث 17: 12).

إن ثبت كذب الشاهد فما كان يُحكم به على المتَّهم يسقط على شاهد الزور. ربَّما يظن الإنسان أن في ذلك قسوة! فمن أجل كلمات كذب قد يسقط إنسان تحت حكم الإعدام. من يحفر حفرة لأخيه يسقط هو فيها. بهذا يقدِّم الله درسًا عمليًا ليبث روح المخافة فيهم.

يرى القدِّيس أغسطينوس[227] في هذه العبارة تلميحًا لسرّ التثليث، ففي قصَّة سوسنَّة وُجد شاهدان شيخان ومع ذلك كانت شهادتهما كاذبة (دا 13: 36-62)، وفي محاكمة السيِّد المسيح شهد الشعب كلُّه ضد المسيح، ومع ذلك كانت شهادتهم باطلة (لو 23: 1). فماذا يعني ثبوت الشهادة الحقَّة بشاهدين أو ثلاثة إلاَّ شهادة الآب والابن والروح القدس الحقَّة (يو 8: 18).

من وحيّ تثنيَّة 19
أنت ملجأي وسندي

-      مرّرت الخطيَّة حياتي، وأفقدتني سلامي،

من يحميني من هلاكها إلى أنت؟

أنت مدينة الملجأ التي تتَّسع لكل الخطاة.

أنت هو الطريق إلى مدينة الملجأ،

تدخل بي إلى كمال السلام.

أنت هو العلامة التي تشير إلى الأمان!

أنت في داخلي عميقًا أعمق من نفسي،

أنت قريب لي جدًا، أقرب إليَّ من نفسي،

فلماذا أبحث عن ملجأ غيرك؟

-     إلهي أنت هو ملجأ نفسي!

هب لي أن أطير وأدخل في أحضانك.

لأحملك في داخلي،

فأدخل بكثيرين إليك.

لتنقش بروحك الناري على قلبي كلمة "إلى الملجأ".

لأصير علامة حيَّة تقودهم إليك.

-     كثيرًا ما تعدَّيت تُخمي،

اغتصبت حقوق اخوتي،

رد لي برَّك، فاحترم حق كل طفلٍ صغيرٍ،

واحترم مشاعر كل ضعيفٍ ومحتاجٍ!

علِّمني وقدني حتى لا أتعدَّى تخمي التي وهبَتْني إيَّاها يداك!

-     من لا يحتاج إلى شاهد يسنده ويؤكِّد صدق كلماته؟!

شريعتك تطلب شاهدين أو ثلاثة حتى لا يخطئ القضاء.

والعالم كلَّه يلجأ إلى شهادة شهود.

من يشهد لي؟!

من يعرف أفكاري الخفيَّة؟

أنت يا مخلِّصي الصالح وأبوك السماوي وروحك القدُّوس شهود حق!

تشهدون لغنى نعمتك العاملة فيَّ.

لأقل مع سمعان بطرس:

أنت تعلم يا رب إنِّي أحبَّك!

أنت شاهد حق لما يفيض في أعماقي!


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 19 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 20 جـ1 PDF Print Email

القانون العسكري

إذ كان الشعب في طريقه للتمتُّع بأرض الموعد حسب وعد الله لآبائهم كان إسرائيل يمثِّل معسكرًا حربيًا أكثر منه مملكة. بلا شك كان السؤال الذي يشغل أذهان الكل، كهنة وشعبًا، رجالاً ونساءً، وربَّما حتى الأطفال هو: "ما هو دورنا في المعارك القادمة؟" لهذا كانوا في حاجة أن يضع لهم الرب سلوكًا خاصًا بحروبهم مع الأمم التي يحتلُّون أرضهم، وأيضًا الأمم المجاورة. ويلاحظ في جوهر هذا السلوك إدراك وجود الله وسط شعبه ليتمِّم خطَّته بهم لتهيئة أمَّة مقدَّسة متحرِّرة من كل الرجاسات التي كانت تمارسها الأمم الوثنيَّة، حتى يأتي مخلِّص العالم كلُّه.

الشريعة الواردة هنا تناسب وقت غزو الأرض لتذكيرهم بأن الحرب للرب (1 صم 17: 47).

يوضح دكتور جاميسون Dr. Jameson أنَّه لا يوجد وجه للمقارنة بين ما قدَّمته الشريعة هنا وبين ما كانت تسلكه الأمم في ذلك الحين بخصوص الحروب والعادات الخاصة بها[228].

1. الخروج للحرب                              [1-9].

2. حصار المدن خارج كنعان            [10-15].

3. المدن المحرَّمة                          [16-18].

4. التصرُّف في أشجار المدن           [19-20].

1. الخروج للحرب:

وضعت هذه الشريعة الخاصة بالحروب إلى حين يملك الشعب عوض الأمم الوثنيَّة، لكن فكْر الله واضح حتى في العهد القديم أنَّه لا يريد الحروب بل السلام. وكما يقول المرتِّل مسبِّحًا أعمال الله الفائقة: "مُسكن الحروب إلى أقصى الأرض، يكسر القوس ويقطع الرمح. المركبات يحرقها بالنار. كفُّوا واعلموا إنِّي أنا الله" (مز 46: 8-10). وجاء في رؤية لإشعياء النبي عن عمل المسيَّا: "ويكون في آخر الأيَّام أن جبل بيت الرب يكون ثابتًا في رأس الجبال... وتجري إليه كل الأمم... فيطبعون سيوفهم ورماحهم مناجل. لا ترفع أمَّة على أمَّة سيفًا، ولا يتعلَّمون الحرب فيما بعد" (إش 2: 2-4). وفي ميلاد السيِّد المسيح قيل: "على الأرض السلام وبالناس المسرَّة" (لو 2: 14).

يبدأ القانون العسكري بتأكيد من الله نفسه أنَّه هو قائد جيش شعبه، وواهب النصرة [1-4]. لذا يُعفي خدَّامه من ممارسة الأعمال العسكريَّة، ليس احتقارًا لها، ولكن للتفرُّغ للعبادة لله الذي يهب الغلبة، فبدونهم لا يتقدَّس الشعب ولا الجند، ولن توجد نصرة [5-9].

هنا يتحدَّث عن الحرب القائمة لكي يرث الشعب أرض كنعان، لهذا لا يجوز تطبيقها على الحروب السياسيَّة. لكنَّها تنطبق رمزيًا على الحروب الروحيَّة والجهاد من أجل كنعان السماويَّة، حيث يحتل المؤمنون مركز إبليس الذي سقط من بين الطغمات السماويَّة.

يمتاز العدوّ عن شعب الله بكثرة العدد ووفرة الإمكانيَّات العسكريَّة، لكن هذا كلُّه يلزم ألا يرعب المؤمنين.

"إذا خرجت للحرب على عدوَّك ورأيت خيلاً ومراكب قومًا أكثر منك، فلا تخف منهم، لأن معك الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر" [1].

بلا شك لم يكن لشعب إسرائيل حتى لحظات انتقال موسى النبي خيل ومركبات حربيَّة، وربَّما إلى أيَّام سليمان، لهذا فإن موسى النبي يتحدَّث بصفة عامة عمَّا سيحدث فيما بعد حين يكون للشعب الخيل والمركبات. هذا ولا يعني النص ضرورة أن يكون للشعب خيل ومركبات أقل وإنَّما يقصد الإمكانيَّات العسكريَّة بصفة عامة.

أول مبدأ في الجهاد الروحي هو "عدم الخوف": "من هو الرجل الخائف والضعيف القلب، ليذهب ويرجع إلى بيته لئلاَّ تذوب قلوب اخوته مثل قلبه" [8]. صوت الخائف يذيب قلب اخوته ويحطِّمهم نفسيًا، بينما صوت رب الجنود يذيب الجبال الصلدة ويحطِّم قوى الشر، واهبًا نصرة لمؤمنيه.

سرّ الشجاعة هو الثقة في الله قائد المعركة الروحيَّة: "الرب إلهكم سائر معكم لكي يحارب عنكم أعداءكم ليخلِّصكم" [4]. وأما سرّ الخوف فهو ارتباط القلب بالزمنيَّات، لذا يطالب من بنى بيتًا جديدًا أو غرس كرمًا ولم يبتكره (أي قدَّم بكوره في السنة الرابعة) أو خطب امرأة ولم يتزوِّجها بعد يرجع إلى بيته. إنَّها صورة رمزيَّة للنفوس الضعيفة التي تعلَّقت بالعالم وغير قادرة على البذل روحيًا، فهي معثرة للغير.

جاءت الوصيَّة: "لا تخف" متكرِّرة في الكتاب المقدَّس، لأن الخوف شيمة عدم الإيمان بالله والثقة في أبوَّته وحكمته وقدرته على الخلاص. هي خطيَّة إلحاد متستِّر. لهذا يكرِّر:

"لا تضعف قلوبكم. لا تخافوا ولا ترتعدوا ولا ترهبوا وجوههم" [3].

أما سرّ الشجاعة وعدم الخوف فيكمن في الآتي:

أولاً: الحضرة الإلهيَّة وسط شعبه. "لأن معك الرب إلهك" [1]، "لأن الرب إلهكم سائر معكم لكي يحارب عنكم أعداءكم ليخلِّصكم" [4]. وكما جاء في إشعياء النبي: "لا تخف لأنِّي معك؛ لا تتلفَّت لأنِّي إلهك. قد أيَّدتك وأعنتك وعضَّدتك بيمين برِّي... لأنِّي أنا الرب إلهك الممسك بيمينك، القائل لك: لا تخف أنا أعينك" (إش 41: 10، 13).

ثانيًا: خبراتنا وخبرة آبائنا السابقة مع الله مخلصنا، إذ يقول: "الذي أصعدك من أرض مصر" [1]. فقد جاء في سفر الخروج: "وكان في هزيع الصبح أن الرب أشرف على عسكر المصريِّين في عمود النار والسحاب وأزعج عسكر المصريِّين، وخلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريُّون: نهرب من إسرائيل، لأن الرب يُقاتل المصريِّين عنهم" (خر 14: 24-25). كما قيل: "الرب رجل الحرب، الرب اسمه، مركبات فرعون وجيشه ألقاها في البحر" (خر 15: 3-4). وترنَّمت مريم قائلة: "رنِّموا للرب فإنَّه قد تعظَّم. الفرس وراكبه طرحهما في البحر" (خر 15: 21).

ثالثًا: يشارك الكل في هذه الحرب، كل حسب موهبته وقدراته. فكما يلتزم الشعب أن يحارب، يقوم الكاهن بدوره، إذ يتقدَّم ليخاطب الشعب مؤكِّدًا لهم معيَّة الرب، ومقدِّمًا لهم وصيَّة الرب التي هي عدم الخوف. يقوم العرفاء أيضًا بدورهم، إذ يعزلون الخائفين من وسط رجال الحرب حتى لا يثبطوا همم اخوتهم. كان من عادة الأمم أن يحملوا معهم تماثيل آلهتهم، يصحبها الكهنة كممثِّلين للآلهة. كل نصرة تتحقَّق تنسب إلى إله هذه الأمة. لهذا كان لابد لله أن يُعلن حضرته وسط شعبه أثناء المعركة وأن يسندهم الكهنة كممثِّلين لله نفسه.

"وعندما تقربون من الحرب يتقدَّم الكاهن ويخاطب الشعب. ويقول لهم: اسمع يا إسرائيل أنتم قربتم اليوم من الحرب على أعدائكم، لا تضعف قلوبكم، لا تخافوا ولا ترتعدوا ولا ترهبوا وجوههم" [2-3].

لا يتحدَّث هنا عن رئيس الكهنة ولا عن الكهنة بوجه عام، بل عن الكاهن الذي يرافق الجيش في معاركه. فنقرأ عن المعركة ضد الموآبيِّين في أيَّام موسى النبي: "أرسلهم موسى ألفًا من كل سبط إلى الحرب هم وفينحاس بن العازار الكاهن إلى الحرب وأمتعة القدس وأبواق الهتاف في يده" (عد 31: 6). راجع أيضًا (1 صم 4: 4؛ 2 أي 13: 12). وكان عمله الرئيسي تشجيع رجال الحرب أن الله هو قائدهم يسندهم وينصرهم.

يليق بنا ألاَّ نخاف في حربنا الروحيَّة، وكما يقول القدِّيس يوحنا كاسيان:

[لنتعلَّم في كل شيء أن نشعر بضعفنا الطبيعي، وفي نفس الوقت ندرك معونته، فنقول مع القدِّيسين:

"دحرتني دحورًا لأسقط، أمَّا الرب فعضَّدني. قوتي وتسبحتي الرب، وقد صار لي خلاصًا" (مز 118: 13-14).

"لولا أن الرب معيني لسكنت نفسي سريعًا أرض السكوت، إذ قلت قد زلّّت قدماي فرحمتك يا رب تعضدني" (مز 94: 17-19).

ناظرين أيضًا أن قلوبنا تتقوَّى في مخافة الرب وفي الصبر، فنقول: "وكان الرب سندي، أخرجني إلى الرحب" (مز 18: 18-19).

وإذ نعلم أن المعرفة تنمو بالتقدُّم في العمل، نقول: "لأنَّك تضيء مصباحي أيُّها الرب، يا إلهي أنر ظلمتي، لأنَّه بك أخلص من التجربة وبك أتحصَّن". حينئذ نشعر نحن أنفسنا بالانتماء إلى الشجاعة والصبر ونسير في طريق الفضيلة مباشرة وبسهولة عظيمة وبغير جهد، فنقول: "إنَّه الله الذي يمنطقني بالقوَّة ويجعل طرقي كاملة، الذي يجعل قدميَّ كقدميّ الإيل، ويجلسني في الأعالي، ويعلِّم يديَّ الحرب".

نملك أيضًا روح التمييز، فنتقوَّى بذاك الذي به نستطيع أن نقهر أعداءنا، ونصرخ إلى الله: "تأديبك جاء عليَّ إلي النهاية، وسوف يعلِّمني تأديبك، توسِّع خطواتي تحتي فلم تتقلقل عقباي، ولأنِّي أنا هكذا أتقوَّي بمعونتك وقوَّتك".


بجسارة أقول هذه الكلمات: "أتبع أعدائي فأدركهم، ولا أرجع حتى أفنيهم. أسحقهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت رجليَّ" (مز 18: 37-38).

مرة ثانية نراعي ضعفنا الخاص وندرك هذه الحقيقة أنَّه بينما نظل مثقَّلين بالضعف الجسدي لا نستطيع بدون معونته أن نغلب مثل هؤلاء الأعداء (خطايانا)، فنقول: "بك سوف نشتِّت أعدائنا"، "باسمك ندوس القائمين علينا، لأنِّي علي قوسي لا أتَّكل، وسيفي لا يخلِّصني، لأنَّك أنت خلَّصتنا من مضايقينا، أخزيت مبغضينا" (مز 44: 6-8)، لكن فضلاً عن ذلك: "تمنطقني بقوَّة للقتال، تصرع تحتي القائمين عليَّ، وتعطني أقفية أعدائي ومبغضي أفنيهم" (مز 18: 39-40).

إذ نتأمَّل أنَّنا بأسلحتنا الخاصة لا نستطيع أن نغلب، نقول: "امسك مجنًا وترسًا وانهض إلى معونتي، أشرع رمحًا وصد تلقاء مطاردي. قل لنفسي: خلاصكِ أنا" (مز 35: 2-3).

"وتجعل يدي كسهمٍ من نحاس، وتجعل لي ترس خلاصك ويمينك تعضِّدني" (مز 18: 35).

"آباؤنا ليس بسيفهم امتلكوا الأرض، ولا ذراعهم خلَّصتهم، لكن يمينك وذراعك ونور وجهك، لأنَّك رضيت عنهم" (مز 44: 4-5).



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 20 جـ2 PDF Print Email

أخيرًا بعقل مملوء غيرة نتأمَّل في كل بركاته بالشكر، فنصرخ إليه بمشاعر قلبيَّة عميقة لأجل كل هذه الأمور، لأنَّنا قاتلنا وأخذنا منه نور المعرفة وضبط النفس والتمييز (الفطنة)، ولأنَّه زودنا بأسلحته الخاصة، ومنطقنا بالفضيلة وجعل أعداءنا يهربون من أمامنا، وأعطانا القوَّة أن نحطِّمهم ونجعلهم كالرماد أمام الريح. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). "أحبَّك يا رب يا قوَّتي، الرب صخرتي ومنقذي، إلهي صخرتي به اَحتمي، ترسي وقرن خلاصي وملجأي، أدعو الرب الحميد فأتخلَّص من أعدائي" (مز 18: 2-4)[229]].

إنَّنا ندخل في سلسلة لا تنقطع من الحروب، يتبعها نصرات متتالية، وتمتُّع متجدِّد بقوَّة الله الغالبة بنا وفينا. يقول الرسول: "إذ أسلحة محاربتنا ليست جسديَّة، بل قادرة بالله على هدم حصون، هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2 كو 10: 3-5). ويقول المرتِّل: "يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات، وأنت لا يقتربون إليك" (مز 91: 7)[230].

يرى القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص أن القدِّيس بولس يشبه داود النبي في قتاله ضد عدوُّه، فكان يجري بسرعة من أمامه. [هكذا كان بولس مقاتلاً سريع الحركة ورشيقًا، وكان داود يوسَّع خطواته أثناء تعقُّبه عدوُّه، وأيضًا العريس في سفر النشيد يُشبه الظبي يقفز بسرعة على الجبال، طافرًا على التلال (نش 2: 8-9)[231]].

-     علَّمني الله أن أكون ماهرًا في القتال ضد المقاومين (الشيَّاطين) الذين يهدفون إلى إقامة حاجز يحجبني عن ملكوت السماوات[232].

القدِّيس أغسطينوس

-     إذا صلَّيت ضد آلامك (شهواتك الشرِّيرة) والشيَّاطين التي تهاجمك، تذكر ذاك الإنسان القائل: "أطرد أعدائي فأدركهم، ولا أرجع حتى يسقط جميعهم. أسحقهم فلا يستطيعون الوقوف، يسقطون تحت قدميَّ..." (مز 18: 38) تقول هذا في اللحظة الحاسمة التي فيها تتسلَّح ضد خصمك بالتواضع[233].

القدِّيس أوغريس من بنطس


استبعاد الخائفين وضعيفي القلب:

ما يشغل فكر الله ليس حجم الجيش بل إيمان الملتحقين به، فالنصرة ليست بالعدد ولا بالقوَّة، بل برب الجنود نفسه، لهذا استعبد كل الفئات التي يمكن أن تفسد قدسيَّة الجيش ببث روح الخوف والإحباط، فإن واحدًا أفضل من ألف جندي مملوءين جُبنًا وخوفًا.

"ثم يخاطب العرفاء الشعب قائلين: من هو الرجل الذي بنى بيتًا جديدًا ولم يُدشِّنه، ليذهب ويرجع إلى بيته لئلاَّ يموت في الحرب فيُدشِّنه رجل آخر. ومن هو الرجل الذي غرس كرمًا ولم يبتكره، ليذهب ويرجع إلى بيته لئلاَّ يموت في الحرب فيبتكره رجل آخر. ومن هو الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها، ليذهب ويرجع إلى بيته لئلاَّ يموت في الحرب فيأخذها رجل آخر. ثم يعود العرفاء يخاطبون الشعب ويقولون: من هو الرجل الخائف والضعيف القلب، ليذهب ويرجع إلى بيته لئلاَّ تذوب قلوب اخوته مثل قلبه. وعند فراغ العرفاء من مخاطبة الشعب يقيمون رؤساء جنود على رأس الشعب" [5-9].

طالبت الشريعة باستثناء أربع فئات من الاشتراك في الحرب خشية أن يحل بهم الخوف، فيرتبكون أثناء المعركة. أمَّا الفئة الرابعة وهي فئة الخائفين وضعفاء القلب فهؤلاء يلزم استبعادهم تمامًا لأنَّهم كالوباء الذي ينتشر فيهلك الآخرين. هذا ما فعله جدعون مع جيشه إذ نادى كأمر الله في آذان الشعب قائلاُ: "من كان خائفًا ومرتعدًا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد. فرجع من الشعب اثنان وعشرين ألفًا، وبقي عشرة آلاف" (قض 7: 3).

طلب من الفئات التالية حق أن ينسحبوا من المعسكر حتى لا يفسدوا نفسيَّة الجيش.

أ. من بنى بيتًا جديدًا أو اشترى بيتًا جديدًا ولم يُدشِّنه بعد [5]
، أي لم يقم احتفالاً مع أصدقائه بمناسبة شرائه الذين يأتون ليهنئونه به، فليرجع إلى البيت ويستريح فيه، لئلاَّ ينشغل بالبيت واحتفاله به أثناء الحرب. الجندي الحقيقي ليس له بيت ينشغل به، بل يعيش كغريبٍ على الأرض حتى يستقر في حضن الله، في بيته السماوي.

ربَّما يقصد بالإنسان الذي بنى بيتًا جديدًا ولم يُدشِّنه بعد ذاك الذي ينشغل بالراحة الجسديَّة والبركات الزمنيَّة، ولم يحول بيته إلى كنيسة مقدَّسة، ولم يُدشِّنها ويحتفل بسكنى الرب في بيته، مثل هذا لا يستطيع أن يجاهد روحيًا.

واضح من عنوان المزمر 30 "مزمور أو أغنية عند تدشين بيت داود"، أنَّه كان من عادة إسرائيل أن يدشِّنوا البيت الجديد لله بالصلاة والتسبيح وتقديم التشكُّرات. هذا كلُّه لتأكيد تسليم كل بيت لله ليسكن وسط كل أسرة ويباركها. فإنَّه لا يمكن لمؤمن أن يسكن في بيتٍ ويشعر بالأمان ما لم يتحقَّق من رعاية الله وحمايته له. ولا ننسى أنَّه في كثير من الأمم القديمة كانت الأسرة تخصِّص جزءً من البيت للعبادة، يقيمون فيه التماثيل. على سبيل المثال كان سكان Bonny في أفريقيا غالبًا ما يقسمون أماكن السكن إلى ثلاثة أقسام، قسم لسكن الشخص أو الأسرة، والثاني يحسب مكانًا عامًا لإضافة الغير وإطعامهم، والثالث يخصَّص لل Juju، الإلهة الثعبان serpent-god التي يعبدونها. فقد كان حتى هؤلاء الهمجيون يعتقدون بأنَّه في كل بيت يلزم أن يجد إلههم هيكلاً له.

لا يزال يوجد عند كثير من الأقباط تقليد جميل، وهو ألاَّ يسكن أحد منزلاً جديدًا ما لم يستدعِ الكاهن ويجتمع مع الأسرة ليقدِّموا صلاة "تبريك المنازل"، خلالها يطلب الكل من الله أن يسكن في وسط الأسرة، ويبارك الموضع، ويتمِّم رسالة الساكنين فيها. للأسف البعض يستدعون الأقارب والأصدقاء والجيران لإقامة حفلٍ عند بناء بيت جديد أو عند شرائه، لكنَّهم ينسون الصلاة والتسبيح لله. هذا ويخصِّص كثير من المسيحيِّين، خاصة في الشرق، المنتمين للكنائس الرسوليَّة حجرة خاصة للصلاة أو زاوية من حجرة تُزيَّن بالأيقونات حتى يشعر أهل البيت بأن المنزل كلُّه مكرَّس للرب.

ب. من غرَس كرمًا وأنفق عليه الكثير ولم يجنِ منه ثمرًا بعد. الكلمة العبريَّة هنا تعني حقلاً أو حديقة فواكه، ليس بالضرورة أن تكون غروس عنب، بل أي نوع من الفواكه أو مزارع الزيتون. أنَّه يشتاق أن يتمتَّع بالثمر، وبحسب الشريعة كان يُمنع من أكل ثمرها لمدَّة الثلاث سنوات الأولى (لا 19: 23). مثل هذا الإنسان الذي يضع قلبه في بطنه، فيشتهي أن يأكل ويشرب متلذذًا حتى وإن كان من تعب يديه لا يصلح أن يشترك في معركة السيِّد المسيح. يليق بجندي المسيح ألاَّ تكون له كروم ولا معاصر ولا موائد تشبع شهواته، بل يأكل ويشرب ممَّا يجده عند قدميه لكي يعيش ويجاهد. أنَّه لا ينشغل بشيء سوى الاستعداد لسماع صوت البوق الذي يدعوه إلى المعركة.

ج. من عقد خطبة مع فتاة واهتم أن يعد لها بيت الزوجيَّة حتى يستدعيها ويتزوَّجها، مثل هذا الإنسان إن كان قلبه مشغولاً بتهيئة البيت لعروسه لا يلتزم بالذهاب إلى المعركة. أنَّه يمثِّل الإنسان الذي لم يذق عذوبة الاتِّحاد الزيجي الروحي مع الله مخلِّصه ولم يهيِّء بعد مكان العرس السماوي ليستقر فيه، مثل هذا الإنسان لا يقدر أن يجاهد في المعركة الروحيَّة. جاء في نفس السفر: "إذا اتَّخذ رجل امرأة جديدة فلا يخرج في الجند، ولا يُحمل عليه أمر ما، حرًا يكون في بيته سنة واحدة ويسر امرأته التي أخذها" (تث 24: 5).

اتَّفق الكُتَّاب اليهود أن هذه التجاوزات سمح بها فقط في الحروب التي تُثار بحريَّة إرادة إسرائيل، أمَّا التي ألزمهم بها الرب مثل محاربة عماليق والكنعانيِّين فيلتزم بها كل الرجال دون استثناء.

إذ يُنزع الخائفون وضعيفو القلب يقيم العرفاء رؤساء قادة مملوئين شجاعة ويقين في عمل الله معهم.

يليق بنا هنا أن نميِّز بين الإنسان الذي يشعر بضعفه وعجزه، لكنَّه يثق في إمكانيَّات الله معه وبه، وبين الإنسان الخائر والضعيف القلب. فإن الله يعمل بقوَّة في الضعفاء، لكنَّه لا يسند من لا يثق فيه ويتَّكئ عليه.

هذا الخوف ينبع عن فساد في الضمير، لذا قيل: "قدِّسوا رب الجنود فهو خوفكم وهو رهبتكم" (إش 8: 13). إن خطورة الخائرين تكمن في أنَّهم إذ يحتلُّون مراكز قياديَّة يبثُّون روح الإحباط في غيرهم، ويتسرَّب مرضهم إلى غيرهم، فلا يعملون عمل الرب ولا يتركون الآخرين يعملون. خطورة الخائرين أمَرّ وأقسى من الأعداء المقاومين للحق ولكنيسة المسيح، فعن الآخرين قيل أن الله يحكم عليهم بقضيب من حديد، أمَّا الخائرون فينزعون نعمة الله عن كثيرين ويحجبون قوَّته عنهم.

يطالبنا السيِّد المسيح بأن نحسب النفقة قبل الدخول في أيَّة معركة، "وأي ملك إن ذهب لمقاتلة ملك آخر في حربٍ لا يجلس أولاً ويتشاور هل يستطيع أن يلاقي بعشرة آلاف الذي يأتي عليه بعشرين ألفًا، وإلاَّ فمادام ذلك بعيدًا يرسل سفارة ويسأل ما هو للصلح" (لو 14: 31-32). لقد أدرك إليشع النبي أن الذي معه أعظم من الذين عليه. وأخطأ داود النبي خطيَّة عظمى حينما حسب النفقة بحسابات بشريَّة، متجاهلاً عنصر الإيمان فقام بعمل تعداد لشعبه (2 صم 24: 2 الخ).

غاية شريعة الحرب هذه هو تأكيد أنَّنا ننتسب لله، فما يحبُّه نحبُّه نحن، وما لا يطيقه من ظلمة وفساد ودنس يصير بالنسبة لنا عدوًا. ليس لنا شيء في ذواتنا. معاركنا هي معركة الله مع الظلمة. نحن لسنا طرفًا فيها، إنَّما نختفي في الله ليحارب هو بنا وفينا معلنًا نصرته الفائقة.



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 20 جـ3 PDF Print Email

2. حصار المدن خارج كنعان:

بالنسبة للأمم البعيدة يرسل إليهم لإقامة عهود سلام، فإن قبلوا يقومون بخدمة الله وشعبه [10-15]. لا يجوز لهم أن ينزلوا في معركة مع الجيران ما لم يقدِّموا أولاً إعلانًا عامًا، فيه يطلبون الصلح.

"حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح. فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها. وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. وأمَّا النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدًا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا" [10-15].

اختلف المفسِّرون في شرح هذه العبارة، فالبعض يرى أنَّها تنطبق على البلاد المجاورة لأرض الموعد، ولا تنطبق على الأمم السبع التي في كنعان. وعلَّة هذا أن بقاء أيَّة بقيَّة من الأمم السبع وسط الشعب يكون عثرة لهم، ويجذبونهم إلى عبادة الآلهة الوثنيَّة وممارسة الرجاسات. ويرى آخرون أنها تنطبق على هذه الأمم أيضًا حيث تكون شروط الصلح هي:

1. جحد العبادة الوثنيَّة والدخول إلى عبادة الله الحي.

2. الخضوع لليهود.

3. دفع جزية سنويَّة.

من لا يقبل هذه الشروط لا يبقون في مدينتهم كائنًا حيًا متى كانت من الأمم السبع، أمَّا إذا كانت من المدن المجاورة فيقتل الرجال ويستبقى النساء والأطفال مع الحيوانات وكل غنائمها. أمَّا سبب التمييز فهو ألا يترك أي أثر في وسط الشعب للعبادة الوثنيَّة.

الخضوع للعمل الشاق، تحقيق للعنة نوح لكنعان ابنه (تك 9: 25).

بالنسبة للبلاد البعيدة التي لا تتبع أرض الموعد فيمكن طلب الصلح معها وتسخير شعبها (20: 10-15). صورة رمزيَّة عن رغبة الإنسان الروحي الداخليَّة للسلام مع تحويل الطاقات من العمل لحساب الشر إلى طاقات خاضعة لحساب ملكوت الله فينا.
3. المدن المحرَّمة:

"وأمَّا مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبقِ منها نسمة ما. بل تحرمها تحريمًا: الحثِّيِّين والأموريِّين والكنعانيِّين والفرِّزيِّين والحويِّين واليبوسيِّين كما أمرك الرب إلهك. لكي لا يعلِّموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم، فتخطئوا إلى الرب إلهكم [16-18].

بالنسبة للأمم التي تقيم في أرض الموعد يلزم مقاتلتهم حتى لا يسحبوا قلب الشعب إلى الارتداد والعبادات الوثنيَّة وممارسة الرجاسات [16-18]. كانت الأمم التي تمتَّع الشعب القديم بأرضها ترمز إلى الخطيَّة، فكان إبادتهم يشير إلى تحطيم كل شر. من الجانب التاريخي كانت هذه الشعوب عنيفة للغاية تقدِّم الأطفال محرقة للآلهة وتتقدَّم النساء والفتيات للزنا لحساب الآلهة الوثنيَّة مع رجاسات أخري بشعة، لذا كانت تمثِّل خطرًا على انحراف شعب الله (20: 18). لا يستخدم مع الأمم أيَّة رحمة، لأن الفساد قد تفشَّى ودمَّر سكَّانها أبديَّتهم بأنفسهم، وصار الأمر خطيرًا حتى بالنسبة لشعب إسرائيل متى احتلُّوها إن بقيت أيَّة آثار لعبادتهم.

4. التصرَّف في أشجار المدن:

لا يجوز قطع الأشجار التي تعطي ثمرًا للأكل (20: 19)، لأنَّها خليقة الله الجيِّدة. إن كان الله يهتم هكذا حتى بالأشجار أفلا يهتم بالإنسان؟! لذا لم يكن الأمر بإبادة الوثنيِّين صادرًا عن قسوة للشريعة، إنما هم وضعوا أنفسهم تحت الضيق بشرِّهم وقسوة قلوبهم.

الالتزام بإتلاف الشجر الذي لا يثمر... ربَّما كي ينزع كل أثر للعبادة الوثنيَّة، حيث اعتاد الوثنيُّون أن يتعبَّدوا تحت كل شجرة خضراء (إر 2: 20).

"إذا حاصرت مدينة أيَّاما كثيرة محاربًا إيّاها لكي تأخذها فلا تتلف شجرها بوضع فأسٍ عليه. إنَّك منه تأكل، فلا تقطعه، لأنَّه هل شجرة الحقل إنسان حتى يذهب قدَّامك في الحصار. وأمَّا الشجر الذي تعرف أنَّه ليس شجرًا يؤكل منه فإيَّاه تتلف وتقطع. وتبني حصنًا على المدينة التي تعمل معك حربًا حتى تسقط" [19-20].

بهذا أوضح الله للشعب ألاَّ تكون الحرب هدفًا للتدمير، فالجنود أثناء حماسهم يقطعون أشجار الحقل التي تأتي بثمار ويجعلون منه عوارض في الطريق لحمايتهم من العدو، فيتلفون الأشجار والحقول التي سيستولون عليها، يحطِّمون ما هو لطعامهم وحياتهم. يلزم أن يضبط الجيش نفسه فلا يتصرَّف إلاَّ بروح الحكمة، ما فيه بنيانهم.

فهم اليهود هذه الوصيَّة بمعنى أوسع، فلا يقصد به فقط عدم تحطيمهم الأشجار التي تأتي بثمار، وإنَّما عدم كسر الأواني الصالحة للاستعمال أو تمزيق الثياب التي يمكن الاستفادة منها، أو ردم الآبار، أو هدم المباني الخ. يليق بنا أن نتطلَّع إلى السيِّد المسيح الذي يحرص أن يجمع الكسر حتى لا يفقدها المجتمع.

إن كانت الحياة في جوهرها معركة مستمرَّة أو سلسلة معارك يتمتَّع خلالها المؤمن بالنصرة الدائمة، فإنَّه يليق به في جهاده أن يكون حكيمًا. لا يكون مندفعًا، بل يعرف أن يميِّز في المعركة ما هو للبنيان وما هو للهدم، فيحطِّم الأشجار غير المثمرة ويحافظ على ما هو مثمر فيها.

قد يظن الإنسان في نفسه أنَّه قوي، فيستعرض عضلاته بقطع الأشجار المثمرة، ولا يدرك أن الامتناع عن قطعها والحفاظ عليها أثناء المعارك يتطلَّب قوَّة أعظم، فالهدم أسهل من البناء.

ليتنا في جهادنا الروحي لا نعثر أحدًا أو نحطِّم نفسيَّة أحد، فنكون قد اقتلعنا شجرة مثمرة عِوض الحفاظ عليها.

من وحيّ تثنيَّة 20
اقبلني جنديًا في جيش خلاصك

-     اقبلني جنديًا في جيش صلاحك.

لا أخاف قط من كل قوى إبليس وجنوده،

فأنت القائد واهب النصرة.

هوذا العدو كثير العدد، وقوي ومخادع،

لكن الذي معنا أعظم وأقوى!

لن أتراجع، ولا يخر قلبي فأنت ساكن فيه!

أنت فيَّ وأنا فيك.

أنت سائر أمامي تُحارب عنِّي.

-     لألتحق بجيش خلاصك!

قلبي ليس مشغولاً ببيتٍ جديدٍ ولا كرمٍ أو زوجةٍ.

ليس لي بيت اَنشغل به سوى كنيستك القائمة فيَّ.

هي قديمة وجديدة، لأنَّك أنت ساكن فيها يا قديم الأيَّام ويا واهب التجديد.

أنت بيتي، أنت فرحي، أنت عريس نفسي!

لا أخاف الموت لأنَّك حياتي!

-     كيف أخاف يا من أنت حال في وسطنا!

خبرات آبائنا تعلن عن نصرتك الفائقة!

لأقدِّم كل موهبة وإمكانيَّة قدَّمتها لي.

ولأعزل كل خوف عن قلبي!

-     هب لي إن أمكن أن أصنع سلامًا مع كل بشر!

هب لي ألاَّ أُقيم عهدًا مع الشرّ!

لأترفَّق بكل خاطئ،

وأتطلَّع إليه، فأراه قادمًا بالمجد في يوم الرب العظيم،

فأنت مخلِّص الخطاة!

هب لي ألاَّ أترفَّق بالخطيَّة،

بل أدمِّر مملكتها التي تتسلَّل لتحتل أعماقي!

-     طلبت من شعبك الترفُّق بالأشجار،

هب لي قلبًا رحيمًا يترفَّق بكل الخليقة حتى الجامدة!

خلقت لي العالم لا لأدمِّره،

بل لأعمل فيه فتباركه بالثمار!

هب لي أن اهتم بكل شجرة حديثة الغرس.

فتمتلئ جنَّتك بأشجار القدِّيسين الحاملة ثمار الروح!

لأكن محاربًا قويًا وجنديًا مترفِّقًا.

لأحب الحق وأترفَّق بكل ضعيف!



السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 20 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 21 جـ1 PDF Print Email

حقوق الفئات المرذولة
شرائع خاصة بالقتيل بيدٍ مجهولة،
وبالمسبيَّات، والابن البكر، الابن المعاند،
والمعلّق على خشبة

تحدَّث في الأصحاح السابق عن المؤمن كجندي حقيقي يدخل المعركة تحت قيادة الله نفسه، يحارب الشر بكل قوَّة وحزمٍ، ويحمل روح الله واهب الحب فيترفَّق حتى بالأشجار فلا يدمِّرها أثناء معركته. الآن ينطلق بنا إلى دائرة الرحمة فيقدِّم لنا خلال شريعته أمثلة حيَّة للرحمة الحقَّة التي لا يمكن نزعها عن العدل، حتى لا تتحوَّل إلى نوع من التسيُّب. أراد المشرع تأكيد حقيقتين هامتين في هذا الأصحاح، وهما تقدير الحياة البشريَّة، والاهتمام بحقوق الإنسان، خاصة العاجز عن التمتُّع بحقوقه.

تحدَّث هنا عن الفئات المرذولة والمحتقرة أو المظلومة حتى نأخذ موقفًا إيمانيًا لائقًا. تحدَّث عن دم القتيل المجهول، والمسبيَّة التي تؤخذ زوجة ثم يعود فيطردها الزوج، والابن البكر من الأم المكروهة، والأب الذي يتمرَّد عليه ابنه، وجثمان من حُكم عليه بالإعدام وعُلِّق على خشبة. هذه عيِّنات متنوِّعة لفئات مرذولة أو مظلومة.

1. القتيل بيد مجهولة                 [1-9].

2. المسبيَّة التي تؤخذ زوجة         [10-14].

3. حق البكوريَّة                      [15-17].

4. الابن المتمرِّد                      [18-21].

5. المعلَّق على خشبة                [22-23].


1. القتيل بيدٍ مجهولة:


"إذا وجد قتيل في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعًا في الحقل لا يعلم من قتله. يخرج شيوخك وقضاتك ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل" [1-2].

لا يستطيع أحد أن يدرك قيمة هذه الشريعة الخاصة بالاهتمام بالدم المسفوك بيدٍ مجهولةٍ إلاَّ ذاك الذي يدرس عادات الأمم في ذلك الحين، حيث كان دم الإنسان في نظرهم تافهًا لا يساوي شيئًا، أمَّا هنا فيُحسب ذلك جريمة على الأرض، وخطيَّة في نظر السماء لا يمكن غفرانها ما لم تكن الجماعة جادَّة في البحث عن القاتل. حياة كل إنسان هي موضع الاهتمام الإلهي نفسه.

سبق فقدَّم شريعة القاتل عمدًا (19: 11)، وكيف يُسلَّم في يد وليّ الدم فيموت، فيُنزع دم البريء من إسرائيل. في هذا الأصحاح يعالج الموقف إذا لم يُعرف من هو القاتل. إن وُجد إنسان قتيل لا يؤخذ الأمر بتهاون بل يلزم البحث عن القاتل في جدِّيَّة حتى لا تتنجَّس الأرض بسفك دمٍ بريء. وكما جاء في سفر إشعياء: "لأنَّه هوذا الرب يخرج من مكانه ليُعاقب إثم سكان الأرض فيهم، فتكشف الأرض دماءها، ولا تغطِّي قتلاها في ما بعد" (إش 26). تُعتبر الجماعة كلَّها المحيطة بالموقع الذي يوجد فيه قتيل بيدٍ مجهولة مذنبة في حقِّه وأمام الله، ما لم تعمل كل ما في وسعها حتى تكتشف القاتل وتحكم عليه. من أجل هذا يجتمع شيوخ المدن المجاورة وقضاتها لفحص الأمر[234].

أمال الله أذنيه ليسمع صوت دم هابيل الصارخ إليه من الأرض (تك 4: 10). إنَّه لا يطيق أن يسمع الأعذار البشريَّة: "لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟!" (تك 4: 9).

جاءت الشريعة تؤكِّد الآتي:

أ. البحث الجاد عن القاتل، وفحص الشهود، ودراسة الظروف المحيطة بالجريمة، حتى يمكن الكشف عن مرتكب الجريمة، لكن إن لم يتمكَّن أحد من التعرُّف على المجرم فلا يجوز التسرُّع في اتِّهام أي شخص، حتى لا يُظلم أحد.

ب. يمارس الشيوخ الطقس التالي:

"فالمدينة القُربى من القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يُحرث عليها، لم تجرَّب بالنير، وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى وادٍ دائم السيلان لم يُحرث فيه ولم يزرع، ويكسرون عنق العجلة في الوادي" [3-4].

جاء في سفر الخروج (13: 13) "كل بكر حمار تفديه بشاة، وإن لم تفده فتكسر عنقه". هذا الطقس ليس ذبيحة تقدَّم لله، وإنَّما هو عمل رمزي فيه يؤكِّد شيوخ المدينة التي بالقرب من القتيل أنَّه إن سقط القاتل بين أيديهم يكسرون عنقه بلا تردُّد. أمَّا اختيارهم لوادٍ لم يُحرث فيه ولم يزرع فإشارة إلى أنَّه بسبب هذه الجريمة تصير الأرض خربة لا تصلح للزرع. يرى بعض اليهود أنَّه إن لم يُكتشف القاتل ويُقتل تترك الأرض التي كُسر فيها عنق العجلة قفر، لا تُزرع.

ج. "ثم يتقدَّم الكهنة بنو لاوي، لأنَّه إيَّاهم اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا باسم الرب، وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ضربة" [5].

هكذا سفك دم إنسان يربك كل الحكام (الشيوخ) والقضاة والكهنة ليعمل الكل معًا من أجل اكتشاف القاتل.

يتقدَّم "الكهنة بنو لاوي" بكونهم خدَّام الله ملك إسرائيل، وملتزمين أن يحرصوا على إتمام الشريعة الإلهيَّة بكل أمانة. هنا يحضر الكهنة الساكنون في أقرب مدن اللآويِّين المجاورة للموضع الذي وُجد فيه القتيل. حضورهم أيضًا يُعطي للموقف قدسيَّته، ويكشف عن خطورته، يعلنوا حضرة الله نفسه ليفصل في القضيَّة. الله نفسه يهتم بهذا الأمر.

د. "ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي،ويصرِّحون ويقولون: أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر. اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب، ولا تجعل دم بريء في وسط شعبك إسرائيل. فيُغفر لهم الدم. فتنزع الدم البريء من وسطك إذا عملت الصالح في عينيّ الرب" [6-9].

إذ يغسل جميع الشيوخ أياديهم على العجلة المكسورة العنق يعلنون أنَّهم أبرياء من سفك الدم، وأن المدينة كلها تلتزم أن تعلن عن الحق، وتكشف عن القاتل. كأنَّهم يقولون مع المرتِّل: "اَغسل يدي في النقاوة، فأطوف بمذبحك يا رب" (مز 26: 6). "حقًا قد زكًّيت قلبي باطلاً، وغسلت بالنقاوة يديَّ" (مز 73: 13). أنَّهم يعترفون أنَّهم ليس قط لم يسفكوا هذا الدم البريء بل ولم يستطيعوا أن يتعرَّفوا على القاتل لتسليمه لوليّ الدم. أمَّا بيلاطس فقد غسل يديه وهو يقول: "إنِّي بريء من دم هذا البار" (مت 27: 24). لكن قوله هذا لم يعفه من المسئوليَّة، فإنَّه لا يستطيع أن يقف أمام الله ويقول: "أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر". غسل يديه لا يجعله بريئًا من سفك دم السيِّد المسيح.

ه. يُصلِّي الشيوخ (والكهنة) لكي يغفر الله لشعبه، فلا يتحمَّل الشعب هذا الجُرم بسبب قاتلٍ ارتكب جريمته خِفية وهرب. إن كان كل شخص مسئول عن خطئه هو وليس عن أخطاء الغير، لكن الجماعة ككل تلتزم بالعمل والصلاة من أجل الحياة الجماعيَّة المقدَّسة. عندما حزن شعب أهل كورنثوس من أجل إنسانٍ واحدٍ سقط في خطيَّة الزنا، قال الرسول: "فإنَّه هوذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة الله كم أنشأ فيكم من الاجتهاد، بل من الاحتجاج، بل من الغيظ، بل من الخوف، بل من الشوق، بل من الغيرة، بل من الانتقام؛ في كل شيء أظهرتم أنفسكم أنَّكم أبرياء في هذا الأمر" (2 كو 7: 11).

من هو هذا القتيل إلاَّ البشريَّة التي حطَّمتها الخطيَّة؟! من يزيل إثمها إلاَّ ذبيحة السيِّد المسيح البار؟!

لا نعجب من الضغط الذي تضعه الشريعة على قادة المدن المجاورة لموقع الجريمة، فإنَّه في علم النفس الجنائي الحديث اكتشف العلماء أن مرتكب الجريمة غالبًا ما يحوم حول الجريمة، لهذا كثيرًا ما يكتشف الجاني بمراقبة موقع الجريمة في شيء من السريَّة وملاحظة المتردِّدين على الموقع.

غالبًا ما ترتكب جرائم القتل خِفية، لأنَّها من عمل عدوّ الخير رئيس مملكة الظلمة، لذا طالبت الشريعة أن يكون البحث عن الجاني علانيَّة في النور، حتى تسير الأمور في طريقها الصحيح.

2. المسبيَّة التي تُؤخذ زوجة:

إذ عالجت الشريعة موضوع الزواج بالمسبيَّات أوضحت حقوق الزوجات إن حدث تعدُّد زوجات، وإن كان هذا التعدُّد لم يكن مقبولاً. يمكننا القول بأنَّه من أجل قسوة قلوبهم سُمح للجنود، حسب الشريعة الموسويَّة، أن يتزوَّج الجندي بالسيِّدة التي يسبيها في الحرب، إن أراد ذلك. وقد سُمح له بذلك حتى لا يسقط في الدنس معها دون زواج، فيكون في وسط إسرائيل حرام، ويحلّ غضب الرب على الجيش كلُّه. لكن يلزمهم ألاَّ يُسيئوا استخدام هذا السماح إذ وضعت له قوانين وحدود.

واضح، كما يقول اليهود، أن الرجل هنا متزوِّج، فيُسمح له بالزوجة الثانية المسبيَّة. هنا ينسحب قلب الجندي وراء عينيه اللتين تنظران إلى امرأة فيراها جميلة ويشتهيها. أمَّا في العهد الجديد فقد حُسبت النظرة وراء الشهوة خطيَّة زنا، إذ تطالبنا شريعة المسيح ألاَّ نشتهي، فلا ينسحب القلب وراء النظرة الخاطئة.

أ. مهما كانت رغبة الجندي، ومهما بلغ جمال المرأة المسبيَّة، يجب ألاَّ يتسرَّع في الالتصاق بها، إنَّما يجب أولاً أن يتَّخذها لنفسه زوجة [11].

"إذا خرجتَ لمحاربة أعدائك ودفعهم الرب إلهك إلى يدك وسبيت منهم سبيًا. ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة والتصقت بها واتَّخذتها لك زوجة" [10-11].

ب. إن كانت المرأة مسبيَّة فمن حقِّه أن يتزوَّجها دون أن يطلب رضا والديها. لكنَّه يلتزم ألاَّ يقترب منها إلاَّ بعد شهر من الزمان، إذ قيل:


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 21 جـ2 PDF Print Email

"فحين تدخل إلى بيتك تحلق رأسها وتقلِّم أظافرها، وتنزع ثياب سبيها عنها، وتقعد في بيتك، وتبكي أباها وأمها شهرًا من الزمان، ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوَّج بها، فتكون لك زوجة" [12-13].

حلْق رأسها يرمز للحزن في ذلك الوقت في البلاد الشرقيَّة. سمح بذلك أولاً لكي لا يكون الجمال هو عِلَّة الزواج بها، فإنَّها تحلق شعرها وتقلِّم أظافرها، عندئذ لا يكون قرار الزواج فيه تسرُّع بسبب الجمال الجسدي. هذا ومن جانب آخر لا يشبع رغبته الجسديَّة على حساب مشاعرها، فيتركها وحدها لمدَّة شهر ترثي حالها وتبكي والديها اللذين فقدتهما. ويرى البعض في حلق رأسها علامة على جحدها عبادتها الوثنيَّة ودخولها إلى الإيمان بالله الحيّ. فإنَّها مع التغيير الخارجي لمظهرها يلزم أن تقبل تغييرًا داخليًا بالإيمان الصحيح. لهذا يرى اليهود أن المرأة المسبيَّة التي ترفض قبول الإيمان لا يمكن أن تُقبل كزوجة. تقليم الأظافر التي كانت النساء في منطقة الشرق يزيِّنونها بالحنَّة، خاصة عند الزواج يعني حزنها على ترك أسرتها.

إنَّها لا تبكي لحرمانها من ممارسة العبادة الوثنيَّة، بل من الالتصاق بوالديها، ونوال رضاهما وبركتهما في الزواج، والحرمان من بقيَّة أفراد أسرتها.

مدَّة بكائها هو شهر كامل، وقد جاءت الترجمة الحرفيَّة "شهر من الأيَّام"، هذا وقد كانت فترة الحزن هي أربعين يومًا (تك 50: 3). فإن كان رقم 40 يشير إلى كل أيَّام غربتنا، لذا صام موسى النبي، وإيليَّا، والسيِّد المسيح أربعين يومًا كرمز للحياة النسكيَّة كل أيَّام غربتنا، فإن بكاء المسبيَّة لمدَّة أقل من 40 يومًا يشير إلى عدم تجاهل مشاعرها البشريَّة بالسماح لها بالبكاء لكن ليس كل المدَّة، لأن زوجها يعوِّضها هذا الحزن ويهتم بإسعادها. لتحزن ولكن في رجاء أن حياتها الجديدة تعوِّضها ما قد فقدته، وربَّما أكثر ممَّا حُرمت منه، إذ لا تُعامل كمسبيَّة بل كزوجة، وكإحدى أفراد الأسرة. إنَّها تدخل في عضويَّة شعب الله.


ج. "وإن لم تسرّ بها فأطلقها لنفسها. لا تبيعها بفضَّة، ولا تسترقَّها من أجل أنَّك أذللتها" [14].

لأنَّه قبلها زوجة، فإن لم يُسر بها لا يجوز له أن يعاملها كقطعة أثاث يبيعها، أو كعبدةٍ، أو أسيرةٍ يسلِّمها لغيره، إنَّما يطلقها بكامل حرِّيَّتها. لها حق العودة إلى بلدها، لأنَّه أذلَّها وأحزنها.

يرى بعض الآباء مثل العلامة أوريجانوس والقدِّيس جيروم أن هذه المرأة المسبيَّة الجميلة هي الفلسفة الزمنيَّة والحكمة البشريَّة، فإنَّه يليق بالمؤمن أن يستخدم هذه الفلسفة أو الحكمة بشرط نزع كل ما تحمله من أفكار خاطئة ميِّتة. حلق الشعر وتقليم الأظافر يشير إلى ذلك.

-     نقرأ في التثنيَّة الأمر الذي يصدره صوت الرب بأن يُحلق شعر رأس المرأة المسبيَّة وجفون عينيها وكل شعرها مع تقليم أظافرها، بعد ذلك يمكن أن تصير زوجة.

هل في هذا عجب؟ أنا أيضًا إذ أعجب بجمال شكل الحكمة الزمنيَّة ونعمة بلاغتها، مشتاقًا أن أجعل من الأسيرة لديّ والعبدة زوجة لإسرائيل الحقيقي أقوم بحلق وقطع كل ما هو ميِّت فيها، سواء كان هذا عبادة أوثان أو لذَّة أو خطأ أو شهوة، آخذها طاهرة ونقيَّة، فألِدْ منها خدَّامًا لرب الصباؤوت؟

يتحدَّث إشعياء النبي عن موسى حاد به يُحلق "رأس الخطاة، وشعر أقدامهم" (إش 7: 20)، وحزقيال يحلق رأسه كرمز لأورشليم التي صارت زانية، كعلامة على الالتزام بنزع

كل ما فيها ممَّا هو بلا إحساس ولا حياة[235].

القدِّيس جيروم

بلا شك تسبِّب الحروب ارتباكات كثيرة أثناء المعارك وما بعدها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). لكن هذا لا يعطي الجندي عذرًا ليتصرَّف مع الفتاة المسبيَّة بغير لياقة. ليكن الارتباك في الخارج، لكن يلزم ألاَّ يمس قلبه أو فكره أو تصرُّفاته. ليكن كل شيء في اتِّزان وبحكمة... لا تدخل الحرب إلى قلبه ولا تفسد مبادئه وقيَمِه.

ليس هناك وجه مقارنة بين ما ورد هنا عن حقوق المرأة المسبيَّة المختارة زوجة وبين ما كانت الأمم تفعل بالنساء المسبيَّات. لقد قدَّمت الشريعة أقصى ما يمكن أن يحتمله إنسان اقتنى فتاة مسبيَّة لكي يحترم كرامتها. فإنَّها إذ تصير زوجته عليه أن يدرك أنَّها ليست دُمية يلهو بها حسب أهوائه الجسديَّة، بل يحترمها كابنة إسرائيل، تشاركه عبادته لله الحيّ وحبُّه لله وخضوعه الناموس الإلهي. إن لم يهبها هذه الحقوق فليتركها لتتمتَّع بأثمن عطيَّة بشريَّة وهب "التحرُّر من العبوديَّة".

لقد قدَّمت الشريعة أساسًا حيًّا بقبول الإنسان فيما بعد الفكر المسيحي أنَّه في المسيح يسوع "ليس رجل وامرأة"، بل الكل أعضاء متساوية في الكرامة في جسد المسيح الواحد.

تقدِّم لنا هذه الشريعة صورة حيَّة عن قوَّة الحب. فإنَّه حتى في الحروب حيث يسيطر الغضب وحب سفك الدماء على كثيرين، متى سقطت فتاة مسبيَّة بين يديّ جندي، أن تحرِّك فيه الحب، فالحب يحرِّرها! الحب يزيل روح العبوديَّة لتحتل الحريَّة موضعها!

إن كان حب الجندي المقاوم والعدو ينتزع من السيِّدة روح العبوديَّة ويدخل بها إلى "بيت إسرائيل" لتمارس الحياة بحريَّة كاملة، فماذا يفعل الحب الإلهي بالنفس الخاضعة لعبوديَّة الخطيَّة؟ حب الله حرَّرنا من عبوديَّة إبليس ودخل بنا إلى "أهل بيت الله".

3. حق البكوريَّة:

بعد أن تحدَّث عن حقوق المرأة المسبيَّة التي يحبَّها مؤمن، أشار إلى حقوق الابن البكر المولود من زوجة مكروهة من رجلها. بروح العدالة لا يعامل الرجل ابنه الأكبر حسب مشاعره من نحو والدته، إنَّما يلتزم الأب باحترام حق البكوريَّة.

"إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة، فولدتا له بنين، المحبوبة والمكروهة. فإن كان الابن البكر للمكروهة. فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحلّ له أن يقدِّم ابن المحبوبة بكرًا ليعطيه نصيب اثنين من كل ما يوجد عنده، لأنَّه هو أول قدرته له حق البكوريَّة" [15-17].

أ. يظهر هذا القانون مساوئ تعدُّد الزوجات، كيف تسبِب للرجل متاعب حتى في علاقته بأبنائه.

ب. يظهر هذا القانون عناية الله العجيبة، فإنَّه غالبًا ما يهب الله للرجل ابنه البكر من المرأة التي يبغضها حتى يحبَّها من أجل ابنه البكر أو أبنائه. هذا ما نراه في قصَّة يعقوب الذي أحب راحيل وأبغض ليئة (تك 29: 31)، ففتح الله رحمها ووهب ليئة أبناء وكانت أمًّا لابنه البكر.

ج. يليق بالوالدين ألاَّ يتعاملوا مع الأبناء في محاباة. حقًا حرمْ يعقوب ابنه البكر رأوبين حق البكوريَّة، لكن ليس لأنَّه كان يبغض أمُّه، وإنَّما لأن الابن أهان بكوريَّته بسلوكه. إن كان الوالدان عاجزين على ممارسة الحب الكامل تجاه بعضهما البعض، وهذا له خطورته العظمى حتى على الأطفال، فإنَّه على الأقل يلزم ألاَّ يفقد الوالدان روح العدالة في التعامل مع أبنائهما حتى في تحديد الميراث بعد انتقالهما من هذا العالم. يليق بهما أن يكونا عادلين متى كتبا وصيَّة خاصة بالميراث.

د. "لا يحل"
للأب أن يختار ابن المحبوبة ويحسبه بكرًا، متجاهلاً البكر الحقيقي المولود من المكروهة. وقد جاءت الترجمة "لا يقدر"، بمعنى أن الشريعة الإلهيَّة تجعله عاجزًا عن تنفيذ مشاعره الخاطئة. هذا ويلاحظ أن بعض الأمم كانت تعطي البكر حق أخذ كل الميراث ويكون أشبه بأب اخوته، يعمل الكل تحت ظلُّه في بيت كبير mass family.

ه. الإنسان الروحي يحب الآخرين كأبناء أبكار له، فيود أن يقدِّم لهم ضعفًا في وصيَّته الوداعيَّة، بل ويشتهي أحبَّاؤه الروحيِّين في جرأة أن ينالوا هذا الميراث. هذا ما اشتهاه اليشع النبي حيث طلب من معلِّمه إيليا النبي: "ليكن نصيب اثنين من روحك عليَّ" (2 مل 2: 9).

إن كانت إسرائيل قد صارت كزوجة مكروهة بسبب إصرارها على خطاياها حتى سلَّمها الله كتاب طلاقها خلال الأنبياء، فقد جاء السيِّد المسيح ابنًا لهذه الأمَّة: "إلى خاصَّته جاء وخاصَّته لم تقبله" (يو 1: 11). مع هذا فهو البكر الوارث الحقيقي، من يرتبط به يرث معه حتى وإن كانت أسرته أو والداه أشرارًا. هكذا لا نخف من انتسابنا لوالد ووالدة غير مقدَّسين، فإنَّنا في عينيّ الآب السماوي أبناء أبكار، لنا حق الميراث المضاعف.

يعتز المؤمن ببكوريَّته، إذ صار عضوًا في كنيسة الأبكار. يقول القدِّيس أكليمندس السكندري:

-     هذه هي الكنيسة البكر (عب 12: 23) تضم أبناء صالحين كثيرين، هؤلاء هم الأبكار الذين يُسجَّلون في السماء، ويمارسون عيدًا ساميًا مع ربوات الملائكة. نحن أيضًا أبناء أبكار، الذين يقومون بواسطة الله، نحن الأصدقاء الحقيقيُّون للبكر، الذين ننال معرفة الله أولاً وقبل كل شيء[236].

4. الابن المتمرِّد:

"إذا كان لرجل ابن معاند ومارد، لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمُّه، ويؤدِّبانه فلا يسمع لهما. يمسكه أبوه وأمُّه، ويأتيان به إلى شيوخ مدينته وإلى باب مكانه. ويقولان لشيوخ مدينته: ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرف وسكِّير. فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت، فتنزع الشرّ من بينكم، ويسمع كل إسرائيل ويخافون [18-20].

لم ترد هذه الشريعة الخاصة بمحاكمة الابن العاق إلاَّ بعد أن قدَمت الشريعة الكثير عن مسئوليَّة الوالدين في ممارسة الحب الحقيقي والسلوك كأسرة مقدَّسة، وتقديم حياتهما كمثال حيّ للأبناء، مع خلق جو مناسب للتربية اللآئقة بالأنبياء. لقد ركَّزت الشريعة على مسئوليَّة الوالدين قبل إدانة الأولاد.

جاءت هذه الشريعة لتؤكِّد حقيقة هامة أنَّه في كل مجتمع، وفي كل جيل يوجد أولاد صالحون وأولاد أشرار. فلو أن الجميع صالحون فلا حاجة لهذا التشريع، ولو أن الكل أشرار فلا نفع منه أيضًا.

سبق لنا الحديث عن عقوبة إهانة الوالدين[237]. رأى العلامة أوريجانوس إن العناد مع الوالدين الجسديِّين هو ظل للعناد ضد الوالدين السماويِّين: الله الآب وأورشليم العليا أمِّنا، فيقول:

[إن كان الحكم هكذا لمن يسب أسرته الجسديَّة، فكم بالأكثر من يهين الله بكلمات سب، وينكرون أنَّه خالق العالم؟! أو من يسيء إلي أورشليم السماويَّة التي هي أمِّنا كلِّنا (غلا  4: 26)؟![238]]


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 21 جـ3 PDF Print Email


العصيان مع العناد يشبه التجديف، ولابد من معاقبته بنفس العقاب، والمفروض أن ذلك يتم بعد أن فشل الوالدان في تقويمه. ويلاحظ في العقوبة هنا الآتي:

أ. تتم جريمة التمرُّد ليس بسبب عجز الابن أو عدم قدرته على تنفيذ طلبات والديه أو عجزه في إدراكها، وإنَّما عن إرادة شرِّيرة وعنادٍ. أنَّه يبغض أن يصلح من شأنه، أو يخجل من انتسابه لوالديه أو عائلته، ممَّا يحزن قلبيهما ويحطِّمهما.

ب. يركِّز على خطيَّة الإسراف والسكر [20]، فإنَّها تفقد الابن عقله ليسلك بعنادٍ، مقاومًا والديه. فإن السكر يجعل الإنسان ينسى كل الشرائع. لذا كانت وصيَّة الأم لابنها لموئيل الملك: "ليس للملوك يا لموئيل، ليس للملوك أن يشربوا خمرًا ولا للعظماء المسكر، لئلاَّ يشربوا وينسوا المفروض ويغيِّروا حجَّة كل بني المذلَّة" (أم 31: 5). يربط النص العناد بالإسراف والسكر؛ وكان ذلك في نظر اليهود جريمة كبرى. عندما تحدَّث السيِّد المسيح عن الابن الضال ذكر أنَّه بدَّد ميراثه في عيشة مسرفة. وفي سفر الأمثال يعطي الويل "للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج" (أم 23: 30). كما قيل: "الحافظ الشريعة هو ابن فهيم وصاحب المسرفين يُخجل أباه" (أم 28: 7).
د. لا ينفرد الأب ولا الأم بالشكوى ضد الابن، بل يلزم أن يتَّفق الاثنان معًا على أنَّه معاند ومسرف وسكِّير. وحتى في اتِّفاقهما معًا لا يستطيعان الحكم عليه دون الالتجاء إلى الشيوخ، حيث يذهبان إلى موضع القضاء، ويدرس الشيوخ الأمر ويتحقَّقان منه قبل صدور الحكم.

ه. يقدِّم الوالدان الشكوى للشيوخ، "فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت، فتنزع الشرّ من بينكم ويسمع كل إسرائيل ويخافون" [21]. يصعب جدًا على الوالدين أن يشتكيا ابنهما المتمرِّد وهما يعلمان أنَّه يُحكم عليه بالرجم حتى يموت. لكن الله سمح بذلك في العهد القديم لكي يُدرك الكل خطورة تربية الأبناء. فإن كان الإنسان بحسب مشاعره الطبيعيَّة يصعب عليه قبول ذلك، فماذا يكون موقفه وهو يدرك أنَّه بإهماله يسلِّم أولاده لا للرجم بل للنار الأبديَّة؟! إن ما يشغل فكر الله لا المشاعر الإنسانيَّة المجرَّدة، وإنَّما الخلاص الأبدي والمصير النهائي للإنسان. لقد طالبت الشريعة أن تكون المحاكمة علنيَّة يقوم بها الشيوخ؛ هذا يعطي الفرصة لأهل المدينة أن يشهدوا إن كان هذا العقوق بسبب إهمال الوالدين أو عنفهما أو انحلالهما، حتى لا يُظلم الأبناء.


و. وُضع هذا القانون لكي يراجع الإنسان نفسه، فإن كان العناد مع الوالدين يدفع بالإنسان إلى الرجم، فماذا يكون العناد مع الله نفسه؟!

ز. الخطيَّة، خاصة العناد، تفسد الأرض، لذا قيل: "فتنزع الشر من بينكم". وكما يقول المرتِّل: "باكرًا أبيد جميع أشرار الأرض لأقطع من مدينة الرب كل فاعلي الإثم" (مز  101: 8). خطيَّة العقوق مع الإسراف والسكر موجَّهة ليس فقط ضد الوالدين بل ضد الجماعة كلَّها، لهذا تتم عقوبة المصرّ على العصيان علانيَّة أمام كل الجماعة التي يخطئ الابن العاق في حقِّها. الإنسان العاق يحطِّم سلام بيته، وينقل هذا الوباء إلى زملائه ليفسد الآخرين. لقد حذَّرنا الرسول بولس من تصرُّفات الآباء التي تسبِّب هذا الوباء، إذ يقول: "أيُّها الآباء لا تغيظوا أولادكم". فالابن يحتاج أن يعيش في جو من الحب حتى لا ينحرف إلى العنف والفساد. إنَّها مسئوليَّة الوالدين.

ح. يحكم على الابن العاق بالرجم (21: 18-21)، هكذا يكشف عن خطورة العقوق.

5. المعلَّق على خشبة:

"وإذا كان على إنسان خطيَّة حقَّها الموت فقُتل وعلَّقته على خشبة، فلا تبِتْ جثَّته على الخشبة، بل تدفنه في ذلك اليوم، لأن المعلَّق ملعون من الله، فلا تنجِّس أرضك التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا" [21-23].

العقوبة بالإعدام مع ترك الجسد معلَّقًا على خشبة أو على شجرة أو على الصليب إلى فترة ما كان يُقصد بها الكشف عن خطورة الجريمة وبشاعتها. على ما أظن أن الشريعة قد سمحت لجثمان المجرم أن يعلَّق على الشجرة لا للتشهير به، وإنَّما ليكون عبرة لغيره، فلا يُسمع بل يُرى منظر المجرم المعلَّق على خشبة فيخاف الكل. ومع هذا فإن الشريعة تؤكِّد تقديرها للأجساد، فلم تسمح أن يُترك جسد المجرم المعلَّق على خشبة إلى ما بعد الغروب، بل يلزم دفنه.

يرى كثير من الدارسين أن التعليق على خشبة كان يتم بعد موت المجرم، وليس كوسيلة لموته.

عندما بدأ الشعب يزني مع بنات موآب وجذبن الشعب نحو الذبح للأوثان وتعلَّق إسرائيل بالوثن بعل فغور صدر الأمر الإلهي لموسى النبي: "خذ جميع رؤوس الشعب وعلِّقهم للرب مقابل الشمس فيرتد حمو غضب الرب عن إسرائيل" (عد 25: 5).

كانت عادة التعليق على خشبة منتشرة عند الأمم، فعند تفسير يوسف الحلم لخبَّاز فرعون ملك مصر قال له: "يرفع فرعون رأسك عنك ويعلِّقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك" (تك 40: 19). واضح هنا أن الحكم يصدر أولاً بقطع رأسه وبعد ذلك يُعلَّق جثمانه وذلك للأسباب التالية:

أولاً:
مهما بلغت بشاعة الخطيَّة، فإن الله يهتم أن تدفن الأجساد في القبور. أراد الله حفظ تكريم الأجسام البشريَّة حتى بالنسبة لأشر المجرمين. حقًا يسمح الله بالتأديب، ولكن في حدود حتى لا تُهان الطبيعة البشريَّة، يسمح بالجلد ولكن في حدود، ويسمح عند الضرورة بالإعدام، ولكن لا يبقى الجسد أكثر من نهارٍ واحدٍ.

ثانيًا:
إن كان يُسمح بترك الجسم معلَّقًا في النهار، فإن الله يريدنا ألاَّ نبالغ في الخوف من الخطيَّة، وألاَّ يسيطر ذلك علينا. لنذكر خطايانا كي نتوب، لكن لتُدفن أيضًا، وننشغل بالله غافر الخطيَّة.

ثالثًا: تقدَّم هذه الشريعة طقسًا دينيًا، فبحسب الشريعة يحمل جثمان الميِّت دنسًا، لأن الموت جاء إلى العالم كثمرة للخطيَّة. فلا يبقى الجثمان غير مدفون حتى لا تتدنَّس أرض المدينة كلَّها.

رابعًا: جاءت هذه الشريعة تمس موضوع خلاصنا. ولم يوجد عار أحطّ من هذا لينزل إليه المسيح مخلِّصنا (غل 3: 13) وقد حاول حكام اليهود عبثًا أن يبعدوا اللعنة بالتمسُّك بحرفيَّة هذا الناموس (يو 19: 31). فقد قبل السيِّد المسيح أن يموت صلبًا، إذ وهو لا يعرف الخطيَّة صار خطيَّة لأجلنا. صار واهب البركة حاملاً لعنة الناموس عنَّا، فصار معلَّقًا على الصليب كمن لا يستحق أن يوجد في السماء ولا على الأرض، لكنَّه يُدفن قبل الغروب حتى يقتل اللعنة ويهبنا فيه الحياة المقامة. وكما يقول الرسول بولس: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنَّه مكتوب ملعون كل من عُلِّق على خشبة، لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح" (غلا 3: 13-14). لقد قبل مسيحنا اللعنة من أجل تقديسنا. ويقول القدِّيس بطرس الرسول: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ" (1 بط 2: 24). وكما يقول القدِّيس يوحنا المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيَّة العالم" (يو 1: 29).

لقد احتلَّ مخلِّصنا مكاننا لكي نحتل مكانه، قبل الصليب بكل سرور. "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمِّله يسوع الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهينًا بالخزي، فجلس في يمين عرش الله: (عب 12: 2). هذا العمل الفدائي العجيب موضع سرور الآب: "أمَّا الآب فسرَّ بأن يسحقه بالحزن؛ أن جعل نفسه ذبيحة إثم" (إش 35: 10). سرّ الآب الذي قدَّم ابنه الحبيب ذبيحة إثم، أن يحمل اللعنة عنَّا، لكي يدخل بنا إلى برِّه ومجده.

يروي لنا الإنجيلي يوحنا: "ثم إذ كان استعداد فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيمًا. سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا" (يو 19: 31).

-     إن سأل أحد من شعبنا، ليس عن حب الحوار بل عن حب التعلُّم: "لماذا لا يحتمل الموت بطريق آخر غير الصليب؟ فليقل له أيضًا أنَّه ليس من طريق آخر غير هذا نافع لنا، وأنَّه حسنًا أن الرب يحتمل هذا من أجلنا. فإنَّه هو نفسه جاء لكي يحمل اللعنة التي حلَّت بنا، إذ كيف يمكن أن يصير هو لعنة (غلا 3: 13) ما لم يتقبَّل الموت الذي يحمل لعنة؟ هذا هو الصليب[239].

البابا أثناسيوس الرسولي

-     كان الموت على الصليب في أعينهم دنسًا عظيمًا إذ لم يدركوا أنَّه كان نبوَّة... هذا الموت الذي لنا، الذي وُجد أصله في الخطيَّة، قد حمله بنفسه وسمره على الخشبة[240].

القدِّيس أغسطينوس

أخيرًا ما يؤكِّده هذا الأصحاح بخصوص كل الحالات المذكورة أنَّه حتى في العهد القديم يهتم الله بكل إنسان شخصيًا، فمن أجل دم قتيل واحد يحل بغضبه على كل المدن المجاورة له، إن أهملت في البحث عن القاتل؛ ومن أجل جثمان مجرم يُترك معلَّقًا على خشبة إلى الليل تتدنَّس الأرض كلَّها! هكذا يؤكِّد الله اهتمامه بكل إنسان شخصيًا. وفي العهد الجديد أعلن السيِّد المسيح أنَّه ليس مشيئة الله أبينا أن يهلك أحد الأصاغر (مت 18: 14)، وأن ملائكة الله تفرح بخاطئ واحدٍ يتوب (لو 15: 10)، وأن من قبِل ولدًا واحدًا باسمه فقد قبِلَه (مت 18: 5).

السيِّد المسيح لم تشغله الجماهير التي تزحمه عن زكَّا، بل أوقف الموكب كلُّه لكي يدعو نفسه للدخول إلى بيت زكَّا الذي طلب أن يرى يسوع من هو (لو 19: 2). لقد اهتم بنازفة الدم وسط الجماهير فقال: "من الذي لمسني؟" (لو 8: 45). قال بطرس والذين معه: "يا معلِّم الجموع يضيِّقون عليك ويزحمونك وتقول من لمسني؟!"



السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 21 جـ4 PDF Print Email

من وحيّ تثنيَّة 21
لألتقي بك خلال المرذولين!

-     لالتقي بك يا من صُلبت خارج المحلَّة،

صرت مطرودًا ومرذولاً!

حتى يلتقي بك المطرودون والمرذولون،

والذين لا يجدون من يسأل عنهم.

أراك تلتقي بي،

فإنَّه ليس من يضمَّني غيرك.

تبحث عن ضعفي أنا المرذول،

لأبحث أيضًا فأجدك بين المرذولين،

والتقي بك بين المطرودين!

-     أنت تهتم بالدم البريء، المسفوك بيدٍ مجهولة!

لا تترك الظلم يدنِّس الأرض.

تطلب من شعبك أن يهتمُّوا بالدم المسفوك،

وفي نفس الوقت لا يتهمُّوا أحدًا بتسرُّع!

ليغسل الكل أيديهم في النقاوة،

لا يتستَّروا على سافك الدم.

ولا يتهمُّوا أحدًا ظلمًا.

-     قتلَتني الخطيَّة وألقت بي أرضًا،

صرت جثمانًا بلا حياة!

ليس من يتطلَّع إليَّ ولا من يسأل عنِّي.

نزلت إليَّ وتطلَّعت إليَّ.

انتقمت لدمي بصليبك،

فسمَّرْت الخطيَّة وشهَّرت بعدو الخير.

بعثت فيَّ الحياة، ووهبتني القيامة!

لم أعد جثمانًا ملقيًّا بدمه على الأرض،

بل صرت ابنًا لله أتمتَّع بالأمجاد!

-     تهتم بمشاعر سيِّدة مسبيَّة وثنيَّة فقدت أسرتها وبلدها!

تطلب منها أن تبكي والديها ولا تبكي أوثانها.

تحفظ حقوقها حتى لا يحطِّمها من سباها!

يا لك من إله حكيم ورقيق للغاية!

أنت تهتم بنفسي،

لقد سبتها الخطيَّة وأذلَّها عدو الخير.

حرَّرتني وحملتني إلى حجالك.

سكبت بهاءك عليَّ!

وأقمت منِّي ملكة!

-     تهتم بالزوجة غير المحبوبة من رجلها.

غالبًا ما تهبها الابن البكر.

وتهتم بمشاعر ابنها!

-     جعلت منِّي بكرًا يا أيُّها الوحيد والفريد في البكوريَّة.

أمِّي الكنيسة محبوبة جدًا لدي عريسها،

أولادها جميعًا صاروا أبكارًا.

يتمتَّعون بميراث أبدي مضاعف.

-     تهتم بخلاص الابن المتمرِّد.

تسمح بالحزم الشديد معه من أجل أبديَّته.

تعلن لوالديه خطورة هلاكه أبديًا.

يسلِّمه والداه للشيوخ فيُقتل.

أمَّا أنا فنزعت عنِّي عقوقي،

حملتني لا إلى الشيوخ ليحموا عليَّ،

بل إلى الآب السماوي لاستقر في حضنه!

ألبستني برَّك وجعلتني شريكًا في طاعتك!

-     اعترف لك بأنِّي كسرت ناموسك،

سقطت تحت لعنة الناموس،

وصرت تحت حكم الموت محبوسًا في دائرة اللعنة.

بحبَّك دخلت بالصليب إلى دائرة اللعنة.

فجرت اللعنة وحطَّمت متاريسها،

أطلقتني حرًّا ومباركًا.

رفعت عنِّي لعنة الناموس،

ووهبتني بركات المجد الأبدي!

-     قد يستحق المجرم أن يُعلَّق على خشبة.

لكنَّك تهتم حتى بجثمانه فلا يبقى حتى الغروب.

تؤكِّد لنا تقديرك لا للنفس وحدها، بل وللجسد أيضًا.

أنت المهتم بالإنسان ككل يا خالقنا.

-    ملايين الملايين من السمائيِّين والأرضيِّين يزاحمونك،

وأنت في حبَّك تهتم بي شخصيًا.

أقول مع قدِّيسك أغسطينوس:

كأنِّي لا أرى في العالم إلاَّ أنت وحقارتي!

تعطيني كل الحب،

وأعطيك كل القلب!

هل يوجد من تحبُّه مثلي؟!

هل يوجد من يحبَّك مثلي؟!

أنا لك يا حبيبي، وأنت لي يا شهوة قلبي!


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 21 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
تفسير سفر التثنية اصحاح 22 جـ1 PDF Print Email

شرائع خاصة بالحُنوّ والقداسة

يعتبر هذا الأصحاح تكملة للأصحاح السابق، حيث يظهر في السابق اهتمام الله بفئة المرذولين، أو من ليس لهم من يسأل عنهم. هنا تكشف الشريعة عن غايتها ألا وهو الحنو مع كل أحد مع القداسة. فالمؤمن يتَّسع قلبه بالحب ويمتلئ حنُوًا على أخيه كما على الحيوانات والطيور. هذا الحنو يرتبط بالقداسة، فيليق بالجماعة أن تتَّسم بالحزم حتى لا تتسلَّل النجاسة إلى جماعة المؤمنين.

1. الاهتمام بما للجار أو الغريب               [1-4].

2. منع الشذوذ الجنسي                        [5].

3. الترفُّق بالطيور الحاضنة                    [6-7].

4. المحافظة على حياة الغير                   [8].

5. عدم الخلط                                  [9-11].

6. أهداب الثوب                                [12].

7. اتِّهام الزوجة بعدم البكوريَّة                 [13-19].

8. شريعة الزوجة فاقدة العذرة                [20-21].

9. الخيانة الزوجيَّة                            [22].

10.الزنا مع عذراء مخطوبة                  [23-27].

11.الزنا مع عذراء غير مخطوبة             [28-29].

12.السقوط مع زوجة الأب                    [30].

1. الاهتمام بما للجار أو الغريب:


لا يليق بالمؤمن أن يتغاضى عن أي  شيء مفقود لأخيه بل يهتم أن يردُّه إليه. يهتم حتى بالحيوان الساقط في الطريق.

"لا تنظر ثور أخيك أو شاته شاردًا وتتغاضى عنه، بل تردُّه إلى أخيك لا محالة. وإن لم يكن أخوك قريبًا منك ولم تعرفه فضمُّه إلى داخل بيتك، ويكون عندك حتى يطلبه أخوك حينئذ تردُّه إليه. هكذا تفعل بحماره، وهكذا تفعل بثيابه. وهكذا تفعل بكل مفقود لأخيك يُفقد منه وتجده. لا يحل لك أن تتغاضى. لا تنظر حمار أخيك أو ثوره واقعًا في الطريق وتتغافل عنه، بل تُقيمه معه لا محالة" [1-4].

هكذا يهتم الله حتى برعايتنا للحيوانات. في (خر 23: 4) تطالب الشريعة الإنسان أن يهتم بحمار عدوُّه أو مبغضه، فمهما بلغت العداوة بين الإنسان وأخيه يلزمه أن يترفَّق بالحيوان الذي لا ذنب له. إن كان هذا بالنسبة للعدو، فماذا يكون بالنسبة للجار أو الغريب، سواء كان يهوديًا أو أمميًا. ويلاحظ في هذه الشريعة الآتي:

أولاً: كلمة "أخ" هنا تُفهم بالمعنى الواسع، فلا يقصد الأخ حسب الجسد فقط. هذا واضح من الآية [2] "ولم تعرفه". وكأن الاهتمام بحيوانات الغير لا تقوم على أساس الاهتمام باحتياجات الأقرباء حسب الجسد، إنَّما هو عمل رحمة مقدَّم للحيوان أو الطائر، أيّا كان صاحبه.

-     الشريعة نفسها تعلِّمنا كيف نحب عدوِّنا، فإنَّه إن سقط حيوان عدوِّنا يلزمنا أن نقيمه[241].

القدِّيس جيروم

ثانيًا: يلزم ردّ القطيع الشارد إلى صاحبه أو إلى المرعى الذي ضلَّ منه، من أجل حق الجيرة، ومن أجل الترفُّق بالحيوان. هكذا لا يمكن للمؤمن أن يتغاضى أو يتجاهل حيوان جاره الشارد، بل خلال طبيعته المحبَّة لعمل الخير يرُد الحيوان الشارد.

هكذا يهتم الله حتى بالحيوانات الشاردة، فكم بالأكثر يهتم بالنفوس التي تركت بيتها السماوي، وشردت عن المرعى الإلهي، وتاهت وسط دوَّامة هذه الحياة. لقد نزل كلمة الله نفسه إلى أرضنا ليرد الخروف الضال، فتفرح السماء برجوعه. ونحن كأعضاء جسد المسيح لن يستريح قلبنا حتى نرد كل نفس إلى راعيها السماوي، وندخل بكل إنسانٍ إلى بيته، حضن الآب الأبدي.

ثالثًا: تلزمنا الشريعة أن نضم الثور أو الخروف الضال، لا أن نبعث إرساليَّة إلى صاحبه كي يأتي ويأخذه، فإن لعامل الزمن أهميَّة قصوى. كل تأخير في ضم الخروف قد يسبب ضررًا له. لنحمل الخروف ونأتي به إلى صاحبه أو إلى مرعاه بأسرع فرصة ممكنة.

رابعًا: إن لم نعرف صاحب الحيوان أو مرعاه، فلنحمله إلى بيتنا أو مرعانا كأمانة نحفظها وننفق عليها حتى نعرف صاحبها.

خامسًا: جاءت الترجمة الحرفيَّة لكلمة "شارد" "مسحوبًا"[242] بمعنى متى رأى الإنسان إحدى حيوانات أخيه يسحبها آخر لا يقف مكتوف الأيدي، ولا يسلك بروح السلبيَّة، بل يتصرَّف بما يليق كإنسانٍ أمينٍ مع صاحب الحيوان. كما أن الله لم يقف سلبيًا أمام انهيارنا حيث سلَّمنا أنفسنا لعدو الخير، وصرنا كغنمة يسوقها ويضلِّلها بعيدُا عن حظيرتها، فجاء الراعي الصالح وبذل ذاته من أجل كل حمل، لكي يردُّه إلى الحظيرة السماويَّة. هكذا لا نقف نحن في سلبيَّة إن سلب أحد إحدى حيوانات أخينا. ولا نقف في سلبيَّة إن سلب عدو الخير نفس أخينا أو ذهنه أو إرادته من المرعى السماوي لينحدر به إلى الجحيم.

يليق بنا أن نسمو فوق متطلِّبات الناموس، لكن للأسف أحيانًا ننحدر فلا ننفِّذ حتى متطلِّبات سفر التثنيَّة. إن كان سفر التثنيَّة يحثِّنا أن نهتم حتى بحمار قريبنا أو ثوره كيف لا نبالي بأفكاره وقلبه وكيانه الداخلي حين يسحبه الشيطان إلى نيران جهنَّم، مقدِّمين أعذارًا كثيرة باطلة وغير لائقة.

إن كنَّا لا نحتمل أن نرى حمار قريبنا شاردًا، فما هو موقفنا إن كان مالك الحمار نفسه شاردًا؟! لنرتفع فوق كل تبرير ونصالح أخانا إن كان في خصومة معنا مهما كلَّفنا الأمر، ونبحث عن نفس أخينا التائه أينما وجد، فإن هذا ما يطلبه حتى ناموس العهد القديم.

-     يليق بك أن تدرك أن الانفصال عمَّن تدخل معهم في صراعٍ أو المصالحة معهم أمر أقل من رفع حيوانٍ ساقطٍ تحت ثقلٍ ما.

إن كان يجب تقديم المساعدة لإقامة حمار الأعداء أليس بالأكثر يجب إقامة نفوس الأصدقاء، خاصة متى كان السقوط خطيرًا، إذ لا تسقط النفوس في وحلٍ، بل في نار جهنَّم دون أن نرفع عنهم ثقل الغضب الحال عليهم.

عندما ترى أخاك ساقطًا تحت الثقل والشيطان واقفًا يشعل الحطب بالنيران تجري عنه بقسوة لا تعرف الرحمة، الأمر الذي لا يليق أن تفعله حتى بالنسبة للبهائم.

عندما رأى السامري إنسانًا جريحًا غير معروف، ولا ينتسب إليه قط وقف وحمله على الحيوان وجاء به إلى الفندق، واستأجر طبيبًا، وأعطاه مالاً، ووعد أنَّه يقدِّم مالاً أكثر، بينما أنت ترى إنسانًا ساقطًا ليس بين لصوصٍ بل بين عصابة شيَّاطين وحل عليه الغضب، ليس في البريَّة، بل وسط الساحة، والمطلوب منك لا أن تقدِّم مالاً، ولا أن تستأجر حيوانًا يحمله، ولا تسير معه طريقًا طويلاً، إنَّما تقول له بعض الكلمات، ومع هذا تتباطأ! تعطيه ظهرك وتجري في قسوة بلا رحمة! كيف تظن أنك بعد هذا تدعو الله لتجده مملوء حنانًا؟![243]

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

تطالبنا الشريعة أن نرد ثوب أخينا المفقود منه لكي يستر به جسده، فكم بالأحرى يليق بنا أن نرد له سمعته وكرامته التي تستر على شخصه وكيانه الإنساني. فمن يستطيب الاستماع إلى مذمَّة أخيه يكون كمن لا يرد ما هو مفقود لأخيه، يتركه عاريًا لا من ثياب ماديَّة بل من كرامته السماويَّة.

مسيحيَّتنا دعوة لا لنغلق أعيننا ونهرب ونتطلَّع بمنظار ضيِّق، قائلين هذا يمسُّني وذاك يمس أخي، إنَّما هي دعوة للعمل بروح الحب واتِّساع القلب والوحدة، لحساب كل البشريَّة والاهتمام بحقوقهم وبنيانهم. وكما يقول الرسول بولس: "لا يطلب أحد ما هو لنفسه، بل كل واحدٍ ما هو للآخر" (1 كو 10: 24).

2. منع الشذوذ الجنسي:

"لا يكون متاع رجل على امرأة ولا يلبس رجل ثوب امرأة، لأن كل من يعمل ذلك مكروه لدى الرب إلهك" [5].

لا يليق بالإنسان أن يرتدي ملابس إنسان من الجنس الآخر؛ هنا يعني اعتزاز كل جنس بما خلقه الله عليه، فلا يشتهي أحد أن يكون من الجنس الآخر. الطبيعة ذاتها تعلِّم الإنسان أن يكون متميِّزًا بجنسه حتى بالنسبة للشعر (1 كو 11: 14)، هكذا في ملبسه. أمَّا علَّة ذلك فهو:

أولاً: يرى القدِّيس يوحنا الذهبي الفم في هذه الوصيَّة اعتزاز كل إنسان بجنسه الذي وهبه الله. فالرجل يعتز برجولته، والمرأة بأنوثتها، فلا يشتهي الذكر أن يكون أنثى، ولا أنثى أن تكون ذكرًا. جمال كل جنس وصلاحه في اعتزازه بما قدَّمه له الله، مع تقديره وتقديسه للجنس الآخر، كمكمِّلٍ لجنسه وليس كمضاد أو منافسٍ له. فهو لا يحتقر الجنس الآخر، ولا يتشامخ عليه، بل يرى تكاملاً بين الجنسين، وتحقيقًا للنجاح البشري وتقدُّمه وبنيانه. يرى يد الله العجيبة وخطَّته الفائقة في كل الجنس البشري.

-     من يعصى الأمر يسبِّب ارتباكًا في كل الأمور، ويخون عطايا الله، ويلقي على الأرض الكرامة الممنوحة له من العالي، ليس فقط بالنسبة للرجل بل والمرأة. فإنَّه بالنسبة لها هي أيضًا تكون لها كرامة عظمى أن تحفظ رتبتها، وأمَّا التذمُّر على وضعها فيحمل بالحقيقة مهانة لها[244].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

ثانيًا: يشعر كل جنس بمسئوليَّاته، فيقوم الرجل بعمله المناسب له في غير أنوثة، وتقوم المرأة بدورها الحيّ، بهذا يصير المجتمع متكاملاً.

ثالثًا: يرى البعض في هذه الوصيَّة ما هو أعمق من المظهر الخارجي، وهو عدم الانحراف نحو الشذوذ الجنسي، فارتداء الجنس ثياب الجنس الآخر يعني رغبة الجنس أن يحتل مكان الجنس الآخر في العلاقات الجسديَّة.


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 22 من سفر التثنية +
+ عودة لتفسير سفر التثنية +
 
<< Start < Prev 1 2 3 4 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


12 هاتور 1736 ش
22 نوفمبر 2019 م

تذكار رئيس الملائكة الجليل ميخائيل
نياحة القديس يوحنا السريانى

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك