تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس اصحاح1 جـ2 Print
وما هي الأنساب؟

أولاً: ربما قصد بها الأنساب اليهودية، فكان البعض ممن قبلوا الإيمان المسيحي يعتزون بأنهم من أصل كهنوتي أو من سبط يهوذا الخ.، فيسقطون في المجد الباطل.

ثانيًا: كان في العالم الأممي القديم اهتمام خاص بالأنساب، نذكر على سبيل المثال اسكندر الأكبر، صُنعت له شجرة نسب تعود إلى آشيل Achilles واندروماك Andromache من جانب وإلى برسس Perseus وهرقل Herclues من جانب آخر. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن اليونان كانوا يعددون آلهتهم خلال أنساب معينة.

ثالثًا: يرى القديس إيريناؤس والعلامة ترتليان أن الأنساب هنا تشير إلى بذور الهرطقات الغنوسية التي اعتقد بعضهم أن الكائن الأعظم قد انبثق عنه كائن، وهذا انبثق عنه ثالث، وهكذا حدثت عدة انبثاقات تسمى الأيونات، هذه التي ضعفت من نسب إلى آخر، وان الإنسان يبلغ إلى الكائن الأعظم خلال هذه الوسائط بواسطة المعرفة gnosis.

أما قول الرسول عن هذه الأمور أنه "لا حد لها" قصد أنها بلا نهاية أو بلا غاية أو هدف يبلغه الإنسان خلالها.

والآن، ماذا يعني الرسول بقوله: "مباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان"؟ هل يرفض الرسول البحث والمناقشة في الأمور الإيمانية؟

لقد اهتم الغنوسيون بالمعرفة ليست النابعة عن حب الحق والمتسمة بروح متواضع تقوي، وإنما "المعرفة" المتعجرفة التي تهتم بالمباحثات الجافة العقيمة التي بلا حياة. يهدفون إلى المجادلات لأجل ذاتها، بعيدًا عن الحياة التقوية. فاحتلت المعرفة موضع الإيمان كطريق الخلاص. هذه هي "المباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان"، أما المباحثات التي للبنيان فهي التي تدخل تحت دائرة الإيمان، تصدر عن نفس متواضعة تطلب الحق لا للجدال والمناقشة وإنما لتحيا به وتمارسه.

يقول القديس إيريناؤس عن هؤلاء المعلمين: [إنهم يفسدون تعاليم الله، ويثبتون أنفسهم كمفسرين أشرار لكلمة الإعلان الصالحة، يحطمون إيمان الكثيرين بانتزاعهم عن الإيمان تحت ستار المعرفة... يخدعون البسطاء بالكلمات المنمقة والشكل الحسن، محطمين إياهم بسماجة.] ويتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن المباحثات الغبية قائلاً: [يلزمنا إلاَّ ننشغل بالمباحثات، لأننا إذ نسأل لا يكون للإيمان موضع، إذ الإيمان يعطي للمباحثات هدوءً. لكن لماذا يقول السيد: "اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم" (مت ٧: ٧)؟ وأيضًا "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية" (يو ٥: ٣٩)؟ الطلب يعني الصلاة والرغبة الشديدة. فهو يأمر بتفتيش الكتب لا للدخول في أتعاب المباحثات وإنما لإنهائها، بالتأكد من معناها الحقيقي، فلا نبقى بعد في مباحثات مستمرة وإنما نقطع فيها.]

ما نريد تأكيده أن الإيمان يرفض المباحثات الغبية، لكنه يلتقي مع المباحثات البناءة التي تقوم بروح الإخلاص والشوق الحقيقي لمعرفة الحق والتمتع به تحت قيادة روح الله القدوس. وقد قامت مدرسة الإسكندرية المسيحية منذ بدء انطلاقها تصالح الإيمان مع الفلسفة، وتزوج القلب مع الفكر.

يعالج القديس بولس حب الدخول في المباحثات الغبية التي يثيرها الهراطقة بقصد الكبرياء والتمتع بالسلطة، بتحديد هدف الرعاية، ألا وهو تقديم الوصية الإنجيلية بروح الحب الخالص العملي، إذ يقول: "وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء" [٥]. خارج الحب تفقد الوصية وجودها وينحرف المعلمون عن رسالتهم، فتتحول إلى مباحثات غبية تسبب انشقاقات في الجماعة. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إذ لا يحب الناس يحسدون من لهم صيت حسن، مشتاقين أن ينالوا السلطة، وبحبهم للسلطة يقدمون الهرطقات.]

"المحبة" هي غاية الوصية التي يكرز بها الرسل وكل خدام الكلمة، هذه التي تشبع القلب، وتحدد هدف الإنسان، فلا يرتبك بالمناقشات الباطلة، ولا يعطي لنفسه سماحًا أن تهتم بالمباحثات غير البناءة. يحدد الرسول سمات هذه المحبة، بأنها تصدر عن "قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء".

- "وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر، وضمير صالح، وإيمان بلا رياء" (1 تي 1: ٥)... لكن أي نوع من المحبة يتحدث عنها الرسول؟ المحبة الخالصة التي لا تقوم على كلمات مجردة، إنما تنبع عن الميل الداخلي والوجدان والعاطفة، إذ يقول: "من قلب طاهر..." فالحياة الشريرة تجلب انقسامات، "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور" (يو ٣: ٢٠). حقًا توجد صداقات حتى بين الأشرار، فالقتلة واللصوص يحبون بعضهم البعض، لكن ليس من ضميرٍ صالح ولا من قلبٍ طاهر، إنما قلب دنس، وليس من إيمانٍ بلا رياء وإنما من إيمانٍ باطلٍ مراءٍ... فالإيمان يشير إلى الحق... ومن يؤمن بالله حقًا لا يقدر أن يبتعد عنه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

لقد أحبت امرأة فوطيفار الشاب يوسف لكن بقلب غير طاهر، فلم تنفذ الوصية، إذ كانت تحب شهوات نفسها... وإذ حرمها يوسف ألقت به في السجن. وأحب أمنون أخته ثامار جدًا حتى مرض، وعندما لم تشبع شهواته أبغضها جدًا وجعلها في عارٍ. لذا يصر الرسول أن تكون المحبة "من قلب طاهر"، تنبع عن قلب تقدس بسكنى الله القدوس فيه، وضمير صالح أي نية أو إرادة صالحة فلا يداهن ولا يعمل بخبث، وإيمان بلا رياء... أي تنبع محبته للإخوة خلال إيمانه بالله وحبه له. وكما يقول القديس أغسطينوس: [لا يوجد حب حقيقي به نحب الآخرين ما لم نحب الله. كل إنسان يحب قريبه كنفسه، إن كان محبًا لله، لكنه إن لم يحب الله فلا يحب نفسه.] في اختصار نقول أنه بالحب الحقيقي لله خلال إيماننا به وسكناه فينا يحب كل منا نفسه في الرب، كهيكلٍ مقدس له، عندئذ يقدر أن يحب أخاه كنفسه! هذا هو الحب القادر أن يشبع القلب والفكر وكل الأحاسيس، فلا يجد الإنسان مجالاً للمباحثات الفارغة!

يكمل الرسول "الأمور التي إذ زاغ قوم عنها، انحرفوا إلى كلام باطل" [٦]. حقًا إذا زاغ إنسان عن الحب الإلهي الصادق تتحول حياته الداخلية إلى فراغ بلا شبع، فيتحول عن الحق إلى الكلام الباطل والمباحثات التي بلا هدف، لعلها تغطي العجز الداخلي. يتحول الإنسان عن الحياة التقوية والشهادة العملية إلى شهوة التعليم وبلوغ السلطة بلا فهم ولا حكمة، لهذا يكمل الرسول: "يريدون أن يكونوا معلمي الناموس وهم لا يفهمون ما يقولون ولا يقررونه" [٧]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص قائلاً: [نجد هنا سببًا آخر للشر، وهو شهوة السلطة. لذلك يقول المسيح: "أما أنتم فلا تدعوا سيدي Rabbi" (مت ٢٣: ٨)، كما يقول الرسول: "لا يحفظون الناموس... إنما لكي يفتخروا في جسدكم" (غل ٦: ١٣)، أي أنهم يطلبون الكرامة دون أن يهتموا بالحق. "وهم لا يفهمون ما يقولون ولا يقرونه" [٧]. إنه يوبخهم إذ لا يعرفون غاية الناموس ولا الوقت اللازم لنوال السلطان. لكن إن كان هذا عن عدم فهم، فلماذا تُحسب عليهم خطية؟ لأن ما يحدث لا ينبع عن اشتياق فيهم أن يكونوا معلمين للناموس، وإنما عن عدم إيجاد الحب. جهلهم ذاته نابع عن ذات السبب، فالنفس التي تتدنس بالأمور الجسدانية تنطمس فيها نقاوة الرؤية، وبسقوطها عن الحب تسقط في كثرة الخصام وتصاب عينا ذهنها بالعمى... ولا تقدر أن يكون لها الحكم الحق".]

إذن في اختصار، انحرافهم عن الحب الحقيقي، دخل بهم إلى حالة من الفراغ الداخلي، أرادوا معالجته بالظهور كمعلمين للناموس ومدافعين عنه مع أنهم بعيدون عن غايته الحقيقية. وصارت حياتهم تتسم بكثرة المناقشات والمجادلات، ليس رغبة في البلوغ بأنفسهم وبغيرهم للحق، وإنما من أجل تمتعهم بالسلطة وحب الرئاسة. ولئلا يفهم القارئ أن الرسول يتهم الناموس في ذاته أو التعليم به كأمرٍ غير صالح، أكد: "ولكننا نعلم أن الناموس صالح، إن كان أحد يستعمله ناموسيًا" [٨]. فالخطأ ليس في الناموس، وإنما في إساءة استعماله. يشبههم القديس أغسطينوس بابنتي لوط اللتين أساءتا التصرف مع أبيهما فأنجبا لنا موآب وبني عمون الذين يشيران إلى الأعمال الشريرة، وكانا هما ونسلهما سرّ متاعب لا حصر لها لشعب الله. كما يقول القديس في نفس الموضع: [لم تصدر المتاعب الرئيسية للكنيسة إلاَّ عن الذين يسيئون استخدام الناموس.]

ظن بعض المسيحيين الذين من أصل يهودي أن الرسول بولس يتحدث ضد الناموس (أع ٦: ١٣-١٤)، لهذا كان يؤكد بكل وضوح أنه صالح ومقدس (رو ١٢: ١٢) إن استعملناه ناموسيًا، أي أدركنا أن "غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل من يؤمن" (رو ١٠: ٤)، أو كما يقول: "كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان" (غل ٣: 2٤)، إن قبلنا ابن الله "مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني" (غلا ٤: ٤-٥). لقد أخذنا الناموس لا لندخل في مباحثات غبية، وإنما لكي يدين الخطية العاملة فينا، فنقبل السيد المسيح مبرر الخطاة، يحررنا من حكم الموت الذي صار علينا بالناموس. لهذا يقول الرسول: "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو ٦: ١٤)، "لأني مت بالناموس لأحيا لله" (غلا ٢: ١٩)، "ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس، مغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يعلن، إذ قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعدما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب" (غل ٣: ٢٣). "ولكن إذا انقدتم بالروح، فلستم تحت الناموس" (غلا ٥: ١٨).

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن دور الناموس، قائلاً: [إن استخدمت الناموس بطريقة سليمة، يقودك إلى المسيح. فإن كان هدفه هو تبرير الإنسان، لكنه يعجز عن تحقيق ذلك، فإنه يقدمك إلى القادر على تحقيق ذلك.] لكن إذ ندخل إلى السيد المسيح، وننعم بالحياة المعطاة لنا فيه بالروح القدس، إنما ننعم بما عجز عن تقديمه لنا بالناموس، فلا حاجة للعودة إلى السقوط تحت الناموس من جديد. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن الفارس يستخدم اللجام في ضبط الفرس في البداية، لكن متى سلك بانضباط فلا حاجة للجام. والطفل يتعلم الحروف الأبجدية لكن متى صار ماهرًا في القراءة فلا عوز للعودة إلى الأبجدية. هذا هو استعمال الناموس ناموسيًا، أي تحقيق هدفه فينا فنعلو على الناموس ولا نبقى تحته. "الذين هم فوق الناموس ليسوا بعد في مدرسة الناموس، إنما يحفظونه بدخولهم إلى درجة أعلى، ويتممونه خلال ميلهم للفضيلة، وليس عن خوف... فمن يعيش فوق الناموس يستعمله ناموسيًا.] بمعنى آخر استخدام الناموس ناموسيًا هو الدخول في الحياة الفاضلة في المسيح يسوع، فلا نبقى تحته، ولا يتحول في حياتنا إلى مباحثات ومجادلات نظرية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان أحد يتممه بتصرفاته يكون قد تممه ناموسيًا، إنما يستخدمه لنفعه الخاص.]

بهذا نفهم الناموس أنه مُقدم للاثمة والأشرار، لكي يقودهم إلى السيد المسيح كمخلصٍٍ لهم، يهبهم الحياة الفاضلة فيه، ويرتفع بهم إلى ما فوق الناموس. لهذا يقول الرسول: "عالمًا هذا أن الناموس لم يُوضع للبار، بل للاثمة والمتمردين، للفجار والخطاة، للدنسين والمستبيحين، لقاتلي الآباء وقاتلي الأمهات، لقاتلي الناس، للزناة لمضاجعي الذكور، لسارقي الناس، للكذابين الحانثين، وإن كان شيء آخر يقاوم التعليم حسب إنجيل مجد الله المبارك الذي اؤتمنت أنا عليه" [٩-١١].

الشرور المذكورة هي أبشع أنواع الخطية المفسدة للنفس التي تقاوم الحياة المقدسة في الرب حسب إنجيل مجده. وقد جاء الناموس من أجل مرتكبيها ليتعرفوا على عجزهم الذاتي التام، فيقبلوا على السيد المسيح ليس كغافر لهم هذه المعاصي المرة فحسب، وإنما ليدخل بهم إلى "مجد الله المبارك" خلال إنجيل خلاصه المجاني. هذا الإنجيل المجيد الذي أؤتمن عليه الرسول يُقدم للأشرار خلال الناموس الذي فضحهم وأعلن بؤسهم.

ويرى القديس أمبروسيوس أن الناموس هام ليس للأبرار بل للأشرار، لأن الأولين يمكن أن ينسحبوا للحياة الفاضلة خلال ناموس ذهنهم، أما الأشرار فيردعهم الناموس خلال الخوف من العقوبة.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى تيموثاوس +