تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ3 Print

4. تقرير أهل بيت خلوي

"ولكنني أطلب إليكم أيها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا جميعكم قولاً واحدًا، ولا يكون بينكم انشقاقات، بل كونوا كاملين في فكرٍ واحدٍ ورأيٍ واحدٍ" [10].

إذ انتهى الرسول من المقدمة بدأ يحثهم على الكف عن الانشقاقات ليكون لهم القلب الواحد والفكر الواحد، مركزين كل طاقاتهم في التمتع برجاء الإنجيل.

يطلب إليهم "باسم ربنا يسوع"، فإنه يدرك ما لهذا الاسم من قوة في عمل الآيات، ولعل من أهم هذه الآيات هي أن يجمع الكل معًا فيه، فيصير لهم القول الواحد والفكر الواحد، ولا تجد الانشقاقات لها موضعًا فيها.

لاحظ القديس يوحنا ذهبي الفم أن اسم يسوع المسيح أُشير إليه في هذه الرسالة أكثر من غيرها. غاية الرسول من ذلك هو أن يسحب قلوب كل فريق من الإعجاب بالمعلمين إلى شخص المسيح نفسه.

- حسنًا أضاف بولس اسم المسيح هنا، إذ لم يكن أهل كورنثوس يمجدونه.

ثيؤدرت أسقف قورش

يسألهم أن يقولوا جميعهم "قولاً واحدًا"، فإنهم وإن اختلفوا في الآراء في أمور كثيرة لكن حين يعلنون عن إيمانهم باللَّه وعمله الخلاصي يلزمهم أن ينطقوا بذات الكلمات حتى لا تحدث انشقاقات في الكنيسة.

بالإيمان يصيروا كملائكة اللَّه الذين لن يعانوا قط من أية انشقاقات أو خلافات. بالحب الحق يتمتع الكل بالفكر الواحد، أي ينالوا فهمًا واحدًا للحقائق الإلهية والحياة السماوية.

-وقف بولس أولاً ضد المرض نفسه، نازعًا جذور الشرور وثمارها: روح الانشقاق. وقد استخدم الجرأة في الحديث، لأن هؤلاء كانوا تلاميذه أكثر من غيرهم. لذلك يقول: "إن كنت للآخرين ليس رسولاً، فعلى الأقل لكم، أنتم ختم رسالتي" (1كو2:9). علاوة على هذا كانوا في حالة ضعف أكثر من الآخرين.

- يسهل أن نشارك شخصًا رأيه ولا نشاركه مشاعره. ويمكن الاتحاد في الإيمان وليس في الحب. هذا هو سبب قول بولس بأنه يجب أن نتحد في الفكر والرأي.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لتصغِ إلى الرسول: "اطلب إليكم أيها الاخوة... كونوا كاملين في فكرٍ واحدٍ ورأيٍ واحدٍ". كان يتحدث إلى الجموع، لكنه أراد أن يجعل منهم "واحدًا" (1 كو10:1).

القديس أغسطينوس

- الكنيسة المنظورة هي جسد مختلط يحوي شعبًا بارًا وشعبًا غير بارٍ. هذا هو السبب الذي لأجله يمتدح بولس أعضاءها وينتقد آخرين.

فالشخص الذي يتفق مع التعليم السليم وتعاليم الكنيسة بخصوص الآب والابن والروح القدس وأيضًا مع التدبير الخاص بنا بخصوص القيامة والدينونة ويتبع أنظمة الكنيسة لا يكون في انقسام.

العلامة أوريجينوس

- يطلب بولس أن يفكر أهل كورنثوس جميعهم في أمر واحد، أعني أن الذين ولدوا ثانية هم أبناء اللَّه. يريدهم أن يتحدوا بالكمال في التعليم الذي قدمه لهم. إنه يحاورهم أن يفكروا بهذه الطريقة وأن يدافعوا عن تعليمه.

أمبروسياستر

"لأني أخبرت عنكم يا اخوتي من أهل خلويأن بينكم خصومات" [11].

استلم الرسول رسالة من كنيسة كورنثوس يسألونه عن مشاكل كنسية تعبدية وإيمانية لكنهم لم يشيروا إلى الانشقاقات، أما أهل بيت خلوي فابلغوا بالوضع الحقيقي للكنيسة وظروفها. غالبًا كانت خلوي سيدة مكرمة في كورنثوس ومتدينة، قبلت أسرتها الإيمان بالسيد المسيح. أُرسل بعض من أسرتها إلى الرسول بولس يخبروه بما حلّ بالكنيسة من انقسامات. ولعل استفانوس وفرتناتوس وأخيكس المذكورين في 1 كو17:16 هم أبناء خلوي. يقول الأب أمبروسياستر أن البعض يظنون بأن أهل خلوي هم أولئك الذين بقوا أمناء وحملوا ثمار الإيمان بالمسيح. آخرون ظنوا أن خُلوي هي مدينة، كأن يقول أحد "أهل إنطاكية".

يرى الذهبي الفم أنه بقوله "أهل خلوي" كان بولس حريصًا أن يشير إلى مصدر معلوماته دون أن يحدد شخصًا معينًا. فمن جانب يؤكد أن معلوماته مصدرها سليم دون أن يثير شعب كورنثوس ضد شخصٍ معينٍ.

وجدت الخصومات كثمرة طبيعية للانشقاق، فكان كل فريق يدافع عن نفسه مخاصمًا الفرق الأخرى.

- يبدو أن الكورنثوسيين جميعًا كانوا جسديين وطبيعيين، لا يدركون أمور روح اللَّه (1 كو 14:2)، كانوا مغرمين بالصراعات ومملوءين حسدًا ويسلكون كبشر".

القديس أغسطينوس

العجيب وهو يوبخهم على ما دبَّ بينهم من خلافات شقت الكنيسة يُظهر لهم كل حنوٍ فيقول: "يا اخوتي".

- يدعوهم "اخوة"، فبالرغم من أن الخطأ واضح لا يوجد ما يمنع دعوة الشعب اخوة.

القديس يوحنا الذهبي الفم "فأنا أعني هذا أن كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لابلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح" [12].

إذ يتحدث عن الانقسامات يبدأ بالفريق الذي ينسب نفسه إليه (12:1)، حتى لا يظن أحد أنه يريد أن يضم الكل إلى فريق خاص به، فهو لا يطلب مجد نفسه.

- أثناء الهجوم وضع نفسه أولاً كما ترون، وبعد ذلك أشار إلى أبلوس ثم صفا. فعل ذلك لا لكي يمجد نفسه، وإنما ليطلب تصحيح الأخطاء فيما يخص شخصه أولاً.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البعض أن الرسول بولس لا يعني هنا وجود أربع فرق، إنما قدم الأسماء هنا لتوضيح الموقف.

- كان حواره لطيفًا إذ لم يشر بالاسم إلى مسببي الانشقاق العنفاء في الكنيسة، بل أخفي أسماءهم كما بقناع تحت أسماء الرسل.

- إن كان لا يحق لهم أن يدعوا أنفسهم باسم بولس أو أبلوس أو صفا فبالأكثر لا يدعوا أنفسهم بأسماء آخرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى آخرون أن الكنيسة في كورنثوس كانت منقسمة إلى فريقين، فريق هو جماعة المؤمنين الذين من أصل أممي، والآخر من أصل يهودي (أع 18)، كل فريق حمل في داخله انقسامًا. الفريق الأول ينسب نفسه لبولس الذي أسس الكنيسة هناك وأبلوس لأنهم آمنوا على يديه إذ جاء بعد بولس (أع24:18)، واعجبوا ببلاغته.

أما الفريق الثاني فانقسم إلى فريق نسب نفسه إلى بطرس الرسول كرسول الختان (غلا7:2) أو لكبر سنه. ربما لم يروه حتى ذلك الحين لكنهم سمعوا عنه من تقارير وردت إليهم من اليهودية على خلاف بولس المُتّهم بتجاهله للناموس الموسوي. وفريق نسب نفسه للسيد المسيح، إما لأنهم أرادوا أن يعيشوا بلا نظام وتدبير فلا يريدون قيادة رسولية، وفي تشامخ ينسبون أنفسهم للسيد المسيح، محتقرين كل قيادة، أو لأنهم رأوا الرب في اليهودية فحسبوا أنفسهم مُميزين عن بقية المؤمنين.

- لم يرد أن يكون سببًا للانقسام. لذلك نصح الذين ينسبون أنفسهم إلى اسمه ويقسمون المسيح: "كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح" [12]. احكموا إذن كم هم أشرار هؤلاء الذين يريدون أن يسببوا انشقاقًا للمسيح، هذا الذي لا يريدهم أن ينشقّوا.

القديس أغسطينوس

- الذين يقولون "أنا لبولس وأنا لأبلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح" ليسوا في سيمفونية، بل يوجد بينهم انشقاقات. وأما الحل فهو أنهم إذ يجتمعون في شركة مع روح بولس بقوة الرب يسوع المسيح لا يعود يضرب الواحد الآخر ويفترسه، فيأكل الواحد الآخر. لأن النزاع يُهْلِك، كما أن الاتفاق يجمع معًا، ويجعل ابن اللَّه يحل في وسطهم إذ صاروا في اتفاق.

العلامة أوريجينوس

- على أي الأحوال بخصوص هؤلاء الذين يرون (في المعلمين) أنهم رعاة صالحون، يلزمهم ليس فقط أن يسمعوا الأمور الصالحة التي يعلمونها، وإنما يقتدون أيضًا بالأعمال الصالحة التي يمارسونها. من هؤلاء كان الرسول القائل: "كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (1كو1:11). لقد كان نورًا اشتعل بواسطة النور الأبدي، الرب يسوع المسيح نفسه الذي وُضع على المنارة إذ تمجد في صليبه. عن هذا قال: "حاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غلا14:6). أضف إلى ذلك أنه لم يطلب الأشياء الخاصة به، بل ما يخص يسوع المسيح، بينما يحث الذين ولدهم في الإنجيل (1 كو 15:4) أن يقتدوا بحياته. ومع ذلك فهو يوبخ بعنف الذين يسببون انقسامات تحت أسماء الرسل، وينتقد بحزم القائلين "أنا لبولس". "هل صلب بولس لأجلكم؟ أو هل اعتمدتم باسم بولس؟"

القديس أغسطينوس

يقول الأب أمبروسياستر أن الرسول بولس استعرض خطأهم دون أن يشير إلى أسماء الأشخاص المسئولين عن الانقسام. لقد ذكر أسماء المعلمين الصالحين، ولكنه إذا أشار إليهم بهذه الطريقة تحدث عن الرسل الكذبة. فإن كان لا يليق بأهل كورنثوس ألا يفتخروا بتكريسهم أحد هؤلاء (الصالحين) فكم بالأحرى يكون الأمر بالنسبة للمعلمين الكذبة وقد أشار إلى فساد تعليمهم فيما بعد.

ربما يتساءل البعض: هل كان المسيح رأسًا لإحدى الفرق المنقسمة؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك بقوله أن الصراعات في كورنثوس لم تكن بخصوص أمور تافهة بل حول أمور أساسية. حتى الذين ادعوا أنهم تبع المسيح كانوا مخطئين إذ ينكرون عمليًا تبعية الآخرين له، ويجعلون منه رأسا لفريق وليس للجميع.

"هل انقسم المسيح؟ألعل بولس صلب لأجلكم؟أم باسم بولس اعتمدتم؟" [13].

كمؤسس للكنيسة في كورنثوس وأب روحي لهم لم يرد أن ينسبوا أنفسهم إليه، ولا إلى آخر غيره بل يحفظوا وحدانية الروح في المسيح يسوع الواحد الذي قدم الخلاص ووهبهم بروحه القدوس التبني للَّه الآب خلال المعمودية المقدسة.

كأبٍ يتحدث الرسول بولس في مرارة، لأن تصرفاتهم بلغت من الخطورة أنها مزقت جسد المسيح، الذي هو الكنيسة. أما سرّ الانقسام فيرجع إلى أمرين: الأول إلى التحزب لشخصٍ ما مهما بلغت قداسته كأنه قد خلصه على الصليب وباسمه اعتمد، الأمر الثاني هو الانشقاق في الفكر والتعليم.

- بالاعتقاد في أمور متباينة عن المسيح يمزقه الناس. يظن شخص ما أن المسيح مجرد إنسان، وآخر أنه اللَّه فقط. واحد يقول بأنه قد تنبأ عنه الأنبياء، والآخر ينكر ذلك.

أمبروسياستر

- عندما أدرك الرسول بولس أنه قد اُختير وأُحتقر المسيح قال: "هل انقسم المسيح؟ ألعل بولس صلب لأجلكم؟ أم باسم بولس اعتمدتم؟" لهذا فأنتم لستم فيّ بل أنتم معًا ومعي (في الرب). أنتم لستم تحت سلطاني بل تحت سلطانه.

القديس أغسطينوس

- بهذا يعني أنه لم يطلب نوال كرامة متزايدة تقدمها له الجماهير ولا فعل هذا من أجل المجد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا تقل إذن أن شيئًا (صالحًا) هو منك، بل في كل شيء مجد اللَّه. لا تنسب شيئًا ما إلى إنسان.

- إن كنا نجد أن سعادتنا تكمل في آخر لنقف قليلاً على الطريق ونضع رجاءنا في السعادة في إنسان أو ملاكٍ. الإنسان المتكبر والملاك المتكبر بغير مبرر ينسبان هذا لأنفسهما، ويُسران أن يصير رجاء الآخرين مُركزًا فيهما. على النقيض من ذلك فإن الإنسان القديس والملاك القديس عندما يجدان أننا متلهفون ومشتاقون إلى الوجود معهما ونوال راحة فيهما يربطان طاقاتنا بالعون الذي ينالونه من اللَّه لأجلنا كما لأجلهم. إنهما يحثاننا على الانتعاش بالسعادة التي تُقدم للجميع في طريقنا نحو اللَّه. حتى الرسول يصرخ: "ألعل بولس صلب لأجلكم؟..." [13]. مرة أخرى يقول: "ليس الزارع شيئًا ولا الساقي بل اللَّه الذي ينمي" (1كو7:3). ويحث الملاك الإنسان الذي أراد أن يسجد له أنه يجب بالأحرى أن يسجد للَّه الذي يخضع له هو أيضًا كعبدٍ شريكٍ له (رؤ10:19).

عندما تبتهج بإنسان في اللَّه، تتمتع باللَّه لا بالإنسان. تتمتع باللَّه الذي به تصير سعيدًا، وتُسرّ أن تأتي إليه، الذي تضع رجاءك في حضرته فرحًا.

- لكونى كنت جاهلاً بهذه الأمور، فقد هزأت بأبنائك وخدامك القديسين، ولكن لم أربح من وراء هذا سوى ازدرائك بي.

القديس أغسطينوس

-"ألعل بولس صلب لأجلكم أم باسم بولس اعتمدتم؟!"

أنظر فكر بولس المملوء بحب المسيح، مظهرًا أن كل الأمور التي تشير إليه لا تخص إنسانًا...

"أم باسم بولس اعتمدتم؟" لقد عمد كثيرين، لكن موضع البحث ليس من هم الذين قاموا بالعماد؟ إنما باسم من تم العماد؟ كأنه يقول: "لا تخبرنى من الذي قام بالعماد، بل باسم من قد تّم العماد، لأن موضوع البحث ليس الذي يعمد بل الذي له عمله في العماد، ذاك الذي يغفر الخطايا"...

فالعماد حقًا أمر عظيم، لكن عظمته لا تنصب في العمل الإنسانى الذي يعمد (أي مجرد المظهر) فهذا في ذاته (بدون الروح القدس) من جهة عملنا البشري لا يساوي شيئًا...

لكن أقول أيضًا يا لعظمة العماد؟! بدونه لن يمكن نوال الملكوت!

القديس يوحنا ذهبي الفم

لما كانت الكنيسة هي جسد المسيح، فإن انقسامها يسيء إليه كأن جسده قد انقسم. ولما كان دم المسيح الثمين هو سرّ خلاصنا لاق أن نرتبط جميعنا به، لأنه هل سفك بولس أو أبلوس أو بطرس دمهم كفارة عنا؟ ولما كانت المعمودية هي باب التمتع بالبنوة للَّه الآب باتحادنا بابن اللَّه الوحيد الجنس فهل كان هؤلاء الرسل أو الخدام أبناء اللَّه بالطبيعة حتى نعتمد بأسمائهم؟

وإن كان جسد المسيح واحدًا الذي نحن هو، ودمه سرّ خلاص كل الكنيسة، وباسمه نعتمد، لاق بنا أن يكون لنا القلب الواحد والفكر الواحد والإيمان الواحد، حتى لا ينقسم المسيح الواحد.

- إذ كان هو أيضًا علة انقسامهم إذ دعوا أنفسهم على اسم من عمّدوهم، صحح هذا الخطأ قائلاً: "هل اعتمدتم باسم بولس؟" إنه يقول: "لا تخبروني من الذي عمّدكم؟ وإنما باسم من اعتمدتم؟ فإن رصيدكم ليس من عمّدكم بل باسم من تمت المعمودية.

- هل تدركون كيف يثبتهم دومًا كما بمسامير في اسم المسيح. أترون كيف يكرر اسم المسيح؟ فإنه واضح حتى لقليل الملاحظة جدًا أنه ليس مصادفة ولا بغير إدراك فعل ذلك، وإنما لكي بالتكرار المستمر بلا توقف لهذا الاسم المجيد يثير لهيبهم وينزع عنهم فساد المرض.

القديس يوحنا ذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +