إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

ليس الطموح خطية بل هو طاقة مقدسة به يتجه الإنسان إلى الكمال كصورة الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس اصحاح 1 جـ3 PDF Print Email
من جانب آخر، إن كان الرسول يكتب إلى تلميذه تيموثاوس أن موضوع كرازته هو الوصية التي غايتها "المحبة"، فإن هذا الحب يفتح قلبنا لنرى الناموس مقدمًا لأشر الطبقات وأدنسها، ليدخل بها إلى مجد إنجيل الله. وكأن الرسول يوصي تلميذه بالحب لكل إنسان، خاصة الأشرار حتى يقتنصهم من شرهم إلى الحياة الإنجيلية المباركة. لا يقول هنا "الأشرار" بل يحدد الأشرار هكذا:

الأثمة والمتمردون، أي كاسرو الوصية عن عمدٍ، وليس عن ضعفٍ أو في جهلٍ...

الفجار، أي محبو الخطية، الذين يرتكبون آثامهم بجسارة في غير حياءٍ أو خجلٍ!

المستبيحون، أي الذين يشربون الإثم كالماء، دون أدنى إثارة لضمائرهم!

قتلة الآباء والأمهات، يمثلون أقسى أنواع القلوب، إذ هم أشر من الوحوش الكاسرة التي لا تؤذي والديها!

مضاجعو الذكور، أدنس أنواع الزنا والنجاسة، يصنعون النجاسة خلافًا للطبيعة!

سارقو الناس، وهم أشر اللصوص، يخطفون البشر ليبيعوهم كعبيد (خر ٢١: ٦؛ تث ٢٤: ٧).

الحانثون، الذين يرتكبون ألعن أنواع الكذب.

مقاومو التعليم الصحيح، هؤلاء الذين لا يصنعون الشر فحسب، وإنما يقاومون الحق.

من أجل هؤلاء وأمثالهم قدم الله ناموسه، ليدخل بهم إلى الشعور بالحاجة إلى مخلصهم، فكم بالحري يليق بنا أن نفتح قلوبنا بالحب نحوهم، دون الاستهانة بهم أو اليأس من خلاصهم.

3. الالتزام بالخدمة

إن كانت الوصية غايتها المحبة، هذه التي تفتح قلوبنا بالحب للجميع، فيهتم الراعي بالآثمة والفجار والمستبيحين الخ. فإن هذا العمل ليس فضلاً من جهة الراعي نحو الرعية، إنما أشبه برد الدين، إذ يقابل الراعي محبة الله له بحبه لشعب الله. هذا هو سرّ التزامنا بالخدمة، أنه أحبنا أولاً، فنلتزم أن نحبه في أولاده.

يقدم الرسول بولس نفسه مثلاً عمليًا لعمل الله في حياته، قائلاً: "وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني، أنه حسبني أمينًا، إذ جعلني للخدمة، أنا الذي كنت قبلاً مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، لكنني رُحمت، لأني فعلت بجهلٍ في عدم إيمان" [١٢-١٣]. يقدم الرسول بولس تسبحة شكر لله الذي لما رآه يهوي في الموت بتجديفه واضطهاده كنيسة الله وافترائه، لم ينقذه فحسب، وإنما أقامه خادمًا مؤتمنًا على الحق. لم يغفر له ماضيه فحسب، وإنما أقامه سفيرًا له. كثيرًا ما كان الرسول يعلن ما كان عليه قبلاً كمضطهدٍ ومفترٍ (أع ٢٢: ٧)، ليعلن تفاضل نعمة الله المجانية عليه، منكرًا كل استحقاق شخصي في قيامه بالخدمة، ناسبًا كل الفضل لله، ولكن دون تجاهل لحرية الإرادة الإنسانية التي يقدسها الله. إنه مدين كل الدين لنعمة الله التي تفاضلت جدًا فأقامته للخدمة، إذ يقول "قواني" أي وهبني "قوته الإلهية" لكي أرد الدين بالحب نحو الذين لم يختبروا بعد عمله الخلاصي، ولكي لا أيأس قط من خلاص إنسان! يقول القديس أغسطينوس: [إذ نال بولس عفوًا عن جرائم عظيمة هكذا، يليق ألاَّ ييأس أحد من أي خطية، فإنها تُغفر له!]

لقد أدرك الرسول بولس أنه قد "رُحم"، فما يناله من نعم هو من قبيل مراحم الله المجانية... وكما يقول القديس أغسطينوس: [إنه يقول بأنه رُحم ليس خلال استحقاقاته الذاتية، وإنما خلال مراحم الله.] ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لاحظ كيف يشكر الله، إذ يعرف أن حتى ما يفعله من جانبه، إنما هو فضل من الله الذي جعله أناءً مختارًا.]

في تواضع يعترف الرسول بولس أنه كان مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا، فلماذا دعاه الله للخدمة دون غيره من المجدفين والمضطهدين والمفترين؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأن ما فعلوه لم يكن بجهل، وإنما بإرادتهم عن معرفة كاملة. توجد شهادة بذلك، إذ يقول الإنجيلي: "ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضًا غير أنهم بسبب الفريسيين لم يعترفوا، لئلا يصيروا خارج المجمع، لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله" (يو ١٢: ٤٢-٤٣). مرة أخرى قال لهم المسيح: "كيف تقدرون أن تؤمنوا، وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض؟" (يو ٥: ٤٤). بلي، قال اليهود أنفسهم: "انظروا إنكم لا تنفعون شيئًا، هوذا العالم قد ذهب وراءه" (يو ١٢: ١٩). هكذا كانوا دائمًا محبين للسلطة...، أما بولس فأين كان حينئذ؟ قد يقول قائل أنه كان عند قدمي غمالائيل، ولم يكن له نصيب بين جموع المتآمرين ضد يسوع، لأن غمالائيل لم يظهر كإنسان طموح! إذن كيف ارتبط بولس بالجموع (المقاومة)؟ لقد شاهد التعليم ينمو ويسود، إذ صار مقبولاً على نطاق واسع. ففي حياة المسيح رافقه التلاميذ، وبعد ذلك صار معلمو اليهود مهجورين تمامًا، لذلك قام بولس ضد التعليم ليس كبقية اليهود بدافع حب السلطة وإنما بسبب الغيرة. ماذا كان الدافع لرحلته إلى دمشق؟ لقد ظن أن التعليم مؤذٍ، وكان يخشى من انتشاره في كل موضع. أما اليهود فلم يكن همهم الجموع إنما حب السلطة التي تأثرت بأعمالهم.]

ما كان يُحزن قلب بولس هو أن البسطاء قد تعرفوا على السيد المسيح وقبلوا إنجيله، حتى العشارين تمتعوا به، أما هو فقضى غالبية عمره يدرس الناموس، لكن في جهالة، إذ اهتم بحرفه دون غايته، لكن مراحم الله انتشلته إلى الاستنارة!

يقول الرسول: "وتفاضلت نعمة ربنا جدًا مع الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع" [١٤]. لم تقف مراحم الله عند عدم معاقبته على تصرفاته الماضية من تجديف واضطهاد وافتراء، وإنما رفعته إلى حالة "الدخول في المسيح يسوع" ليصير فيه ابنًا لله ووارثًا له. هذا ما شعر به الرسول أمام نعمة الله المتفاضلة جدًا، والفائقة لكل رحمة، لذا يكمل، قائلاً: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا" [١٥]. هذه هي نعمة الله التي انتشلت أول الخطاة!

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يرى أحد سجينًا قد صار في القصر ويشك في نوال الرحمة، هكذا كان حال بولس، مقدمًا نفسه مثالاً. فإنه لم يخجل من أن يدعو نفسه خاطئًا، بل بالحري يبتهج بذلك، مقدمًا الدليل الحسن على معجزة الله معه، هذا الذي حسبه أهلاً لحنوٍ فائق. هنا يدعو نفسه خاطئًا بل أول الخطاة، مع أنه في موضع آخر يؤكد "أنه من جهة البرّ الذي في الناموس بلا لوم" (في ٣: ٦) فبالنسبة للبرّ الذي هو من عمل الله، البرّ الذي يطلبه بحق، يُحسب حتى الأبرار في الناموس أنهم خطاة، "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو ٣: ١٣). لذا حينما يتكلم عن بره يقول: "البرّ الذي في الناموس". إنه كمن يطلب ثروة فيظن في نفسه أنه غني، لكنه متى قارن نفسه بكنوز الملوك يحسب نفسه فقيرًا جدًا وأول الفقراء. هكذا أيضًا إذا قورن حتى الأبرار بالملائكة فإنهم يحسبون خطاة، وإن كان بولس الذي يعمل البرّ الذي في الناموس يُحسب أول الخطاة فأي إنسان يُدعى أنه بار؟ إنه لم يفعل ذلك ليدين حياته ويحكم عليها أنها دنسة، وإنما بمقارنة برّه ببرّ الله يظهر أنه غير مستحق شيئًا، ليس هذا فقط وإنما أراد أن يؤكد بأن الذين يتمتعون بهذا هم الخطاة.]

"لكنني لهذا رُحمت، ليظهر يسوع المسيح فيّ أنا أولاً كل أناة، مثالاً للعتيدين أن يؤمنوا به للحياة الأبدية" [١٦].

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة بقوله:

[رُحم حتى لا ييأس أي خاطئ من نوال الرحمة، إنما يشعر كل أحد بتأكيد نواله عطية مشابهة. إنه تواضع متزايد، إذ يدعو نفسه أول الخطاة ومجدفًا ومضطهدًا وغير مستحق أنه يدعى رسولاً، مقدمًا نفسه مثالاً. افترض مدينة مزدحمة سكانها جميعهم أشرار، بعضهم شرهم متزايد والآخر شرهم أقل، فإن الكل يستحق الإدانة. فإن كان من بينهم إنسان يستحق عقوبة أكثر من الكل إذ فعل كل أنواع الشر، وقد أعلن الملك أنه يود العفو عن الجميع ربما لا يصدقوه مثلما لو عفى بالفعل عمن فعل الشر أكثر من الجميع. بهذا لا يطرأ أدنى شك لدي أحد.

هذا ما يقوله بولس: إن الله أراد أن يقدم تأكيدًا كاملاً للغفران عن العصاة، فاختاره كموضوع رحمة الله بكونه أول الخطاة. بنواله الرحمة يبرهن أنه لن تعود بعد توجد دينونة على غيره. إنه كمن يقول: إن كان الله يعفو هكذا فإنه لن يعاقب أحدًا. إن كنت أنا قد خلصت، فلا يشك أحد في الخلاص. لاحظ تواضع هذا الطوباوي إذ لم يقل: "ليظهر فيّ الأناة" بل "كل أناة"، وكأنه يقول: لا حاجة لظهور أناة أعظم مما تظهر في حالتي أنا، فليس عن خاطئ يحتاج إلى عفو الله وكل أناته وليس جزءًا منها مثلي!]

"وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يُرى، الإله الحكيم وحده، له الكرامة والمجد إلى دهر الدهور. آمين" [١٧].

هذه المراحم الإلهية التي رفعت معلمنا بولس الرسول من تحت العقوبة إلى مبعوث الكنيسة ورسولها، تمجد الله ملك الدهور. حقًا لقد تمجد الابن بهذا العمل الإلهي، وتمجد الآب كمدبر لهذا الخلاص. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي: [من أجل هذه الأمور لا نمجد الابن وحده بل والآب أيضًا... يتمجد الآب بالأكثر عندما يصنع الابن أمورًا عظيمة.]

كيف نمجد الله ونكرمه؟ إننا لا نكرمه بكلمات التسبيح مثلما نكرمه بالعمل، خلال تقديسنا روحًا وجسدًا في ابنه يسوع المسيح بواسطة روحه القدوس. ليس فقط بتقديسنا نحن، وإنما أيضًا بالصلاة مع العمل الدائم لأجل تقديس كل إنسان روحًا وجسدًا. فإن كان الله قد تمجد في شاول الطرطوسي إذ رُحم وصار رسولاً للحق، فإنه بالحق تمجد بالأكثر بدخول الكثيرين خلاله إلى الحياة الجديدة وتمتعهم بروحه القدوس.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
 


3 هاتور 1736 ش
13 نوفمبر 2019 م

نياحة القديس كرياكوس الكبير من أهل كورنثوس عضو مجمع القسطنطينية
استشهاد القديس أثناسيوس وأخته إيرينى من القرن الثانى الميلادى
استشهاد القديس أغاثون

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك