إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أن ضعفت يوماً فاعرف أنك نسيت قوة الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ5 PDF Print Email

"أين الحكيم؟ أين الكاتب؟أين مباحث هذا الدهر؟ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" [20].

أين هم؟ إنهم لا يوجدون إذ جعلهم اللَّه كلا شيء [19]. يقصد بالحكيم الفيلسوف اليوناني، وبالكاتب الرجل اليهودي المتعلم، أما مباحث هذا الدهر فيشمل المحبين للحوار النظري العقيم سواء كانوا يهودًا أو أمميين.

يرى البعض أن الحكيم والكاتب ومباحث هذا الدهر يشيرون إلى اليهود كما ورد في (إش 14:29؛ 18:33؛ 25:44). فالحكيم عند الرسول هو chataam عند إشعياء النبي، ويعني به من يمارس التعليم. والكاتب يقابل copeer عند إشعياء النبي وهو الشخص المتعلم والمتميز عن عامة الشعب، خاصة في معرفة التقاليد اليهودية. والمباحث هو derosh أو dorshan الذي يجيب على الأسئلة ويعطي فهمًا رمزيًّا للكتاب المقدس. هؤلاء الثلاثة كانوا معروفين لليهود.

"ألم يجهل الله حكمة هذا العالم؟" يجعل اللَّه حكمة هذا العالم جهالة، إذ ينقصها الإيمان بالمسيح المصلوب، وبالتالي تعجز عن تقديم الخلاص للناس.

جاء في التقليد اليهودي أنه لا يكون أحد حكيمًا أو قويًا أو غنيًا بدون اللَّه. فيرون أنه يوجد حكيمان في العالم هما أخيتوفل الإسرائيلي (2 صم 15-17) وبلعام الأممي (عدد 22-24)، وكلاهما كانا بائسين في العالم. ويوجد رجلان قويان هما شمشون اليهودي في لحظات سقوطه (قض 13-16) وجليات الأممي (1 صم 17)، وكلاهما كانا بائسين في العالم. ويوجد غنيّان في العالم هما قورح الإسرائيلي (عدد 16) وهامان الأممي (إس 5-7)، وكلاهما كانا بائسين. لماذا؟ لأن هؤلاء جميعًا حسبوا مواهبهم ليست من عند اللَّه.

حيث تُعلَن حكمة اللَّه تذبل كل حكمة بشرية مجردة، وتُحسب أمامها كلا شيء. فإنه إن اجتمعت كل الكواكب معًا لا تقدر أن تجعل من الليل نهارًا، لكن الشمس وحدها تفعل ذلك. وهكذا لا تقدر أن تقيم كل مواهب الإنسان منه قديسًا مهما بلغت، إنما هو عمل المسيح المصلوب، شمس البرّ.

- نسمع ابن اللَّه يقول: "اعترف لك أيها الآب، رب السماء والأرض". بماذا يعترف له؟ بماذا يمتدحه؟ "لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال الصغار" (مت 25:11). من هم الحكماء والفهماء؟ ومن هم الأطفال الصغار؟ يعني بالحكماء والفهماء الذين يقول عنهم بولس: ""أين الحكيم؟ أين الكاتب؟ أين مباحث هذا الدهر؟ ألم يجهل اللَّه حكمة هذا العالم؟" ربما لا تزال تسأل من هم هؤلاء؟ هؤلاء هم المتجاسرون في حوارهم بخصوص اللَّه وينطقون بالباطل عنه، وينتفخون بتعاليمهم الذاتية.

- إنه يحقق ما تنبأ عنه بحق الأنبياء: "أبيد حكمة الحكماء وأنزع فهم الفهماء". فإنه لا يبيد عطيته فيهم ولا ينزعها عنهم بل ما ينسبونه لأنفسهم وما لم ينالوه منه... هذا محتقر كأمرٍ ضعيفٍ وغبيٍ موجود في الحكماء والأقوياء من أنفسهم. ولكن هذه هي النعمة التي تشفي الضعفاء الذين لا ينتفخون في كبرياء بطوباوية من عندياتهم بل بالأحرى في تواضعٍ يعرفون بؤسهم الحقيقي.

القديس أغسطينوس

-حكمة العالم غير حكمة اللَّه. حكمة اللَّه هي حق بدون إضافات تفسدها، وأما حكمة العالم فغبية، وإن كانت بساطة حكمة اللَّه تجعل الذين يقتنونها يظهرون كجهلاء في أعين العالم.

- لا تقتات بطعام الفلسفة المخادع، فإنه قد يبعدك عن الحق.

- أستطيع القول بكل ثقة أنه ليس محبة البلاغة الدنيوية، ولا سفسطة الفلاسفة، ولا أخطاء المنجمين الخاصة بدورات الكواكب، ولا تأليه الشياطين الكذبة، ولا أي علم آخر خاص بالمستقبل مستخدمًا خداعات شريرة، يقدر أن يفصلنا عن محبة اللَّه التي في المسيح يسوع ربنا.

العلامة أوريجينوس

- يصمت الحكيم والعاقل في هذا الأمر، لأنهما يزدريان بحكمة اللَّه.

القديس هيلاري أسقف بواتيية

- هنا يعدد بولس نوعين أو ثلاثة أنواع مختلفة من الحكمة. الأول هو ما يدعوه العالم جهالة، الحكمة التي هي أعظم من الأنواع الأخرى. بعد ذلك توجد حكمة تُعطى للبشر بها نتعقل ونعمل، وبواسطتها نتقدم ونخترع أشياء، وبها يمكن أن نعرف اللَّه. يوجد نوع ثالث من الحكمة, يوجد خلال التأمل في الخليقة.

الحكمة التي يحسبها العالم جهالة يهبنا إياها المخلص، حتى أن الذين يعرفون اللَّه بالحكمة الطبيعية والذين ينقادون إليه بالتأمل في نظام الخليقة يمكنهم أن ينالوا الخلاص، الأمر الذي لا يستطيع النوعان الآخران من الحكمة أن يقدماه بدون خطأ.

ثيؤدورت أسقف قورش

"لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمةاستحسن الله أن يُخلص المؤمنين بجهالة الكرازة" [21].

بقوله "كان العالم في حكمة اللَّه" لا تُفهم الحكمة التي مصدرها اللَّه، وإنما الحكمة التي غايتها البحث في اللَّه. فقد ظن كثير من الفلاسفة أنهم قادرون على التعرف على طبيعة اللَّه وأسراره وخطته بحكمتهم البشرية المجردة.

يرى الرسول أن فلاسفة العالم في بحثهم في أعمال اللَّه وخليقته لم يعرفوا اللَّه، فسقطوا في أعماق ظلمة الجهالة (رو 20:1-21). أو أنه إذ ترك اللَّه الإنسان ليحكم بنفسه بحكمته لم يبلغ إلى المعرفة الصادقة، لهذا تدخل اللَّه بإنجيل الصليب الذي يراه العالم جهالة ليكشف لهم عن الحق الإلهي، ويقدم لهم الخلاص. لقد ترك للبشر وقتًا كافيًا، حوالي 4000 عامًا، ومع هذا فشل الإنسان في إدراك المعرفة.

بالفلسفة البشرية المجردة أنكر الإنسان وجود اللَّه تمامًا أو أنكر عنايته ورعايته للبشرية. ولم يستطع خلال فهمه ولا خلال تأمله في الطبيعة أن يتلمس يد اللَّه ويتعرف على خطته. فإنه ليست من حكمة تقدر أن تنير أعماق الذهن وتكشف له عن الأسرار الإلهية بل وتجدده وتهب للإنسان خلاصًا، وتدخل به إلى الأمجاد السماوية سوى الصادرة من اللَّه.

-كما أن المعلم يأمر تلميذه أن يتبعه حيثما يقوده، وإذ يراه ممتنعًا عن ذلك ويريد أن يتعلم كل شيء بذاته، يسمح بأن يتركه يضل. وإذ يدرك التلميذ أنه عاجز عن بلوغ المعرفة يقدم له المعلم ما يتعلمه، هكذا فإن اللَّه أيضًا يأمر من البداية أن يقتفي البشر أثره بالفكرة التي تقدمها الخليقة، وإذ لم يريدوا فإنه بعد أن أظهروا بالخبرة أنهم عاجزون بأنفسهم يقودهم إليه مرة أخرى بطريق آخر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

-هذه الجهالة في الكرازة و"جهالة اللَّه التي هي أحكم من الإنسان" تجتذب الكثيرين إلى الخلاص. تجتذب ليس فقط العاجزين عن إدراك طبيعة اللَّه بتعقل واضح، الأمر الذي قبلوه بالإيمان، بل وتجتذب حتى الذين لم يتعلموا طبيعة نفوسهم ذاتها ليُميّزوا بين الجوهر غير المادي والجسد ككل مع تأكيدهم أنهم يعيشون ويفهمون ويريدون. حتى هؤلاء لا يُحرمون من الخلاص، حيث تُقدم جهالة الكرازة للمؤمنين.

القديس أغسطينوس

- الإيمان بالمسيح المصلوب يهبنا سلطانًا، وإذ ينقصنا شيء في إيماننا تقدمه لنا قوة اللَّه.

العلامة أوريجينوس

"لأن اليهود يسألون آية،واليونانيين يطلبون حكمة" [22].

يرى بعض الدارسين أنه لم يكن يوجد شعب بطيء في قبول الإيمان باللَّه مثل اليهود، وإذ كانوا دائمًا يخشون الخداع. كانوا يطلبون من الأنبياء أن يصنعوا أمامهم آيات وعجائب. هذه هي سمات الشعب اليهودي أنهم لم يكونوا قادرين على التعرف على اللَّه إلا بصنع آيات وعجائب ملموسة. وكانوا يفتخرون بذلك، ويطلبونها من كل نبي يظهر لكي يتأكدوا من صدق إرساليته من قِبَلْ اللَّه. لهذا احتقروا الكرازة البسيطة بالمسيح المصلوب. كانوا ينتظرون المسيا الذي يصنع آيات من السماء (مت38:12)، فيخلصهم من الأعداء بالقوة.

يقصد باليونانيين هنا الأمم بصفة عامة، خاصة الفلاسفة، فإنهم يطلبون ديانة تعتمد على الحكمة البشرية، ولهذا استخفوا بالإنجيل.

-في الرسالة إلى كنيسة كورنثوس نجد ذاك الذي نتحدث عنه بسموٍ، معلم كل الكنائس، أقصد بولس يقول: "اليهود يطلبون آية، واليونانيون حكمة. لكننا نكرز بالمسيح مصلوبًا، لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة. وأما لنا نحن المخلصين، سواء كنا من اليهود أو اليونانيين، فالمسيح قوة اللَّه وحكمة اللَّه".

يا له من معلم قوي للإيمان!

فإنه حتى في هذه العبارة إذ يعلم الكنيسة يحسب أنه لا يكفي الحديث عن المسيح بأنه اللَّه، بل يضيف أنه صُلب عن عمدٍ، من أجل التعليم عن الإيمان الواضح والصلد. هذا الذي يعلن عنه، والذي دعاه المصلوب هو حكمة اللَّه.

لم يستخدم إذن المهارة ولا احمر وجهه خجلاً عندما أشار إلى صليب المسيح. ومع كونه عثرة لليهود وجهالة للأمم أن يسمعوا بأن اللَّه قد وُلد (بالجسد) في شكل جسدي، وأنه تألم وصلب إلا أنه لم تضعف قوة ملامحه التقية بسبب شر اليهود المقاومين، ولا قلل من قوة إيمانه بسبب غباوة الآخرين وعدم إيمانهم.

إنه بكل صراحة أصر بجسارة أن يُعلن أن ذاك الذي هو عثرة وجهالة للبعض هو قوة اللَّه وحكمته. كما أن الأشخاص مختلفون فيما بينهم، لذلك هم مختلفون في أفكارهم. فما ينقص إنسان من فهم صادق وعجز عن الصلاح الحقيقي، وفي جهالة يُنكر هذا في عدم إيمان، إذًا بالمؤمن الحكيم يشعر في أعماق نفسه أنه عطية مقدسة واهبة حياة.

القديس يوحنا كاسيان

"ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا،لليهود عثرة ولليونانيين جهالة" [23].

ما كان يشغل قلب الرسل ليس صنع الآيات والعجائب، ولا تقديم فلسفات عقلية مجردة، بل الكرازة بصليب السيد المسيح ليتمتع اليهود كما الأمم بقوة الخلاص.

تعثر اليهود لأنهم لم يجدوا في المسيح الملك الأرضي الذي يصنع آيات وعجائب من السماء ليُقيم منهم مملكة عظيمة ويخلصهم من الاستعمار الروماني (مت35:12). جاءهم السيد المسيح وديعًا ومتواضعًا، لا يطلب المجد الزمني فتعثروا فيه.

وحسب اليونانيون الصليب غباوة لأنه يقدم شخصًا مصلوبًا، لا معلمًا يحاور في فلسفات وأفكار متغيرة. إنه من اليهودية عاجز عن الدخول في ركب الفلاسفة.

أورد الشهيد يوستين بعض كلمات السخرية التي تكلم بها تريفو Trypho ضد المسيحيين: [يسوعكم سقط تحت لعنة اللَّه العظمى. في دهشة لسنا ندرك كيف تتوقعون أمرًا صالحًا من اللَّه وأنتم تضعون رجاءكم في إنسان مصلوب!]

يقول أيضًا الشهيد يوستين: [يحسبوننا مجانين أننا نضع إنسانًا مصلوبًا بعد اللَّه السرمدي أب الجميع! يقول الأمميون: أين فهمكم يا من تعبدون إلهًا هو نفسه مصلوب؟]

هكذا صار الصليب لليهود عثرة وللأمم جهالة. المسيا المصلوب هو الحجر الذي تعثر فيه اليهود (مت44:21). عِوض التمتع بنعمة الخلاص بالصليب سقطوا في إنكار المسيح وجحودهم لعمل اللَّه الخلاصي فزادت خطيتهم.

- المسيح الذي نكرز به في كل العالم ليس مسيحًا يتزين بإكليل أرضي، وليس مسيحًا غنيًا بكنوز العالم، يشتهر بممتلكات أرضية، وإنما هو مسيح مصلوب. هذا كان محتقرًا من كل أمم الشعوب المتعجرفة، ولا يزال مرذولاً من البقية بين الأمم، لكنه هو موضوع إيمان القلّة وليس كل الأمم. لأنه عندما كُرز بالمسيح المصلوب في ذلك الحين آمن به عدد ليس بقليلٍ، إذ جعل العرج يمشون والخرس يتكلمون والصم يسمعون والعمي يرون والموتى يقومون. هكذا حطم كبرياء العالم، فإنه حتى بين أمور هذا العالم ليس شيء أكثر قوة من تواضع اللَّه [23-25].

القديس أغسطينوس

"وأما للمدعوين يهودًا ويونانيينفبالمسيح قوة الله وحكمة الله" [24].

الذين قبلوا الدعوة الإلهية سواء كانوا يهودًا أم من الأمم صارت لهم نظرة واحدة نحو المسيح المصلوب. إنهم يرونه قوة اللَّه، إذ يجدون قوة الخلاص العامل في حياتهم. ويدركون حكمة اللَّه، أي خطته الإلهية للغفران والتقديس وتمجيد الإنسان أبديًّا في الرب. يرون في الصليب سرّ تمتع أعماقهم بالجمال الحقيقي، والسمو في الفكر وضمان الخلاص. يرونه مشرقًا على كل المسكونة ليضم الكل معًا فيه. الكل، سواء من أصل يهودي أو أممي، مدعوون ليصيروا بالحق عروس المسيح العفيفة الواحدة، تحمل قوة اللَّه وحكمته.

إن كان اليهود يطلبون آية، فإن المسيح ذاته هو أعظم الآيات، صليبه الذي يبدو لليهود عثرة هو قوة اللَّه للخلاص لمن يؤمن به. يتلامسون بالآية بتجديد أعماقهم. وإن كان اليونانيون يطلبون حكمة، فالمسيح هو حكمة اللَّه (كو3:2).

- من يؤمن حقًا يتحد تمامًا بذاك الذي فيه الحق واللاهوت والجوهر والحياة والحكمة، ويرى فيه كل هذه والتي ليست فيمن لا يؤمن. فإنه بدون ابن اللَّه لا يكون لك وجود ولا اسم، ويصير القوي بلا قوة، والحكيم بلا حكمة. لأن المسيح هو "قوة اللَّه وحكمة اللَّه" (1كو24:1)، فإن من يظن أنه يرى اللَّه الواحد بلا قوة ولا حق ولا حكمة ولا حياة ولا نور حقيقي إما أنه لا يرى شيئًا بالمرة أو بالتأكيد يرى ما هو شر.

-عندما خلق اللَّه كل الأشياء... لم يكن محتاجًا إلى أية مادة لكي يعمل، ولا إلى أدوات في إقامة الخليقة، لأن قوة اللَّه وحكمته لا تحتاج إلى عونٍ خارجي. بل المسيح قوة اللَّه وحكمة اللَّه به كل الأشياء خُلقت، وبغيره لم يكن شيء مما كان كما يشهد يوحنا (يو 3:1).

- الآن إذ تمم الابن مشيئة الآب، وهذا في لغة الرسول هو "أن يخلص كل بشر" (1تي 4:2) ، يلزمهم لأجل نفعهم أن يكرموا الآب والابن مثله، إذ لم يكن ممكنًا أن يتحقق خلاصنا ولم يكن لإرادة اللَّه الصالحة أن تصير عملاً واقعيًّا من أجلنا إلا خلال قوته؛ وتعلمنا الكتب المقدسة أن الابن هو قوة الآب [24] .

- إذ يعلن أن طبيعته تسمو وتفوق كل عقل يستخدم أسماء مجيدة، فيدعوه "إلهًا فوق الكل" (رو15:9)، "الإله العظيم" (تي13:2)، "قوة اللَّه وحكمة اللَّه" [24]، وما أشبه بذلك.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

-إن كنا جسد المسيح، وقد رتب اللَّه الأعضاء، كل عضو في الجسد فيهتم كل واحد بالآخر، ويتناغم مع الآخر، وعندما يتألم عضو تتألم كل الأعضاء معه، ومتى تمجد عضو تفرح الأعضاء معه، يلزمنا أن نمارس الحنو النابع من الموسيقى الإلهية، إنه متى اجتمعنا معًا في اسم المسيح يكون في وسطنا كلمة اللَّه، وحكمته وقوته.

العلامة أوريجينوس

إنها عثرة لليهود عندما يسمعون المسيح يدعو نفسه ابن اللَّه وهو يكسر السبت. إنها غباوة للأمم إذ يسمعون عن أمور مثل الميلاد البتولي والقيامة يُكرز بهما.

"لأن جهالة الله أحكم من الناس،وضعف الله أقوى من الناس" [25].

خطة اللَّه للخلاص بالصليب التي تبدو للناس جهالة أو صلب المسيح الذي يبدو ضعفًا (2كو4:13) هو سرّ حكمة المؤمنين وقوتهم. فما يبدو لهم جهلاً هو أكثر حكمة من حكمة الناس، إذ لا تقدر الحكمة البشرية بذاتها أن تدركها. وما يبدو ضعفًا هو أعظم قوة مما للناس من قوة، إذ تحول البشريين إلى سمائيين، والأرض إلى سماء، والضعف إلى قوة.

- هذه هي مسرته أيضًا أن يخلص بجهالة الإنجيل. أقول ليست جهالة حقيقية، بل تبدو هكذا. فإن ما هو مدهش للغاية قد جلبه ونشره، وهي حكمة أسمى من الأولى لكنها تبدو غباوة. كمثال طُرد أفلاطون لا خلال فيلسوف أكثر مهارة، بل بصيّادي سمك غير متعلمين. بهذا صارت الهزيمة أعظم والنصرة أسمى.

- مرة أخرى يطلب اليونانيون منّا نظام البلاغة والسفسطة. وإذ نحن نبشر لهم بالصليب الذي يبدو لليهود ضعفًا، فإنه بالنسبة لليونانيين جهالة. لذلك عندما نعجز عن تحقيق طلباتهم بل نقدم لهم العكس تمامًا، عندما يطلبون علامات وحكمة ليس فقط لا ينالون ما يطلبونه بل يسمعون عكس ما يطلبون ومع ذلك بواسطة الأمور العكسية ينجذبون، أليس هذا بقوة ذاك الذي يُكرز به بطريقة لا يُنطق بها؟

- حيث توجد حكمة اللَّه لا حاجة بعد إلى حكمة الإنسان. قبلاً كان يُدرك أن الذي صنع العالم العظيم هكذا هو اللَّه الذي لا تُقاوم قوته ولا يُنطق بها. هذا الإدراك هو جزء من الحكمة البشرية. أما الآن فلا حاجة لنا إلى هذه البراهين العقلية، إنما يكفي الإيمان وحده. فإن من يؤمن أنه صُلب ودُفن، ويقتنع تمامًا أن هذا الشخص نفسه قام وجلس في الأعالي، هذا لا يحتاج إلى حكمة ولا إلى براهين عقلية بل إلى الإيمان. فقد جاء الرسل أنفسهم لا بالحكمة بل بالإيمان وفاقوا الحكماء الوثنيين في الحكمة والسموّ، وأكثر من هذا فإن إثارة الحوار أقل من قبول الإلهيات بالإيمان. بهذا سما على كل الفهم البشري.

- سنعرف قوته وسلطانه برد الذين كانوا في عداوة معه إلى زمان طويل إليه. "فإن ضعف اللَّه أقوى من الناس"، فبذات القوة التي أقام بها المسيح من الأموات يجتذبنا هو إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ألم ينزل الحكمة لكي يهيئ نفسه لضعفنا، ولكي يظهر لنا نموذج الحياة المقدسة في شكل بشريتنا. ومع ذلك فإننا إذ نأتي نحن إليه نفعل ذلك بالحكمة. هو نفسه عندما جاء إلينا حُسب عمله جهالة في نظر البشر المتكبرين. عندما نأتي إليه نصير أقوياء، وعندما جاء إلينا نُظر إليه كضعيفٍ. ولكن "جهالة اللَّه أقوى من الناس، وضعف اللَّه أقوى من الناس" [25]. هكذا فإن الحكمة أيضًا هي الطريق الذي به نبلغ بيتنا.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 


11 هاتور 1736 ش
21 نوفمبر 2019 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك