تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس اصحاح 3 جـ2 Print

ك .حليمًا غير مخاصم

يحمل روح سيده الذي "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته" (مت ١٢: ١٩). يملك السيد المسيح على القلوب بالحلم والوداعة، هكذا يليق بالأسقف أن يعيش بروح سيده ليقدم لشعب الله صورة حية للملك الوديع الذي يغلب الشر بالخير، ويقتل كل خصام بالحب!

ل. يدبر بيته حسنًا

له أولاد في الخضوع بكل وقار، وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته، فكيف يعتني بكنيسة الله؟ من لا يعرف أن يدبر كنيسة بيته الصغيرة والتي تخضع له حسب قانون الطبيعة، تسنده في ذلك القوانين الوضعية والكنسية، فكيف يقدر أن يتسلم قيادة الكنيسة التي لا تُلزم القوانين أعضاءها بالخضوع له إلاَّ خلال سلطان الحب الروحي والإيمان؟

إن كان الأسقف يُختار من بين البتوليين، فإنه يلزم أن يكون له أولاد في الخضوع في الروح. فمن لا يعرف أن يقتني له في المسيح أولادًا خلال الإنجيل قبل سيامته، كيف يقدر أن يربح أولادًا لله وسط مسئوليات الأسقفية الضخمة؟!

م. غير حديث الإيمان

غير حديث الإيمان لئلا يتصلف، فيسقط في دينونة إبليس [٦]. لم يقل غير حديث السن بل "غير حديث الإيمان"، فالقديس تيموثاوس كان حديث السن لكنه كان ناضجًا في الإيمان. حداثه الإيمان ربما تحمل غيرة متقدة نحو الخدمة، لكنها تحمل خطر الاعتداد بالذات والتصلف، فيخسر الإنسان نفسه بالكبرياء ويهلك من هم تحت تدبيره.

ن. له شهادة من الذين في الخارج

"ويجب أيضًا أن تكون له شهادة حسنة من الذين هم خارج لئلا يسقط في تعيير وفخ إبليس" [٧]. قد يشهد المؤمنون لعضوٍ من بينهم شهادة حسنة، لكن شهادة الأمم له هي ختم لهذه الشهادة، فإن النور لا يستطيع أحد أن ينكره حتى ون كان يرفضه، والحياة الصالحة مشهود لها حتى من الأعداء.

- حسن للصالحين أن يكون لهم صيت حسن لدى أعدائهم... لماذا لم يتكلم أحد ضد الرسل مدعيًا أنهم زناة أو دنسون أو طماعون أو مخادعون، وإنما كانوا ضد كرازتهم فقط؟ أليس لأن حياتهم بلا غبار؟ لقد كان ذلك واضحًا! فلنحيا هكذا فلا يقدر عدو أو غير مؤمن أن ينطق بالشر ضدنا، فمن كانت حياته فاضلة يكرمه حتى هؤلاء. إن الحق يغلق أفواه الأعداء... كما لا يستطيع أحد أن يقول عن الشمس أنها مظلمة حتى وإن كان أعمى، إذ يخجل ويخشى أن يلومه الكل، هكذا من كان صلاحه واضحًا لا يلومه أحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يلزم أن يكون الأسقف المسيحي هكذا: إن الذين يكابرون معه في العقيدة لا يقدرون أن يكابروا في حياته.

القديس چيروم

2. سمات الشماس

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد ناقش ما يخص الأساقفة ووصف سماتهم والمؤهلات التي يلزم توافرها فيهم، عابرًا على الكهنة ليتحدث عن الشمامسة. أما سبب عدم حديثه عنهم فهو عدم وجود فرق كبير بين الأساقفة والكهنة، فالكل يتعهد بوظيفة التعليم والرئاسة في الكنيسة، فما يقوله عن الأساقفة ينطبق على الكهنة، وإنما يمتازون عنهم بسلطان السيامة، ويبدو أنه لم يكن لهم أية ميزة أخرى.]

أما سمات الشمامسة فهي:

أ. أن يكونوا ذوي وقار: "كذلك يجب أن يكون الشمامسة ذوي وقار" [ 8]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم قائلاً: [هذا يعني أنه يجب أن تكون لهم ذات سمات الأساقفة. ما هي هذه السمات؟ أن يكونوا بلا عيب، وقورين، محبين لاستضافة الغرباء، صبورين، غير مخاصمين ولا طماعين. يظهر ذلك من قوله "كذلك"، ويوضحه بقوله "يكونون ذوي وقار لا ذوي لسانين" أي غير فارغين ولا مخادعين. فإنه ليس من شيء يحط من شأن الإنسان مثل الخداع، وليس ما يضر الكنيسة مثل عدم الإخلاص.]

ب. غير مولعين بالخمر الكثير ولا طامعين بالربح القبيح، ولهم سرّ الإيمان بضمير طاهر [٩]. إنها ذات السمات التي سبق لنا الحديث عنها بخصوص الأساقفة. فإنه مع وجود اختلاف كبير في الدرجة الكهنوتية والمسئولية لكن كعاملين معًا في كرمٍ واحد يلزم أن يحملوا السمات التي تليق بصاحب الكرم، ويكون لهم روحه القدوس الواحد. وكما يقول الرسول بولس: "فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد، وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد، وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل" (١ كو ١٢: ٤-٧).

هذا ويلاحظ أن الأسقف يُختبر أولاً بكونه قد مارس العمل الكنسي في درجة كهنوتية أقل، أما الشماس وهو ينال أول درجة كهنوتية فإنه لا يتمتع بها قبل اختياره، لذلك يؤكد الرسول: "وإنما هؤلاء أيضًا ليختبروا أولاً".

ج. يكمل الرسول حديثه قائلاً: "كذلك يجب أن تكون النساء ذوات وقار غير ثالبات، صاحيات، أمينات في كل شيء" [11]. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الحديث هنا لا يخص النساء بوجه عام وإنما يخص "الشماسات"، إذ يقول: [ليُفهم هذا عن الشماسات، فإن نظام الشماسات ضروري ونافع ومكرم في الكنيسة]. ويرى البعض أن الحديث هنا عن زوجات الشمامسة.

د. "ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا" [١2]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا: [أنظر كيف يطلب في الشمامسة ذات فضائل الأساقفة، وإن كانوا ليسوا في درجة مساوية لهم، لكن يلزم أن يكونوا (مثلهم) بلا لوم وطاهرين، مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا.]

يختم الرسول حديثه عن الشمامسة بقوله: "لأن الذين تشمسوا حسنًا يقتنون لأنفسهم درجة حسنة وثقة كثيرة في الإيمان الذي بالمسيح يسوع" [١٣]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كأنه يقول من يوجد صاحيًا في الدرجة الأقل يرتفع إلى درجة أعلى]، أي ينتقل من درجة الشموسية إلى القسيسية.

3. نظرة الراعي إلى الكنيسة

"هكذا أكتبه إليك راجيًا أن آتي إليك عن قريب، ولكن إن كنت أبطيء، فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي عمود الحق وقاعدته" [١٤]. ربما خشي الرسول أن يُصاب القديس تيموثاوس بشيء من الضيق، فقد وعده بالحضور إليه، لذلك يؤكد له أنه سيحضر فإن تأخر فلا يكتئب، فإن الروح القدس يسمح بهذا لأجل البنيان. إنها فرصة نادرة للقديس تيموثاوس أن يبذل مجهودًا أعظم كخادم لكنيسة الله الحيّ، عمود الحق وقاعدته، فينال إكليلاً أعظم. غياب الرسول بولس لا يكون بالنسبة له سرّ تحطيم أو تعب، إنما فرصة عمل أكثر ومجهود أعظم كخادم السيد المسيح.

لقد وجد الرسول فرصة ليكشف للقديس تيموثاوس كأسقف الكنيسة عن مفهوم الكنيسة التي يرعاها، إذ يقول: "وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى للملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رفع في المجد" [ ١٦].

ما هي كنيسة المسيح التي يرعاها الأسقف ويخدم فيها الشمامسة؟

أ. عمود الحق وقاعدته: يرى القديس بولس الكنيسة كلها كجماعة المؤمنين، يقومون على الحق كعمود يرتكزون عليه وكقاعدة بدونه ينهار كل البنيان. فإن كان الغنوسيون يهتمون بالمعرفة كأساس للخلاص، فالرسول يرى في الكنيسة أولاً وقبل كل شيء دخولاً إلى الحق، لكنه الحق المجاني الذي يقدمه الله للجميع ولا يخصه بفئة دون أخرى.

الكنيسة هي العمود الذي أقامه أبونا يعقوب، وصب زيتًا على رأسه (تك ٢٨: ١٨) علامة تكريسه للرب بالروح القدس. إنها عمود الدخان الصاعد من البرية المعطّر بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر (نش ٣: ٦)، ترتفع خلال دخان الذبيحة الذي لا يفسد العينين، بل يفتحها لرؤية الحق السماوي، معطرة بآلام عريسها (المر) ورائحته الزكية (اللبان).

هذه هي رؤية الراعي الحقيقي لكنيسة المسيح، وكما يقول القديس چيروم: [لا تضم الكنيسة حوائط (ومباني) وإنما تضم حقائق تعاليمها. هي الإيمان الحق! في الحقيقة كانت المباني الكنسية منذ ١٥ و ٢٠ عامًا في أيدي الهراطقة بأكملها، لكن الكنيسة الحقيقية كانت قائمة حيث يوجد الإيمان الحق.] بمعنى آخر الكنيسة بكونها الإيمان الحق لا يمكن أن تُغلب مهما كانت الظروف المحيطة بالمؤمنين!

ب. تمتع بسرّ التقوى: ليست الكنيسة مجرد معرفة عقلية للحق كما تخيل الغنوسيون، وإنما هي دخول عملي إلى الحق خلال الحياة التقوية التي صارت لنا بالتجسد الإلهي. لذا يقول الرسول: "عظيم هو سرّ التقوى، الله ظهر في الجسد".

إن كانت الكنيسة هي عمود الحق المرتكز على ذبيحة السيد المسيح الفريدة والمقبولة لدى الآب رائحة رضا، إنما هذا الحق يتحقق خلال تجسد كلمة الله كطريق لتقديم الذبيحة وقبول الصليب، وباب لدخولنا إلى الحياة الجديدة باتحادنا مع الله الآب في ابنه. لقد حلّ بيننا وحمل طبيعتنا حتى نوجد نحن فيه، ننعم بحياته وسماته وشركة أمجاده! هذا هو الحق العملي الذي قُدم لنا خلال الإنجيل في ربنا يسوع المسيح.

لقد أنكر الغنوسيون حقيقة التجسد برفضهم أن السيد يحمل جسدًا حقيقيًا، بهذا ينكرون الحياة التقوية التي صارت لنا فيه، ويحولون الحق إلى معرفة نظرية عقلانية بلا ورح ولا حياة! بمعنى آخر، التجسد الإلهي ليس عقيدة فلسفية تعتنقها الكنيسة للمجادلة، وإنما هي سرّ حياتها التقوية وأمجادها الداخلية!

ج. تبرر في الروح: ما هي الكنيسة إلاَّ قبول الروح القدس الذي وهبه لنا الله، هذا الذي يدخل بنا إلى الثبوت في المسيح يسوع ربنا، لا لنغتسل بدمه الكريم من خطايانا فحسب، إنما نحمل برّ المسيح فينا، فنُحسب في عيني الآب أبرارًا. يقول الرسول: "لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم، باسم الرب يسوع وبروح إلهنا" (١ كو ٦: ١١). إن كانت الكنيسة في جوهرها هي ثبوت في المسيح، كأعضاء جسده، فإن هذه العطية تحمل من الجانب الآخر انطلاقها بالروح القدس إلى حضن الآب متبررة بالدم الكريم، حاملة سمات عريسها ورأسها!

د. تراءى لملائكة: انطلاق الكنيسة بالروح الناري، لتحيا ببرّ المسيح في حضن الآب، يجعل منها في الحقيقة "حياة سماوية" وتمتع بالطبيعة الملائكية، فتنعم برؤية الله، حيث يصير أعضاؤها أشبه بملائكة يُعلن لهم الله غير المنظور! بمعنى آخر، الكنيسة في العهد الجديد هي تجلي الابن الوحيد الجنس في وسط المؤمنين كملائكة ينعمون بحضرته ورؤيته وينعمون بسماته.

ربنا يقصد الرسول بقوله: "تراءى لملائكة" أن الملائكة الذين كانوا يرونه قبل التجسد قد أدركوه بمفهوم جديد خلال تجسده في كنيسته، رأوه في كمال حبه الفائق خلال الصليب، وعمله الإلهي العجيب في المؤمنين الذين كانوا قبلاً خطاة وأعداء، وقد تقدسوا فيه وتبرروا وصاروا أبناء أحياء وممجدين فيه!

ه. كرز بين الأمم: إن كانت الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته الذي يهب لن سرّ التقوى في المسيح يسوع، وينطلق بنا بالروح القدس لنحيا ببرّ المسيح، ونشارك الملائكة طبيعتهم، فإن هذا كله إنما يقدم لكل البشرية خلال الكرازة بالمسيا المخلص بين الأمم، فينعم الكل بهذه النعم الإلهية بلا تمييز ولا محاباة لأمة على حساب أمة، أو جنس على حساب آخر. وكما يقول المرتل: "إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم" (مز ٤٩: ٤). أما غاية هذه الكرازة فهي رفع البشرية إلى المجد السماوي.

في اختصار نقول أن الراعي الحقيقي يرى في الكنيسة تمتعًا بالحق العملي خلال سرّ التجسد الإلهي، ودخولاً إلى الحياة التقوية في المسيح يسوع، وتبريرًا في الروح، وشركة مع الملائكة. هي سرّ انفتاح البشرية كلها على الإيمان الجامع للدخول إلى المجد العلوي، فيحيا الكل في الأحضان السماوية.

بأسلوب آخر يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص، قائلاً: [حقًا عظيم هو السرّ: الله صار إنسانًا والإنسان إلها، صار الإنسان يُرى بلا خطية! صار (الإله المتأنس) مقبولاً في العالم، ومكروزًا به يراه الملائكة معنا! هذا بحق هو سرّ! ليتنا لا نحتقره... بل نحيا كما يليق بهذا السرّ.]

1 صادقة هي الكلمة ان ابتغى احد الاسقفية فيشتهي عملا صالحا
2 فيجب ان يكون الاسقف بلا لوم بعل امراة واحدة صاحيا عاقلا محتشما مضيفا للغرباء صالحا للتعليم
3 غير مدمن الخمر و لا ضراب و لا طامع بالربح القبيح بل حليما غير مخاصم و لا محب للمال
4 يدبر بيته حسنا له اولاد في الخضوع بكل وقار
5 و انما ان كان احد لا يعرف ان يدبر بيته فكيف يعتني بكنيسة الله
6 غير حديث الايمان لئلا يتصلف فيسقط في دينونة ابليس
7 و يجب ايضا ان تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج لئلا يسقط في تعيير و فخ ابليس
8 كذلك يجب ان يكون الشمامسة ذوي وقار لا ذوي لسانين غير مولعين بالخمر الكثير و لا طامعين بالربح القبيح
9 و لهم سر الايمان بضمير طاهر
10 و انما هؤلاء ايضا ليختبروا اولا ثم يتشمسوا ان كانوا بلا لوم
11 كذلك يجب ان تكون النساء ذوات وقار غير ثالبات صاحيات امينات في كل شيء
12 ليكن الشمامسة كل بعل امراة واحدة مدبرين اولادهم و بيوتهم حسنا
13 لان الذين تشمسوا حسنا يقتنون لانفسهم درجة حسنة و ثقة كثيرة في الايمان الذي بالمسيح يسوع
14 هذا اكتبه اليك راجيا ان اتي اليك عن قريب
15 و لكن ان كنت ابطئ فلكي تعلم كيف يجب ان تتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي عمود الحق و قاعدته
16 و بالاجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الامم اومن به في العالم رفع في المجد


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +