إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الحرية الحقيقية هى أن يتحرر الإنسان من الأخطاء

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفرأيوب اصحاح1 - نكبات متلاحقة PDF Print Email
Article Index
تفسير سفرأيوب اصحاح1
1. تقوى أيوب وغناه
2. ولائم أسرية
3. شكوى إبليس ج1
3. شكوى إبليس ج2
3. شكوى إبليس ج3
4. نكبات متلاحقة
5. أيوب الشاكر ج1
5. أيوب الشاكر ج2
All Pages

 4. نكبات متلاحقة


"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنَاتُهُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا، فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [13].

     يلزمنا ملاحظة التوقيت الذي حلت به التجارب، فقد اختار الشيطان وقت التجربة عندما كان أبناء الطوباوي أيوب منشغلين في وليمة (أي 1: 13). فإن المقاوم لم يبحث فقط ماذا يفعل، وإنما متى يفعل هذا. فمع نواله السماح، إلا أنه بحث عن التوقيت المناسب ليمارس تدميره. وبترتيب الله كان الهدف هو تسجيل هذا لنفعنا، فإن التمتع بالملذات الكاملة هو تهيئة لحلول البلايا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"أَنَّ رَسُولاً جَاءَ إِلَى أَيُّوبَ وَقَالَ: الْبَقَرُ كَانَتْ تَحْرُثُ، وَالأُتُنُ تَرْعَى بِجَانِبِهَا" [14].

جاء في الترجمة السبعينية "الأتن مع صغارها"، ففي حذاقة شديدة أراد العدو أن يزيد من مرارة الكارثة، فقد سبى السبئيون البقر النافعة، إذ كانت تحرث الأرض، والأتن المخصبة، إذ كان معها صغارها. بهذا أراد العدو أن يضرب بعنفٍ ليجعل الجرح في نفس البار أيوب أكثر مرارة. هذا بجانب سقوط الكوارث متلاحقة وبسرعة بالغة.

فَسَقَطَ عَلَيْهَا السَّبَئِيُّونَ وَأَخَذُوهَا، وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ [15].

إذ أخذ الشيطان إذنًا بالتجربة لم تعوزه الإرادة التي ينفذ بها خطته، فإن الأشرار يتممون مشورة أبيهم الشرير. وكما قال السيد المسيح لليهود في عصره: "أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يو 8: 44). فإنه هو "الروح الذي يعمل في أبناء المعصية" (أف 2: 2).

     ألا ترون سرعة الضربة؟... مثل هذا لم يحث قط من قبل، ولا سمع أحد عن أمرٍ كهذا. أضف إلى هذا أنه لم يُعد ممكنًا حرث الأرض بعد، وفي لحظة جُرد أيوب من كل ممتلكاته. رؤية هلاك القطيع مؤلمة دائمًا، خاصة إن حدث في وقت يعتمد الإنسان تمامًا عليه... أضف إلى ذلك فإن حدوث قتلٍ وسط الدمار يجعل الصراع غير محتمل، حيث تظهر الوحشية والهمجية. إنها كارثة مزدوجة، القتل والحملات الهجومية، مع الهزال المتبقي مضافًا إلى المحن التي لحقت به، حيث لم تعد تجعله جاهلاً بهول طبيعة الكارثة التي للحدث.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يؤكد القديس أمبروسيوس أن كثيرًا من الأمور التي تبدو شريرة ورديئة ونحن نعاني منها تصير فرصة لنمو فضائلنا، كما حدث مع أيوب في تجاربه المتعددة.

     أما كان (أيوب) يصير في حالٍ أقل تطويبًا لو لم يعاني من هذه الأمور التي بها بالحقيقة قد تزكى؟[75]

 القديس أمبروسيوس

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ:  نَارُ الله سَقَطَتْ مِنَ السَّمَاءِ،فَأَحْرَقَتِ الْغَنَمَ وَالْغِلْمَانَ وَأَكَلَتْهُمْ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [16].

تلاحقت النكبات في لحظات وبسرعة فائقة، ولعل العدو تعمد ذلك لكي لا يترك لأيوب فرصة للتفكير المتزن، بل مع تلاحق الكوارث يظن أن غضب الله قد حّل عليه، وأنه لن يتوقف. كانت التجارب كأمواج لا تهدأ. "غمر ينادي غمرًا" (مز 42: 7).

العجيب في الرسل القادمين إلى أيوب أنهم يؤكدون أن البقر كانت تحرث، والأتن ترعى. وكأنه حتى الحيوانات كانت تقوم بدورها، فليس من لومٍ على الأبناء، ولا الخدم، ولا الحيوانات، وكأن اللوم كله ينصب على الله وحده دون غيره. لقد كانت خطة الشيطان محكمة للغاية، ليضرب قلب أيوب حتى يحول كل مشاعره وأفكاره نحو التجديف على الله.

بينما كنت أسجل هذا التفسير إذا بشاب يموت فجأة، فصار صديقه العزيز عليه جدًا يجدف: "لماذا أخذ الله أعز صديق لدي؟" ويرفض أية تعزية... بل وأحيانًا يتمتم: "أين هو الله؟ وإن وُجد، فأين رحمته ورعايته؟" وكأن عدو الخير في كل جيل يبذل كل الجهد لتحويل طاقات البشرية نحو التجديف على الله.

لم يعطِ عدو الخير الفرصة لأيوب كي يفكر في القيام بحرب ضد السبئيين ورد ممتلكاته، إذ جاء الخبر التالي يعلن أن نارًا من السماء نزلت من عند الله فأحرقت الغنم والغلمان وأكلتهم. فإن كان يريد أن يحارب السبئيين، فمن أين يأتي برجاله للقتال وقد أحرقتهم نار إلهية. ثم هل يحارب الله؟ وكيف يبلغ إليه؟... وكأنه لم يعد في متناول يد أيوب غير لسانه ليجدف على الله كظالمٍ عنيفٍ لا يعرف الرحمة.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن بقوله: "نار الله سقطت من السماء"، أراد العدو أن يوحي لأيوب أن ما يحل به ليس بضربات بشرية بل من قبل الله، وموجهة ضده وحده دون بقية المحيطين به. ولعله بهذا أراد تشويه صورة الله في عينيه. فمع عدم ارتكابه خطايا عظمى وعدم إهماله في العبادة لله، إلا أن الله حلّ بغضبه عليه دون غيره، مما يثير فيه الدافع نحو التجديف على الله كظالمٍ. إذ أحرق الله الغنم التي اختار أفضلها ليقدمها محرقات لله، فإن الله يبدو كمن لا يُسر بمحرقاته، ولا يقبل عبادته، أو كأن "عبادة الله باطلة" (مل 3: 14).

لم يُسمع عن احتراق صادر من السماء منذ حرق سدوم وعمورة، لذا يقول أيوب: "لأن البوار من الرب رعب عليّ" (أي 31: 23).

     لئلا لا يثيره فقدان ممتلكاته بحزنٍ كافٍ عند سماعه الخبر حث مشاعره بكلمات الرسول ذاتها.

لاحظوا كيف بمكرٍ قيل "نار الله"، كما لو قيل إنك تعاني من افتقاد ذاك الذي تريد أن تسترضيه بذبائح كثيرة هكذا. ها أنت ساقط تحت غضب ذاك الذي تشغل نفسك بخدمته كل يوم...

هذه هي الغاية أن يستعيد في ذاكرته خدماته الماضية، ويحسب أنه باطلاً قد خدم، وكأنه قد أراد أن يثير فيه الشعور بظلم الخالق.

فإن الذهن التقي إذ يجد نفسه يواجه حمل صلبان من يدي إنسان يطلب التعزيات من العناية الإلهية. وعندما يرى عاصفة التجربة تستمد قوتها من الخارج، يطلب أن يغطيها بالثقة في الرب، ويلجأ داخليًا إلى ميناء الضمير. لكن ذاك الخصم الماكر أراد أن يحطم في ذات اللحظة قلب هذا القديس الشجاع، وذلك بضربات موجهة من إنسان وباليأس من الله.

جاء إليه بأخبار أولاً عن السبائيين الذين قاموا بالنهب، وفي الحال جاء النبأ عن نار الله التي سقطت من السماء، حتى يغلق الباب تمامًا عن أية وسيلة للتعزية.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: الْكِلْدَانِيُّونَ عَيَّنُوا ثَلاَثَ فِرَق،  فَهَجَمُوا عَلَى الْجِمَالِ وَأَخَذُوهَا،وَضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ" [17].

لم يتركه العدو ليفكر لماذا سقطت النار من السماء كما بأمر إلهي، إذ جاءه رسول آخر يخبره بضربة جديدة من فعل الكلدانيين. وهو في هذا يريد أن يربك فكر أيوب. فإن كانت النار قد حلت من قبل الله، فلعل أيوب يظن أنها ضربة لتأديبه، لكن إذ يجد حتى البشر يسقطون عليه، فبماذا يبرر هذا؟

للمرة الثالثة تحل به نكبة خطيرة، وقد جاءت عن طريق ثلاث فرق من الكلدانيين، في وقت فقد فيه أيوب كل إمكانية للمقاومة. ولعل العدو أراد بهذه الضربة أن يصرخ أيوب في قلبه: "لماذا ينجح الرب طريق الأشرار؟"

"وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذْ جَاءَ آخَرُ، وَقَالَ: بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا، فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ" [18].

"وَإِذَا رِيحٌ شَدِيدَةٌ جَاءَتْ مِنْ عَبْرِ الْقَفْرِ، وَصَدَمَتْ زَوَايَا الْبَيْتِ الأَرْبَع،  فَسَقَطَ عَلَى الْغِلْمَانِ فَمَاتُوا، وَنَجَوْتُ أَنَا وَحْدِي لأُخْبِرَكَ " [19].

لكي يزيد من مرارة الكارثة، بعث إليه بخبرٍ خطيرٍ وهو أن الطبيعة أيضًا ثائرة ضده، فريح شديدة هزت البيت وقتلت أولاده وبناته، حتى يصعب عليه أن يخرج جثثهم سليمة! سيكون منظرهم بشعًا للغاية. هذا بجانب إرباك فكر أيوب: كيف تتكاتف السماء والأرض معًا ضده، الله والبشر والطبيعة يقاومونه، لماذا؟ ماذا فعل ليسقط تحت هذه الكوارث المتلاحقة من مصادر مختلفة؟

هذه أمر الضربات تركها العدو في النهاية، حتى يصوب سهمًا قاتلاً في قلب أيوب، إذ مات أولاده وبناته جميعًا في لحظات تحت الأنقاض. إنها خسارة بالغة جدًا. عندما مرض الابن الرضيع لداود لم يحتمل المرارة، بل صار يسير ذهابًا وإيابًا يصرخ، فماذا يكون حاول أيوب الذي فقد كل أولاده وبناته فجأة.

كان أيوب في حاجة إلى أولاده يعزوه في كل ما فقده، لكن موتهم، خاصة بهذه الطريقة، حتمًا جعله ينسى كل التجارب السابقة ليسقط في مرارة لا تُحتمل.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إنه في الكوارث السابقة ربما يوجد ما يبرر قول الرسول: "ونجوت أنا وحدي"، حيث هرب ما لحق بحيوانات أيوب، أما أن ينجو هذا الرسول الأخير من سقوط البيت بينما يموت كل أبناء وبنات أيوب معًا، فهذا أمر غير طبيعي، فما هو السرّ؟ يرى الذهبي الفم أن هذا الرسول لم يكن إنسانًا بل الشيطان نفسه، لأنه كيف ينجو من يخدم أبناء وبنات أيوب دونهم وهو معهم في ذات البيت الذي سقط وأهلك من فيه؟

     هل فقدت طفلاً! إنك لم تفقده؟ لا تقل هذا، إنه نائم، وليس ميتًا، لقد تحرك ولم يتدمر، إنه في رحلة من حال سيئ إلى ما هو أفضل.

لا تثر الله ليغضب، بل استعطفه. فإنك إن احتملت هذا بنبلٍ، فإن الراحة تتضاعف بالنسبة للراحل كما بالنسبة لك. أما إن حدث العكس فإنك تلهب بالأكثر غضب الله...

قدم شكرًا فإنه بهذا تتبدد سحابة الحزن عنك. قلْ مع أيوب: "الرب قد أعطى، الرب أخذ" (أي 21:1)[76].

القديس يوحنا الذهبي الفم



 


2 كيهك 1736 ش
12 ديسمبر 2019 م

نياحة القديس اباهور الراهب
نياحة القديس هرمينا السائح

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك