تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 5 جـ1 Print

جريمة فاضحة!

بعد أن عالج الرسول بولس مشكلة الانقسامات التي حلت بكنيسة كورنثوس قدم قضية لجريمةٍ فاضحةٍ أساءت إليهم جميعًا.

قبل أن يناقش موضوع "خميرة الشر" التي يجب عزلها أوضح الرسول بولس أمرين: الأول أُبوّته في المسيح يسوع (15:4) التي كلفته موته اليومي من أجل خلاص النفوس. والثاني هو ملكوت اللَّه أنه ليس بكلام بل بقوة (20:4).

حياتنا هي تمتع ببرّ المسيح، هذا البرّ نناله منه ونمارسه لأجله. هو خبرة يومية تعيشها الكنيسة كعروس للعريس البار، لذا فهي تحرص على عزل الخمير الفاسدة لا للعقوبة، وإنما لتأديب الفاسد حتى ينحل فساده ويتمتع ببرّ المسيح خلال التوبة الصادقة.

1. خطورة القضية 1.

2. نزع الخميرة الفاسدة 2-6.

3. الاحتفال بعيدٍ دائمٍ 7.

4. عزل الأخ الخبيث 8-13.

1. خطورة القضية

يُسمع مطلقًا أن بينكم زنى، وزنى هكذا لا يُسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه" [1]."

كلمة "زنى" هناporneia تحمل المعنى الواسع للزنا وعدم الطهارة، خاصة الزنا في صورته البشعة.

يظن البعض أن هذه السيدة كانت أممية قبلت اليهودية، وبحسب الشريعة اليهودية فإن مثل هذه السيدة في حل من كل علاقاتها الماضية حتى زوجها غير المؤمن، فمن حقها أن تطلق رجلها وتتزوج مؤمنًا حتى وإن كان ابنا لزوجها غير المؤمن.

بالرغم من إنها قد تكون حالة فردية لكن يليق بالكنيسة أن تقف في حزمٍ ضد فسادٍ كهذا. هنا نتلمس كيف لم يستطع الرسول بولس أن يشتم رائحة الزنا تفوح من عضوٍ في الكنيسة، سواء كان قائدًا أو من الشعب. فإن كانت الطهارة أو القداسة هي العين التي بها نعاين القدوس، فإن الزنا يعكر القلب فلا يعاين اللََّه.

- أحرص على طهارة جسمك وسلامة قلبك، فإنك إن تحققت من نوالهما تبصر اللََّه ربك.

- حب السلام والطهارة فتتأهل لمعاينة وجه الرب إلهك.

- كما أن البخور يعطي لذة للأنف، هكذا يُسر الروح القدس بالطهارة ويسكن في الإنسان.

مار إفرام السرياني

الطهارة هي تأله البشر، زينة الفضائل، تكريس الجنس، رباط العفة، ينبوع النقاء، راحة المسكن، تاج التآلف...

الطهارة لا تبحث عن شيء يزينها، لأنها هي بهاء ذاتها. إنها توصي الرب بنا، وتجعلنا متحدين مع المسيح...

بعكس عدوتها، النجاسة، المبغوضة دائمًا، صانعة بقعة قذرة وقبيحة لمن يخدمونها، غير تاركة الأجساد ولا النفوس من قذارتها. لأنه حينما يسود طبعها تجعل الإنسان كله تحت نير شهوتها... تبدأ بالإغراء وتنتهي بخرابٍ عظيم للنفس التي استمالت نحوها

القديس كبريانوس

لم يوجه الرسول اللوم إلي زوجة الأب، ربما لأنها لم تكن قد قبلت الإيمان بالسيد المسيح.

أجرة الخطية بلا شك أن هي موت، فلماذا يقول الرسول: "زنا هكذا"؟ تميز الكنيسة بين السقوط في الخطية عن عمدٍ، والسقوط عن ضعفٍ. وبين السقوط مع شخصٍ غريبٍ والسقوط مع شخص من المحرم الزواج بهم كالابنة أو الابن أو أحد الوالدين أو زوجة الأب أو زوج الأم الخ.

- نتعلم من هذا أنه توجد أنواع كثيرة من الزنا, بعضها أكثر خطورة من الأخرى. عندما يدينها اللَّه, فإنه يضع في الاعتبار عوامل الخطورة ويجعل العقوبة مختلفة حسبها. في هذه الحالة يعلمنا بولس بأنه حتى وإن تم زواج شرعي, فإنه إن كان ذلك ضد شريعة اللَّه يُحسب الزواج زنا ويستحق الدينونة.

العلامة أوريجينوس

يري البعض أن ما ارتكبه هذا الشخص يرفضه حتى الأمم، وبحسب الشريعة الموسوية يستحق الموت، فكيف يتجاسر مؤمن مسيحي أن يرتكب مثل هذه الخطية؟

- كان هذا الشخص مستحقًا الموت (حسب الشريعة الموسوية) بسبب جريمته, وأما الذين كانوا يسندونه فهم أيضًا غير أبرياء.

أمبروسياستر

2. قطع الفساد

"أفأنتم منتفخون؟ وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل" [2].

يبدو أن هذا الزاني كان قائدًا بليغًا، له موهبة الكلام، فكانوا يفتخرون به عوض أن ينوحوا عليه ويعزلوه.

ويرى البعض أن فريقًا مضادًا إذ سمعوا عن زناه افتخروا بأنه لا يوجد بينهم فساد مثل هذا، فكانوا يعيرون الفريق الأول بدلاً من الاهتمام بخلاص نفسه والبكاء عليه. هذه هي إحدى ثمار الانقسام أن يعير كل فريق الآخر بضعفاته عوض الاهتمام بقداسة الكنيسة كلها.

"يُرفع من وسطهم" تعني عزله أو حرمانه من العضوية الكنسية.

- يحدر بولس كبرياءهم لكن بطريقة بها يرغبون في التعاون معه ولا يكونوا غاضبين.

أمبروسياستر

"فإني أنا كأني غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت، كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا" [3].

اعتبر الرسول بولس أنه حاضر بالروح بالرغم من غيابه بالجسد بكونه الكارز الأول لهذه المدينة، فإذ ينعقد مجمع كنسي لبحث هذه القضية يحسب نفسه مسئولاً عن الكنيسة حاضرًا في المجمع بروحه كرئيسٍ له.

- لاحظوا طاقته، فإنه لم يسمح لهم بالانتظار إلى حين حضوره، ولا أن يستقبلوه أولاً وبعد ذلك يصدر الحكم... ولكن كمن ينتزع العدوى قبل أن تنتشر في بقية الجسم فأسرع بحصرها.

- هذا هو معنى أنه حاضر بالروح، كما كان إليشع حاضرًا مع جيحزي وقال له: "ألم يذهب قلبي معك؟" (2مل26:5) يا للعجب! يا لعظمة قوة هذه العطية إذ تجعل الكل معًا كأنهم واحد، وتؤهلهم لمعرفة الأمور البعيدة: "قد حكمت كأني حاضر".

القديس يوحنا ذهبي الفم

"باسم ربنا يسوع المسيح إذ أنتم وروحي مجتمعون، مع قوة ربنا يسوع المسيح" [4].

باسم ربنا يسوع المسيح بكونه رأس الكنيسة، وبسلطانه يتم كل أمر. حضوره بروحه ليحكم علي هذا الزاني ربما يقصد به سلطانه الرسولي الذي تسلمه من الرب.

- لئلا يظنوا أنه متسلط جدًا وأن نغمة صوته تحمل تشبثًا برأيه لاحظوا كيف جعلهم شركاء معه في الحكم.

- ما هو هذا؟ "إذ أنتم مجتمعون باسم الرب"، بمعنى: "اسمه الذين فيه تلتقون وتجتمعون معًا" ومع "روحي". مرة أخرى يقيم نفسه كرأس لهم حتى يصدر الحكم. فإنه ليس لهم إلا أن يقطعوا العاصي كأنه حاضر، وإلا يتجاسر أحد ويحكم عليه بالعفو، واضعًا في اعتباره أن بولس يعلم كل التفاصيل والحيثيات.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- كان يليق بالكورنثوسيين أن يعزلوا هذا الرجل ليس فقط بالموافقة الجماعية بينهم، وإنما أيضًا في قوة المسيح التي كان بولس وكيلاً لها.

أمبروسياستر

"أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد،لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" [5].

يرى البعض أنه إذ يشعر الزاني بأنه قد عُزل من الكنيسة يصير في مرارة نفس، ويشعر كأن الموت قد حلّ به، فيهزل جسده جدًا، أو يقبل حياة الإماتة، ويصير في حكم الموت، بهذا يرجع إلي نفسه بالتوبة ويتمتع بخلاص نفسه.

ويرى آخرون أن الرسول بولس يطلب بسلطانٍ رسوليٍ من السيد المسيح أن يسمح لهذا الزاني أن يُسلم لأمراض جسدية ومتاعب حتى يصير كمن في حكم الموت وكمن هو تحت سلطان إبليس، فيكون ذلك فرصة لعودة قلبه إلي مخلصه.

أشار التلمود إلي درجات للعزل أو الحرمان التالية:

- nidduy منع الشخص من أن يأكل مع آخرين لمدة معينة، غالبًا ثلاثين يومًا.

- cherem أناثيما لمدة 90 يومًا.

- shamata استقصاء دائم من الجماعة المقدسة.

يرى آباء الغرب أن الكتاب المقدس يقدم لنا مملكتين لا ثالث لهما، هما ملكوت اللَّه ومملكة إبليس، فتسليم الشخص للشيطان إنما يشير إلى عزله من الكنيسة، مملكة اللَّه، فيكون منتميًا إلى مملكة إبليس التي اختارها بإصراره علي شره ورفضه التوبة، حتى متى أدرك حاله يتوب فيرجع إلي مملكة اللَّه وتخلص نفسه.

لعل هذا التعبير يشير إلي السماح بتأديب الشخص أو دخوله في ضيق، كقول اللَّه للشيطان عن أيوب: "ها هو في يدك ولكن احفظ نفسه" (أي 2: 6). وقول الرسول بولس: "هيمينايس والإسكندر اللذان أسلمتهما للشيطان لكي ويُؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 1:20).

لم يقل لهلاك الجسم بل لهلاك الجسد مشيرًا إلى إماتة شهوات الجسد، أما الجسم فيشارك النفس المجد الأبدي، فإن الجسد الفاسد لا يرث ملكوت اللَّه. "هلاك الجسد" لا يعني موته أو هلاك جسمه، إذ عاد الرسول يطلب من أهل كورنثوس أن يردوه إلى شركتهم (2 كو 2:7). إنما يقصد هنا أعمال الجسد كقول الرسول: "وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة" (غلا 5:20). إذن يقصد هلاك شهوات الجسد الفاسدة.

- لم يقل أنه "ييأس منه" بل "يُسلّم" للشيطان، فيفتح أمامه أبواب التوبة، ويسلمه كما لناظر مدرسة.

يقول: "مثل هذا" دون ذكر اسمه. "لهلاك الجسد" كما حدث في حالة الطوباوي أيوب، ولكن ليس على نفس الأساس؛ لأنه في الحالة الأخيرة كانت له أكاليل بهيّة، أما هنا فلأجل إزالة الخطايا وبعض الأمراض الأخرى.

القديس يوحنا ذهبي الفم

يجيب القديس يوحنا ذهبي الفم على السؤال: ألم يكن في سلطان الرسول أن يعاقب؟

-لم يكن هذا لكي يٌعاقبوا بل لكي يتعلّموا. فإنه قد أظهر أن له سلطان كما جاء في عبارات أخرى: "ماذا تريدون: أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟" (1 كو 21:4). مرة أخرى يقول: "لكي لا استعمل جزمًا وأنا حاضر حسب السلطان الذي أعطاني إيّاه الرب للبنيان لا للَّهدم" (2 كو 10:13). لماذا إذن دعا الشيطان ليعاقبهم؟ لكي يكون عارهم أعظم فيكون الضيق والعقوبة أكثر إثارة.

القديس يوحنا ذهبي الفم

- إن كان أحد ما قد مُنع من الصلاة (الجماعية) بسبب خطأ ما قد ارتكبه، فليس من حق أحد أن يصلي معه قبل إتمام ندامته على أساس سليم، ويتمتع بالمصالحة والعفو عن معصيته علانية بواسطة الأب قدام جميع الاخوة. فإنه بهذه الخطة يعزلون أنفسهم عن الشركة معه في الصلاة للسبب التالي. فإنهم يعتقدون أن الذي مُنع من الصلاة كما يقول الرسول: "سُلِّم للشيطان". فإن تحرك أحد بعاطفة شريرة وأقام شركة معه في الصلاة قبل أن يقبله الشيخ يجعل من نفسه شريكًا معه في اللعنة التي حلَّت به، ويُسلِّم نفسه بكامل إرادته للشيطان الذي سُلِّم له الآخر من أجل تصحيح جريمته. وهو بهذا يسقط في معصية أكثر خطورة، لأنه بالاتحاد معه خلال الشركة سواء بالكلام أو الصلاة يعطيه فرصة ليبقى في تشامخه ويشجع العاصي ليجعله أكثر عنادًا.

القديس يوحنا كاسيان

-ينتقد أتباع ماني العهد القديم ولا يعترفون به لأجل تلك الأحكام (التأديبية). ولكن عليهم أن يتأملوا ما قاله بولس الرسول بخصوص الخاطئ الذي أُسلم إلى الشيطان لهلاك الجسد "لكي تخلص الروح" (1 كو 5:5). ورغم أن هذا النص لا يُفهم منه موت الجسم إلا أن الرسول كان يفرض هذا التأديب لا عن كراهية بل في حبٍ كما يتضح من قوله "لكي تخلص الروح".

القديس أغسطينوس

- إن كل ما يحل بنا هو بواسطة اللَّه أو بسماحٍ منه، سواء ما يظهر في الوقت الحالي محزنًا أو مفرحًا، فإنه لأجل نفعنا كما من أبٍ فائق الحنان وطبيب عظيم الترفق. ولهذا فإن البشر كما لو كانوا تحت عناية معلمين يُذلون هنا حتى إذا ما رحلوا من هذا العالم يصيرون في الحياة الأخرى في حال أعظم نقاوة. إنهم ينالون هنا عقابًا خفيفًا حتى كما يقول الرسول: يُسلمون في الوقت الحاضر "للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع" (1 كو 5:5).

الأب سيرينوس




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +