تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس اصحاح 1 جـ4 Print
4. الجهاد في الخدمة

بعدما تحدث الرسول مع تلميذه عن الالتزام بالخدمة الرسولية، كدينٍ يوفيه لله الذي أحبه وأنقذه، وعلامة حب صادقة وارتباط بالوصية، فإنه يختم حديثه في هذا الأصحاح عن "الجهاد والخدمة"، إذ يقول: "هذه الوصية أيها الابن تيموثاوس أستودعك إياها، حسب النبوات التي سبقت عليك، لكي تحارب فيها المحاربة الحسنة" [١٨].

يبدو أن البعض قد تنبأ عن القديس تيموثاوس أثناء عماده أو عند بدء خدمته والتزامه بالعمل الرعوي. لهذا إذ يقدم له الرسول الوصية الخاصة بالحب العملي الرعوي، لا يقدمها له من عنده، بل من الله نفسه الذي دعاه للخدمة. موضوع هذه الوصية هي أن يحارب روحيًا المحاربة الحسنة، أي يجاهد في الخدمة كمن هو في جيش روحي، لينقذ كل نفس من أسر الخطية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن في الجيش لا يخدم الكل بنفس الطاقة، إنما كل يعمل حسب موقعه، هكذا في الكنيسة يعمل واحد كمعلم وآخر كتلميذ وثالث كفردٍ من الشعب.]

ماذا يعني الرسول بالمحاربة الحسنة التي يلتزم بها القديس تيموثاوس؟

لا يكفي أن يجاهد في خدمته، وإنما يلزمه أن يجاهد حسنًا، أي يقدم الوصية كما يليق، يقدم وصية الله الممتدة في العهد القديم كما في العهد الجديد بروحٍ واحد وفكرٍ واحد. يقول القديس إكليمنضس السكندري أن ما ذكره الرسول هنا عن النبوات لا يخص القديس تيموثاوس شخصيًا، إنما هي نبوات العهد القديم عن الكرازة بالعهد الجديد. وكأن ما يفعله القديس تيموثاوس في خدمته إنما يحقق هذه النبوات الخاصة بالكرازة بالإنجيل.

إذ يتحدث الرسول عن الجهاد الروحي للخادم يربط الحياة الداخلية الخاصة بالخادم بالعمل الكرازي دون انفصال، إذ يقول له: "ولك إيمان وضمير صالح، الذي إذ رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضًا، الذين منهم هيمينايس والاسكندر، اللذان أسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا، حتى لا يجدفا" [٢٠].

إن كان في كل وقد يوجد مقاومون للحق كما حدث في أيام موسى وهرون حيث ظهر الساحران، فإن الراعي الناصح يلزمه وهو يسند شعب الله ضد المقاومين للتعليم الصحيح ألا يفقد حياته الروحية، إنما ليكن له "إيمان وضمير صالح". يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة الرسولية السابقة هكذا:

[من أراد أن يكون معلمًا يلزمه أولاً أن يعلم نفسه. وكما أن الذي لم يكن يومًا ما جنديًا لا يقدر أن يكون قائدًا هكذا المعلم أيضًا (يلزمه أن يكون تلميذًا).] لهذا يقول في موضع آخر: "بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا مرفوضًا" (١ كو ٩: ٢٧).

يقول: "لك إيمان وضمير صالح" حتى تقدر أن تدبر لآخرين. عندما نسمع هذا لا نستخف بوصايا رؤسائنا حتى وإن كنا نحن أنفسنا معلمين، لأنه إن كان تيموثاوس الذي لا نستحق نحن جميعًا أن نُقارن به قد تقبل وصايا وكان يتعلم مع أنه كان معلمًا فكم بالحري يجب علينا نحن أن نقبل ذلك؟]

ويقول الأسقف أمبروسيوس: [إنني أرغب في الجهاد والتعلم حتى أكون قادرًا على التعليم، لأنه يوجد سيد واحد (الله) الذي وحده لا يتعلم ما يعلّمه للجميع.]

أما وقد رفض بعض المعلمين الإيمان والضمير الصالح فقد "انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضًا". هذا أمر طبيعي، فإن الحياة الفاسدة تدفع حتى المعلمين للانحراف عن الإيمان المستقيم ويسقطوا في هرطقات وبدع، وبالتالي تنكسر بهم السفينة من جهة الإيمان. بمعنى آخر، كما تلتحم الحياة الروحية الفاضلة في المسيح بالإيمان المستقيم ليحيا الإنسان برجاء الفرح، هكذا تلتحم الحياة الفاسدة بالمباحثات الغبية البعيدة عن الإيمان المستقيم لتنكسر السفينة، ولا يجد المسيحي له ملجأ. وكأن الحياة هي وحدة واحدة متكاملة لا تنفصل فيها التقوى عن استقامة الحياة، وبالتالي عن الرجاء المفرح، كما لا ينفصل الفساد عن الانحراف الإيماني والسقوط في اليأس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان أحد ينحرف عن الإيمان لا يكون له ثبات، فيسبح هنا وهناك حتى يفقد نفسه في الأعماق.]

يقدم لنا الرسول مثالين، قائلاً: "الذين منهم منهم هيمينايس والاسكندر، اللذان أسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا، حتى لا يجدفا" [٢٠]. أما هيمينايس فهو المذكور في (٢ تي ٢: ١٧)، واصفًا إياه أنه قد زاغ عن الحق قائلاً إن القيامة قد حصلت، فيقلب إيمان كل قوم. قدم تعاليمه المضللة بإساءة استخدام كلمات السيد المسيح عن قيامة النفس من موت الخطية بالإيمان به، منكرًا قيامة الجسد في اليوم الأخير. أما الاسكندر فغالبًا هو المذكور في (٢ تي ٤: ١٤) "اسكندر النحاس أظهر لي شرورًا كثيرة، فليجازيه الرب حسب أعماله". هذان الرجلان رفضا صوت الله لكبرياء قلبيهما، فسقطا في الحياة الشريرة، وانحرفا عن الإيمان كثمرة هذه الحياة الفاسدة. لذا رأى الرسول بولس أن يسلمهما للشيطان ليس للانتقام منهما، وإنما لتأديبهما. ربما قصد بذلك الحكم عليهما بالقطع من شركة الكنيسة المقدسة حتى لا يُفسدا أفكار الإخوة، وفي نفس الوقت ربما بحرمانهما من الشركة يرجعان إلى الله بالتوبة. هذا ما حكم به الرسول على مرتكب الشر مع امرأة أبيه في كورنثوس، إذ يقول: "باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح، أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع، ليس افتخاركم حسنًا، ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله؟" (١ كو ٥: ٤-٦)

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم: [لكن كيف يعلمهما الشيطان ألا يجدفا؟ هل يقدر أن يعلم غيره داك الذي لم يعلم نفسه، إذ لا يزال هو مجدفًا؟ ويجيب: إنه لا يعلمهما بل كما قيل "لكي يؤدبا"، إنه لا يقوم بعمل (التعليم) وإن كانت هذه هي النتيجة... فكما أن الجلادين وإن كانوا هم أنفسهم موسوسين بجرائم لا حصر لها يكونون سببًا في إصلاح الغير، هكذا يكون الأمر بالنسبة للشيطان.]

وكما يقول العلامة ترتليان: [بالتأديب يتعلما ألا يجدفا، فقد أعطى لخدام الله السلطان لتسليم الشخص للشيطان مع أن الشيطان نفسه ليس له سلطان علينا من ذاته.]

ويقول القديس چيروم: [كأن الشيطان جلاد يستخدمه الرب فيعني الرسول أن الخطاة يسلمون للشيطان لتأديبهم بواسطته حتى يرجعون إلى الله.]

يلاحظ أن الرسول يقول "لكي يؤدبا"، فهو لا يبغي العقوبة للانتقام، وإنما يطلب التأديب للإصلاح، لهذا وإن بدا قاسيًا على مرتكب الخطية مع امرأة أبيه (١ كو ٥: ٤-6) لكنه إذ قُطع هذا العضو عن الشركة المقدسة، وأظهر حزنًا شديدًا بالتوبة خشي عليه الرسول من اليأس، فأسرع يكتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: "إن كنت أحزنكم أنا، فمن هو الذي يفرحني إلاَّ الذي أحزنته... هكذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين، حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط، لذلك أطلب أن تمّكنوا له المحبة" (٢ كو ٢: 2، ٧-٨). ويوضح الرسول غاية التأديب بقوله: "لذلك أكتب بهذا وأنا غائب لكي لا أستعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إياه الرب للبنيان لا للهدم" (٢ كو ١٣: ١٠)... ويعلن الرسول كيف لا يشتاق إلى التأديب بل الترفق، إذ يقول: "ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" (١ كو ٤: ٢١).

1 بولس رسول يسوع المسيح بحسب امر الله مخلصنا و ربنا يسوع المسيح رجائنا
2 الى تيموثاوس الابن الصريح في الايمان نعمة و رحمة و سلام من الله ابينا و المسيح يسوع ربنا
3 كما طلبت اليك ان تمكث في افسس اذ كنت انا ذاهبا الى مكدونية لكي توصي قوما ان لا يعلموا تعليما اخر
4 و لا يصغوا الى خرافات و انساب لا حد لها تسبب مباحثات دون بنيان الله الذي في الايمان
5 و اما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر و ضمير صالح و ايمان بلا رياء
6 الامور التي اذ زاغ قوم عنها انحرفوا الى كلام باطل
7 يريدون ان يكونوا معلمي الناموس و هم لا يفهمون ما يقولون و لا ما يقررونه
8 و لكننا نعلم ان الناموس صالح ان كان احد يستعمله ناموسيا
9 عالما هذا ان الناموس لم يوضع للبار بل للاثمة و المتمردين للفجار و الخطاة للدنسين و المستبيحين لقاتلي الاباء و قاتلي الامهات لقاتلي الناس
10 للزناة لمضاجعي الذكور لسارقي الناس للكذابين للحانثين و ان كان شيء اخر يقاوم التعليم الصحيح
11 حسب انجيل مجد الله المبارك الذي اؤتمنت انا عليه
12 و انا اشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني انه حسبني امينا اذ جعلني للخدمة
13 انا الذي كنت قبلا مجدفا و مضطهدا و مفتريا و لكنني رحمت لاني فعلت بجهل في عدم ايمان
14 و تفاضلت نعمة ربنا جدا مع الايمان و المحبة التي في المسيح يسوع
15 صادقة هي الكلمة و مستحقة كل قبول ان المسيح يسوع جاء الى العالم ليخلص الخطاة الذين اولهم انا
16 لكنني لهذا رحمت ليظهر يسوع المسيح في انا اولا كل اناة مثالا للعتيدين ان يؤمنوا به للحياة الابدية
17 و ملك الدهور الذي لا يفنى و لا يرى الاله الحكيم وحده له الكرامة و المجد الى دهر الدهور امين
18 هذه الوصية ايها الابن تيموثاوس استودعك اياها حسب النبوات التي سبقت عليك لكي تحارب فيها المحاربة الحسنة
19 و لك ايمان و ضمير صالح الذي اذ رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الايمان ايضا
20 الذين منهم هيمينايس و الاسكندر اللذان اسلمتهما للشيطان لكي يؤدبا حتى لا يجدفا


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +