إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا اقتربت إليناالأرواح الشريرة ووجدتنا فرحين في الرب ، مفكرين فيه مسلَّمين كل شيء في يده واثقين أنه لا قوة لها علينا ، فإنها تتراجع إلى الوراء

الأنبا انطونيوس

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email

2- قوة اللَّه والحكمة الكاملة

"لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس،بل بقوة اللَّه" [5].

يبدأ الرسول حديثه هنا بتأكيد أن الحكمة التي اتسم بها حقيقية وفعالة، حتى أن العالم رفضها، مقدما مثالاً عمليًا لذلك, فقد ذكرهم بمجيئه إليهم في ضعفٍ ورعدةٍ ولم يستخدم أسلوب الفلاسفة، مع ذلك جذب الروح القدس كثيرين إلى الحق الإنجيلي, نجاح الرسول في كورنثوس برهان قوي علي إمكانية الحكمة الإلهية في العمل في حياة الناس.

يؤكد الرسول أن إيمانهم يقوم علي استنارة نفوسهم وتمتعهم باللقاء مع اللَّه، ليس فيه شيء بشري. فالمسيحي الحقيقي يحمل شهادة لقوة الإنجيل وحكمته في أعماقه، خلال خبرته وتجديد طبيعته، الأمر الذي لن يقدر كائن ما أن يفعله سوى اللَّه نفسه. يشهد المؤمن أن رجاءه وأفراحه وسلامه وتقديسه واشتياقه للعبادة وتمتعه بأسرار الكتاب المقدس وحبه للَّه والناس والتهاب قلبه بالسماويات وشركته مع الملائكة هذه كلها تتحقق بقوة اللَّه العامل فيه.

-الحكمة البشرية تجحد الصليب، أما الإيمان فيُعلن قوة اللَّه. الحكمة لم تفشل في إعلان الأمور التي يبحث عنها البشر ولكنها أيضًا تشجعهم على التشامخ من أجل ما بلغوه. أما الإيمان فليس فقط يقدم لهم الحق، وإنما يشجعهم أيضًا على تمجيد اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين،ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر،ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون" [6].

يرى البعض إن الرسول بولس وهو يتحدث عن الحكمة في ذهنه أربعة أنواع:

حكمة الأمم، أو الفلسفة اليونانية، وتدعى في العبرية yewaniyt أوchokmaah، يرذلها اليهود، ويحسبون من يلتصق بها تحل عليه اللعنة، ومن يعلم ابنه الحكمة اليونانية يسقط تحت اللعنة.

حكمة اليهود الخاصة بالكتبة والفريسيين الذين ظنوا في صلب المسيح تحقيقًا للحكمة (1 كو 2:8).

حكمة هذا الدهر بالعبرية aioonos وباليونانية toutou، وهى الحكمة التي استقاها اليهود من كتابات معلميهم، خاصة بالحياة الزمنية، يميزونها عن حكمة الدهر الآتي، أي الخاصة بأيام المسيا. فحكمة هذا الدهر تنطبق إما على حال الأمم المنهمكين في فلسفات نظرية أو حالة اليهود الذين فسروا كلمة اللَّه بطريقة حرفية أفسدت المفاهيم الروحية السماوية.

حكمة الإنجيل: وهى تمس خلاصنا ومجدنا الأبدي.

لم يأتِ الرسول بولس إليهم بسمو الحكمة البشرية سواء حكمة الأمم أو حكمة اليهود أو حكمة هذا الدهر، بل فتح لهم كنوز الحكمة العلوية الحقيقية التي هي حكمة الإنجيل، التي يدركها الكاملون، هؤلاء الذين صاروا ناضجين في معرفة اللَّه والذين استناروا بروح اللَّه القدوس. لقد صاروا حكماء وكاملين بالحق الذي تمتعوا به.

فيقصد بالحكمة هنا ليس فقط التعرف على خطة اللَّه الخلاصية بل والتمتع بها، أي المعرفة الإختبارية الحية. هذه التي يختبرها الكاملون الذين يسعون نحو الأبدية. وكما يقول الرسول بولس عن المجاهدين الذين يسعون نحو جعالة دعوة اللَّه العليا في المسيح يسوع: "فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئا بخلافه فاللَّه سيعلن لكم هذا أيضًا" (في 3: 15).

الحكمة التي يقدمها الرسول مختلفة تمامًا عن حكمة عظماء هذا الدهر، فهي ليست حكمة سياسية ولا حكمة الفلاسفة ولا حكمة الحرفيين في دراستهم للشريعة، بل حكمة سماوية خفية مكتومة، تُقدم للراغبين في الحياة المقدسة في الرب، لا لطالبي المجد الزمني.

عظماء هذا الدهر لا يريدون التفكير في حقيقة حالهم، انهم أشبه بالخاطئ الذي لا يرغب في الانشغال بما وراء الزمن. انهم يرفضون حكمة اللَّه التي تقودهم إلى الرجاء في المجد الأبدي.

بقوله "يبطلون" يشير الرسول إلي فاعلية الحكمة الباطلة، فإن خططها حتمًا تبطل وتنتهي. ومن يتمسك بالباطل يصير هو نفسه باطلاً، حيث تنتهي حياته وأمجاده عند القبر ولا يتمتع بالمجد الأبدي بل يسقط تحت دينونة مهلكة.

- الاسم الذي أعطاه للإنجيل هو "حكمة" بكونه وسيلة الخلاص، الذي يتحقق بالصليب.

"الكاملون" هم "الذين يؤمنون". إذ هم بالحقيقة كاملون، هؤلاء الذين يعرفون أن كل الأمور البشرية عاجزة تمامًا، متطلعين إليها وهم مقتنعون بأن مثل هذه لن تنفع شيئًا،هكذا هم المؤمنون الحقيقيون...

بقوله "عظماء الدهر" هنا يعني الفلاسفة وأصحاب البلاغة. هذه النوعية متسلطة، غالبًا ما يصيروا قادة الشعب. يدعوهم "عظماء الدهر" لأن سلطانهم لن يمتد بعد العالم الحاضر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- عندما يتحدث بولس عن حكمة عظماء هذا الدهر يبدو أنه كان يتحدث لا عن حكمة واحدة مشتركة بينهم، بل عن أنواعٍ مختلفة من الحكمة خاصة بكل واحدٍ منهم.

العلامة أوريجينوس

- الكاملون هم الذين يكرزون بالصليب بكونه الحكمة، إذ يشهدون عن قوة اللَّه العاملة. إنهم يعرفون أن الأعمال تنطق بصوتٍ عالٍ أعظم من الكلمات. حكمتهم ليس من هذا الدهر بل من الدهر الآتي، حينما يُعلن حق اللَّه للذين ينكرونه الآن.

أمبروسياستر

3- سرّ الحكمة المكتومة

"بل نتكلم بحكمة اللَّه في سرّ،الحكمة المكتومة التي سبق اللَّه فعينها قبل الدهور لمجدنا" [7].

لا يفتخر المؤمن بالجهل، ولا يحسب الجهالة فضيلة، لكنه وهو يتطلع إلى جمال حكمة اللَّه العجيبة ويتذوق عمله الخلاصي، تشبع نفسه فتدوس عسل العالم. يختبر الحكمة الأبدية فلا ينشغل بالحكمة الزمنية. حكمة اللَّه لا تُقارن بحكمة العالم، فاللَّه في حبه وبحكمته يشرق بنوره علينا، فندرك إننا مرضى نحتاج إلى الطبيب السماوي، ونعانى من تفليسة تحتاج إلي واهب الغنى. حكمة اللَّه لا تقوم على التغطية لكنها وهى تكشف الضعف تهب قوة، وهى تعلن حالة الموت تقدم لنا قوة القيامة. أما الحكمة البشرية فكثيرًا ما تقوم علي التغطية للمواقف دون إمكانية تقديم الحلول الإيجابية القوية.

مصدر الحكمة التي قدمها الرسول هو اللَّه نفسه، التي ترجع إلى ما قبل الدهور حيث تدبير اللَّه الأزلي لخلاصنا، وتمتد إلى ما بعد الدهور حيث تدخل بنا إلى شركة المجد السماوي.

حكمة اللَّه تعمل لتقيم من الإنسان قديسًا ممجدًا. تعمل في حياته الزمنية لكي تحمله إلي ما فوق الزمن، فيحيا في هذا العالم محتميًا بقوة اللَّه وفى العالم الآتي متهللاً بالمجد الفائق.

لم يقل الرسول: "بل تكلم في جهل" بل "تكلم بحكمة اللَّه" فالرسول وهو يتحدث عن عدم اتكاله على الحكمة البشرية يعلن التزام المؤمنين خاصة الخدام أن يتسلموا حكمة اللَّه، وهي أعظم وأقوى وأكثر جاذبية من كل حكمة بشرية.

لم يقل الرسل إن كرازتهم كانت سرية ولا أن تعليمهم لا يُدرك بالعقل، إنما يشير إلى حقيقة هذه الحكمة إنها كانت "مخفية في سرّ" عن البشرية حتى جاء الزمان اللائق لإعلانها بالإنجيل، وهى حكمة تفوق الإدراك البشري لكنها لا تناقضه.

بقوله "لمجدنا" يشير إلى المجد الذي يناله المؤمن حيث يتمتع بالبنوة للَّه وسكنى الروح القدس فيه كعربون للمجد الأبدي الُمعد لنا في السماء (2 كو 4: 17).

- بالحكمة يقصد بولس الصليب وكل تدبير الخلاص.

ثيؤدور أسقف الميصة

- كيف يدعوها سرًا؟ لأنه ليس ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أية قوة أخري عرفها قبل تحقيقها عمليًا. لهذا يقول: "لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة اللَّه المتنوعة" (أف 3: 10)...

مع أن غير المؤمنين يسمعون إلا أنه يبدو كأنهم غير سامعين، أما المؤمنون فإذ لهم المهارة بواسطة الروح القدس، يحملون معني الأمور المخزنة فيها. هذا عينه ما يعنيه بولس عندما قال أنه حتى الآن الكلمة التي يكرز بها سرّ، تشير الكلمة أيضًا إلي أن الإنجيل يضاد كل ما هو متوقع. لا يود الكتاب المقدس أن يدعو ما يحدث فوق كل رجاء وفوق كل فكر البشر غير هذا الاسم: "سرّ"...

لذلك فإن ما هو فوق كل الأشياء سرّ، يُكرز به في كل مكان، لكنه لا يعرفه الذين ليس لهم فكر سليم، ولا يُعلن خلال الحكمة بل بواسطة الروح القدس، وإذ يصعب جدًا قبوله دعي سرّا، بمعني انه ليس أحد من القوات العليا يتعلم هذا قبلاً منا، وليس كثيرون الآن يعرفونه.

- يعتبر خلاصنا مجده، كما يدعوه غناه (أف 3:8)، مع أنه بذاته غني في الصلاح ولا يحتاج إلي شيء ليصير غنيًا.

يقول "سبق فعينها" [7]، مشيرًا إلى العناية الخاصة بنا... فانه لو لم يحبنا لما سبق أن عين لنا غنانا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يشهد بولس أنه مُرسل ليُعلن عن حكمة خفية لم يعرفها عظماء هذا العالم، ولذلك يُنعتون بُالغباء. حكمة اللَّه مخفية لأنها ليست في كلمات بل في قوة. يستحيل إبرازها بتعبيرات بشرية، وإنما يُعتقد بها بقوة الروح. سبق اللَّه فرأى خطايا العالم المقبلة ولذلك شرع هذه الحكمة بطريقة مربكة للذين يريدون يحولون حكمته إلى غباوتهم، وأيضًا لكي يمجدنا نحن الذين نؤمن به.

أمبروسياستر

-لا يقصد بولس أنه يتحدث الآن في أسرار وغومض، وإنما الرسالة التي يكرز بها كانت قبلاً مخفية.

- كان السرّ مخفيًا، لكنه كان معدًا قبل العالم.

ثيؤدورت أسقف قورش

"التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر،لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" [8].

إن كان الرسول قد تمتع بالحكمة السماوية ليقدمها للمؤمنين، فإن عظماء هذا الدهر من الرومانيين واليهود واليونانيين يجهلونها. ولعله قصد هنا الوالي الروماني والقادة المدنيين وقادة اليهود من رئيس الكهنة والكتبة والفريسيين والناموسيين الخ. هؤلاء هم عظماء هذا الدهر الذين لو عرفوا الحكمة الإلهية وأدركوا شخص المسيا لما صلبوا رب المجد. لم يعرفوا الحق فأصابهم العمى وسلكوا في جهالة. يرى البعض أن هذا ينطبق على هيرودس وبيلاطس لكن لا ينطبق بنفس الطريقة على رئيسي الكهنة والكتبة، إذ عرفوا يسوع أنه المسيح. إنهم مثل العاملين في الكرم القائلين: "هذا هو الوارث، هلمّ نقتله، فيصير لنا الكرم" (مت 38:21). ويرى آخرون أن قادة اليهود لم يدركوا حقيقة شخص المسيح ولا حكمة خطته ولا فهموا رسالته، فأُغلقت أعينهم عن فهم نبوات العهد القديم، ورفضوا شخص يسوع، ولم يقبلوه أنه هو المسيا، لذا صلبوه في جهلٍ. لقد كان كل ما يشغلهم هو الخلاص من الأعداء الظاهرين والتمتع بالمجد الزمني. كانوا يطلبون مسيحًا حسب فكرهم البشري الطبيعي.

صلبوا "رب المجد" أو "ملك المجد" الذي انشد له السمائيون في مزمور (24: 7-9) يطلبون من الأبواب الدهرية أن ترتفع لكي يدخل إلى عرشه. هذا اللقب: "رب المجد" الذي دعي به السيد المسيح خاص بيهوه (أع 7: 2).

- بخصوص الكلمات: "لو عرفوا" يبدو لي إنها قيلت هنا ليست بخصوص شخص المسيح، وإنما فقط بخصوص التدبير المخفي وراء هذا الحدث. وكأنه يقول، لم يعرفوا ما يعنيه "الموت" و"الصليب"... إذ لم يعرفوا أن الصليب يشرق هكذا ببهاء، وأنه يحقق خلاص العالم، والمصالحة بين اللَّه والناس، وأن مدينتهم تؤخذ منهم، وانهم يصيرون في أبأس حال.

بقوله "الحكمة" يقصد كلاً من المسيح والصليب والإنجيل... فإذ يري (الرسول) أن الصليب الذي حُسب موضوع عارٍ كان مجدًا عظيمًا. ولكن كانت هناك حاجة إلي حكمة عظيمة لا ليعرفوا اللَّه فقط بل ويدركوا أيضًا هذه الخطة الإلهية.

- ماذا إذن؟ هل غفرت خطيتهم بخصوص الصليب؟ بالفعل تم ذلك، إذ قال: "اغفر لهم" (يو 23: 34).

إن تابوا تُغفر لهم. فإنه حتى ذاك الذي وجه ضربات بلا حصر ضد اسطفانوس واضطهد الكنيسة، بولس نفسه صار قائدًا للكنيسة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ظن اليهود أنه يُمكن أن يُغلب فسخروا به وعلقوه علي الشجرة قائلين: "إن كان ابن اللَّه فلينزل عن الصليب ونحن نؤمن به" (مت 27:42). رأوا جانبًا منه، ولم يعرفوا الجانب الآخر. "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد".

- ما هو ظاهر فيه أُحتقر، وما هو مخفي فيه لم يُعرف، "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد".

القديس أغسطينوس

- غفر اللَّه لبيلاطس وهيرودس وقيافا والبقية من أجل جهلهم أثناء الصلب، ولكن بعد أن قام المسيح وصعد إلى السماء وحلّ الروح القدس وصنع الرسل عجائب سلّمهم للعقوبة، إذ قاوموا في عدم إيمان.

ثيؤدورت أسقف قورش

- عظماء هذا الدهر ليسوا هم العظماء بين اليهود الرومانيين بل كل قوة روحية تقيم نفسها ضد اللَّه.

لا يمكن لعظماء اليهود أن يُحسبوا عظماء هذا الدهر لأنهم كانوا خاضعين للرومان. ولم يصلب الرومان يسوع، لأن بيلاطس نفسه قال أنه لم يجد عليه علة.

العظماء الذين صلبوه هم الشياطين. لقد عرفوا أن يسوع هو المسيا، لكن لم يعرفوا أنه ابن اللَّه، ولذلك يمكن القول أنهم صلبوه في جهل.

أمبروسياستر

- ولكن لو لم يحكم على المسيح بالموت، لما مات الموت. لقد انهزم الشيطان بنصرته ذاتها، إذ فرح عندما أغوى الإنسان الأول، وطرده إلى الموت. بإغوائه الإنسان الأول قتل نفسه (تك 1:3-19). وبقتله الإنسان الأخير فلت الأول من شباكه.

القديس أغسطينوس

أما عن نسبة الصلب لرب المجد، فالكتاب المقدس استخدم تبادل الألقاب بين لاهوت السيد المسيح وناسوته Communicato idiomatum، فتُنسب كل أعمال وكلمات السيد للأقنوم الواحد، كلمة اللَّه المتجسد.

-إذ أخذ نفسًا وجسد إنسان لم تحدث إضافة إلى عدد الأقانيم، إذ بقي الثالوث كما هو قبلاً. وذلك كما أنه في كل إنسان فيما عدا ذاك الذي وحده أخذ اتحادُا اقنوميًا فإن النفس والجسد يمثلان شخصًا واحدًا، هكذا في المسيح الكلمة ونفسه البشرية وجسده يمثلون شخصًا واحدًا. وكما أن اسم "الفيلسوف" كمثال يُعطي لإنسان بالتأكيد بخصوص نفسه وحدها، إلا أنه لا يُحسب سخافة، بل هو أمر عادي ولائق في اللغة، أن نقول بأن الفيلسوف قتل، الفيلسوف مات، الفيلسوف دفن، مع أن هذه الأحداث جميعها تسقط علي جسده وليس علي العنصر الخاص به كفيلسوف, هكذا بنفس الطريقة اسم اللَّه أو ابن اللَّه أو رب المجد، أو أي اسم آخر يعطي للمسيح بكونه الكلمة، ومع هذا فإنه من الصواب القول بان اللَّه صُلب، إذ لا مجال للتساؤل في انه احتمل هذا الموت في طبيعته البشرية وليس في تلك التي بها هو رب المجد.

القديس أغسطينوس

-والكلمة صار جسدًا. هنا بولس العجيب للغاية إذ يحث الذين يستمعون إليه علي التواضع يتحدث عن يسوع المسيح الذي وهو صورة اللَّه أخلى ذاته ليحمل شكل عبد، وتواضع حتى الموت، موت الصليب. مرة أخري في عبارة أخرى يدعو المصلوب "رب المجد". "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد". حقا إنه يتحدث بأكثر صراحة من هذا عن ذات الطبيعة الجوهرية بواسطة اسم "الرب" إذ يقول "الآن الرب هو الروح" (2 كو 3: 17). إذن فالكلمة الذي كان في البدء، وهو الروح، هو الرب، ورب المجد.

- النفخات الخاصة بالعبد الذي فيه تُنسب للرب، والكرامات الخاصة بالرب أحاطت بالعبد، حتى انه خلال الالتصاق والاتحاد بين الطبائع تجعل سمات الواحدة تنسب للأخرى. لقد قبل الرب جلدات العبد، بينما تمجد العبد بكرامة الرب. لهذا قيل عن الصليب انه "صليب رب المجد"، ولهذا يعترف كل لسان إن يسوع هو الرب لمجد اللَّه الآب.

-تمجدت الطبيعة البشرية إذ أخذها له، ولم تفسد الطبيعة الإلهية بتنازله، بل جعلت العنصر البشري يخضع للآلام بينما بقوته الإلهية تتحقق قيامة المتألم. هكذا لا ينسب إلى اللاهوت خبرة الموت ذاك الذي صارت له شركة في طبيعتنا الممكنة باتحاده بالناسوت، بينما في نفس الوقت الأسماء المجيدة الإلهية تُنسب للإنسان، حتى أن ذاك الذي ظهر علي الصليب يُدعي "رب المجد" حيث تُنقل الأسماء المجيدة من اللاهوت إلى الناسوت خلال اتحاد طبيعتهما بالطبيعة الأقل.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 


10 هاتور 1736 ش
20 نوفمبر 2019 م

استشهاد العذارى الخمسين وأمهن صوفيا
اجتماع مجمع بروما بسبب عيد الغطاس والصوم الكبير

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك