إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 1 جـ1 PDF Print Email

الصليب سرّ الوحدة

يكتب رسول الأمم العظيم إلى الكنيسة المحبوبة إليه جدًا بروح الرجاء المفرح مع الصراحة الكاملة. بدأ رسالته بمقدمة مفرحة تبعث فيهم روح الرجاء، وانطلق بهم إلى صليب رب المجد يسوع ليجدوا فيه حلاًّ لكل مشاكلهم السلوكية والأسرية والكنسية والعقيدية. يدخل بهم إلى الصليب ليروا فيه سرّ الوحدة والقوة.

في هذا الأصحاح يتحدث الرسول إلى الكنيسة التي تعاني من الانقسامات مظهرًا أنه يتكلم بروح التواضع وفي نفس الوقت بسلطانٍ كرسولٍ معين من قبل اللَّه نفسه. وجاء شكره للَّه على نمو الكنيسة التي غرسها الرسول في كورنثوس فيه تأكيد وبرهان على نجاحه في تحقيق رسالته وصدق دعوته الإلهية للعمل.

أظهر لهم أيضًا أنهم كنيسة اللَّه المقدسة في المسيح يسوع وأنهم مدعوون قديسين، أغنياء في كثير من المواهب والنعم الفائقة، وأنهم ليسوا بأقل من أية كنيسة في أية موهبة. بهذا هيأ أذهانهم بروح الرجاء لقبول نصائحه بالدخول إلى سرّ الصليب والتمتع بقوة اللَّه للخلاص عِوض تبديد طاقاتهم ومواهبهم في الخلافات والانقسامات. في الصليب نرى اللَّه مصدر كل عطية صالحة، وكل حكمة وغنى فنفتخر به لا بأنفسنا.

1. افتتاحية الرسالة 1-2.

2. البركة الرسولية 3.

3. شكر على نمو الكنيسة 4-9.

4. تقرير أهل بيت خلوي 10-13.

5. رسالة بولس الرسول 14-17.

6. الصليب سرّ الحكمة 18-25.

7. الافتخار بالرب 26-31.

1. افتتاحية الرسالة

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم وكثير من الدارسين أن هذه المقدمة وما تحويه من البركة الرسولية وشكر على نمو الكنيسة تهيئ الطريق للرسول أن يناقش بكل حبٍ وصراحة المشاكل الخطيرة التي للكنيسة.

"بولس المدعو رسولاً ليسوع المسيحبمشيئة اللَّه وسوستانيس الأخ" [1].

يبدأ الرسالة بروح التواضع فلا يقول: "بولس رسول يسوع المسيح"، بل "المدعو رسولاً".

- انظروا كيف يطرد كبرياءهم منذ البداية وينزل حتى الأرض بتخيلاتهم العزيزة عليهم جدًا، إذ يتحدث عن نفسه قائلاً: "المدعو". يقول بولس: ما قد تعلمته لم أكتشفه بنفسي, وإنما دُعيت بينما كنت أضطهد الكنيسة. اللَّه هو الذي أراد أنكم أنتم أيضًا تخلصون بنفس الكيفية. فنحن لم نفعل شيئًا صالحًا من أنفسنا, بل خلصنا بمشيئة اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ هاجم البعض رسولية بولس وسببوا انقسامًا في الكنيسة افتتح الرسالة بتأكيد أنه رسول لا بمشيئة بشرية، ولا بدعوة من إنسان، وإنما "بمشيئة اللَّه". لقد دعاه الرب نفسه للعمل الرسولي بالنعمة المجانية، فتهيأ ليُعلن الخلاص المجاني للآخرين. إنه لم ينل الرسولية عن استحقاقٍ شخصيٍ بل خلال مشيئة اللَّه. وأنه ليس كالأنبياء الكذبة الذين قيل عنهم:"لم أُرسل الأنبياء بل هم جروا؛ لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا" (إر21:23). لو تُرك الرسول لمشيئته الخاصة لما صار رسولاً إذ يقول: "فإذًا ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل للَّه الذي يرحم" (رو6:9). كما أنه لا يكتب لهم ليطلب منهم مديحًا أو لكي يقبلوه رسولاً، وإنما كرسول مدعو من اللَّه لخدمة الأمم، يكتب إلى الكنيسة التي زرعها بنعمة اللَّه لتكون مقدسة في الرب.

- يكتب أنه "رسول بمشيئة اللَّه", ملمحًا بهذا إلى الرسل الكذبة الذين لم يُرسلوا بواسطة المسيح, وتعاليمهم ليست حقًا. توجد فِرقْ كثيرة منحرفة, تكرز بالمسيح حسب أهوائهم، هؤلاء يحطمون الكنائس؛ ولا تزال أغصانهم الجافة باقية معنا إلى اليوم.

الأب أمبروسياستر

"سوستانيس الأخ": كان سوستانيس رئيس المجمع اليهودي، آمن بالسيد المسيح. وهو كورنثوسي المولد، محبوب لدى الشعب، لذا حسبه الرسول شريكًا معه في الرسالة حتى يقبل الكل ما ورد فيها. لعلّه هو نفسه سوستانيس الذي ذكره معلمنا لوقا البشير في أعمال 17:18 الذي نال بركة الضرب من اليونانيين أمام غاليون والي أخائية وهو بعد يهودي.

إذ قبل سوستانيس الإيمان المسيحي وكان مع الرسول بولس في أفسس ساهم في العمل الكرازي، الأمر الذي يفرح قلب كل مسيحي في كورنثوس. ولعل في ذكره دعوة لكل شعب كورنثوس أن يقتدوا بسوستانيس الذي تحوّل من رئيس مجمع يهودي إلى كارزٍ ومبشرٍ.

اعتاد الرسول أن يضم إليه في رسائله أحد العاملين معه أو أحد تلاميذه، ليبث في الشعب روح الحب والعمل الجماعي. بروح التواضع الممتزج بالحب يقدم سيمفونية سماوية مفرحة للسمائيين.

- إنه مثال آخر لتواضعه، فإنه يضع معه في ذات المرتبة من هو أقل من أبلوس، فإن الفارق بين بولس وسوستانيس عظيم. فإن كان يوجد فارق شاسع هكذا فيضع معه من هو أقل منه بكثير، ماذا يمكن أن يقول هؤلاء الذين يحتقرون من هم مساوين لهم؟

يصنع الاثنان سيمفونية: بولس وسوستانيس عندما كتبا الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس؛ وبعد ذلك بولس وتيموثاوس حين أرسلا الرسالة الثانية إلى نفس الأشخاص.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"إلى كنيسة اللَّه التي في كورنثوس المقدسين في المسيح يسوع،المدعوين قديسين، مع جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان لهم ولنا" [2].

إذ كثرت مشاكلهم أبرز في المقدمة الدعوة الإلهية الموجهة إليهم:

غاية الدعوة: أن نكون قديسين كما هو قدوس [2].

سرّ الدعوة: نٌدعى باسم يسوع المسيح [2].

خبرة الدعوة: الصليب قوة اللَّه وحكمته [24].

إمكانيات الدعوة: تحدى للحكماء والأغنياء الخ. [26-31].

6. كعادته يشجع الرسول الكل، فإذ يفند سلوكهم الكنسي المرّ، وأيضًا سلوك بعضهم الأخلاقي الفاسد لم يخجل من أن يقول لهم: إلى "المقدسين في المسيح يسوع، المدعوّين قديسين". هكذا يرفع الرسول من روحهم المعنوية حتى يمكنهم الإنصات إليه والتجاوب معه. يدعوهم "مقدسين"، و"مدعوين قديسين"، فقد تقدسوا في الرب يسوع وكرسوا قلوبهم له بنوالهم سرّ العماد، لذا لاق بهم أن يسلكوا طريق القداسة. إنهم كنيسة مقدسة، ليس من أجل انتسابهم لبولس أو أبلوس أو صفا (بطرس) بل من أجل اللَّه مقدسّهم.

- لا نصنع شيئًا صالحًا بأنفسنا وإنما بمشيئة اللَّه ننال هذا الخلاص؛ ونحن مدعوّون (قديسين) ليس لأننا نستحق ذلك، وإنما لأن في ذلك مسرته.

- إنه يذكّرهم بعدم طهارتهم التي حررهم منها، وهكذا يحثهم إلى تواضع الفكر، فإنه ليس بأعمالهم الصالحة تقدسوا بل بحنو اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

واضح أنه وهو يكتب إلى كنيسة كورنثوس يوجه الحديث إلى جميع الذين يدعون باسم يسوع المسيح ربنا في كل موضع، أي إلى الكنيسة الجامعة الممتدة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها. فإن للرب بقية مقدسة في كل مكان في العالم في كل الأجيال تحيا معًا في شركة روحية. هذه البقية كرست حياتها للرب، أي عزلت نفسها لا عن العالم بل عن فساده لتحمل أيقونة القدوس، وهذا هو غاية إنجيل المسيح. فكلمة "مقدّسون" في اليونانية هنا "hagiazo" تعني الاعتزال لكي يصير الإنسان في ملكية اللَّه ولخدمته. فمن الخطورة أن ننظر إلى البشرية بمنظارٍ قاتمٍ، إذ يوجد في كل الأجيال قدّيسون يكرّسون قلوبهم وحياتهم للرب القدوس ويحملون روح الوحدة.

-مع أن الرسالة قد كُتبت إلى أهل كورنثوس وحدهم لكنه يشير إلى كل المؤمنين في كل الأرض، مُظهرًا أن الكنيسة في العالم يجب أن تكون واحدة مهما انفصلت عن بعضها في أماكن مختلفة، بالأكثر تكون هكذا في كورنثوس. إن كان المكان يفصلهم فإن الرب يضمهم معًا، إذ هم معروفون للكل. لهذا يوحدهم معًا بقوله "لهم ولنا".

القديس يوحنا الذهبي الفم

بقوله "لنا" يعني "لي ولسوستانيس"، فإنه يشعر بأن القدّيسين هم عطية اللَّه لخدامه. فكما يشعر الخادم أنه ليس لنفسه بل للبشرية التي مات المسيح عنها، يشعر أيضًا أن القديسين هم له سند ومعين بل وإكليل مجد يناله.

2. البركة الرسولية

"نعمة لكم وسلام من اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح" [3].

جاءت البركة الرسولية في كل رسالة تكشف عن قلب بولس الرسول الملتهب حبًا، فيطلب لكل كنيسة كما لكل مؤمنٍ بركة إلهية وعطية تتناسب مع احتياجاته. في نفس الوقت هيأت هذه البركة الجو لقبول ما ورد في صُلب الرسالة.

يبدأ الرسول بالنعمة ثم السلام، إذ لا يمكننا أن نتمتع بالسلام ما لم يقدم لنا الرب نعمته المجانية الغافرة لخطايانا هذه التي تسبب العداوة مع اللَّه والناس. لاق برسول السلام أن يُعلن شهوة قلبه نحو الكنيسة التي في كورنثوس، وهو أن يمنحها اللَّه الآب والرب يسوع النعمة الإلهية التي تملأ النفس سلامًا عميقًا، كما يطلب لها السلام حتى لا يجد روح الانشقاق له موضعًا فيها.

حقًا إن كل بركة تنبع عن نعمة اللَّه الغنية في النفس وسلامها أو مصالحتها مع اللَّه. لقد طلب اللَّه من هرون وبنيه أن يباركوا الشعب قائلين: "يباركك الرب ويحرسك. يًضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلامًا، فيجعلون اسمي على بني إسرائيل، وأنا أباركهم" (عد24:6-27). هذه البركة تحققت بالحق خلال إنجيل السلام في العهد الجديد، إذ لا يمكن أن يتحقق سلامنا إلا بالمسيح المصلوب.

-إن كان سلامنا مصدره نعمة اللَّه، فلماذا تفتخرون مادمتم تخلصون بالنعمة؟ كيف يمكن لأحدٍ أن يجد نعمة لدى اللَّه إلا بالتواضع؟

- إن كان لكم سلام مع اللَّه فلماذا تميزون أنفسكم عن الآخرين؟ فإن هذا هو ما يفعله الانشقاق... مرة أخرى لا نستفيد شيئًا إن كان كل الناس يمدحوننا والرب يقاومنا، ولا يوجد خطر ما إن رفضنا الكل وأبغضونا ما دام اللَّه يقبلنا ويحبنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يعلن الرسول أن النعمة الإلهية والسلام السماوي هما من قبل اللَّه الآب والرب يسوع المسيح ليؤكد لنا أنهما لاهوت واحد. يقول ثيؤدورت أسقف قورش: [يقول بولس بأن المسيح واهب النعم مثله مثل الآب، موضحًا بجلاء أن الاثنين واحد.]

3. شكر على نمو الكنيسة

حمل الرسول بولس شركة سمات الرب يسوع، أحدها فتح باب الرجاء أمام الغير بروح التشجيع. فقد بدأ رسالته بدعوتهم قديسين تكرسوا لحساب الرب، والآن يقدم ذبيحة شكر للَّه من أجل نموهم.

"اشكر إلهي في كل حين من جهتكمعلى نعمة اللَّه المعطاة لكم في يسوع المسيح" [4].

يُعبّر الرسول بولس عن محبته الصادقة لاخوته ومخدوميه بتقديمه الشكر لهم وصلواته من أجلهم. بقلبه الكبير المتسع يهتم باخوته حتى في صلواته.

- ليس شيء يعادل اشتياقات الرسول، ليس من مثيل لحنو الطوباوي بولس وعطفه الذي قدم صلواته كلها من أجل كل المدن والشعوب، وكتب هكذا للكل: "أشكر إلهي من أجلكم، ذاكرًا إيّاكم في صلواتي". تأمل كيف أن في ذهنه كثيرين! إنه عمل مرهق أن يذكر كل هؤلاء. كم من أُناس يذكرهم في صلواته، ويشكر اللَّه من أجلهم جميعًا كما لو كان هو نفسه قد نال أعظم البركات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا يقدم بولس التشكرات من أجل أهل كورنثوس في بعض الأحيان, ولا عندما يصنعون صلاحًا, وإنما يضع نفسه في مركز الأب الذي يشكر عن أولاده كل الوقت مهما فعلوا.

العلامة أوريجينوس

- يهتم بولس أن يعطى عذوبة لأذهانهم قبل أن يبدأ بحثهم ونصحهم. ما يقوله حق, إذ يقدم التشكرات للَّه من أجل عطاياه لهم.

ثيؤدورت أسقف قورش

بينما يشكر اللَّه إلهه من أجل عطيته للكنيسة وهي النعمة التي صار بها كثيرون متحدين به في المسيح يسوع إذا به ينسب اللَّه إليه شخصيًا فيدعوه "إلهي".

-بعاطفته العظيمة يحسب ما هو عام للكل خاصًا به فيقول: "إلهي". هكذا اعتاد الأنبياء أن يقولوا من حين إلى آخر (مز4:43؛ 1:42).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اشكر الهي في كل حين من جهتكم" [4]. يتحدث الرسول بولس عن مفاسد كثيرة لحقت بالبعض في هذه الكنيسة، من جوانب مختلفة تمس وحدة الكنيسة وقدسيتها وعبادتها وعقائدها، مع هذا يبدأ بالجانب الإيجابي فيُعلن شكره الدائم للَّه على الجوانب الطيبة والمقدسة في هذه الكنيسة. وكأن ضعفاتهم لم تحجب عنه ما تمتعوا به من بركات وعطايا إلهية ولا شغلته عن التسبيح والشكر للَّه من أجل النعمة التي ينالوها. فهو يقدم ذبيحة شكر دائمة "في كل حين" للَّه إلهه الذي دعاه لخدمته والعامل فيها بنعمته، والذي لا يتوقف عن أن ينميها.

مرة أخرى يبرز كل ما هو صالح فيهم، إذ يتمتعون بنعمة اللَّه الغنية في المسيح يسوع [4] التي دعتهم لا ليكونوا قديسين في المسيح يسوع فحسب، بل ويصيروا أغنياء في مواهب الروح التي يتحدث عنها في هذه الرسالة؛ أغنياء في كل كلمة وكل علم [5]؛ لا تنقصهم المواهب [7]؛ يترجون مجيء الرب الأخير [8].

- "المُعطاة لكم". بواسطة من أُعطيت؟ هل بواسطتي أنا أم بواسطة رسول آخر؟ مطلقًا لا، إنما بيسوع المسيح، فإنه هكذا يعني التعبير: "في يسوع المسيح".

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 


11 هاتور 1736 ش
21 نوفمبر 2019 م

نياحة القديسة حنة والدة القديسة العذراء القديسة مريم
استشهاد القديس ميخائيل الراهب
استشهاد القديس ارشلاوس واليشع القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك