إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس

+ تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +



تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 15 جـ5 PDF Print Email

"لأنه يجب أن يملك، حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه" [25].

يملك السيد المسيح على كنيسته الممجدة، جسده في السماء. ويكون ملكه إلى الأبد (رؤ 15:11)، يملك على بيت يعقوب أبديًا ولا يكون لملكه نهاية (لو 33:1)، ملكه أبدي لا يزول (دا 14:7؛ مي 7:4).

"لأنه يجب"، لأن الكتاب المقدس سبق فأخبر عنه كحقيقة لابد أن تتحقق. وبقوله "يجب أن يملك" يشير إلى استمرار ملكه.

تطلع المرتل إلى المسيّا ليري ذلك اليوم المفرح الذي فيه يجلس الابن الوحيد الجنس بكنيسته المقدسة الغالبة عن يمين العظمة، وتنحل كل قوات الأعداء وتسقط تحت قدميه (مز 110: 1). إنه واحد مع الآب، إنما ما يتحقق في ذلك اليوم لكنيسته، جسده المقدس، يُحسب له. بينما ينهار العالم ويسقط إبليس وكل جنوده يملك السيد المسيح ملك الملوك ويقيم من شعبه ملوكًا وكهنةً للَّه أبيه (رؤ 1: 6).

- هل سيحكم الرب فقط حتى يضع كل أعدائه تحت قدميه، عندئذ يتوقف عن الحكم؟ واضح أن هذا يعني أنه سيبدأ بالحكم الحقيقي بكامل معنى الكلمة.

القديس جيروم

- خطأك يقوم من عدم فهمك بأن "حتى" لا تعنى دومًا نوعًا من التعبير عما يحدث فيما بعد بل تأكيد ما يحدث حتى ذلك الوقت دون انكار ما يحدث بعد. كمثال منفرد ماذا يعني القول: "ها أنا معكم دائمًا حتى انقضاء الدهر"؟ هل يعني أنه لا يعود بعد ذلك يكون هكذا؟

القديس غريغوريوس النزنيزي

- يقول البعض أنه عندما يخضع أعداءه تحت قدميه لا يعود بعد ملكًا, قول شرير وغبي. فإن كان هو ملك قبل نهاية هزيمة أعدائه النهائية, ألا يليق بالأكثر أن يكون ملكًا عندما يسود بالكامل عليهم؟

القديس كيرلس الأورشليمي

- إنه يملك إلى الأبد. على أي الأحوال بخصوص الحرب الثائرة تحت قيادته ضد الشيطان فإنه من الواضح أن هذه المعركة مستمرة حتى يضع كل أعدائه تحت قدميه. أما بعد ذلك فلا توجد معركة, حيث نتمتع بالسلام الكامل.

- "اجلس عن يميني حتى أضع أعداءَك موطِئًا لقدميك" (مز 1:110)، لأن جلوسه عن اليمين لا يبطل وضع أعدائه تحت قدميه. أو ما قاله الرسول: "لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداءِ تحت قدميه" (1 كو 25:15)، فإنه حتى عندما يُوضعون حتى قدميه لا يتوقف عن أن يملك، إنما يُفهم ذلك أنه يملك أبديًا، فيبقون دومًا تحت قدميه.

القديس أغسطينوس

"آخر عدو يبطل هو الموت" [26].

لقد هزم السيد المسيح الموت بموته المحيي علي الصليب، لكن يتحقق بطلانه تمامًا بقيامة كل المؤمنين وتمتعهم بالملكوت الأبدي.

الأعداء الآخرون يبطلون قبل النهاية، حيث تتحطم عداوة القلب البشري للَّه بالكرازة بالإنجيل، وينكسر قضيب ملك إبليس ويُنزع عنه. سيملك اللَّه روحيًا في كل موضع، ويصير الكل خاضعًا له. ستنتهي مملكة الخطية وطغيانها.

بقيامته قدم لنا القيامة من الأموات فصرنا في أمان، بعيدًا عن أية مخاوف. لا نعود بعد نخشى أي عدو، ولا نعود نموت بعد.

- يُفهم هلاك آخر عدو بهذه الطريقة. ليس أن تهلك المادة التي خلقها اللَّه بل الغاية المعادية والإرادة المضادة التي لم تصدر عن اللَّه بل من ذاتها سوف تنتهي. إنها تهلك لا بمعنى أنه لا يكون للعدو وجود بعد, ولا يكون بعد موت... يليق بنا ألا نفكر هكذا, على أي الأحوال لا يحدث كل هذا فجأة، ولكن بالتدريج وبدرجات, خلال الأجيال غير المحدودة وبلا قياس, متطلعين إلى أن الإصلاح والتصحيح يتحققان ببطءٍ وبطريقة منفصلة في كل شخص فرد.

العلامة أوريجينوس

- أن تحارب حسنًا, هذا هو حالنا الآن ونحن نقاوم ضد الموت, الأمر سيختلف عندما لا يكون بعد عدو, سيكون هذا الحال عندما يبطل الموت, آخر عدو.

- تبدأ الحياة الجديدة الآن بالإيمان, وتستمر بالرجاء, ثم تبلغ النهاية عندما يُبتلع الموت بالنصرة, عندما يهلك هذا العدو أخيرًا, عندما نتغير ونصير مثل الملائكة...

الآن نحن نسود على الخوف بالإيمان, لكن ستتحقق السيادة بالحب بالرؤيا.

القديس أغسطينوس

- كيف هو "الآخر" بعد الشيطان وبعد كل الأمور الأخرى؟ جاءت مشورة الشيطان أولاً، ثم عصياننا وعندئذ الموت. نظريًا الموت قد بُطل الآن، عمليًا سيتم فيما بعد! وضع الموت آخر الكل لهذا السبب، إذ فيه يعلن النصرة على البقية، كما أنه يسهل على غير المؤمن قبوله. عندما يحطم الشيطان الذي جلب الموت، يضع بالأكثر نهاية لعمله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

6. وضعنا الأبدي

"لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه، ولكن حينما يقول إن كل شيء قد أخضع فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل" [27].

كوسيط لدى الآب يتقدم ليُخضع الكل له، ذاك الذي جلس مع أبيه على عرشه (رؤ 12:3). جلس ليمارس وساطته الإلهية الملوكية، ويُحسب هذا مكافأة له عن تقديم نفسه كفارة عن الإنسان بذبيحة الصليب (في 6:2-12).

بصعوده إلى السماء صار رأسًا على كل شيء لحساب كنيسته، له سلطان أن يحكم ويحمي الكنيسة من كل أعدائها، وفي النهاية يحقق الخلاص الكامل للمؤمنين به إذ يشاركونه مجده.

إذ يقول "كل شيء" يحوي أيضًا الموت (أف 1: 22؛ في 3: 21؛ عب 2: 8؛ 1 بط 3: 22). بقوله "أخضع" يتحدث بلغة اليقين كحقيقةٍ لا توجد فيها أي احتمال آخر.

لقد وضع كل شيء تحت قدميه خلال وعده له وخطته الإلهية إذ أقامه رأسًا لكل شيء (مت 28: 18؛ يو17: 2 ؛ أف 1: 20 - 22). وقد وُجد هذا في مزمور 8: 6 بخصوص الإنسان، حيث أُعطي للطبيعة البشرية أن يكون لها سلطان علي كل شيء، وهذا لن يتحقق لها إلا بالمسيح يسوع ربنا.

لماذا قال: "غير الذي أُخضع له الكل؟" ليتجنب إمكانية إثارة اعتراضات تافهة، لئلا يفهم البعض "كل شيء" بما فيه الآب يخضع له، وذلك كما كان عند الأمم حيث يعتقدون أن جوبتر يُروي عنه أنه استبعد والده من عرشه ومن السماء. لكي تمنع الظن بأن بولس في حديثه عن سلطان الابن قد بالغ فيه حتى صار أعظم من الآب. فإن كان الابن قد تجسد وخضع كابن الإنسان للآب، فبعد القيامة واتمام عمل المسيح الشفاعي تظهر مساواة الآب والابن بوضوح كما قبل التجسد.

- سيعلم المسيح الرب نفسه أولئك القادرين على قبوله في سمة الحكمة, فإنه بعد تدريبهم الأولى في فضائله المقدسة يملك معهم حتى يحل الزمن حيث يخضعهم للآب الذي يُخضع كل شيء له. عندما يصيرون قادرين على قبول اللَّه يصير اللَّه بالنسبة لهم الكل في الكل.

- بهذه الحقيقة يعلمنا المسيح فن السيادة.

العلامة أوريجينوس

- يجعل خضوعك خضوعه هو, وبسبب صراعك ضد الفضيلة يدعو نفسه خاضعًا... يدعو نفسه عاريًا إن كان أحد منكم عاريًا... متى كان واحد في السجن يقول أنه هو نفسه مسجون. فقد حمل هو نفسه ضعفاتنا، وحمل ثقل أمراضنا. أحد ضعفاتنا هو عدم الخضوع, هذا أيضًا حمله. لذلك فإنه حتى المصائب التي تحل بنا يحسبها الرب له, واضعًا آلامنا عليه, وذلك لشركته معنا.

القديس باسيليوس

- الخطوة الأولى في السّر هي أن كل الأشياء تخضع له, وعندئذ هو نفسه يخضع لذاك الذي يُخضع كل شيء له. كما نُخضع أنفسنا لمجد جسده الذي يملك, فإن الرب نفسه في ذات السرّ يُخضع نفسه في مجد جسده لذاك الذي يُخضع كل الأشياء له. نحن نخضع لمجد جسده لكي ما نقتني المجد الذي يملكه في الجسد, حيث نصير مشابهين لجسده.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- (في الرد على أتباع أريوس وأتباع أونوميوس)

لا يتحدث الرسول عن المسيح في لاهوته بل في ناسوته, حيث أن كل المناقشة هي عن قيامة الجسد. إنه في ناسوته يخضع حيث تخضع كل البشرية للاهوت.

ثيؤدورت أسقف قورش

- يكتب بولس لليونانيين الذين قبلوا الإيمان, فإنهم قد عبدوا (قبلاً) زيوس الذي ثار ضد أبيه لكي يمسك بزمام المملكة. خشي بولس أنهم يتخيلون ذلك في علاقة المسيح بأبيه.

أوكيمينوس Oecumenius

اللَّه الكل في الكل

"ومتى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضًا سيخضع للذي أخضع له الكل"، "كي يكون اللَّه الكل في الكل" [28].

أولاً: خضوع الابن كرأس الكنيسة:

ماذا يعني يخضع الابن، ويصير اللَّه هو الكل في الكل. صار كلمة اللَّه المتجسد الذي هو واحد مع أبيه ومساوٍ له في ذات الجوهر إنسانًا، لكي يكون وسيطًا بين اللَّه والناس. الآن إذ انتهي دور الوساطة فلا يعود يشفع عن أناسٍ جدد كإنسانٍ يخضع للآب، فهو رأس الكنيسة. خضوع الابن هنا ليس كخضوع الخليقة، إنما خضوع ذاك الذي هو واحد معه ومساوٍ له في ذات الجوهر. فالابن الذي قام بدور الوسيط وقدم نفسه ذبيحة حب عن البشرية وصار رأسًا للكنيسة يعلن خضوعه للآب كتكريمٍ متبادل فيما بينهما. فالابن يكرم الآب، كما أن الآب يكرم الابن. والكل يكرمون الابن كما يكرمون الآب (يو 5: 22- 23 ؛ عب 1: 6).

خضوع الاقنوم الثاني للأقنوم الأول ليس كمن هو أقل منه، إنما إذ قبل أن يتجسد ويموت ثم يقوم كرأس وبكر الراقدين يخضع للآب باسم الكنيسة كلها ولحسابها. هذا لا يعني انفصال اللاهوت عن الناسوت، فإنه مع إشراق بهاء اللاهوت الكامل علي الناسوت يخضع الابن.

- لماذا يتحدث بولس عن خضوع الابن للآب عندما انتهى من الحديث عن خضوع كل شيء للمسيح؟

يتحدث الرسول بطريقة عندما يتكلم عن اللاهوت وحده, وبطريقة أخرى عندما يتكلم عن التدبير الإلهي. كمثال إذ وضع النص الخاص بتجسد ربنا لا يعود يخشى بولس من الحديث عن أعماله المتواضعة الكثيرة, فإن هذه ليست غير لائقة بالمسيح المتجسد, حتى وإن بدت واضحة أنها لا يمكن أن تنطبق على اللَّه.

في النص الحالي عن أي الأمرين يتحدث؟

إذ أشار إلى موت المسيح وقيامته، وكلاهما لا ينطبقان على اللَّه فمن الواضح أنه يتحدث عن التدبير الإلهي للتجسد, الذي فيه خضع الابن للآب بإرادته. ولكن لاحظ أنه قدم تصحيحًا بقوله أن الذي أخضع كل شيء له قد استثنى نفسه من هذا الكل. هذا يعني أنه يذكرنا بأن المسيح الكلمة هو اللَّه الحقيقى.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بهذا فإنه قد أكمل العمل الذي أعطي له، وهو أن يكون اللَّه الكل في الكل.

العلامة أوريجينوس

- إنه يود أن تُفهم رؤية شكله (كمتجسد) عندما كل الخليقة معًا مع ذاك الشكل الذي به صار ابن اللَّه الإنسان يخضع للَّه. بهذا الشكل الابن نفسه يخضع لذاك الذي أخضع كل الاشياء له, فيكون اللَّه هو الكل في الكل.

القديس أغسطينوس

ثانيًا: الخضوع لا يقلل من شأن الابن

= لم يفقد الابن شيئًا عندما يمنح الكل, كما أنه لم يفقد شيئًا عندما يتسلم الآب المُلك, ولا الآب يفقد شيئًا عندما يعطى ما له للابن.

القديس أمبروسيوس

- خضوع المسيح للآب ليس كخضوعنا نحن للابن, فإن خضوعنا هو اعتماد عليه وليس اتحاد المتساويين.

أمبروسياستر

- كما أن الابن يُخضع الكل للآب, هكذا يفعل الآب للابن, واحد بعمله والآخر بمسرته.

القديس غريغوريوس النزنيزي

ثالثًا: قيل هذا بسببنا

مادمنا في العالم لا نبلغ الكمال كما ينبغي لهذا، يُقال حتى القديسون لا يدركون بالكامل أن اللَّه هو الكل في الكل. أو بمعني أدق لا يتحقق فيهم هذا بالكامل ماداموا في الجسد في هذا العالم، حتى متى حلت القيامة يتحقق فيهم هذا، فيشعر كل واحدٍ منهم أن اللَّه هو الكل بالنسبة له!

هنا لا يقول: "يصير الآب هو الكل في الكل"، لأنه إذ يتمتع المؤمنون بالمكافأة الأبدية لا يعودوا يتطلعوا إلى كل أقنوم بأن له عمل خاص، فإن الآب الذي وضع خطة الخلاص والابن الذي قدم حياته ذبيحة حب لخلاصنا، والروح القدس الذي وهبنا الشركة لكي نتمتع بالاتحاد مع اللَّه ونحمل أيقونة الكلمة المتجسد... الآن كل هذه الأعمال الإلهية قد تحققت، فنقف لنري اللَّه "الثالوث القدوس".

- مادمت أنا غير خاضع للآب, لا يُقال أنه هو خاضع للآب. ليس أنه هو محتاج أن يخضع أمام الآب, وإنما من أجلي إذ لم يتم بعد عمله هذا لذلك قيل أنه لم يخضع بعـد, "لأننا نحن جسد المسيح وأعضاؤه"

(1 كو 12 : 27) .




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 15 جـ6 PDF Print Email

- مثل هؤلاء (الهراطقة) لا يفهمون أن خضوع المسيح للآب يعلن عنىطوباوية كمالنا ويظهر تكليل المجد الذي للعمل الذي يتعهد به.

العلامة أوريجينوس

- سيصير اللَّه الكل في الكل في كل شخص بطريقة بها أن كل شيء مما يشعر به الفكر العاقل أو يفهمه أو يفكر فيه سيصير للَّه. عندما يتطهر من كل سحابة الشر, لا يعود الفكر يشعر بشيء آخر غير اللَّه أو بجانب اللَّه. هذا الفكر يفكر في اللَّه ويرى اللَّه ويقتنى اللَّه, فيصير اللَّه هو وسيلة كل حركاته وقياسه. بهذا يصير اللَّه هو الكل في الكل.

العلامة أوريجينوس

- يصير اللَّه الكل في الكل عندما لا نعود بعد نكون مثل الآن نحمل كمًا من الدوافع والعواطف, مع قليل أو لا شيء من اللَّه فينا, بل نكون بالكامل مثل اللَّه, فنفسح المجال للَّه, وله وحده.

هذا هو النضوج الذي نسرع إليه.

القديس غريغوريوس النزنيزى

- يصير اللَّه كل شيء في الكل, فلا تكون فقط الحكمة في سليمان، ووداعة الروح في داود, والغيرة في إيليا وفينحاس, والإيمان في إبراهيم, والحب الكامل في بطرس، وغيرة الكرازة في الإناء المختار (بولس) وفضيلتان أو ثلاثة في آخرين... بل يكون اللَّه بالكامل في الكل. كل عدد القديسين سيتمجدون في كل خورس الفضائل, ويكون اللَّه كل شيء في الكل.

القديس جيروم

- سيسكن شعب اللَّه في هذا البيت أبديًا مع إلههم وفي إلههم, واللَّه يسكن مع شعبه وفي شعبه, فيملأ اللَّه شعبه, ويمتلئ شعبه به، حتى يصير اللَّه الكل في الكل, اللَّه نفسه هو مكافأتهم في السلام كما كان هو قوتهم في المعركة!

القديس أغسطينوس

- "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". هذا هو ملكوت اللَّه، حيث لا تنتصر إرادة على مشيئة اللَّه، سواء في السماء أو على الأرض، عند ما يكون اللَّه هو موجه الكل إلى النهاية، وهو الحي، وهو العامل، وهو المالك، وهو كل شيء، حتى كما يقول الرسول: "يكون اللَّه هو الكل في الكل".

الأب بطرس خريسولوجوس

- اللَّه واهب الفضيلة وسيكون هو نفسه مكافأتها، فإنه ليس أعظم ولا أفضل من أن يعد اللَّه بإعطائه ذاته. ماذا تعني كلمته بالنبي: "أكون لكم إلهًا وتكونون لي شعبًا" (لا 12:26) إلا أكون لكم كفايتكم، أصير أنا الكل لما يشتهيه الإنسان بطريقة مكرمة، حياته وصحته وقوته وغناه ومجده وكرامته وسلامه وكل الأشياء؟

هذا هو التفسير السليم لقول الرسول: إن اللَّه يكون الكل في الكل [28]. سيكون نهاية كل رغباتنا التي ستُرى بلا نهاية، ويُحب بلا حدود ويُسبّح بلا ملل. هذا التدفق للحب والخدمة ستكون الحياة الأبدية عينها المقدّمة للكل.

- سيعيد لك جسدك حتى كمال عدد شعرك، ويقيمك مع الملائكة إلى الأبد حيث لا تحتاج بعد إلى يده المؤدبة، إنما تمتلكك مراحمه الفائقة. فإن اللَّه سيكون "الكل في الكل"، فلا نعود نتذوق بعد عدم السعادة. سيكون إلهنا نفسه راعينا؛ إلهنا ذاته كأسنا، إلهنا هو مجدنا، إلهنا يصير غنانا. أي شيء بعد تحتاج إليه؟ هو وحده يصير كل شيء بالنسبة لك.

- في السماء لا يكون لنا خبرة الاحتياج, بهذا نكون سعداء. سنكون مكتفين وذلك باللَّه. سيكون بالنسبة لنا كل الأشياء التي نتطلع هنا إليها أنها ذات قيمة عظيمة.

القديس أغسطينوس

- كما يقول الرسول أن اللَّه سيكون "الكل في الكل". يبدو لي أن هذا النطق يؤكد بوضوح الفكرة التي وصلنا إليها، إذ تعني أن اللَّه سيكون عوض كل الأشياء، الكل في الكل. بينما حياتنا الحاضرة تحمل أنشطة متنوعة في أشكال كثيرة، والأشياء التي نرتبط بها متعددة مثل الزمن والهواء والموقع والطعام والشراب وأشعة الشمس وضروريات الحياة الأخرى. مع كثرتها لكن ليس شيء منها هو اللَّه... أما الحالة المطوّبة التي نترجّاها فإنها لا تعتاز إلى شيء من كل هذا، فسيكون الكائن الإلهي هو الكل، وعوض الكل بالنسبة لنا، مقدمًا نفسه ليشبع كل احتياجاتنا. واضح أيضًا من الكتاب المقدس أن اللَّه يصير لمن يستحق ذلك الحقيقة والمسكن والملبس والطعام والشراب والنور والغنى والسلطة وسيكون الكل في الكل. يبدو لي أن الكتاب المقدس يعلمنا هنا زوال الشر تمامًا. فإنه إذ يكون اللَّه في كل الأشياء، فواضح أن الشر لا يعود يرتبط بها. فإنه إذا افترض أحد وجود الشر، كيف يؤمن بأن اللَّه يصير الكل في الكل؟

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- يلزمنا ألا ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير لأن "الآن ملكوت اللَّه يُغصَب والغاصبون يختطفونهُ" (مت12:11). فلا يمكن نوال فضيلة بغير جهادٍ، ولا يمكن ضبط العقل بغير حزن قلبي عميق، لأن "الإنسان مولود للمشقَّة" (أي 7:5). ومن أجل الوصول "إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة مِلْءِ المسيح" (أف 13:4). يلزمنا أن نكون علي الدوام في جهاد عظيم مع عناية لانهائية. لا يمكن لأي إنسان أن يصل إلى ملء هذا القياس إنما من يأخذ هذا القياس في اعتباره مقدمًا، ويتدرب عليه من الآن، ويتذوقه هنا في العالم، تكون له علامة العضوية الثمينة للمسيح، ويملك وهو في هذا الجسد على عربون هذا الاتحاد الكامل بجسد المسيح، ويكون له اشتياق وعطش إلى أمرٍ واحدٍ جاعلاً ليس فقط أعماله بل وأفكاره متجهة إلى أمرٍ واحدٍ وهو أن يحفظ الآن وعلى الدوام عربون الحياة المقبلة الطوباوية التي للقديسين، أي أن "يكون اللَّه الكل في الكل" (1 كو28:15).

الأب سيرينوس

- رغب ربنا في أن يؤسس هذه (الخلوة الروحية)، تاركًا لنا مثالاً... فإذ هو ينبوع القداسة الذي لا يُنتهك، وليس محتاجًا إلى عون خارجي، ولا إلى مساعدة الوحدة (الخلوة)، لأن كمال نقاوته لا يمكن أن تتأثر بالجماهير، ولا تتلوث من مخالطته للبشر، بل هو الذي يقدس ويطهر الأمور الدنسة، ومع ذلك نجده يعتزل في الجبل وحده للصلاة. باعتزاله يعلمنا أننا إن رغبنا في الاقتراب من اللَّه بمحبة صادرة عن قلب نقي بلا دنس، يلزمنا أن ننسحب من كل اضطرابات الجموع، حتى تتدرب نفوسنا، ونحن بعد في الجسد، على تذوق السعادة الموعود بها للقديسين، وهي أن "يكون اللَّه هو الكل في الكل" (1 كو 28:15) .

الأب اسحق

- إننا لا نرى أن المسيح نفسه صنع بعد الكل في الكل (1 كو 28:15) كما يقول بولس الرسول حتى نكتشف المسيح شيئًا فشيئًا في الكل، لأنه قيل عنه: "ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من اللَّه وبرًا وقداسةً وفداء" (1 كو 30:1). بالتالي نجد فيه الحكمة، ومرة أخرى البرّ، وأخرى القداسة، ومرة أخرى الحنان، وأخرى الوداعة، وأخرى التواضع أو طول الأناة. فالمسيح (المُعلن في قديسيه) في وقتنا الحاضر مُقسَّم عضوًا بعضوٍ بين الآباء القديسين، لكن حينما يوجد الجميع في وحدة الإيمان والفضيلة يكون "إنسانًا كاملاً" (أف 13:4)، مكمِّلاً جسده الواحد بأوصال واختصاصات كل أعضائه. وسيأتي الوقت حينما يكون اللَّه هو "الكل في الكل"، لأن اللَّه الآن "في الكل" -كما سبق أن ذكرنا- بواسطة الفضائل، لكنه ليس الكل في الكل لأنهم ليسوا في ملء كمالهم.

القديس يوحنا كاسيان

الثالوث القدوس هو الكل في الكل

بقوله "اللَّه الكل في الكل" يعلن أن الثالوث القدوس هو الكل في الكل، فقد قيل عن المسيح أنه الكل في الكل (كو 3: 11؛ زك 14: 9). يري كثير من الدارسين أن تعبير "يكون اللَّه الكل في الكل" لا يشير إلى الآب وحده بل اللاهوت الخاص بالثالوث القدوس دون الإشارة إلى أقنومية كل واحدٍ منهم.

7. قيامة المسيح والدوافع الجديدة

"وإلا فماذا يصنع الذين يعتمدون من أجل الأموات؟ إن كان الأموات لا يقومون البتة، فلماذا يعتمدون من أجل الأموات؟" [29]

لم يشرح لنا القديس بولس ما يقصده بالعماد من أجل الأموات لذا يرى البعض أن هذه العبارة أصعب عبارة وردت في العهد الجديد، وقد حاول آباء الكنيسة ومفسرو الكتاب المقدس إلي يومنا هذا تقديم تفاسير لها، من بينها:

أولاً: العماد هو صلب وموت ودفن مع المسيح (رو 6: 3-5)، فنحن الذين مُتنا بالخطايا بعمادنا نموت معه الموت الواهب الحياة المقامة. نُدفن معه بالمعمودية للموت، حيث نُغرس معه في شبه موته لنتمتع بقيامته. لذا يرى البعض أنه يقصد بالموتى هنا شخص السيد المسيح الذي مات وباسمه نعتمد، فإن كان لم يقم فما قيمة هذا العماد إن كان باسم من هو لا يزال في عداد الموتى ولم يقم؟ يفسر البعض تعبير "يعتمدون من أجل الموتى" بأنه عماد في المسيح ودفن معه بالغطس في المياه كموتى. لكن كثيرين يرفضون هذا التفسير لأن كلمة "الأموات" هنا في صيغة الجمع تعني أكثر من ميتٍ واحدٍ، كما جاءت كلمة يعتمدون لتعني أشخاصًا معينين وليس جميع المسيحيين بصفة عامة.

ثانيًا: أن كلمة "يعتمدون" تشير إلى الشهداء، فإن كانوا لا يقومون لماذا احتملوا الاستشهاد الذي هو معمودية الدم من أجل الإيمان؟ يعتمد هؤلاء على دعوة السيد المسيح المعمودية صبغة أو معمودية دم (مت 20: 22؛ لو 12: 50). ولكن كيف استشهد هؤلاء أو اعتمدوا من أجل الأموات؟

ثالثًا: يرى البعض أنه وُجدت عادة بين الكورنثوسيين وهي أن يعتمد شخص باسم أحد الموعوظين الذين قبلوا الإيمان لكنه مات قبل عماده. خاصة وأن بعض المؤمنين كانوا يؤجلون عمادهم حتى قبل وفاتهم مباشرة حتى لا يتعرضون لارتكاب خطايا بعد العماد، وكان بعضهم يموتون قبل العماد، فيقوم بعض الأحياء بقبول العماد نيابة عنهم. يرى العلامة ترتليان والقديس أمبروسيوس أنه وجدت عادة إذا مات إنسان لم يعتمد، يعتمد إنسان على جثمانه الميت باسمه ولحسابه. لكن لا يوجد أي دليل تاريخي على وجود هذه العادة في أيام الرسول بولس. ومن جانب آخر كيف يستخدم الرسول بولس هذه العادة التي لا تتناغم مع كلمة اللَّه كدليلٍ على القيامة دون أن يظهر خطأها.

يتحدث عمن يمارسون العماد بصيغة الغائب كمجموعة غير الذين يتحدث إليهم، منفصلة عنهم. غالبًا مجموعة من الهراطقة كانت تمارس العماد نيابة عن الأموات وهي غير معروفة قبل ظهور مرقيون.

- يبدو أن البعض كانوا في ذلك الحين يعتمدون من أجل الأموات لأنهم كانوا يخشون أن أحدًا ممن لم يعتمد لا يقوم نهائيًا أو يقوم لكي يُدان.

أمبروسياستر

- كان أتباع مرقيون يعمدون الأحياء لحساب غير المؤمنين الموتى, غير مدركين أن العماد يخلص الشخص الذي يناله وحده.

القديس ديديموس الضرير

- جلبت الخطية الموت إلى العالم, ونحن نعتمد برجاء أن أجسادنا الميتة ستقوم في القيامة. فإن لم توجد قيامة يكون عمادنا بلا معنى, وتبقى أجسادنا ميتة كما الآن.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- استخدام نفس المحاورين كشهودٍ بتصرفاتهم على تأكيد الأمر يعتبر برهانًا له دوره غير القليل. ماذا يعني بهذا؟ أتريدون أولاً أن أشير إليكم كيف أن الذين تأثروا بالهرطقة الخاصة بمرقيون يفسدون هذا التعبير؟ إني بالحق أعلم سأجعلكم بالأكثر تضحكون. ومع هذا فإنني سأشير إليها حتى أزيل بالأكثر هذه الداء. أعني بهذا عندما يموت أحد الموعوظين عندهم يخفون أحد الأحياء تحت مرقد الميت. يقتربون من الجثمان ويتحدثون معه ويسألونه إن كان يريد أن يعتمد، وإذ لا يجيب يقول ذاك الذي يختفي تحته: أريد أنا أن اعتمد نيابة عنه. عندئذ يقومون بعماده نيابة عن الراحل، وكأنهم أناس يمزحون على مسرح.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولماذا نخاطر نحن كل ساعة" [30].

في العبارة السابقة تحدث بصيغة الغائب، أما هنا فيتحدث عن نفسه ومن معه وربما عن من بعث إليهم بالرسالة، قائلاً: "نحن".

يقول الرسول أنه من الغباوة أن يصير مسيحيًا معرضًا لخطر الموت وبالأكثر أن يكون رسولاً إن لم تكن توجد قيامة من الأموات. يمكن القول بأن هذه الآية تفسر الآية السابقة، فإنه ما هو الدافع لقبول الموت اليومي بكامل السرور بإرادتنا الحرة، ولماذا نُخضع لآلام كثيرة كل يوم بل وكل ساعة إن كان الموتى لا يقومون؟ يجب أن نحسب حساب النفقة، فإنه ما كان يمكننا أن نقبل الموت بإرادتنا لو لم توجد قيامة.

كانت المخاطر كثيرة جدًا حتى كان الرسول يحسب نفسه والرسل يتعرضون لها ليس فقط كل يوم، بل وفي كل ساعة.

- إن كانت النفس ليست خالدة، وإن كان الجسد لا يقوم من الأموات, فلا مجال للمخاطرة من أجل الإيمان.

القديس ديديموس الضرير

"إني بافتخاركم الذي لي في يسوع المسيح ربنا أموت كل يوم" [31].

"إني بافتخاركم": هو قَسَمْ يشير لتأكيد أمر بغيرة قوية، لأنه يمس حياته ومشاعره. يفسره البعض "أعلن افتخاري أو فرحي بكم في المسيح يسوع".

يرى البعض أن الكورنثوسيين كانوا يفتخرون بأنهم قد أذلوا بولس ووطأوا عليه بأقدامهم كل يومٍ كميتٍ. لكن الرسول حسب هذه الإهانة عار المسيح الذي يقبله بفرحٍ. يرى آخرون أن الرسول بولس يفتخر بالذي له في المسيح يسوع الذي مات لأجله وقام لتبريره أنه لا يعود يخشى الآلام ولا الموت، وأنه مستعد كل يوم أن يموت. ولعله يقصد أنه يفتخر بأن يموت كل يوم من أجل خلاصه الأبدي.

بقوله: "بفرحكم أنا أموت كل يوم" ربما تعني أنه من أجل تمتعهم بالفرح يموت يوميًا متهللاً، وذلك كما يقول بتعليمه لهم يصير هو متعلمًا، أي بتعليمه يصير هو نفسه كاملاً في تعلمه.

- انظروا مرة أخرى فإنه يجاهد أن يقيم التعليم خلال أتعابه، بل بالأحرى وبأتعاب الرسل الآخرين أيضًا. وهذا أمر ليس بالهين أن المعلمين مملوءون اقتناعًا بقوة، مظهرين ذلك لا بالكلمات فحسب، بل وبالأعمال ذاتها... "إني بمجدي الذي لي فيكم في يسوع المسيح ربنا أموت كل يوم". يقصد "بمجده" تقدمهم. هكذا حيث يشير إلى مخاطره أنها كثيرة. فلئلا يُظن أنه يشير إليها بطريق الرثاء يقول: "حاشا لي من الحزن! إنما أتمجد إذ أشير إلى ذلك من أجلكم". يقول أنه يضاعف ذلك أنه يجد فيها لذة عندما يموت من أجلهم ولنفعهم...

كيف يموت كل يوم؟ باستعداده وتهيئته لهذا الحدث!

- يفرح بولس في آلامه لأنه يرى أية نتائج عجيبة تجلبها في شعبٍ مثل مسيحيي كورنثوس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هنا يضع بولس الخطوط العريضة لكل من ضخامة المشاكل التي يواجهها وعظمة عناية اللَّه التي تهتم به.

ثيؤدورت أسقف قورش

"إن كنت كإنسان قد حاربت وحوشًا في أفسس، فما المنفعة لي إن كان الأموات لا يقومون؟ فلناكل ونشرب لأننا غدا نموت" [32].

"إن كنت كإنسانٍ": يرى البعض أن الرسول يقول: "إن كنت أتكلم بكوني إنسانًا، أو كسائر البشر"، أو "إن كنت قد حاربت وحوشًا كما يفعل بعض البشر الذين يحاربون وحوشًا بالقدر الذي به يبقون أحياء"، أو "أتحدث كإنسان أنني أُحارب بشرًا أشبه بالوحوش المفترسة".

يؤكد البعض أن الرسول لا يعني ذلك حرفيًا وأن حديثه هنا رمزي، مدللين على ذلك بالآتي:

أ. إذ تحدث الرسول فيما بعد عن المصاعب التي واجهته (2 كو 11: 24) لم يُشر أنه أُلقى ليصارع مع وحوش.

ب. تاريخيًا لم يشر القديس لوقا البشير في سفر الأعمال شيئًا عن ذلك.

ج. لم يُجلد الرسول بولس لأنه يحمل الجنسية الرومانية، لذا يرى البعض أنه لم يكن ممكنًا معاقبته بالإلقاء للوحوش.

د‌. رفض العلامة ترتليان والقديس يوحنا الذهبي الفم وغيرهما التفسير الحرفي لهذه العبارة.

لهذا يرى البعض أن الوحوش تشير إلى أناسٍ غاية في العنف والقسوة مثل الوحوش الضارية. ربما يشير هنا إلى ديمتريوس والصناع كوحوشٍ مفترسةٍ، وإن كان غالبًا ما كتب الرسول هذه الرسالة قبل ثورة ديمتريوس واضطراره أن يذهب إلى مقدونية. هذا وقد دعا هيرقليتس الأفسسي مواطنيه وحوشًا مفترسة قبل الرسول بولس بحوالي 400 عامًا. وهكذا أيضًا ابيمنيديس بالنسبة للكريتيين (تي 1:1). كان الرسول لا يزال في أفسس وهو يكتب الرسالة وكانت حياته معرضة للخطر اليومي (2 كو 1:8).

من الجانب الآخر يرى آخرون أن الحديث واضح أنه يعنى حدوث ذلك حرفيًا ويبررون ذلك بالآتي:

أ. أن لوقا البشير لم يشر إلى كل ما تعرض له الرسول، وأيضًا حينما استعرض الرسول بولس المخاطر التي تعرض لها قال: "في ميتات كثيرة". وأن أحد هذه الميتات هي إلقاؤه للمصارعة مع وحوش مفترسة.

ب. يروي لنا أنسيفورس أن الرسول بولس تعرض فعلاً لمواجهة أسودٍ في مسارح، لكن إذ اقتربت منه لم تؤذه.

ج. أننا لم نسمع عن أي خطر أحدق بالرسول في أفسس غير هذا، لذا فيكون هذا الاحتمال واقعي. وإن الرسول لم يشر إلي ذلك عندما قدّم قائمة بآلامه لأنه لم يتألم بل نال كرامة بعدم اقتراب الوحوش إليه.

اقتبس الرسول عبارة: "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" عن الترجمة السـبعينية من إشـعياء النـبي (13:22). استخدمها النبي عندما حاصر سنحاريب وجيش الأشوريين أورشليم. يقول النبي عِوض التوبة والصوم والتواضع والبكاء أقاموا الولائم، وكان شعارهم: لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت، فإنه لا منفعة من المقاومة أو الصلاة إلى اللَّه. لقد فقدوا كل رجاءٍ لهم في الخلاص واستسلموا للموت فلا ضرورة للتعب والجهاد. هذا حال من يفقد رجاءه في الخلاص الأبدي، ولا يترقب المجد السماوي، والسعادة في الحياة المقبلة.

"غدًا نموت": أي يلاحقنا الموت قريبًا جدًا دون العودة إلى الحياة مادامت العقيدة الخاصة بالقيامة ليست حقًا. إن لم توجد قيامة من الأموات فخير للإنسان عوض احتماله الآلام من أجل الإيمان أن يأكل ويشرب قبل أن يموت (إش 22: 13). إن كنا نموت كالحيوانات ولا نقوم فلنسلك مثلهم. وربما أراد الرسول أن يرد على المتشككين في القيامة بمثل قاله أحدهم: "إن كان البشر يحسبون أنفسهم أنهم يموتون كالوحوش، فليعيشوا إذن كالوحوش أيضًا!"

غالبًا ما كان الذين ينكرون القيامة في الأصل صدوقيين إذ يقولون لا قيامة ولا ملائكة ولا روح (أع23: 8). وكأن الإنسان في كليته جسم ليس فيه ما يحي الجسم، ويبقى بعد الموت.

- تأكد أن هذه الكلمة نُطق بها في شيء من السخرية .إنه لم يذكرها من نفسه، إنما استدعاها من إشعياء النبي الحلو الصوت الذي حاور بعض الأشخاص الحسيين الفاسدين مستخدمًا تلك الكلمات: "من يذبحون عجلاٌ أو يقتلون قطيعٌا ليأكلوا لحمٌا و يشربون خمرٌا، القائلين: لنأكل ونشرب لأننا غدٌا نموت. بلغت هذه الأشياء إلى أذنيّ رب القوات، وهذا الشر لن يُغفر لكم حتى تموتوا" (إش13:22-14 LXX). إن كان الذين قالوا هكذا قد حُرموا من المغفرة، فبالأكثر يكون ذلك في عهد النعمة.

- "فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" [32]. اخبرني إذن: وما هي النهاية؟ الفساد!

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كان كل رجاء في القيامة قد ضاع, فلنأكل ونشرب ولا نُحرم من ملذات الأمور الحاضرة , إذ ليس لنا شيء في المستقبل... يقول الأبيقوريون أنهم تبعوا الملذات لأن الموت لا يعني شيئا بالنسبة لهم, لأنه لا توجد مشاعر من جهة ما ينحل، وعدم وجود المشاعر لا يعني شيئًا بالنسبة لنا. هكذا يظهرون أنهم يعيشون فقط كجسدانيين وليس كروحيين. إنهم لا يمارسون عمل النفس بل عمل الجسد. أنهم يظنون أن كل عمل الحياة ينتهي بانفصال النفس عن الجسد.

القديس أمبروسيوس

- يوجد أناس يقولون: "لا سعادة لإنسان ليست له ملذات الجسد". هؤلاء هم الذين يلومهم الرسول قائلين: "فلنأكل ونشرف لأننا غدًا نموت" [32]. من الذي قام إلى هذه الحياة؟ من أخبرنا بما سنكون عليه هناك؟ إننا سنأخذ معنا ما يجعلنا سعداء في الوقت الحاضر. من ينطق بهذا يلصق نفسه بالجسد ويجعل لذته في شهوات الجسد...

القديس أغسطينوس

- إنهم بالحق هم موتى, موتى بالفعل ولا يتم الموت بالغد, موتى للَّه!

القديس إكليمنضس السكندري




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الاولى الى أهل كورنثوس اصحاح 15 جـ7 PDF Print Email

"لا تضلوا، فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة" [33].

ينهي الرسول حواره بخصوص الإيمان بالقيامة من الأموات محذرًا من الأشرار المخادعين الذين يسلكون في حياة متسيبة بلا مبادئ. فمن أراد أن يحفظ براءته وصلاحه يلتزم أن يتحفظ من عدوى الصداقات الشريرة، فمن يسلك مع الحكماء يجد حكماء ومن يصاحب الجهال يهلك (أم 13:20).

الصداقة الحميمة مع غير المؤمنين بالقيامة تفسد فكر المؤمنين وتؤذيهم في سلوكهم وحياتهم. ربما يشير هنا إلي الشاعر تايس الذي اقتبس قوله عن "الصداقات الشريرة" مشيرًا إلى الحوار مع منكري القيامة، هؤلاء الذين يدعون بأن القيامة أمر روحي بحت لا علاقة له بالجسد، وأن عرش الخطية في الجسد وحده، وسيتركه بخروج النفس من الجسد فتحيا النفس ويهلك الجسد.

كان في الأدب اليهودي الحاخامي مثل مشابه: "وُجد ساقان من الخشب جافان وثالث أخضر، فإذ احترق الجافان حرقا معهما الأخضر". ووجدت أمثلة كثيرة عند اليونان تحمل ذات المعنى.

- أنت تحتقر الذهب, يوجد آخر يحب الذهب. أنت ترفض الغنى, هو يطلب الغنى بشغفٍ. أنت تحب الصمت والضعف والحياة الخاصة, أما هو فيجد سعادته في الأحاديث الباطلة بلا تريث في الميدان العام والشوارع ومتاجر المخدرات... لا تبقى معه تحت سقفٍ واحدٍ. لا تعتمد على عفتك السابقة. فإنك لا تقدر أن تكون أكثر قداسة من داود أو أحكم من سليمان... إن كان دورك في العمل الكهنوتي هو أن تفتقد أرملة أو عذراء لا تدخل البيت وحدك. ليصحبك أشخاص لا يسيئون إليك... لا تجلس بمفردك مع سيدة سرًا بدون شهود. إن كان لديها أمر سري تريد أن تبوح به, يجب أن يكون معها مربية أو عذراء أو أرملة, أو سيدة متزوجة. لا تقدر أن تفيض بأسرارها لك بدون وجود صديقة لها.

القديس جيروم

- ألا ترى أن "المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة؟" بها لا تقدر أن تنطق بالإنجيل، وإنما تسمع كلمات الأوثان. بها تفقد الحق أن المسيح هو اللَّه، وما تشربه هناك تتقيأه في الكنيسة.

القديس أغسطينوس

- قال هذا لكي يوبخهم لأنهم بلا فهم، وأيضًا استطاع قدر الإمكان أن يقدم نوعًا من العذر على الماضي مع تطلعهم إلى الرجوع، فألقى بالاتهامات على الآخرين حتى يجتذبهم إلى التوبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اصحوا للبر ولا تخطئوا، لأن قومًا ليست لهم معرفة باللَّه، أقول ذلك لتخجيلكم [34].

لما تحدث الرسول معهم كمن يتهمهم بالنهم وعدم الفهم وعدم المبالاة والضلال، ألقى باللوم بالأكثر على أصدقائهم الأشرار كمن هم علّة هذا كله، طالبًا اعتزالهم والرجوع بالتوبة إلى اللَّه، فيرجعوا إلى حالهم الأول المبارك؛ ولكي لا يثيرهم أكثر فييأسوا أو يعاندوا قال: "أقول ذلك لتخجيلكم" [34] .

"اصحوا"
، والترجمة الحرفية "استيقظوا من نوم السُكر الجسداني" الذي ألقيتم أنفسكم فيه بواسطة المتشككين في القيامة (يوئيل 1: 5). فالحياة ليست إلا لحظة عابرة، لكن السماء تترقب لتهبنا بركات بلا نهاية.

"لا تخطئوا"، فإنهم إذ أنكروا القيامة ارتموا في حبال الشهوات الجسدية وملذاتها. يسألنا الرسول ألا نستهين باللَّه وبنفوسنا وأبديتنا.

"لتخجيلكم": أي أنه يلزم الكورنثوسيون المسيحيون الذين يفتخرون بالمعرفة أن يتصرفوا مع الجهلاء الذين ينكرون القيامة، فإن هذا عار لهم.

مرة أخري يحذرهم، فإنه من المخجل أو من العار ألا يعرف المسيحيون اللَّه، لأن من ينكر القيامة من الأموات، ومن يعيش ليأكل ويشرب ولا يبالي بالحياة العتيدة، ولا يسهر من أجل خلاصه يُحسب كمن لا يعرف اللَّه نفسه. فالحياة الفاسدة هي إلحاد عملي وتجاهل لوجود اللَّه ورعايته وعنايته ومكافآته الأبدية للأبرار والأشرار.

عدم المعرفة أشبه بظلمة تحجب عن النفس معاينة نور اللَّه، فإنه ليس من حال أردأ من أن تبقي النفس في ظلام بدون معرفة اللَّه. هنا ربما يتحدث الرسول عن الذين استناروا مرة وكانوا يمارسون الحياة الجديدة المقدسة لكن صداقة الأشرار أفسدت رؤيتهم. فإنه من العار أن يتركوا طريق النور وينحدروا إلى أعماق الظلمة في جهالة.

- يبدو بولس كمن يتحدث مع سكارى ومجانين, فإن مثل هؤلاء يمارسون التغييرات المفاجئة للسلوك. الذين لا يؤمنون بالقيامة من الأموات ليست لهم معرفة اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

8. الجسد المُقام

يبدأ هنا بالجزء الثاني من مقاله عن القيامة من الأموات حيث يتحدث عن طبيعة الجسم المقام. يبدأ بالإجابة على بعض الاعتراضات على القيامة مثل:

- كيف يقوم الأموات؟

- وبأي جسم يقومون؟

سؤال واحد من جانبين. وهو بأية قوة أو كيف يمكن تحقيق القيامة؟ لأن هذا في نظرهم مستحيل. والجانب الآخر هو إن افترضنا أنها تتحقق، فهل يقوم بذات الشكل والأعضاء. الجانب الأول هو سؤال الملحدين العاجزين عن إدراك قوة اللَّه لتحقيق القيامة. والجانب الثاني هو سؤال فيه حب استطلاع المتشككين.

"لكن يقول قائل: كيف يقام الأموات؟ وبأي جسم يأتون؟" [35]

بنوعٍ من التوبيخ يقدم الرسول تساؤلات المتشككين في القيامة بالقول: "كيف؟" فإنه لا يجوز التشكك فيما يعلنه اللَّه من حقائق لمجرد عجز العقل عن إمكانية تحقيقها. فعوض القول كيف؟ وجب الإيمان بإمكانية قوة اللَّه لتحقيق ذلك. فعندما سُئل حزقيال النبي عن إمكانية إقامة العظام الجافة، كانت إجابته: "أنت تعلم يا رب!" (حز37: 3).

- ربما يُدهش أحد كيف يمكن للأجساد التي تحللت أن تعود سليمة, والأعضاء التي تبعثرت وتحطمت أن تُسترد. ومع هذا لا يعجب أحد من البذور الرقيقة التي تتحطم عندما تتبلل وتثقل بالتربة إذ بها تنمو وتعود خضراء. مثل هذه البذور حتمًا تتحلل باحتكاكها بالتربة, ولكن برطوبة التربة واهبة الحياة تنال البذور المدفونة والخفية نوعًا من الحرارة المحيية, وتنال قوة واهبة الحياة لنمو النبات عندئذ بالتدريج تقوم بالطبيعة، فتظهر سنبلة نامية على الساق, وكأم معتنية بها تغلفها وهي في مرحلة ما قبل النضوج بأغطية تحميها من الدمار، من صقيع البرد أو حرارة الشمس، حتى تظهر البذور كما لو كانت أطفالاً صغارًا.

القديس أمبروسيوس

- لماذا يقدم بولس برهانًا كهذا بدلاً من أن يشير ببساطة لسامعيه عن قوة اللَّه كما فعل في مواضعٍ أخرى؟ هنا يتعامل مع شعب لا يؤمنون بما يقوله, لذلك قُدم لهم براهين عقلية لما يقوله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت" [36].

بالنسبة للجانب الأول يجيب الرسول بأن القيامة هي في إمكانية اللَّه القدير الذي يعمل دومًا بقوته الإلهية في حياتنا اليومية بما يشابه القيامة. فكما تنحل حبة القمح وتبدو كأنها قد هلكت تمامًا لتعود فتقدم ثمارًا من ذات النوع هكذا يحدث مع جسمنا. كأنه يقول لماذا في غباوة نجحد قوة اللَّه واهب القيامة ونحن نختبر في كل يوم قوته المحيية لأشياءٍ ميتةٍ؟

يدعو الرسول ذاك الذي يضع تساؤلات خاصة بالقيامة متجاهلاً قدرة اللَّه ومفتخرًا بالفلسفة البشرية "غبيًا".

يجيب الرسول علي التساؤل: "كيف؟" بمثلٍ واقعي يعرفه كل إنسان، فإن الاعتراض علي إمكانية القيامة لا أساس له من خلال الواقع العملي. قيامة المسيح الذي مات من أجلنا لم تنزع عنا موت الجسد الذي حلّ بنا من آدم لكنه يُحضرنا إليه لننعم بحياة جديدة سماوية خارجة من موته المحيي.

إذ يقول: "يا غبي" يوجه حديثه إلى المعلمين المخادعين أو الرسل الكذبة، الذين اعتمدوا على حكمتهم البشرية وأخذوا موقفًا مضادًا للَّه والناس، فصاروا بحق أغبياء. من جانب آخر فإنهم حسبوا اللَّه عاجزًا عن إقامة الأموات لذا صاروا أغبياء.

- إنه يحل مشكلة يقدمها الأمم ضد القيامة... فيقدم صعوبتين، إحداهما بخصوص طريقة القيامة، والثانية نوع الأجساد... لهذا يدعو الشخص غبيًا إذ يجهل ما يحدث معه يوميًا، أمور تحدث معها القيامة، ومع هذا يشك في قدرة اللَّه. لهذا يؤكد قائلاً: "الذي تزرعه" يا أيها القابل للموت والهلاك...

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يليق بنا ألا نشك في ما هو متفق مع الطبيعة وليس ضدها. فإنه طبيعيُا كل الأشياء الحية تقوم ودمارها أمر غير طبيعي.

القديس أمبروسيوس

- يبدو أننا ملزمون أن نأخذ هذه الكلمات بهذا المعنى، وأن نفترض أن الذين سيجدهم الرب أحياء على الأرض فإنهم في تلك الفترة الزمنية الضيقة يموتون وينالون الخلود، إذ يقول نفس الرسول: "في المسيح جميعنا أحياء" [22]. بينما يتحدث عن نفس قيامة الجسد في موضع آخر قائلاً: "ما تزرعه لا يحيا ما لم يمت" [36]. إذن كيف أولئك الذين سيجدهم المسيح أحياء على الأرض أن يحيوا في عدم الموت ما لم يموتوا، فقد قيل عن هذا الأمر: "ما تزرعه لا يحيا إن لم يمت"؟ أو إن كنا لا نقدر أن نتكلم كما يليق بخصوص الأجساد البشرية أنها تُزرع ما لم بموتها تعود ثانية إلى الأرض فيتحقق ما نطق به اللَّه ضد أب كل الجنس البشري المخطئ: "أنت تراب وإلى تراب تعود" (تك 19:3)، يليق بنا أن نعرف بأن أولئك الذين سيكونون بعد في الجسد عند مجيئه قد أُعفوا من تلك الكلمات الواردة في الرسول وفي سفر التكوين فبكونهم يرتفعون على السحاب بالتأكيد لم يزرعوا ولا عادوا إلى الأرض إذ لا يختبرون الموت نهائيًا أو أنهم يموتون إلى لحظة في الهواء.

القديس أغسطينوس

"والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير، بل حبة مجردة، ربما من حنطة أو أحد البواقي" [37].


ما يزرعه الإنسان ليست السنابل التي سيحصدها بل حبة مجردة، منها تخرج سنبلة من ذات النوع، لكنها أفضل وأعظم. هكذا بالنسبة لنا نُزرع جسمًا ليقوم ذات الجسم ولكنه أبرع جمالاً وبهاءً، له طبيعة جديدة مجيدة روحية أعظم مما زُرع. فالموت ليس طريقا لعبور الجسد وعودته فحسب، لكنه طريق لتمجيد الجسد ليشارك النفس بهاءها الأبدي.

- مقاله هنا لم يعد بخصوص القيامة بل طريقة القيامة، وما نوع الجسد الذي سيقوم، إن كان من نفس النوع أم أفضل وأكثر منه مجدًا. تحدث عن الأمرين من نفس المثال مشيرًا إلى أنه سيكون أفضل... ماذا إذن ما يقوله: "لست تزرع الجسم الذي سوف يصير"، أي سنبلة القمح، فهي ذات البذرة وليس هي بعينها. فالمادة هي، لكنها ليست هي لأنها أفضل. تبقى المادة كما هي لكن يصير جمالها أفضل، يقوم نفس الجسم لكنه جديدًا.

- يقول أحد: "نعم، لكن هذا من فعل الطبيعة". أخبرني، أية طبيعة؟

فإنه في هذه الحالة اللَّه بالتأكيد هو الذي يصنع الكل، وليست الطبيعة ولا الأرض ولا المطر، بل اللَّه هو العامل. لذلك قد صنع كل هذه الأشياء بطريقة واضحة، تاركًا الأرض والمطر والجو والشمس وأيدي الفلاّحين، ويقول: "اللَّه يعطيها جسمًا كما أراد" [38]. لذا لا يليق بك أن تسأل أو تنشغل كيف وبأية وسيلة يتم ذلك عندما تسمع أن ذلك يتحقق بقوة اللَّه وإرادته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إن كانت البذرة تموت وتقوم بمنافع إضافية للجنس البشري فلماذا يُحسب غير معقول أن الجسد البشري يقوم بقوة اللَّه بكيانٍ مساٍو تامٍ؟

أمبروسياستر

تُزرعون مثل سائر الأشياء، فلماذا تتعجبون أنكم ستقومون مثل بقية الأشياء؟ أنتم تؤمنون بالبذرة لأنكم ترونها. أنتم لا تؤمنون بالقيامة لأنكم لا ترونها. "طوبى للذين لم يروا وآمنوا" (يو 20: 29). ومع ذلك قبل حلول الموسم المناسب حتى بالنسبة للبذرة لا يصدقون بها. فإنه ليس كل موسمٍ مناسبًا للبذار كي تنمو. فالقمح يُزرع في وقت وينمو في وقت آخر, في وقت ما تُطعم الكرمة. وفي وقت معين تظهر الجذور، وفي وقت آخر تظهر أوراق الشجرة بكثرة ثم تتشكل عناقيد العنب. في وقت معين تغرس شجرة الزيتون. وفي وقت آخر تصير مثقلة كما بطفلٍ وكمن هي حامل بحصرم العنب وتنحني من كثرة ثمارها. لكن قبل الوقت المعين لكل نوع يبدو الإنتاج محدودًا. ليست الشجرة أو الزرع له وقت لحمل الثمار من قوته الذاتية.

القديس أمبروسيوس

"ولكن اللَّه يعطيها جسمًا كما أراد، ولكل واحد من البزور جسمه" [38].

يهب اللَّه الجسد "كما أراد"، وما هي إرادته إلا أن يتمتع الجسم بالحياة المطوبة السماوية. هذه هي مسرّته أن يهب ذات الجسم الذي شارك النفس جهادها في هذا العالم أن يشاركها مجدها.

كل بذرة تُزرع تقيم جسمًا خاصًا بها، فلم نسمع عن بذرة قمح جلبت شعيرًا، ولا بذرة تفاح جلبت ليمونًا، بل كل بذرة تجلب حصادًا من ذات نوعها.

" ليس كل جسد جسدًا واحدًا، بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد آخر وللسمك آخر وللطير آخر" [39].

جاء وقت ادعى العلماء بأن ما يقوله الرسول بولس خطأ فإن جسد الإنسان وجسد الحيوان وأيضًا السمك والطيور هو واحد، مكون من ذات الجبلة الأولى أو بروتوبلازما الخلية أو المادة الحية الأساسية في الخلايا protoplasm. اليوم أدرك العلماء أن مادة الخلايا cytoplasm وقلبها nuclei تختلف في هذه الأنواع الأربعة من الجسد.

الجسد الذي يقيمه الرب هو جسد حقيقي، جسد إنسان له طابعه الخاص، لكنه ممجد وروحي. إنه ليس كما يظن البعض أنه جسد خيالي.

- في القيامة سيقوم جسد أفضل, جسد لا يعود فيه لحم ودم هكذا بل كائن حى خالد ولا يمكن هلاكه.

ثيؤدور أسقف المصيصة

"وأجسام سماوية، وأجسام أرضية، لكن مجد السماويات شيء، ومجد الأرضيات آخر" [40].

حينما يتحدث عن الأجسام السماوية والأجسام الأرضية هنا لا يعني بالسماء والأرض بمفهومهما العام، إنما يقصد بالسماء الشمس والقمر وبقية الأجرام السماوية، بينما يقصد بالأرض جرم الأرض المادي.

يعود فيقارن بين جسمنا الترابي الذي علي مثال جسم آدم وذاك الذي سنناله على مثال جسم المسيح القائم من الأموات. فإنه لا يوجد وجه للمقاومة بين مجد الجسم الترابي ومجد الجسم الروحاني السماوي. ففي السماء يكون الجسم ممجدًا وبهيًا وكاملاً. حقا إنه حتى في هذا العالم يتمتع جسمنا الترابي بعربون المجد الداخلي والبهاء، أما في يوم الرب فإنه "سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون علي صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء" (في 3: 21). وكما وعدنا السيد المسيح: "حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

إذ يتحدث هنا عن الأجسام السماوية ربما لا يعني الشمس والقمر والكواكب، لكنه يعنى الملائكة والطغمات السمائية، فإنهم أرواح لكنهم بالمقارنة باللَّه الروح البسيط يُحسبون لهم أجسام. ونحن إذ نشترك معهم في الحياة السماوية تصير أجسامنا روحية، لكنها مختلفة عن تلك التي للسمائيين. وربما يقصد بالأجسام السماوية جسم المسيح القائم من الأموات وأجسام القديسين القائمة من الأموات، وبالأجسام الأرضية أجسامنا هنا في الحياة الزمنية على الأرض.

- حتى بين الأجسام الأرضية الاختلاف ليس بقليل. خذ الجنس البشرى كمثال. البعض يونانيون والبعض برابرة، وبين البرابرة البعض أكثر عنفًا من غيرهم. البعض لهم قوانين سامية والآخرون قوانين منحطة, البعض لهم عادات متوحشة وآخرون ليس لهم قوانين قط يخضعون لها.

العلامة أوريجينوس

- إن كان اللَّه استطاع أن يصنع الشمس والقمر والكواكب، فما هي المشكلة إن كان يصنع لنا أجسادًا جديدة؟

بيلاجيوس

"مجد الشمس شيء، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر، لأن نجما يمتاز عن نجم في المجد" [41].

تهب القيامة المؤمن هنا قوة ليحطم الخطية ويكسر شوكة الموت، فيعيش بروح النصرة المتهللة.

يشتاق المؤمن إلى معرفة ما يكون عليه جسمه في القيامة، وفي نفس الوقت في شيء من التشكك يتساءل غير المؤمن عما سيكون عليه حال الجسم القائم من الأموات. وقد أوضح الرسول بلغة مفرحة إن سمات جسمنا القائم من الأموات هي:

أولاً:
بلا فساد [42]. ثانيًا: مجيد [43].

ثالثًا: في قوة [ 4]. رابعًا: جسم روحاني [44].

خامسًا:
على شبه جسم الإنسان الثاني، الرب من السماء [45 ـ50].

- حقًا سيقوم الكل في قوة وعدم فساد، ولكن في هذا المجد الذي بلا فساد لا يتمتع الكل بذات الكرامة والأمان.

- مع وجود قيامة واحدة توجد اختلافات ضخمة في الكرامة من جسد إلى آخر.

- إذ يقول هذا يصعد إلى السماء ويقول: "مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر". كما يوجد اختلاف بين الأجسام الأرضية يوجد أيضًا في السماوية. هذا الاختلاف ليس بالأمر العادي بل يبلغ قمته. لا يوجد اختلاف فقط بين الشمس والقمر والنجوم، بل وبين النجوم وبعضها البعض. فمع وجودها جميعًا في السماء غير أن البعض لها مجد أعظم والأخرى أقل.

ماذا نتعلم من هذا؟ وإن كان الجميع سيكونون في ملكوت اللَّه، لكن لا يتمتع الجميع بذات المكافأة، وإن كان الخطاة في الجحيم لكن ليس الكل يعاني من نفس العقوبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- (لا تتحد روحنا إلا باللَّه وحده)

الثالوث القدوس وحده لديه الإمكانية أن يخترق كل طبيعة عقلية، ليس فقط يعانقها ويلتف حولها بل ويدخل فيها... فبالرغم من تمسّكنا بوجود بعض الطبائع الروحانية مثل الملائكة ورؤساء الملائكة والطغمات الأخرى وأيضًا أرواحنا... إلا أنه ينبغي علينا ألا نعتبر هذه الطبائع غير مادية incorporeal، إذ لها جسم تعيش به أخف بكثير مما لجسدنا، وذلك كقول الرسول: "وأجسام سماوية وأجسام أرضيَّة" (1 كو 40:15)، وأيضًا "يُزرَع جسمًا حيوانيًّا natural ويُقام جسمًا روحانيًّا" (1 كو 44:15). وبهذا يظهر أنه لا يوجد شيء غير جسمي إلا اللَّه وحده. هو وحده يمكن أن يخترق كل مادة روحية وعقلية، لأنه هو وحده الكامل والموجود في كل شيء، يرى أفكار البشر وحركاتهم الداخلية وكل خبايا أرواحهم، وعنه وحده يتحدث الرسول الطوباوي قائلاً: "لأن كلمة اللَّه حيَّة وفعَّالة وأمضى من كل سيفٍ ذي حدَّين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمِخاخ ومميِّزة أفكار القلب ونيَّاتهِ. وليست خليقة غير ظاهرة قدَّامهُ، بل كل شيءٍ عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معهُ أمرنا" (عب 12:4، 13). ويقول الطوباوي داود: "المصوّر قلوبهم جميعًا" (مز 15:33) وأيضًا: "لأنه هو يعرف خفيات القلب" (مز 21:44). "لأنك أنت وحدك تعرف قلوب بني البشر" (2 أي30:6).

الأب سيرينوس

- نؤمن بوجود فارق شاسع بين وارثي ملكوت السموات ووارثي الأرض، وبين الذين يُرحمون والذين يشبعون من البرّ وبين الذين يعاينون اللَّه (طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون اللَّه). و"مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر ومجد النجوم آخر، لأن نجمًا يمتاز عن نجمٍ في المجد، هكذا أيضًا قيامة الأموات".

الأب شيريمون




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الاولى الى أهل كورنثوس اصحاح 15 جـ8 PDF Print Email

"هكذا أيضًا قيامة الأموات: يُزرع في فساد، ويقام في عدم فساد" [42].

يُعتبر دفن الميت يشبه زرع البذرة.

يري بعض الحاخامات أنه سيوُجد بين الأبرار تسع درجات من المجد والبعض يرى أنه ستوجد سبع درجات:

الدرجة الأولي: الصديقون الذين يحفظون العهد مع اللَّه القدوس ويضبطون كل المشاعر الشريرة.

الدرجة الثانية: الذين يسلكون باستقامة في طرق اللَّه ويُسرون بالسلوك في طرقه ويسرونه.

الدرجة الثالثة: الكاملون الذين يسيرون في طريق اللَّه ولا يستغربون تدابيره.

الدرجة الرابعة: للقديسين، وهم أسمي العينات علي الأرض، وهم موضع سرور اللَّه.

الدرجة الخامسة: لقادة التائبين الذين يحطمون الأبواب النحاسية ويعودوا إلى الرب.

الدرجة السادسة: للدارسين اللطفاء الذين لم يعصوا اللَّه.

الدرجة السابعة: الإلهيون وهم الذين يبلغون القمة فوق كل الدرجات السابقة.

كما وُجدت عبارات في التراث الحاخامي تشبه كلمات الرسول منها: "وجود الأبرار في العالم العتيد تكون كالشموس والأقمار والكواكب مشرقة، ومثل الزنابق والمنارات في الهيكل".

" يُزرع في فساد" إذ يتعرض الجسم للانحطاط والفساد والانحلال.

"يُقام في عدم فساد" كجسدٍ مجيدٍ لن يخضع بعد إلي فساد أو انحلال أو موت.

- كما أن النفس العاقلة ليست صالحة ولا شريرة في ذاتها بل هي قادرة أن تصير هكذا أو كذلك, هكذا الجسد ليس قابل للدمار أو غير قابل بالطبيعة بل يقتنى هذه السمات الأساسية في الوقت المناسب.

القديس ديديموس الضرير

- مع أن القديسين روحيون في الذهن إلا أنهم لا يزالوا جسديين في الجسد القابل للفساد الذي يبقى ثقلاً على النفس. إنهم سيصيرون روحيين أيضًا في الجسد عندما يُزرع الجسد الحيواني ويقوم جسدًا روحانيًا.

إنهم لا يزالوا سجناء في حصون الخطية, ماداموا يخضعون لاغراءات الشهوات التي لا يوافقون عليها.

هكذا فهمت هذا الأمر كما حدث مع هيلاري وغريغوريوس وأمبروسيوس وغيرهم من معلمي الكنيسة المشهورين, هؤلاء رأوا أن الرسول بكلمات حارب بقوة نفس المعركة ضد الأفكار الجسدية التي لم يكن يريدها.

القديس أغسطينوس

- كما أنه عندما تخدم الروح الجسد تُدعى بحقٍ جسدانية، هكذا عندما يخدم الجسد الروح يدعى بحقٍ روحانيًا. ليس بمعنى أنه يتحوّل إلى روح كما يتوهّم البعض بتفسيرهم الكلمات: "يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد" [42]. وإنما لأنه يُخضع للروح في استعداد للطاعة الكاملة العجيبة ويتجاوب في كل شيء مع الإرادة التي دخلت إلى الخلود، فيزول عنها كل تخاذل وفساد وخمول. لأن الجسد ليس فقط سيكون أفضل مما عليه الآن في أفضل حالته الصحية، بل وسيسمو فوق جسدي أبوينا الأولين اللذين أخطأ.

- بطريقة ما تشرق البتولية هناك، وبطريقة أخرى تشرق هناك عفة الزواج، وبطريقة ثالثة سوق يُشرق الترمل المقدس. يشرق الكل بطرق مختلفة، لكن الكل سيكونون هناك.

القديس أغسطينوس

"يُزرع جسمًا حيوانيًا، وُيقام جسمًا روحانيًا. يوجد جسم حيواني، ويوجد جسم روحاني" [44].

يزرع جسمًا حيوانيًا، يشبه الجسم الحيواني من جهة تكوينه كجسم به عضلات وعظام وأعصاب وأوردة وشرايين الخ.، لها ذات الوظائف وبه الجهاز الهضمي الذي يحول الطعام إلى دم والجهاز التنفسي الخ.

"ويًقام جسمًا روحانيًا" يتسم بالكمال، فلا يحتاج إلى مئونة خارجية كالطعام والشراب والهواء؛ ولا يخضع للموت، له وجود روحي، ومئونة روحية.

جاء في التراث اليهودي في عصر الرسول عبارات مشابهة، منها: جاء في Sohar Chadash: "هكذا سيكون في قيامة الأموات، فقط لا يوجد فيه الدنس القديم". ويقول: R. Bechai "عندما يقوم الأبرار ستكون أجسادهم طاهرة وبريئة، مطيعة لدوافع النفس، لا يعود يوجد صراع ولا أي مرض شرير". ويقول الحاخام Rabbi Pinchas: "سيجعل اللَّه القدوس المطوّب أجسام الأبرار جميلة كجسم آدم عندما دخل الفردوس". ويقول الحاخام Rabbi Levi: "عندما تكون النفس في السماء ستلتحف بنورٍ سماويٍ، وعندما تعود إلى الجسم سيكون لها نفس النور. عندئذ سيشرق الجسم ببهاء جلد السماء. عندئذ يتمتع البشر بمعرفة ما هو كامل".

"الجسم الحيواني"، يترجم أحيانًا "الجسم الطبيعي" وهو الجسم الذي به يمارس الحيوان حياته من أكل وشرب وتنفس وحيوية وله حواس ملموسة ويحتاج إلى راحة ونومٍ.

"الجسم الروحاني" لا يعني روحًا، لأن الروح ليس له جسم.

- هل جسدنا الحاضر ليس بعد روحيًا كما ينبغي؟ حقًا إنه روحاني، لكنه سيصير أكثر روحانية، لأنه الآن غالبًا ما تفارقه نعمة الروح القدس الغنية متى ارتكب خطايا عظيمة. مرة أخرى فإن الروح يستمر حاضر وتعتمد حياة الجسد على النفس وتكون النتيجة في هذه الحالة هو الحرمان من الروح. ولكن بعد القيامة لا يعود يكون الأمر، بل يسكن في جسد البار على الدوام وتكون النصرة حليفة له وتكون النفس الطبيعية حاضرة... بهذا لتؤمن أن اللَّه قادر أن يجعل هذه الأجساد الفاسدة غير فاسدة وأكثر سموًّا من الأجسام المنظورة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- عندما يُزرع الجسد الذي يتكون بواسطة العلاقات الجسدية بين ذكر وأنثى يكون فيه هوان وضعف لأنه جسد نفس هالكة تشاركه سماته. ولكن إذ يقوم بقوة اللَّه يظهر جسدًا روحيًا يحمل عدم الهلاك والقوة والكرامة.

القديس ديديموس الضرير

- سيقوم هذا الجسد ولكن ليس في ضعفه الحالي. سيقوم نفس الجسم ولكن بعد ازالة الفساد وتحوله, وذلك كالحديد الذي يصير نارًا عندما يتحد بالنار, وذلك كما يعرف الرب الذي يقيمنا.

إذن هذا الجسد سيقوم, ولكن لن يبقى في وضعه الحالي بل يصير جسدًا أبديًا. لا يعود يحتاج إلى قوت للحياة كما الآن, ولا إلى درجات يصعد عليها. يصير روحيًا, إنه أمر عجيب, نسأل أن نتعرف على وضعه.

القديس كيرلس الأورشليمي

- يُزرع الجسد في هوان، لأنه يوضع في كفن فيه يفسد ويأكله الدود. ولكن عندما يقوم يكون في مجدٍ وينتهي كل أثر للَّهوان.

أمبروسياستر

- سنكون لانزال أجسادًا لكن نحيا بالروح, فنحتفظ بمادة الجسد دون المعاناة من خموله وأماتته.

- كما أن الروح عندما تخدم الجسد لا يكون غير لائق أن يُقال أنها جسدية هكذا الجسد عندما يخدم الروح يُدعى روحانيًا بحقٍ. ليس لأنه قد تحول إلى روح كما ظن الذين أساءوا تفسير النص "يُزرع جسد طبيعي ويقوم جسد روحاني", وإنما لأنه سيخضع للروح في طاعة كاملة عجيبة مرنة, فتقبل قانونه الخاص بالخلود غير المنحل, وتطرد جانبًا كل شعورٍ بالتعب، وكل ظلٍ للألم، وكل علامةٍ للانحطاط. هذا الجسد الروحاني ليس فقط يصير أفضل من أي جسد على الأرض في صحة كاملة بل ويتعدى جسد آدم وحواء قبل السقوط.

القديس أغسطينوس

- بالنسبة لطبيعتنا الجسدية يليق بنا أن نفهم أنه لا يوجد جسم واحد نعرفه في انحطاطٍ وفسادٍ وضعفٍ، وآخر مختلف عنه سنستخدمه فيما بعد في عدم فساد وقوة ومجد. بل بالأحرى ذات الجسم يُنزع عنه ضعف وجوده الحالي يتحول إلى شيء من المجد ويصير روحانيًا, فتكون النتيجة أنه ما كان إناءً للهوان هو بعينه يتطهر ويصير إناءً للكرامة ومسكن الطوباوية.

- نوع الجسد الروحاني هو شيء يصير ملائمًا للسكنى ليس فقط لكل القديسين والنفوس الكاملة, بل لكل الخليقة التي تخلص من عبودية الفساد.

العلامة أوريجينوس

9. نلبس صورة السماوي


"هكذا مكتوب أيضًا صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية، وآدم الأخير روحًا محييًا" [45].

يشير الرسول بولس إلي ما ورد في سفر التكوين 2: 7، بأن آدم صار نفسًا حية. أما بالنسبة لآدم الثاني الذي صار روحًا محييًا فيتحدث بعض اليهود عن روح المسيّا أنه هو الروح الذي كان يرف علي وجه المياه (تك 1: 2) ليهب حياة، وأنهم دومًا كانوا يشيرون إلى المسيّا أنه يحي الذين يسكنون في التراب. وقد جاء في إنجيل يوحنا: "فيه كانت الحياة" (يو 1: 4).

أقام اللَّه آدم اللَّه نفسًا حية، لكنه كان يحتاج إلى الحياة من خارجه، لهذا إذ وهبه اللَّه زوجة دعاها "حواء" أي "حياة" لتجلب حياة، وتكون أمًا لكل حي، وإذ بها تجلب موتًا. أما آدم الثاني فهو الكلمة المتجسد المحيي يؤكد لنا: "أنا هو الحياة والقيامة".

ثمرة التصاقنا بأبينا آدم الأول أننا حملنا جسدًا حيوانيًا، أما ثمرة اتحادنا بأبينا الجديد آدم الثاني أننا نصير جسدًا روحانيًا، إذ يهبنا الحياة السماوية الأبدية.

- يقول الرسول هذه الأمور حتى نتعلم أن العلامات والوعود للحياة الحاضرة والعتيدة قد حلت الآن علينا. إنه يضع الأشياء الحسنة كأمور للرجاء، ويشير إلى أنها قد بدأت فعلاً, لأن جذورها ومصدرها قد أعلن. إن كان الأمر هكذا فلا حاجة للشك في أن الثمار ستظهر في الوقت المناسب.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- اليوم يعتبر الرسول القديس رجلين هما أصل الجنس البشري، أعني آدم والمسيح. هما رجلان، لكنهما مختلفان في الاستحقاق. حقًا متشابهان في هيكل الأعضاء لكنهما بالحق مختلفان في بدايتهما.

الإنسان الأول، آدم كما يقول النص صار نفسًا حية، وآدم الأخير صار روحًا محييًا.

الإنسان الأول خلفه الأخير، منه نال نفسه لكي يحيا. هذا الأخير تكوّن بذاته، فهو وحده لا ينتظر الحياة من آخر، بل يهبها لكل البشر.

الأول قد تشكّل من التراب الرخيص جدًا، والأخير جاء من رحم العذراء الثمين.

في حاله الأول تحوّّل التراب إلى جسد، أما في الأخير فالجسد نفسه صعد إلى اللَّه.

لماذا؟ أقول أكثر من هذا. هذا الأخير هو آدم الذي وضع صورته في الأول عندما خلقه. هذا هو السبب الذي لأجله قام (المسيح) بنفس الدور مثل السابق، وتقبل اسمه حتى لا يسمح له بالهلاك إذ هو مهتم به، ولهذا السبب خلقه على صورته.

آدم الأول وآدم الأخير؛ الأول له بداية والأخير بلا حدود. لأنه بالحق هذا الأخير هو الأول، إذ يقول: "أنا هو الأول وأنا الآخر"، فبالتأكيد هو بلا نهاية.

يقول النص: "لكن ليس الروحاني أولاً بل الجسداني وبعد ذلك الروحاني". فبالتأكيد توجد الأرض قبل الثمرة، لكنها ليست في قيمة الثمرة. الأرض تخرج تنهدات وأتعاب، والثمرة تهب وجودًا وحياة. بحق يمجد النبي مثل هذه الثمرة: "من ثمرة بطنك أجلس على كرسيك".

يكمل النص: "الإنسان الأول من التراب هو أرضي، والإنسان الثاني من السماء سماوي". أين هؤلاء الذين يظنون أن حبل العذراء وميلادها لطفلها يشبه ما يحدث مع النساء الأخريات؟ ما حدث مع النساء الأخريات هو من الأرض وأما ما حدث للعذراء فمن السماء.

واحد تم بقوة إلهية، والآخر بضعف بشري.

حالة تمت خلال جسد خاضع للأهواء، والأخرى خلال هدوء الروح الإلهي وسلام الجسد البشري.

صمت الدم، ودُهش الجسد، واستراحت أعضاؤها، وكان كل رحمها في راحة خلال افتقاد السماوي له. ارتدي موجد الجسد ثوبًا من الجسد، حتى يمكن لذاك الذي ليس فقط وهب الأرض للإنسان بل وهو يهبه السماء يمكنه أن يصير إنسانا سماويًا.

بطرس خريسولوجوس

" لكن ليس الروحاني أولاً، بل الحيواني، وبعد ذلك الروحاني" [46].

الحيواني أو الطبيعي أولاً إذ هو الجسد الذي خُلق عليه آدم ليعيش علي الأرض، أما "الروحاني" فهو ذات الجسد بعد أن يتمجد لتلتحف به النفس في القيامة ويعيش في السماء ككائنٍ أشبه بالروح.

- من الأبوين الأولين للجنس البشري كان قايين هو البكر وكان منتسبًا لمدينة البشر؛ بعد أن وُلد هابيل الذي انتسب لمدينة اللَّه. فإنه كما بالنسبة للفرد تميّز الحق في عبارة الرسول: "ليس الروحي أولاً بل الطبيعي وبعد ذلك الروحاني"، هكذا كل إنسانٍ ينسحب من المجموعة يولد أولاً من آدم شريرًا وجسمانيًا، وبعد ذلك يصير صالحًا وروحانيًا، عندما يُطعَّم في المسيح بالتجديد، هكذا كان الأمر بالنسبة للجنس البشري كله.

- يُفهم الجسم الروحاني كجسمٍ يخضع للروح ليناسب سكناها السماوية؛ كل ضعفٍ أرضي وفساد وتغير يتحول إلى طهارةٍ سماويةٍ واستقرارٍ.

القديس أغسطينوس

- في خطة اللَّه سيعبر ما هو أقل ونتوقع بالأكثر ما هو أفضل. هذا هو السبب لماذا يقول بولس أن الأمور الأقل قد عبرت والأمور الأفضل في الطريق... فإن الفلاح وهو يرى البذار تنحل لا يحزن.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الاولى الى اهل كورنثوس اصحاح 15 جـ9 PDF Print Email

"الإنسان الاول من الأرض ترابي، الإنسان الثاني الرب من السماء" [47].

لم تُذكر كلمة "الرب" في كثير من المخطوطات وكثير من كتابات آباء الكنيسة الأولين. يرى البعض أن ترجمة النص هي هكذا: "الإنسان الأول من الأرض ترابي، والإنسان الثاني سماوي من الرب" وذلك كما قالت حواء عندما أنجبت قايين أنها ولدت إنسانًا من الرب.

كان اليهود يستخدمون التعبيرين: "آدم الكبير" و"آدم الصغير"، أي السماوي والأرضي، أو آدم قبل القيامة والآخر بعد القيامة.

"ترابي" لا تعني أنه مجرد يسلك على الأرض التي هي تراب بل يحمل طبيعة ترابية زائلة.

- الفارق الأول كان بين الحياة الحاضرة والحياة العتيدة، أما هذا الاختلاف فهو بين الحياة قبل إعلان النعمة وتلك التي بعد إعلان النعمة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- الرب السماوي صار أرضيًا لكي يجعل الأرضيين سمائيين. الخالد صار قابلاً للموت بأخذه شكل عبد, وليس بتغيير طبيعة الرب, لكي يجعل المائتين خالدين بتمتعهم بنعمة الرب وعدم انشغالهم بمعصية العبد.

القديس أغسطينوس

- الإنسان الأول جاء من الأرض , والثاني من السماء. بقوله: "الإنسان" يعلمنا عن ميلاد هذا الإنسان من العذراء, التي بتحقيق عملها كامل عملت بما يتفق مع طبيعة جنسها في الحبل بالإنسان وميلاده. وعندما يؤكد أن الإنسان الثاني من السماء يشهد أن أصله من ظهور الروح القدس الذي حلّ على العذراء. هكذا بدقة بينما كان هو إنسانًا كان أيضا سماويًا. فإن ميلاد هذا الرجل كان من العذراء, الحبل كان من الروح.

القديس هيلاري أسقف بواتييه

"كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضًا، وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضًا" [48].

كما كان آدم الذي تشكّل من التراب هكذا تكون سلالته، خاضعين للضعف والانحلال والموت. وكما هو السماوي هكذا من يتحد به يشترك في المجد السماوي.

- إن بقيت فيما هو من الأرض فإنك تتحول إليها في النهاية. يجب أن تتغير, يلزم أن تصير سماويًا.

العلامة أوريجينوس

- تشكل آدم من الطين بيدي اللَّه, وتشكل المسيح في الرحم بروح اللَّه.

مكسيموس أسقف تورينو

- ماذا إذن؟ ألم يمت هذا الإنسان أيضًا؟ حقًا لقد مات لكن لم تصبه أذية من هذا بل بالأحرى وضع نهاية للموت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لكن ليتنا نسمع ما جاء بعد ذلك: "كما كان الترابي هكذا الترابيون، وكما هو السماوي، هكذا يكون السمائيون". كيف يمكن للذين لم يولدوا هكذا كسمائيين أن يوجدوا سمائيين؟ ليس ببقائهم على ما وُلدوا عليه بل بالاستمرار في أن يكونوا حسب الولادة الجديدة.

أيها الاخوة هذا هو السبب أن الروح السماوي بأمر سرّي لنوره أعطى خصوبة لرحم الأم العذراء. لقد أراد أن يلد أولئك الذين لهم أصل من كم ترابي موروث فجاءوا كبشر أرضيين في حالة يرثى لها ليصيروا ككائناتٍ سماوية. أراد أن يحضرهم إلى شبه خالقهم. هكذا ليتنا نحن الذين بالفعل قد وُلدنا ثانية وتشكلنا على صورة خالقنا نحقق ما أمر به الرسول.

لذلك وإن كنا قد حملنا شبه الأرضي، فلنحمل شبه السماوي!

لنثق بأن كل هذا كان ضرورة وهو أننا قد تشكلنا من الأرض فلا نقدر أن نجلب ثمارًا سماوية. نحن الذين وُلدنا من الشهوة لا نقدر أن نتجنب الشهوة، نحن الذين وُلدنا من إغراءات الجسد القوية لابد لنا ان نحمل ثقل إغراءاته. وإذ نتثقل بإغراءاته حسبنا هذا العالم بيتنا وصرنا أسرى لشروره. نحن نولد من جديد على شبه ربنا (كما أشرنا) الذي حبلت به البتول، فنحيا بالروح، ونحمل التواضع ويولد فينا الكمال، وتنتعش فينا البراءة، ونتعلم القداسة، ونتمرن على الفضيلة، ويتبنّانا اللَّه أبناء له.

لنحمل صورة خالقنا في إنتاج كامل. ليكن ذلك إعادة إنتاج ليس لذاك الجلال الذي هو فريد في هذا، وإنما في تلك البراءة والبساطة والوداعة والصبر والتواضع والرحمة والسلام الذي به قد عيّن لكي يصير واحدًا معنا.

ليته تبطل احتكاكات الرذائل المزعجة، وتنهزم إغراءات الخطايا الخطيرة، وتُضبط العين مصدر الجرائم.

ليت كل ضباب الأمور الزمنية يتبدد من حواسنا.

ليت كل وهن الشهوات العالمية تطرد من أذهاننا.

لنقبل فقر المسيح الذي يخزن لنا غنى أبديًا في السماء.

لنحفظ بالكامل قداسة النفس والجسد، لكي نحمل صورة خالقنا ونعتز بها فينا، لا خلال حجمها بل طريقة عملها.

يؤكد الرسول ما قلناه بكلماته: "الآن أقول يا اخوة أن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثان ملكوت اللَّه". انظر كيف يكرز بقيامة الجسد! هناك الروح تملك الجسد، لا الجسد الروح، كما توضح الكلمات التالية: "ولا يرث الفساد عدم الفساد".

ها أنتم ترون أنه ليس الجسد هو الذي يهلك، بل عنصر الفساد؛ ليس الإنسان، بل أخطاؤه، ليس الشخص بل خطاياه، حتى إن الإنسان الذي يعيش في اللَّه وأقامه هو وحده يفرح عند بلوغه الخلاص من خطاياه.

الأب بطرس خريستولوجوس

"وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي" [49].

في القيامة يلبس الجسم مجدًا، فيصير كجسم السيد المسيح القائم من الأموات، يستطيع أن يخترق الحواجز الأرضية، ويعبر في الهواء، ويشرق ببهاء منعكس عليه من بهاء المسيح. كأبناء لآدم وُلدنا علي شبهه وخضعنا لما خضع له. الآن إذ اتحدنا بالسماوي ننعم بشبهه أيضا.

بقوله: "سنلبس" يوضح أن صورة السماوي أشبه بثوب نرتديه ونختفي فيه، فجسدنا قائم لكنه يحمل طبيعة جديدة مشرقة ببهاء عظيم.

- الآن إذ سمعت هذه الأمور تتطهر من كل ثقلٍ أرضيٍ بكلمة اللَّه, وتصير صورة السماوي مشرقة فيك.

- إن كان أحد لا يزال يحمل صورة الترابي حسب الإنسان الخارجي، فإنه يتحرك بالشهوات الأرضية والحب الزمني. أما شهوة وحب ذاك الذي يحمل صورة السماوي في إنسانه الداخلي فهي سماوية. تتحرك النفس بالحب السماوي والاشتياق السماوي، إذ ترى بوضوح جمال كلمة اللَّه وكماله فتسقط إلى الأعماق في حبه وتتقبل الكلمة نفسه كسهمٍ معين يجرحها بالحب.

العلامة أوريجينوس

- هذه تعنى أنه كما نحمل الجسد الفاسد الذي لآدم الترابي هكذا في المستقبل نحمل الجسد غير الفاسد شبه ذاك الذي للمسيح المقام.

أمبروسياستر

- قصد بولس هو هكذا: إذ حملنا صورة الترابي، أي الأعمال الشريرة، لنحمل صورة السماوي، طريقة الحياة الفائقة بالسموات. فإن كنا نتحدث عن الطبيعة، فإننا لا نحتاج إلى نصيحة أو حث إذ واضح أنه يتحدث هنا عن أسلوب حياتنا.

- أن تحمل صورة ليس بالأمر الذي يخص الطبيعة, وإنما هو حسب اختيارنا وسلوكنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لماذا خلقتني بهذه الكيفية؟ إن أردت أن تعرف هذه الأمور لا تكن طينًا بل كن ابنًا للَّه خلال رحمة ذاك الذي يعطى المؤمنين باسمه القوة أن يصيروا أبناء اللَّه , وإن كان لم يعطِ بعد هكذا حسبما تريد للذين يرغبون في معرفة الإلهيات قبل أن يؤمنوا بها.

القديس أغسطينوس

"فاقول هذا أيها الاخوة: إن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت اللَّه، ولا يرث الفساد عدم الفساد" [50].

تعبير "لحم ودم" يهودي، يشير إلي الإنسان في حالته الراهنة. فإنه بحالة السقوط التي انحدر إليها لا يقدر أن يرث ملكوت اللَّه، طبيعته لا تتفق مع هذا الموضع إن صح التعبير. بضعفه الحالي لن يقدر أن يحتمل عظم بهاء المجد السماوي. لهذا وجب أن يموت وتتغير طبيعة جسده ليؤكد طبيعة قادرة أن توجد في المجد.

يقصد باللحم والدم لا كيان الجسم بل ما هو مائت وفاسد وكل أثر للخطية عليه بكونه جسدنا الفاسد العاجز أن يتمتع بالملكوت الإلهي وهو على هذه الحال.

-يقصد بولس بالجسد هنا الأعمال الشريرة المتعمدة. فالجسم في ذاته ليس عائقًا, وإنما بسبب شرنا لا نقدر أن نرث ملكوت اللَّه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ليتنا لا نحتقر الجسم بأية وسيلة, بل نرفض أعماله. لا نحتقر الجسم الذي سيملك في السماء مع المسيح. لا يقدر جسد ودم أن يرثان ملكوت اللَّه. هذا لا يشير إلى الجسد والدم هكذا بل إلى أعمال الجسد.

القديس جيروم

- عندئذ سيكون هناك نوع من الانسجام بين الجسد والروح, فالروح يحيي الجسد الخادم دون أية حاجة إلى قوتٍ منه. لا يعود بعد يوجد صراع في داخلنا.

وكما أنه سوف لا يوجد أي أعداء من الخارج نحتملهم هكذا لا يعود يوجد أعداء من الداخل.

القديس أغسطينوس

- يقصد باللحم هنا أفعال الإنسان الشريرة التي يفعلها أيضًا في موضع آخر، وذلك كما يقول: "وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح" (رو 8:8-9)... الآن إن كان يتكلم عن الجسم في أي موضع بالفساد، فإنه ليس بالفساد لكنه قابل للفساد. لذلك يكمل في مقاله عنه فلا يدعوه بالفساد بل بالفاسد، قائلاً: "متى لبس الفاسد عدم فساد" [54] .

القديس يوحنا الذهبي الفم

10. البوق الأخير

"هوذا سر اقوله لكم لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغير" [51].


يكشف الرسول بولس عن سرّ لم يكونوا يعرفونه من قبل، وهو أن ليس كل البشرية تموت، لكنها جميعًا تتغير. هذا ما لم يكن اليهود يدركونه.

- "سنقوم جميعنا" أو كما نقرأ في المخطوط: "سنرقد جميعنا". وحيث لا توجد قيامة ما لم يسبقها موت، وحيث أننا نفهم في هذه العبارة الرقاد ليس إلا موت، كيف نرقد كلنا أو نقوم إن كان أشخاص كثيرون سيجدهم المسيح في الجسد لم يرقدوا ولم يقوموا؟ فإن كنا نعتقد بأن القديسين الذين سيوجدون أحياء عند مجيء الرب ويرتفعون لمقابلته فإنه في ذات صعودهم يتحولون من الموت إلى عدم الموت فإننا لا نجد صعوبة في كلمات الرسول إما عندما يقول: "ما تزرعه ما لم يمت"، أو قول "سنقوم جميعنا"، "نرقد جميعنا"، فإنه حتى القديسون سيحيون إلى عدم الموت بعد أن يموتوا أولاً.

باختصار وبالتبعية لن يستثنوا من القيامة التي يسبقها الرقاد. ولماذا يبدو لنا أنه غير معقول أن مجموعة الأجساد يلزم أن تزرع في الهواء، ويلزم أن يتغيروا من الفساد إلى عدم الفساد، عندما نؤمن بشهادة نفس الرسول أن تتحقق القيامة في طرفة عين، وأن يتحول تراب الأجساد إلى سمو غير المدرك وخفيفٍ إلى هؤلاء الأعضاء الذين يعيشون إلى ما لا نهاية؟

القديس أغسطينوس

- من لا يتغير في هذا العالم لن يقدر أن ينعم بخبرة التغيير في العالم الآخر.

- يُشار إلى إشراقات القديسين عندما يتلألأون في القيامة مثل ملائكة اللَّه. فإنهم سيتطهرون هكذا ويصيرون في بهاء فيقدرون أن يتطلعوا إلى العظمة بعيني القلب. إنهم لا يقدرون أن يتفرسوا في النور ما لم يتغيروا إلى ما هو أفضل.

كاسيدورس

- إنه يقصد ذلك: أننا نحن أيضًا (الذين سنموت) نصير غير قابلين للموت، لأن هؤلاء أيضًا (الأحياء عند مجيء الرب) هم أيضًا قابلون للموت. لهذا لا تخافوا لأنكم تموتون كمن لا يقوموا بعد. فإنه سيوجد أيضًا من سيهربون من هذا لكن هذا لن يشبعهم لأجل القيامة؛ فإنه حتى الذين لا تموت أجسامهم يلزم أن يتغيروا ويتحولوا إلى عدم الفساد... إذ يقول: "نحن" لا يتحدث عن نفسه بل عن أولئك الذين سيوجدون في ذلك الحين أحياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوق، فيقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغير" [52].

"في لحظة"، أي نقطة من الزمن غير قابلة للانقسام؛ و"في طرفة عين" وهو تعبير يشير إلي ما يكاد يكون في غير زمنٍ يمكن قياسه، يتحقق هذا كله. بهذا يعبّر عن حدوث القيامة بقدرة إلهية لا تحتاج إلى زمنٍ لإتمامه.

يقول الحاخام أكيبا بأن اللَّه القدوس ينفخ في بوق ممتد يُسمع صوته في كل أقاصي الأرض. في النفخة الأولي تهتز الأرض، وفي الثانية ينفصل التراب عن بعضه, وفي الثالثة تجتمع العظام معًا، وفي الرابعة تمتلئ الأعضاء حرارة، وفي الخامسة تتغطى الجماجم بالجلد، وفي السادسة تتحد النفوس بأجسادها، وفي السابعة يحيا الكل ويقفوا مكتسين ليظهروا أمام العرش الإلهي للدينونة.

ضرب البوق في يوم مجيء الرب هو تعليم كتابي ورد في (زكريا 9: 14، مت 24: 31؛ يو 5:25؛ ا تس 4: 16).

ماذا يعني بالبوق الأخير؟

توجد أبواق كثيرة، فقد حدثنا سفر الرؤيا عن الأبواق السبعة التي تضرب عبر الأجيال حتى مجيء المسيح لتحقيق خطة اللَّه. في العهد القديم كانت الشريعة تقدم مع صوت بوق (خر 19: 16). وكانت الأبواق تُضرب لكي يتهيأ الكهنة والشعب للاحتفال بالأعياد الكبرى خاصة في بدء الشهر السابع حيث يشير إلى عيد نهاية العالم وكمال الأزمنة وفي اليوم العاشر حيث عيد الكفارة والخامس عشر حيث عيد المظال احتفالاً بالخلاص من مصر روحيًا (مز 50: 1- 7؛ زك 14: 18- 19). وعندما أقيم لعاذر من الموت كان بصوت عظيم (يو 11: 43)، هكذا سيكون البوق الأخير عند مجيء الرب للدينونة (مت 24: 31؛ 1 تس 4: 16).

- عند صوت البوق الأرض وكل شعبها يكونون في رعبٍ، وأما أنتم فستفرحون. العالم سوف يحزن ويتنهد عندما يأتى الرب ليدينه. قبائل الأرض تقرع الصدور. الملوك القادرون يرتعبون في عريهم. جوبتر مع كل نسله يلتهبون؛ وأفلاطون مع تلاميذه يظهرون أغبياء؛ وبراهين أرسطو تصير باطلة. ربما تكون أنت فقيرًا قرويًا لكنك تتمجد وتضحك قائلاً: "هوذا المصلوب إلهي! هوذا دياني!

القديس جيروم

- بقوله "بوق" يُود أن نفهم بأنه سيكون الأمر جليًا جدًا بعلامة مميزة, ففي موضع آخر يدعوه صوت رئيس الملائكة وبوق اللَّه (1 تس 4: 15).

- يسهل على اللَّه أن يقيم الموتى حديثا كما الذين تحللوا منذ زمن طويل.

القديس أغسطينوس

- يعلن في رسالته إلى أهل كورنثوس انتهاء الزمن فجأة، وتغيير الأمور التي تتحرك الآن إلى نهايتها المضادة. إذ يقول: "هوذا سرّ أظهره لكم؛ لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغير، في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير" [51-52]...

يعلمنا بأن التغيير يتم في لحظة زمن، موضحًا أن هذا الزمن المحدود ليس فيه أجزاء وليس له امتداد، فدعاه "لحظة" و"طرفة عين". فلا يوجد بعد احتمال لأحدٍ في لحظة الزمن التي هي الأخيرة... أن ينال بالموت هذا التغيير الذي يقيم الأموات. يتغير الذين هم أحياء ليصيروا على شكل الذين نالوا التغيير بالقيامة، أي إلى عدم الفساد. فلا يكون ثقل الجسد بعد قائمًا ولا ينزل بهم إلى الأرض بل يرتفعون إلى الهواء، إذ نرتفع على السحاب لمقابلة الرب في الهواء، وهكذا نكون مع الرب على الدوام.

- أما بخصوص وصف الرسول بولس لعجائب القيامة كيف يمكن لإنسانٍ ما أن يعالج هذا الموضع ظانًا أنه يمكنه بسهولة أن يبلغ إليه ويقرأ عنه؟ "كل الأموات" كيف؟ إنه بصرخة... أو بضربة الأبواق كل الأموات والمنبطحين يتغيرون في طرفة عين إلى كائنات خالدة.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

"لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت" [53].

سواء يموت الإنسان أو لا يموت، فإن ما هو أهم أنه يتغير حتى يتهيأ ليرث ملكوت اللَّه.

- سأرى أخي قيصريوس ليس في منفي ولا مدفونا ولا حزينًا ولا يحتاج إلى من يشفق عليه , بل في بهاء ومجد وسمو....

القديس غريغوريوس النزنيزي

- هل هذا الذي كان قادرًا أن يخلقك عندما لم تكن موجودًا غير قادرٍ أن يقيمك أنت الذي كنت قبلا موجودًا؟.

- لقد ضُربت (أيها الموت)، لقد جُرحت، لقد سقطت طريحًا، لكن جُرح ذاك الذي خلقني. يا موت، يا موت، هوذا الذي أوجدني جُرح من أجلي وبموته غلبك. بنصرة سيقولون: "أين غلبتك يا موت؟ أين شوكتك يا موت؟".

- سنتجدد نحن أيضًا في الجسد عندما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد فيصير جسدًا روحانيًا. آدم لم يتغير بعد إلى مثل هذا الجسم، بل كان موضوعًا له أن يكون هكذا لو أنه لم يتأهل بسبب الخطية للموت حتى بالنسبة لجسده الطبيعي. أخيرًا فإن بولس لم يقل: "الجسد مائت بسبب الخطية"، بل الجسد مات بسبب الخطية.

القديس أغسطينوس

- يبقى الجنسان الذكر والأنثى كما خلقت الأجساد. سيختلف مجدهم حسب اختلاف أعمالهم الصالحة. فإن كل الأجساد من كل من الرجال والنساء التي ستكون في ذلك الملكوت ستكون مجيدة.

فولجنتيوس

- ستحرر أذهاننا عن الآلام ومن الأرض. هذا ما ستكون عليه. سنتقبل عطية النور منه، وبطريقة لا نقدر أن نعرفها سنتحد معه، ويُحمل فهمنا في سعادة طوباوية. سنُصدم بنوره الباهر.

المدعو ديونسيوس

- الجسد يبقى, أما إماتته وفساده فيبطلان عندما يحل به الخلود وعدم الفساد.

- على أي الأحوال "هذا الفاسد" الذي للجسد "لابد أن يلبس عدم فساد" [53]. أما الآخر، أي النفس، فليس فيها فساد قط حيث يوجد فيها عدم الفساد... الآن إن كنا سنرحل إلى العالم الآخر وفينا فساد فسيصير هذا الفاسد بلا فساد ولا نهاية، بل يبقى محترقًا ولا يحترق ليفنى، يبقى دومًا مضروبًا بالدود، فساده لا يفسد. فيكون حاله مثل أيوب الطوباوي الذي فسد (جسده) ولم يمت ولفترة طويلة. كان "انهياره مستمرًا يضع كتل التراب على قروحه" (أي 5:7 LXX).

- لئلا عندما يسمع أحد "أن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت اللَّه" يظن أن أجسامنا لا تقوم، لذلك أضاف: "ولا يرث الفاسد عدم الفساد"، و"يلبس هذا المائت عدم موت". الآن فإن الجسم فاسد، الجسم مائت لذلك يبقى الجسم حقًا، لأن الجسم هو الذي سيلبس، لكن فساده وموته يبيدان، بينما يحل عليه عدم الفساد وعدم الموت. لا تعود بعد تسأل كيف ستعيش حياة بلا نهاية، فقد سمعت الآن عن تحوله إلى عدم الفساد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لو سألنا مسيحيًا صالحًا له زوجة، وقد يكون لديه أبناء منها عما إذا كان يرغب في أن تكون له علاقة جسدية بزوجته في ملكوت السموات، فإنه بالرغم من محبته لزوجته في الحياة الحاضرة وارتباطه بها، سيجيب بلا تردد رافضًا بشدة أن تكون علاقته بها في السماء علاقة جسدية، لأنه يهتم بتلك الحياة التي فيها يلبس الفاسد عدم فساد وهذا المائت عدم موت (1 كو 53:15، 54).

هل لي أن أسأله مرة أخرى عما إذا كان يرغب في أن تكون زوجته معه بعد القيامة هناك، حيث يكون لها ذلك التغير الملائكي الذي وعد به الرب القديسين، فإنه سيجيب بالإيجاب بشدة، قدر ما رفض بشدة في الحالة الأولى.

لهذا ما يحبه المسيحي الصالح في المرأة هو كونها مخلوق إلهي، هذه التي يرغب لها التجديد والتغير دون أن يهتم بالعلاقة الشهوانية. وبنفس الطريقة يحب الإنسان عدوه، لا لأجل عداوته له بل لكونه إنسانًا يرغب له نفس النجاح الذي يريده لنفسه، أي بلوغ ملكوت السموات.

وهذا ما ينطبق أيضًا على الأبوة والأمومة وبقية العلاقات الجسدية (الدموية)، فنبغض فيهم العلاقات الجسدية، بقدر ما نحب كل ما يؤدي بهم إلى الوصول لملكوت السموات. فهناك لا نقول لأحد: "أبي"، بل جميعنا نقول للَّه "أبانا". ولا نقول لأحد: "أمي" بل نقول جميعنا لأورشليم السماوية "أمنا". ولا نقول لأحد: "أخي" بل يقول كل للآخر: "أخي".

حقًا سيكون هناك زواج من جانبنا إذ نتقدم جميعًا كزوجة واحدة لذاك الذي خلصنا من نجاسة هذا العالم بسفك دمه، لذلك يلزم لتلميذ المسيح أن يكره تلك الأمور الزائلة المتعلقة بأقربائه، وبقدر كراهيته لهذه الأمور قدر ما يحب أشخاصهم، راجيًا لهم حياة أبدية.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 15 جـ10 PDF Print Email

"ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد، ولبس هذا المائت عدم موت، فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة: أُبتلع الموت إلى غلبة" [54].

لن يبقي سيف الموت متسلطًا علي البشرية، لكنه سيتحطم أمام الأبدية الخالدة. هنا يُشخّص الموت ويقدمه ككائن مفترس يبتلع البشرية في كل أجيالها، ولكن بقيامة الجسد وانهيار مملكة الموت يُبتلع الموت نفسه فتحطمه الأبدية. يملك اللَّه ولا يكون للموت بعد وجود.

بقوله: "حينئذ" يؤكد إلي يوم القيامة أنه لم تنكسر شوكة الموت تمامًا، فجسدنا في العالم تحت سيفه القاتل حتى تتحقق القيامة، فلا يعود لشوكته وجود ولا يكون له بعد أي سلطان.

يبتلع السيد المسيح الموت محطمًا إياها فلا يعود له بعد وجود..

- أي أنه بالكامل وليس جزء منه يبقى أو يترجّى العودة، لأن عدم الفساد يُبيد الفساد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا (قبر) هاوية" [55].


يُشخصّن الرسول الموت والهاوية، فيجعل للموت شوكة كمن يسوق ثورًا ينخسه بالشوكة علي الدوام، ويجعل للَّهاوية مملكة كانت له غلبة ونُصرة كاملة على البشرية وعلي الحيوانات، ليس من يفلت من إمبراطوريته.

يُصور الموت في النقوش القديمة بهيكل عظمي يحمل إكليلاً علي الجمجمة وبيده حربة يقتل بها الكل. أما اليهود فيصورون ملاك الموت حاملاً سيفًا تتساقط منه قطرات قاتلة تنزل في أفواه كل البشر.

كثيرا ما تستخدم كلمة "قبر" عوض الهاوية، بكونه الموضع الذي فيه تنفصل النفوس عن الأجسام البشرية.

- أنتم ترون ما يُعلن عن عمله في الآخرين، فالذين قد أوشكوا على الموت، الطفل الذي كاد حالاً أن يفقد الحياة، والشاب الذي على باب القبر، الذين لهم الفساد يتجدّدون بأمرٍ واحدٍ للحياة. هل تبحثون عن أولئك الذين ماتوا خلال جراحات وسفك دماء، كل ضعف القوة الواهبة للحياة تمنعهم عن التمتع بالنعمة؟ تطلّعوا إلى ذاك الذي جرحت يداه بالمسامير، تطلّعوا إلى ذاك الذي طعن جنبه بحربة. ضعوا أصابعكم على آثار المسامير وأياديكم في موضع الحربة... إن كان قد قام فإننا حسنًا ننطق بتسبيح النصرة التي نطق بها الرسول الخاصة بالأموات!

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

- عندما يكون الجسد في تناغمٍ مع العقل، ويُبتلع الموت في غلبة [54]، فلا تبقى بعد شهوات جسدية في العقل لتصارع، وعندما يعبر الصراع الذي على الأرض، تنتهي حرب القلب، وينتهي ما قيل عنه: "الجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلا 17:5).

- الإنسان بالطبيعة يخشى الموت وانحلال الجسد. ولكن توجد حقيقة مدهشة أن الذي يلبس الإيمان بالصليب يحتقر حتى ما هو مرعب بالطبيعة ومن أجل المسيح لا يخاف الموت.

البابا أثناسيوس

- لكن ما دمت أنا هنا يعبر الجسد الفاسد تحت النفس. لتقل أيضًا ما قيل بعد ذلك: "من يخلص حياتك من الفساد؟" (مز 4:103). ماذا يبقى بعد الخلاص من الفساد؟ عندما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، وهذا المائت عدم الموت، عندئذ يعبر القول المكتوب: "قد اُبتلع الموت في غلبة. أين غلبتك يا موت؟" بحق" أين شوكتك يا موت؟" إنك تبحث عن موضعه فلا تجده. ما هي شوكة الموت؟ ماذا "أين شوكتك يا موت؟ أين الخطية؟" أنت تبحث عنها وليس لها موضع، لأن شوكة الموت هي الخطية. هذه كلمات الرسول لا كلماتي. عندئذ يُقال: "أين شوكتك يا موت؟" لا تعود توجد الخطية لكي تُدهشك، ولا لكي تحاربك، ولا لكي تلهب ضميرك.

- أين هو الموت؟ ابحث عنه في المسيح, فإنه لا يعود يوجد. لو وُجد، فإن الموت قد مات الآن. يا اللَّه أيها الحياة, يا قاتل الموت!

لنكن بقلب صالح فيموت الموت فينا أيضًا.

ما قد حدث مع رأسنا سيحدث مع أعضائه. سيموت الموت فينا أيضًا. ولكن متى؟ في نهاية العالم, في قيامة الأموات التي نؤمن بها والتي لا نشك فيها.

- عندئذ ليس فقط أننا سوف لا نطيع أية اغراءات للخطية، وإنما سوف لا توجد مثل هذه الاغراءات من النوع التي أوصبنا إلا نطيعها.

- من أجل الأنشطة الضرورية لهذه الحياة لا تُحتقر الصحة حتى يلبس هذا المائت عدم الموت. هذه هي الصحة الحقيقية الكاملة التي لا تنتهي, هذه التي لا تنتعش بالملذات الفاسدة عندما تفشل خلال الضعف الأرضي، وإنما تتأسس بقوة سماوية وتصير شابة بعدم الفساد الأبدي.

- إذ خضعت الطبيعة البشرية لعدو... يليق بالإنسان أن يخلص من سلطانه ليجد نفسه. عندئذ إن كانت حياته في هذا الجسد ممتدة فإنه يُعان في صراعه حتى يغلب العدو. وأخيرًا فإن المنتصر سوف يتجمل لكي يملك, وفي النهاية عينها يتساءل: "أين فريستك يا موت؟"

القديس أغسطينوس

عدم الفساد يبتلع الفساد ولا يترك شيئًا من الحياة الماضية خلف ذلك.

- هل ترون سمو نفسه؟ كيف أنه مثل إنسانٍ يقدم ذبيحة على رجاء النصرة هكذا كان بولس قد أوحى له أن يرى الأمور العتيدة كأمورٍ قد حدث فعلاً, فيثب وهو يطأ الموت كما لو كان ساقطًا تحت قدميه. وينطق بصرخات النصرة على رأس الموت حيث يسقط صارخًا بقوة وتهليل: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا قبر؟" لقد ذهب الموت, لقد انتهي وزال. فإن المسيح ليس فقط جرد الموت من سلاحه وغلبه بل وحطمه ولا يعود بعد له وجود قط!

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أما شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس" [56].

لو لم توجد الخطية ما وُجد الموت. عصيان الإنسان عزله عن اللَّه مصدر الحياة فخضع لسلطان الموت وشريعته الظالمة.

بدون الناموس ما كان يمكن أن نميز الخطية (رو3: 20؛ 4: 15؛ 5: 13). أعطانا الناموس الفرصة لكشف ما نحمله في داخلنا من عصيان ومقاومة لمشيئة اللَّه فعاشت الخطية فينا.

الخطية هي والدة الموت؛ إذ بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلي العالم وصار الموت بالخطية (رو 5: 12).

- تحطم المعمودية شوكة الموت. فإنكم تنزلون إلى المياه مثقلين بخطاياكم. ولكن دعوة النعمة تهب نفوسكم هذا الختم, فلا تعود تقودكم لكي تبتلعوا بالتنين الرهيب. تنزلون أمواتًا في الخطية, وتصعدون أحياء للبرّ.

القديس كيرلس الأرشليمى

- المنع (بالناموس) دائمًا يزيد الرغبة الخاطئة ما دام الحب والفرح في القداسة ضعيفان غير قادرين على الغلبة على الميل للخطية. لهذا بدون معونة النعمة الإلهية يستحيل للإنسان أن يحب القداسة ويبتهج فيها.

- عندما تمنع الشريعة (أمرًا ما) نخطئ بأكثر خطورة مما لو أننا لم نمنع بواسطتها. على أي الأحوال، إذ تحل النعمة تتمم الناموس بدون صعوبة وبأكثر رغبة عما لو ضغط الناموس نفسه أن نفعله. لم نعد بعد عبيدًا للناموس خلال الخوف بل صرنا أصدقاء خلال الحب وعبيدًا للبرّ الذي كان نفسه المصدر لما أعلنه الناموس.

القديس أغسطينوس

لأن بدون الناموس الخطية ضعيفة، فإنها وإن كانت تمارس بدونه لم يكن إدانتها بالكامل. ومع أن الشر صار له موضع لكن لم يُشر إليه بوضوح هكذا. لهذا فإن الناموس سبب تغييرًا ليس بقليلٍ. أولاً جعلنا نتعرف على الخطية بطريقة أفضل وقدَّم العقوبة... نعم لكي يظهر أن الناموس ليس في ذاته يهب الخطية القوة، لذلك أكمل المسيح الناموس كله وكان بلا خطية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولكن شكرا للَّه الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" [57].


حياة النصرة تهب المؤمن حياة شكر للَّه. وكأن قيامة الرب تُعد الإنسان لتقديم ذبيحة شكر مقبولة لدي اللَّه.

لن يمكن تحقق النصرة بأنفسنا (مز 89: 1)، إنما هي عطية ربنا يسوع المسيح لنا.

-لم يربح المسيح النصرة لأجل نفسه بل لنفعنا. فإنه إذ صار إنسانًا بقي هو اللَّه, وغلب الشيطان. فإن ذاك الذي لم يخطئ قط اقتنى النصرة لأجلنا نحن الذين كنا مربوطين في الموت بسبب الخطية. موت المسيح غلب الشيطان, الذي التزم أن يسلم كل الذين ماتوا بسبب الخطية.

أمبروسياستر

- لئلا نفعل ما هو مُسر بطريقة غير شرعية، ولئلا في هذه المعركة نعاني من متاعبٍ ومخاطرٍ كثيرةٍ بأن نترجى النصرة الأكيدة بقوتنا الذاتية أو ننسبها عند تحقيقها إلى قوتنا، لا إلى نعمة ذاك الذي يقول عنه الرسول: "شكرًا للَّه الذي يهبنا الغلبة بيسوع المسيح ربنا".

القديس أغسطينوس

- لقد أقام بنفسه الغلبة، لكنه أعطانا أن نشترك نحن لننال الأكاليل، وذلك ليس على سبيل دين بل من قبل الرحمة وحدها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اذا يا اخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين في عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب" [58].


إذ يهبنا الإيمان بقيامة المسيح غلبة على الخطية نقدم ذبيحة شكر لا بكلمات منطوق بها فحسب وإنما أيضا بحياة مثمرة في الرب. فالشكر هو حياة شركة جادة ومثمرة بروح اللَّه. هكذا يختم الرسول بولس حديثه عن القيامة من الأموات بالدعوة للسلوك بالحياة الجديدة المقامة كعربونٍ للتمتع بالحياة الأبدية.

- إن كانت الغلبة هي عطية إلهية فبقوله: "كونوا راسخين" يؤكد تأكيد ثقة المؤمن في نفسه أنه قادر بالنعمة أن يثبت ويكون راسخا في إيمانه، لا يقدر أحد مهما كان مركزه أو قدراته أن يسقطه. يليق بنا ليس فقط أن نجاهد في الرب بل أن نفعل ذلك بغنى حتى الفيض. جهاد الإنسان بعد طرده من الفردوس هو عقوبة من أجل معاصيه, ولكن هذا الجهاد (المسنود بالنعمة) هو أساس المكافآت العتيدة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

من وحي 1 كو 15

جسدي يئن في داخلي:

متى أخلع الفساد لأحمل عدم الفساد!

- إلهي, خلقتني لأحيا معك في سمواتك.

مسرتك أن أشترك معك في مجدك.

في غباوتي وبخبرتي البشرية صارت السماء لي وهمًا,

وقيامة جسدي أمرًا مستحيلاً!

- من أجلي صرت إنسانًا وشاركتني حتى القبر.

قمت والتقيت بكثيرين حتى تطمئن نفسي.

قيامتك أقامت عقلي من موت الشكوك.

قيامتك وهبت جسدي رجاءً أن يقوم معك.

قيامتك ألهبت قلبي شوقًا إلى يوم مجيئك.

- قمت يا بكر الراقدين ليقوم الكل معك.

قدمت نفسك بذرة تُلقى في الأرض,

تقوم سنبلة واهبة الحياة.

لأزرع في التراب وأقوم في السماء!

زرعت مع آدم الأول,

وها أنا أقوم معك, آدم الثاني!

أزرع جسمًا حيوانيًا, وأقوم معك جسمًا روحانيًا.

- لك الشكر من اجل عطية القيامة.

عوض الفساد تهبني عدم فساد.

عوض الموت تهبني الخلود.

عوض الهوان تهبني مجدًا أبديًا.

- قيامتك ألهبت قلبي بنار الحب.

قيامتك أعطتني روح القوة لا الفشل.

بك أتحدى الموت ولا أخشاه!

بك أطأ بقدمي الهاوية إذ لا سلطان لها عليَ.

بك أواجه آلام الزمن بفرِح.

أجد في الاضطهاد شركة آلامك المحيية.

- ألا تسرع فيأتي يوم القيامة,

فأرى ما أعددته للبشرية قبل تأسيس العالم!

أرى مؤمنيك كواكب بهية متلألئة!

لكل منهم مجده المتميز!

إنه يوم عرسك العجيب.

هو يوم عرسي,

أتمتع بموكب سماوي يضم جماعة السمائيين!

1 و اعرفكم ايها الاخوة بالانجيل الذي بشرتكم به و قبلتموه و تقومون فيه
2 و به ايضا تخلصون ان كنتم تذكرون اي كلام بشرتكم به الا اذا كنتم قد امنتم عبثا
3 فانني سلمت اليكم في الاول ما قبلته انا ايضا ان المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب
4 و انه دفن و انه قام في اليوم الثالث حسب الكتب
5 و انه ظهر لصفا ثم للاثني عشر
6 و بعد ذلك ظهر دفعة واحدة لاكثر من خمس مئة اخ اكثرهم باق الى الان و لكن بعضهم قد رقدوا
7 و بعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين
8 و اخر الكل كانه للسقط ظهر لي انا
9 لاني اصغر الرسل انا الذي لست اهلا لان ادعى رسولا لاني اضطهدت كنيسة الله
10 و لكن بنعمة الله انا ما انا و نعمته المعطاة لي لم تكن باطلة بل انا تعبت اكثر منهم جميعهم و لكن لا انا بل نعمة الله التي معي
11 فسواء انا ام اولئك هكذا نكرز و هكذا امنتم
12 و لكن ان كان المسيح يكرز به انه قام من الاموات فكيف يقول قوم بينكم ان ليس قيامة اموات
13 فان لم تكن قيامة اموات فلا يكون المسيح قد قام
14 و ان لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا و باطل ايضا ايمانكم
15 و نوجد نحن ايضا شهود زور لله لاننا شهدنا من جهة الله انه اقام المسيح و هو لم يقمه ان كان الموتى لا يقومون
16 لانه ان كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام
17 و ان لم يكن المسيح قد قام فباطل ايمانكم انتم بعد في خطاياكم
18 اذا الذين رقدوا في المسيح ايضا هلكوا
19 ان كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فاننا اشقى جميع الناس
20 و لكن الان قد قام المسيح من الاموات و صار باكورة الراقدين
21 فانه اذ الموت بانسان بانسان ايضا قيامة الاموات
22 لانه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع
23 و لكن كل واحد في رتبته المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه
24 و بعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الاب متى ابطل كل رياسة و كل سلطان و كل قوة
25 لانه يجب ان يملك حتى يضع جميع الاعداء تحت قدميه
26 اخر عدو يبطل هو الموت
27 لانه اخضع كل شيء تحت قدميه و لكن حينما يقول ان كل شيء قد اخضع فواضح انه غير الذي اخضع له الكل
28 و متى اخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه ايضا سيخضع للذي اخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل
29 و الا فماذا يصنع الذين يعتمدون من اجل الاموات ان كان الاموات لا يقومون البتة فلماذا يعتمدون من اجل الاموات
30 و لماذا نخاطر نحن كل ساعة
31 اني بافتخاركم الذي لي في يسوع المسيح ربنا اموت كل يوم
32 ان كنت كانسان قد حاربت وحوشا في افسس فما المنفعة لي ان كان الاموات لا يقومون فلناكل و نشرب لاننا غدا نموت
33 لا تضلوا فان المعاشرات الردية تفسد الاخلاق الجيدة
34 اصحوا للبر و لا تخطئوا لان قوما ليست لهم معرفة بالله اقول ذلك لتخجيلكم
35 لكن يقول قائل كيف يقام الاموات و باي جسم ياتون
36 يا غبي الذي تزرعه لا يحيا ان لم يمت
37 و الذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة او احد البواقي
38 و لكن الله يعطيها جسما كما اراد و لكل واحد من البزور جسمه
39 ليس كل جسد جسدا واحدا بل للناس جسد واحد و للبهائم جسد اخر و للسمك اخر و للطير اخر
40 و اجسام سماوية و اجسام ارضية لكن مجد السماويات شيء و مجد الارضيات اخر
41 مجد الشمس شيء و مجد القمر اخر و مجد النجوم اخر لان نجما يمتاز عن نجم في المجد
42 هكذا ايضا قيامة الاموات يزرع في فساد و يقام في عدم فساد
43 يزرع في هوان و يقام في مجد يزرع في ضعف و يقام في قوة
44 يزرع جسما حيوانيا و يقام جسما روحانيا يوجد جسم حيواني و يوجد جسم روحاني
45 هكذا مكتوب ايضا صار ادم الانسان الاول نفسا حية و ادم الاخير روحا محييا
46 لكن ليس الروحاني اولا بل الحيواني و بعد ذلك الروحاني
47 الانسان الاول من الارض ترابي الانسان الثاني الرب من السماء
48 كما هو الترابي هكذا الترابيون ايضا و كما هو السماوي هكذا السماويون ايضا
49 و كما لبسنا صورة الترابي سنلبس ايضا صورة السماوي
50 فاقول هذا ايها الاخوة ان لحما و دما لا يقدران ان يرثا ملكوت الله و لا يرث الفساد عدم الفساد
51 هوذا سر اقوله لكم لا نرقد كلنا و لكننا كلنا نتغير
52 في لحظة في طرفة عين عند البوق الاخير فانه سيبوق فيقام الاموات عديمي فساد و نحن نتغير
53 لان هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد و هذا المائت يلبس عدم موت
54 و متى لبس هذا الفاسد عدم فساد و لبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتلع الموت الى غلبة
55 اين شوكتك يا موت اين غلبتك يا هاوية
56 اما شوكة الموت فهي الخطية و قوة الخطية هي الناموس
57 و لكن شكرا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح
58 اذا يا اخوتي الاحباء كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين ان تعبكم ليس باطلا في الرب




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالى
+ إقرأ اصحاح 15 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الاولى الى اهل كورنثوس اصحاح 16 جـ1 PDF Print Email

الجمع لفقراء أورشليم

بعد أن واجه الرسول بولس المشاكل الكنسية والسلوكية والعقيدية والاجتماعية بكل صراحة، في حزمٍ ممتزج بالحكمة والحب، ختم رسالته معلنًا عن مشاعر محبته لهم. لقد بدأ الرسالة بكلمات الحب مع التشجيع وختمها بعواطف مقدسة حتى تحقق الرسالة غايتها.

جاء هذا الأصحاح خاتمة لرسالة تعالج الكثير من المشاكل المتنوعة بالحب العملي الصادق في الرب. لهذا وجههم للعطاء للمُضطهدين في أورشليم الذين افتقروا من أجل المسيح [1-4]، وأعلن عن رغبته وشوقه لزيارتهم [5-9]. كما عن إرسال تيموثاوس إليهم، ورغبة أبلّوس لزيارتهم. طالبهم أن يقبِّلوا بعضهم بعضًا بقبلة مقدسة، وأن يقبلوا محبته لهم في المسيح. هذه كلها أعمال محبة متبادلة بين العاملين في الكرم والشعب وبين كل فئة فيما بينها، بهذا تحل بركة الرب وتذوب كل الخلافات وتصير كنيسة المسيح نامية فيه.

1. الجمع للقديسين 1 - 4.

2. زيارة طويلة 5 - 9.

3. العاملون معه 10- 18.

4. الختام 19- 24.

1. الجمع للقديسين

يوصيهم بالجمع لاخوة الرب كما أوصى كنائس غلاطّة، فإنهم ليسوا أقل منهم. طلب منهم أن يخزن كل مؤمنٍ طوال الأسبوع ليقدم للرب في أول الأسبوع تسبحة عملية وشكر لذاك الذي وهبنا الحياة المقامة بقيامته من الأموات.

"وأما من جهة الجمع لأجل القديسين، فكما أوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا أنتم أيضًا" [1].

بسبب انشغالهم بالخلافات والانشقاقات الكنسية لم يقوموا بالجمع لفقراء أورشليم، أو مؤمني اليهودية الذين صودرت ممتلكاتهم بسبب إيمانهم، ولهذا دعاهم "قديسين".

واضح من النص أنه سبق فأشار إليهم عن هذا الأمر، لهذا اكتفي هنا بعرض طريقة الجمع بقوله "أوصيت". لا يعني أنه أصدر أمرًا إلزاميًا، وإلا تحوّل الجمع إلى ضريبة مفروضة، وقد تُرك العطاء ليكون اختياريًا وبفرح في كل الكنائس (رو26:15-27؛ 2كو2:9)، لم يدع الرسول أن له سلطان أن يأمر بجمع صدقة.

"في كل أول أسبوع ليضع كل واحدٍ منكم عنده خازنًا ما تيسر، حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ" [2].

يُلاحظ في هذه الوصية الرسولية الآتي:

1. يُمارس هذا العمل في اليوم الأول من الأسبوع، أي في السبت المسيحي حيث تحتفل الكنيسة بقيامة الرب في فجر الأحد. هنا يشير الرسول إلى عادة الكنيسة الأولى في ممارسة العبادة في يوم الأحد. يتحقق الاحتفال بقيامة الرب بشركتنا معه، فنتمتع بالحياة الجديدة المملوءة حبًا.

2. يقدم العطاء في أول الأسبوع ليُعطي كل واحدٍ قدر ما وهبه اللَّه من بركات وعطايا في الأسبوع كله، لذا يقول: "ما تيسّر"، فهو يقدم ذبيحة شكر للَّه شخصيًا.

3. العطاء غير قاصر على الرجال العاملين وحدهم، بل يشترك فيه الأطفال وتمارسه النساء غير العاملات حتى الخدم والعبيد، فالعطاء هو تقديم القلب بالحب للَّه خلال اخوته الأصاغر، ومشاركته النفوس المتألمة والمعتازة.

4. لم يطلب أن يتعهد كل عضوٍ بتقديم كمية معينة، فإن الرسول يوصي بتقديم القلب قبل المال.

5. دعَى الفقراء قديسين ليذكرهم أن العطاء مُقدم لاخوة الرب القديسين، أو للرب في أشخاص اخوته.

6. لم يسألهم أن يمارسوا هذا العمل لمدة أسبوعٍ واحد،ٍ بل "في كل أول أسبوع"، فممارسة العطاء فضيلة مستمرة لا تتوقف.

7. بقوله "خازنا ما تيسّر" إما يقصد أن كل شخصٍ يجمع خلال أيام الأسبوع ما قد أراد تقديمه في مخزنٍ حتى يحل أول الأسبوع فيحمله معه إلى الكنيسة، أو يجمعه في ذهنه لكي ما يتمم ذلك عمليًا عند ذهابه أسبوعيًا للعبادة.

لماذا تحوّلت العبادة إلى سبت جديد هو اليوم الأول من الأسبوع؟

صارت قيامة السيد المسيح السبت الجديد الذي فيه نجد راحتنا بالتمتع بالحياة المُقامة. فكما أن خروج شعب بني إسرائيل من عبودية فرعون غيّر بدء السنة عند اليهود من الخريف إلى الربيع، هكذا تحرّرنا من عبودية إبليس بقيامة الرب التي أعطتنا بدءً جديدًا في كل يوم وفي كل أسبوع! وقد اعتاد اليهود أن يمارسوا الأعياد السنوية الكبرى في اليوم الأول من الأسبوع: عيد الأسابيع أو البنطقستي (لا 11:23، 15-16، 36)؛ وعيد المظال أو الحصاد؛ وعيد الفصح.

- اليوم نفسه فيه الكفاية ليشجعهم على تقديم العطاء, لأن يوم الرب هو اليوم الذي فيه نلنا كل البركات التي صارت لنا الآن. إنه أصل حياتنا الجديدة في المسيح وبدايتها, هذا ليس هو السبب الوحيد ليكون هذا اليوم مناسبًا للعطاء, وإنما هو "يوم الراحة" حيث تجد نفوسنا راحتها من كل متاعبها، فتتفتح لتظهر حنوًا. بالإضافة إلى أن الاشتراك في الأسرار المقدسة (التناول) في ذلك اليوم يخرج عطاءً كما من مخزن الغيرة العظمى التي فينا.

- "في أول الأسبوع" أي في يوم الرب "ليضع كل واحدٍ منكم عنده خازنًا ما تيسّر". في ذلك اليوم يكون العمل الجماعي هائلاً والغيرة في الأمور الخالدة عظيمة. في هذا اليوم "ليضع كل واحدٍ منكم"، ليس مجرد هذا الشخص أو ذاك بل "كل واحدٍ"، سواء كان فقيرًا أو غنيّا، امرأة أو رجلاً، عبدًا أو حرًا، ليضع بنفسه في المخزن.

القديس يوحنا الذهبي الفم

الاتكال والتواكل

يقدم لنا الرسول درسًا عمليًا للتمييز بين الاتكال على اللَّه والتواكل، كما عن التنظيم في الخدمة بترتيبٍ ولياقةٍ لكن دون قلقٍ. وكما يقول القديس أغسطينوس أن الرسول بولس يفكر في الغد، لكنه لا يضطرب بالنسبة للغد. يضع خطة لتدبير احتياجات المعوزين بحكمةٍ روحيةِ دون تخوّف.

- ينبغي علينا أن ندقق في فهمنا للعبارة "يكفي اليوم شره" لئلا نحكم على أحد الخدام بمخالفته للوصية لمجرد تدبيره هذه الضروريات حتى لا يكون هو ومن يعولهم في عوز.

فربنا يسوع الذي تخدمه الملائكة ارتضى أن تكون له صناديق تُستخدم في الإنفاق على حاجياته، كالذي كان مع يهوذا خائنه (يو 6:12).

والرسول بولس يفكر في الغد (ولكن دون قلقٍ) بقوله "وأما من جهة الجمع لأجل القديسين فكما أوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا أنتم أيضًا. في كل أوَّل أسبوعٍ ليصنع كلُّ واحدٍ منكم عندهُ. خازنًا ما تيسَّر حتى إذا جئْت لا يكون جمع حينئذٍ. ومتى حضرت فالذين تستحسنوهم أُرسِلُهم برسائل ليحملوا إحسانكم إلى أورشليم. وإن كان يستحقُّ أن أذهب أنا أيضًا فسيذهبون معي. وسأَجيءُ إليكم متى اجتزت بمكدونية..." (1 كو 1:16-8).

وقد جاء في سفر أعمال الرسل أنهم كانوا يستعدون للمستقبل لمواجهة المجاعة المحدقة، إذ يقول: "وفي تلك الأيام انحدر أنبياء من أورشليم إلى إنطاكية. وقام واحد منهم اسمه أغابوس، وأشار بالروح أن جوعًا عظيمًا كان عتيدًا أن يصير على جميع المسكونة. الذي صار أيضًا في أيام كلوديوس قيصر. فحتم التلاميذ حسبما تيسر لكل منهم أن يرسل كل واحد شيئًا خدمة إلى الاخوة الساكنين في اليهودية. ففعلوا ذلك مرسلين إلى المشايخ بيد برنابا وشاول" (أع27:11-30).

كذلك عندما أبحر بولس الرسول كان الطعام المُقدم له يكفيه لأكثر من يومٍ واحدٍ (أع10:28).

القديس أغسطينوس

"حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ" [2].


سألهم ألا يكون جمع متى جاء، لأنه أراد ألا ينشغل أحد إلا بكلمات الكرازة، بسبب ضيق وقته ورغبته في استغلال كل لحظة من لحظات وجوده في وسطهم لبنيانهم في المعرفة الروحية الصادقة والعميقة.

"ومتى حضرت، فالذين تستحسنونهم أرسلهم برسائل، ليحملوا إحسانكم إلى أورشليم" [3].

القائد الروحي الحيّ يعرف كيف يحترم ويقدر مخدوميه، فإنه لم يأمرهم بأن ينتظروا لكي يختار من بينهم من يرسلهم بالعطاء، وإنما يسألهم بدالة الحب أن يختاروا هم من يستحسنوهم، وأما هو فيعطيهم رسائل تذكية لتستقبلهم الكنيسة في أورشليم.

إنهم يحملون "إحسانهم" أو "سخاء عطائهم"، يحملون لا المال والعطايا المادية بل قلوب مؤمني كورنثوس المملوءة حبًا وسخاءً في العطاء!

- لم يقل "أرسلهم ليحملوا صدقتكم" بل "إحسانكم" ليعني أنهم يقدمون أعمالاً عظيمة، مبرزًا أنهم يقتنون أنفسهم (بالحب).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وإن كان يستحق أن اذهب أنا أيضًا، فسيذهبون معي" [4].

- مرة أخرى يحثّهم على السخاء بقوله: "وإن كان يستحق أن أذهب أنا أيضًا"، فإن كان هذا يتطلب حضوره أيضًا فإنه لا يمتنع عن هذا... فيكون جمعهم عظيمًا هكذا حتى يغيّر خطّته ويقوم بشخصه بالرحلة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. زيارة طويلة

كما يضع الرسول بولس خطة حكيمة للجمع للفقراء المُضطهَدين في أورشليم تحمل روح الثقة في عمل اللَّه في قلوبهم، وتبعث روح الحب المتبادل بين الكنائس وبين المؤمنين، هكذا يضع أيضًا خطة عمل للخدمة، مبرزًا رغبته في زيارتهم، وموضحًا غايته من تلك الزيارة.

"سأجيء إليكم متى اجتزت بمكدونية، لأني اجتاز بمكدونية" [5].

مكدونية ليست في الطريق من أفسس إلى كورنثوس إذ هي في أعلى نهاية بحر إيجة، بعيدة عن طريقه، لكنه ملتزم بالذهاب إليها قبل حضوره إليهم. ربما يقضي الصيف هناك ويأتي في الخريف إلى كورنثوس حيث يقضي معهم الشتاء.

"وربما أمكث عندكم أو اشتي أيضًا، لكي تشيعوني إلى حيثما أذهب" [6].

يكشف الرسول عما في قلبه أنه مشتاق أن يمكث وسط من خدمهم زمانًا طويلاً في كورنثوس، لكن ليس على حساب التزاماته من نحو الكنائس الأخرى. هذا ومن جانب آخر لم يرد أن يعبر بهم في طريقه أثناء رحلاته، وإنما أن يتمم ما هو ملتزم به مع الآخرين حتى يجد الفرصة لبقاء مدة أطول، ربما يقضي الشتاء كله معهم. لم يرد أن تكون زيارة لقاءٍ عاطفيٍ لأناسٍ سبق فخدمهم، بل لقاء أبٍ يعطي وقتًا لأبنائه، ويحقق لهم احتياجاتهم.

- "لكي تشيعوني إلى حيث أذهب". هذه علامة الحب، وقوة العاطفة العظيمة. إنه يقول هذا لكي يظهر الحب، ولكي يخيف الخطاة ليس بطريقة مكشوفة بل بتأكيد الصداقة مع الآخرين.

- كما نتوقع يخبرهم بكل دقة ويعرفهم بخطته كأصدقاء. فإن هذا أيضًا هو علامة الصداقة أن يظهر لهم السبب لعدم وجوده معهم، ولماذا تأخر عليهم، وأين هو مقيم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى البعض أن تعبير "تشيعوني" يعني أن يقدموا له تكلفة رحلته إلى البلدة التي سيذهب إليها. هنا تلميح يظهر فيه قبوله لمحبتهم ومشاركتهم له في خدمته المسكونية.

غالبًا ما يقصد بالشتاء الأشهر الثلاثة: ديسمبر ويناير وفبراير.

"لأني لست أريد الآن أن أراكم في العبور لأني أرجو أن أمكث عندكم زمانًا إن أذن الرب" [7].

كان يمكن أن يلتقي بهم وهو في رحلته، لكنه سيكون لقاءً سريعًا لا يحقق الهدف.

- إذ كان بولس يعلم أنه ينتظره عمل ضخم في كورنثوس لم يرد أن يعبر بها أثناء سيره إلى موضع آخر, بل أن يقضي معهم زمانًا عندما يأتي إليهم.

أمبروسياستر




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الاولى الى أهل كورنثوس اصحاح 16 جـ2 PDF Print Email

"ولكنني أمكث في أفسس إلى يوم الخمسين" [8].

"لأنه قد انفتح لي باب عظيم فعَّال، ويوجد معاندون كثيرون" [9].


يوضح لهم الرسول ضرورة بقائه في أفسس زمانًا، فقد فتح له الرب بابًا لقبول الكلمة، كما أثار عدو الخير أُناسًا للمقاومة. فإنه لا يليق به أن يغلق الباب الذي فتحه الرب، ولا يترك الكنيسة في أفسس يفسدها المعاندون.

ربما كتب الرسول ذلك وفي ذهنه أبواب مكسيموس الروماني الضخمة التي تُفتح فتنطلق مركبات السباق المتصارعة والمتنافسة. هكذا يفتح الرب الباب لبولس ليدخل في صراع مع مقاومي الكنيسة في أفسس، فلن يقدر أن يترك الساحة ليزور كورنثوس حتى يحقق النصرة في المسيح يسوع.

- ماذا يقصد بالباب العظيم؟ أجد مدخلاً متسعًا لي، حيث يوجد كثيرون مستعدون لقبول الإيمان، كثيرون مستعدون للتحول إلى المسيحية. هذا الأمر يحدث الآن إذ اقتربت أذهان هؤلاء لتبدأ بالطاعة للإيمان. لهذا السبب فإن أنفاس الشيطان تفجر عنفًا، إذ يرى كثيرين يتركونه... تحدث بدقة فقد كانت الفرص عظيمة جدًا أن يجد بولس مقاومين كثيرين هكذا. فإبليس يعمل على الدوام عندما يجد أنه في خطر أن يفقد غنيمته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أوضح بولس أنه سيقيم في أفسس إذ وجد قلوبًا عطشى إلى نعمة اللَّه, ويمكنه أن يُخزن فيها سرّ المسيح بسرعة. وإذ لا يهدأ إبليس قط معاديًا الذين يشتاقون إلى اللَّه لهذا أضاف بأن أعداءه هناك كثيرون. فكلما بحثوا بالأكثر عن الإيمان يوجد أعداء يقاومونهم ويحاربون تعاليم الرب.

أمبروسياستر

ينتهز أولاد اللَّه كل فرصة، فإذا انفتح لهم باب يدخلون منه لئلا يُغلق. ففي سفر هوشع (15:2) يفتح اللَّه باب الرجاء أمام شعبه كي يدخل كعروس صبية تتغنّى بالفرح كيوم صعودها من أرض العبودية. ويخبرنا لوقا البشير كيف فتح اللَّه للأمم باب الإيمان على يديّ بولس وسيلا (أع 27:14). وطلب الرسول بولس من أهل كولوسي أن يصلوا لأجله لكي يفتح الرب له ومن معه بابًا للكلام بسرّ المسيح (كو 3:4).

وجود كثرة من المعاندين يدفع الرسول بولس إلى البقاء في أفسس. أفمن جانبٍ يلزمه كخادم للرب ألا يهرب من مشاركة الشعب أتعابهم وضيقاتهم. ومن الجانب الآخر فإن وجود المعاندين دليل على حضور الرب في الكنيسة، لأن العدو يقاوم الحق. ربما لا يقصد بالمعاندين المعلمين الكذبة وإنما اليهود والوثنيين.


3. العاملون معه

تحدث الرسول هنا عن العاملين معه, فمن جهة أوصاهم بتلميذه تيموثاوس الذي يعمل عمل الرب مثل الرسول بولس, أما أبلوس فقد طلب الرسول مرارًا أن يزورهم لكنه اعتذر إلى حين. وأخيرًا يتحدث عن العاملين في كورنثوس أن يحملوا روح الحب حتى لا يفسدوا طاقاتهم بالانشقاق والتحزبات.

"ثم إن أتى تيموثاوس، فانظروا أن يكون عندكم بلا خوف، لأنه يعمل عمل الرب كما أنا أيضًا" [10].

لم تكن رسالة تيموثاوس الرسول بالأمر الهيّن، فإنه لم يُرسل إليهم فقط لكي يوجههم، إنما وهو يعالج مشاكل الانقسام والفساد والأخطاء اللاهوتية والمشاكل الأسرية سيضّطر أن يوبّخ، بل ويكون حازمًا مع المقاومين والمُفسدين للحياة الكنسية. يَعلم الرسول أن من بينهم من هم أغنياء جدًا، ومنهم من يعتدوا بكرامتهم الزمنية؛ كما يوجد بينهم من يفتخرون بمواهبهم الروحية.

مهمة الشاب الصغير لمواجهة قادة متعجرفين صعبة للغاية، وتحتاج إلى عون إلهي، وإلى مساندة من الشعب.

صغر سنّه وحداثته لا يقفان عائقًا في خدمته، لأنه يعمل عمل الرب كما يعمل الرسول بولس. إنه قادم لا ليحقق رسالة شفوية تسلّمها من الرسول، وإنما لكي يتمم مشيئة الرب ويعمل عمله!

ما ورد في أعمال الرسل 21:19-22 يوضح لنا الموقف، فقد ترك تيموثاوس أفسس قبل أن يبعث الرسول رسالته منها، لكنه كان يتوقع أنه سيصل إليهم بعد وصول الرسالة لأنه ذهب أولاً إلى مكدونية، وربما في نيّته أن يذهب إلى كورنثوس.

v لئلا خلال تجاسرهم على التلميذ يسيئون أيضًا إلى المعلم ويصيرون في حالة أشر لهذا فهو يضبطهم من بعيد، قائلاً: "أن يكون عندكم بلا خوف"، بمعنى ألا يثور أحد قط من المتهوّرين ضده... لأنه يعمل عمل الرب. يخدم الرب بالرغم مما له من شرف وغنى والحكمة (ومع صغر) السن.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلا يحتقره أحد، بل شيعوه بسلامٍ، ليأتي إليَّ، لأني أنتظره مع الاخوة" [11].

لا يليق بهم أن يكرموا القديس تيموثاوس ويسمعوا له في حضرته فحسب, وإنما إذ يستعد للرحيل يليق بهم أن يشيعوه بسلامٍ.

- لم يفكر الرسول في هذا كنوعٍ من النقد لتيموثاوس كمن ليس لديه ثقة في النفس, وإنما يكتب بولس من أجل أهل كورنثوس فإنهم إن أخذوا موقفًا مضادًا له يؤذون أنفسهم وحدهم.

- "شيّعوه بسلام"، أي بدون خوف، فلا تسببون مخاوف وخصومات وعداوة وكراهية، بل اظهروا كل خضوع له كمعلمٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني أنتظره مع الاخوة": يرى البعض أنه يتحدث هنا عن الاخوة الذين يرافقون تيموثاوس، حيث ينتظرهم الرسول. فقد رافق أرسطوس تيموثاوس في هذه الرحلة (أع 22:19). كذلك أُرسل تيطس إلى كورنثوس (2 كو 17:12-18)، وليس من غير المحتمل أن الرسول كان يطلب من تيطس أن يُحضر معه بعض الكورنثوسيين إلى أفسس.

"وأما من جهة أبلوس الأخ، فطلبت إليه كثيرًا أن يأتي إليكم مع الاخوة، ولم تكن له إرادة البتة أن يأتي الآن، ولكنه سيأتي متى توفق الوقت" [12].

سبق فأظهر الرسول بولس اشتياقه لزيارتهم، الآن يؤكد لهم أنه هو والاخوة في أفسس طلبوا من أبلّوس أن يذهب إليهم، فالجميع مهتمون بهم.

وضوح الهدف لدى الرسول بولس والقديس أبلّوس جعلهما يعملان معًا في تناغم وتناسق. حين يكتب الرسول لهم عنه يكشف عن حكمة أبلّوس وإخلاصه ومحبته. هكذا يليق بالعاملين في كرم الرب ألا يتشككوا في نيّة بعضهم البعض، ولا يثيروا أية تشكك وسط الشعب.

لقد أكد الرسول بولس بتصرفه هذا أنه محب لأبلّوس، وأنه لا يخشى من ذهابه إلى كورنثوس، مطالبًا الفريق الذي ينسب نفسه لبولس أو لغيره من الرسل أن يقبلوا أبلّوس ويطيعوه. بهذه الوصية يلخص الرسول كل ما ورد في الرسالة كلها. فالمحبة المتبادلة بين الخدام هي وصية بسيطة لكنها تحقق كل شيء كما يليق.

لعل أبلّوس لم يرد أن يذهب إلى كورنثوس لأنه لم يشأ أن يربط نفسه بالجماعة التي تنسب نفسها إلى اسمه، إذ كانوا معجبين ببلاغته (1كو12:1؛ 4:3).

يرى القديس ديديموس الضرير أن أبولس كان أسقفًا لكورنثوس, وأنه ترك الكنيسة بسبب ما حلّ بها من انشقاقات والتصق ببولس. لم يرد أن يرجع ومعه رسالة بولس فإنه لم يشأ العودة إلا بعد معالجة الانشقاقات. وقد أخذ أمبروسياستر بنفس الرأي, وأن أبولس تعمّد عدم العودة مترجيًا أن يعرفوا كيف يشتاقون إلى السلام, فيأتى أبلوس حينما يحل الوفاق بين الجميع.

- يبدو أن هذا الإنسان كان أكثر ثقافة وسنًّا من تيموثاوس. فلئلا يقولوا: "لماذا لم يرسل الإنسان الأكبر سنًا وأرسل عوضًا عنه شابًا؟" لاحظ كيف يلطف من هذه النقطة أيضًا بدعوته "الأخ" وأنه "طلب إليه كثيرًا". فلئلا يبدو أن كرّم تيموثاوس أكثر منه ومجده أكثر منه لهذا لم يرسله، فيسبب ذلك حسدًا ينفجر بشدة، لذلك أضاف: "طلبت إليه كثيرًا".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"اسهروا، اثبتوا في الإيمان، كونوا رجالاً، تقووا" [13].

الكلمة اليونانية Greegoreite تعني اليقظة والسهر، وهو تعبير عسكري يُستخدم بالنسبة لحراس المعسكر والمراقبين لتحركات الأعداء. هكذا يحثهم الرسول أن يتيقّظوا لحركات العدو الشرير لئلا يفسد إيمانهم بالتعاليم الكاذبة، أو يفسد حياتهم بالفساد أو سلامهم بالمشاكل الكنسية والأسرية.

يطالبهم بالسهر، لأنهم كمن هم في حالة سُبات أو من يقطنون في نومٍ عميقٍ. يلزمهم أن يسهروا، فإن الرجاء في خلاصهم لا يتوقف على أسماء الخدام العاملين في الكرم، بل على جهادهم وسهرهم.

يشعر المؤمن أنه كجندي المسيح في حالة معركة دائمة مادام في الجسد وفي العالم. إنه دومًا في خطرٍ، فإن الأعداء متربّصون ضدّه، إبليس وجنوده يود أن يحطّمه.

يسألهم أن يتيقظوا لكي يتقبّلوا نعمة اللَّه، وأن يمارسوا الحياة المقدسة في الرب، وأن يحبوا بعضهم بعضًا، ويحرصوا على الوحدة في الإيمان الحق.

"اثبتوا في الإيمان"، أي تمسّكوا بالحق الإنجيلي لتتمتعوا بالخلاص، فلا يقدر العدو أن يهزّكم. جاء التعبير في اليونانية مستخدمًا بمعنى احتفاظ الشخص برتبته، وعدم زعزعته عن موقعه. وكأن غاية العدو أن يُفقد المؤمن مكانته الجديدة في الرب، وأن يسحبه من موقعه كابن اللَّه.

"كونوا رجالاً"
، فلا تسلكوا كأطفال مذبذبين، تهزّكم رياح التعاليم الكاذبة، بل تجاهدوا كجنودٍ صالحين. التعبير هنا andrizesthe يحث على أخذ موقف شجاع بلا جبن، وموقف النضوج.

"تقوّوا"، فإن اللَّه وهبكم القوة والطاقة للعمل بروح القوة لا الضعف. يحدثهم هنا بلغة عسكرية كجيش في معركة له التزام اليقظة والحذر مع العمل الجاد بقوة.

- يلزمهم أن يسهروا, لئلا يُهاجموا سرًا في إيمانهم. يليق بهم أن يثبتوا, فيتشجعوا على الاعتراف بما تعلموه. أن يكونوا أقوياء في الكلمة والفعل, فإن هذا ارتباط حق للكلمة والعمل لتهب النضوج.

أمبروسياستر

- يخبرهم بولس أن يكونوا شجعان وأقوياء مثل المصارع وجندي المسيح, يفعلون كل شيء بالحب للَّه ولبعضهم البعض.

القديس ديديموس الضرير

- يشير إليهم ألا يضعوا رجاءهم في الخلاص في المعلمين بل في أنفسهم، لذا يقول: "اسهروا، اثبتوا في الإيمان". لا في الحكمة التي في الخارج، لأنه بهذا لا يمكن الثبات، بل إذ يُحملوا في الإيمان يثبتوا...

"اسهروا" إذ كانوا نيامًا.

"اثبتوا"
إذ كانوا يتأرجحون هنا وهناك.

"كونوا رجالاً" إذ كانوا يمارسون الجبن.

"لتصر كل أموركم في محبة" إذ كانوا في خلافات...

ولكن ماذا تعني: "كل أموركم في محبة"؟ يقول: متى انتهر أحد أو حكم أو صار تحت قيادة آخر، تعلم أو علَّم، فليكن هذا كله في محبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لتصر كل أموركم في محبة" [14].

إن كان الرسول يطلب منهم الثبات في الإيمان وحفظ الحق وأن يسلكوا كرجالٍ ناضجين وأقوياء، فإنه يخشى لئلا يفقدوا الحب للاخوة وللَّه أثناء جهادهم. لهذا يوصيهم أن تصير كل أمورهم، دون استثناء، في محبة. فالثبات في الإيمان والدفاع عنه لا يعني استخدام العنف أو البغضة. لا نفقد الحب ونحن ندافع عن الحق.

- حيث يوجد صراع وانقسام لا يوجد الحب.

أمبروسياستر

- لو وُجد الحب لما كان الكورنثوسيون ينتفخون, ولما انقسموا إلى فرق, ولما ذهبوا إلى المحاكم أمام الوثنيين بل ولا أمام أية محاكم نهائيًا.

لو وُجد الحب في الكنيسة لما أخذ هذا الشخص السيئ السمعة جدًا زوجة أبيه, ولما احتقروا الاخوة الضعفاء, ولما افتخروا بمواهبهم الروحية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأطلب إليكم أيها الاخوة، أنتم تعرفون بيت استفاناس أنهم باكورة اخائية، وقد رتبوا أنفسهم لخدمة القديسين" [15].


نال أهل استفانوس كرامة أول الذين قبلوا الإيمان بالمسيح في أخائية، كما كرّسوا حياتهم لخدمة القديسين. لعلّه لا يقصد هنا خدمة كلمة الكرازة، وإنما تقديم احتياجاتهم المادية.

- دعاهم بولس باكورة اخائية, إما لأنهم هم أول من قبلوا الإيمان هناك, أو لأن تقواهم أعظم من الآخرين, أو لأنهم رفضوا السيامة من أجل تواضعهم العظيم، مكرسين حياتهم لخدمة الآخرين (الفقراء).

القديس ديديموس الضرير

- لم يكن استفاناس وأسرته أول الذين تحولوا إلى الإيمان فحسب, وإنما صاروا أيضًا مثالاً مشرقًا لكل أحدٍ. فالذين يأتون أولاً يلزمهم أن يصيروا مثالاً للآتين من بعدهم, ويقومون بخدمة الآخرين, كما كان هؤلاء بكل وضوح.

- لم يقل: "أول من آمنوا" بل قال "باكورة" لتشير أنه مع إيمانهم أظهروا حياة سامية للغاية؛ في كل شيء برهنوا أنهم مستحقون أن يكونوا بكورًا كما في حالة الثمار. لأنه يجب أن تكون البكور أفضل من البقية، لهذا فهم بكور. هذا نوع من المديح نسبه بولس إليهم خلال هذا التعبير. فإنه لم يكن لهم فقط الإيمان الأصيل كما قلت، وإنما أظهروا أيضًا تقوى عظيمة وقمة الفضيلة وسخاءً في العطاء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"كي تخضعوا أنتم أيضًا لمثل هؤلاء، وكل من يعمل معهم ويتعب" [16].

يطلب الرسول من الشعب أن يخضعوا لمثل هؤلاء الصادقين في إيمانهم وفي خدمتهم وفي سلوكهم. لا يطلب الخضوع لهم كمن هم تحت رئاستهم، إنما خضوع الحب والعمل المشترك وقبول نصائحهم.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 16 جـ3 PDF Print Email

"ثم إني أفرح بمجيء استفاناس وفرتوناتوس واخائيكوس، لأن نقصانكم هؤلاء قد جبروه" [17].

يرى ثيؤدورت أسقف قورش أن هؤلاء الثلاثة هم الذين حملوا رسالة بولس إلى كورنثوس, ورسالة أهل كورنثوس إليه.

"إذ اراحوا روحي وروحكم، فاعرفوا مثل هؤلاء" [18].

قدّموا للرسول تقريرًا شفويًا وتفصيليًا عن حال الكنيسة في كورنثوس، وما حلّ بها من ضعفات ونقائص، قدّموا صورة صادقة للموقف. لهذا فقد استراحت روح الرسول لأنه يقدم العلاج السليم لموقفٍ واضحٍ أمامه، واستراحت نفوسهم لأنهم أدّوا مهمتهم بكل إخلاصٍ. إنهم صانعوا سلام ومحبّون لخلاص اخوتهم وبنيان الكنيسة.

اهتمامهم الروحي بعث سلامًا في قلب الرسول كما في قلوبهم.

- واضح أن هؤلاء هم الذين أخبروا بولس عن الحالة في كورنثوس على ما فعلوه. هذا هو السبب الذي من أجله يمتدحهم بولس ويحث أهل كورنثوس أن يظهروا لهم كرامة ووقارًا.

- كانوا بالطبيعة ثائرين جدًا ضد هؤلاء الأشخاص، إذ جاءوا إليه وكشفوا له عن كل الانقسامات، وقاموا أيضًا بكتابة التساؤلات عن العذارى والمتزوجين. لاحظ كيف هدّأ من ثورتهم في بداية رسالته... وأيضًا في ختامها...

لقد أوضح أنهم أراحوا ليس بولس وحده بل وأيضًا الكورنثوسيين إذ حملوا في داخلهم المدينة كلها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تنتعش روح الشخص القديس بالتفكير في الأمور التقوية وممارستها, فإن الروح تصارع من أجل ما هو صالح.

القديس ديديموس الضرير

4. الختام

أبرز الرسول بولس في ختام رسالته حبه وحب الكنائس والاخوة العميق نحوهم حتى يتعلموا كيف يحبوا بعضهم بعضًا بذات الحب الذي يحبهم به الرسول والذي غرسه بالرب في قلوب الكنائس الأخرى من نحوهم.

"تسلم عليكم كنائس آسيا، يسلم عليكم في الرب كثيرًا أكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما" [19].

يبدو أن أكيلا وبرسكلاّ كانا في أفسس (أع26:18).

- يشير الرسول إلى الكنيسة في نوعين: العامة والعائلية. واحدة يجتمع الكل فيها ويدعوها عامة, والأخرى التي يجتمع فيها الاخوة معًا كأصدقاء ويدعوها أسرية. كل موضع يحتفل فيه الكاهن بالطقوس القدسية يُدعى كنيسة.

أمبروسياستر

- يليق بنا ألا نحتقر الكنيسة المنظورة التي تحضر كل واحد كابنٍ. ولا نزدري بكنيسة القلب هذه, متطلعين إلى أنها تقوي كل الذين هم مرضى. ويلزمنا أن نشتاق إلى الكنيسة العليا فإنها تكمل كل القديسين.

كاتب سريانى

"يسلم عليكم الاخوة اجمعون، سلموا بعضكم على بعض بقبلةٍ مقدسةٍ" [20].

يسألهم أن يُقبّلوا بعضهم بعضًا بقبلة مقدسة أو بإرادة صالحة، وهو في هذا يوبّخهم ضمنًا حتى لا تحمل علاقتهم شيئًا من الخداع والعصبيات والتحزبات، بل يحملون حبًا مقدسًا للكل. القبلة المقدسة هي رمز للحب المسيحي، أو قبلة المحبة ( 1بط 14:5) خاصة في الاشتراك في القداس الإلهي.

- القبلة المقدسة هى علامة السلام تطرد الخلافات.

أمبروسياستر

إذ ربطهم معًا بالحب عاد الرسول يأمرهم بأن يضعوا الختم على اتحادهم بالقبلة المقدسة التي توحّد وتنتج جسدًا واحدًا.

- هذه الإضافة "قبلة مقدسة" يصفها هنا فقط. ما هو السبب؟ كانوا على خلاف فيما بينهم بصورةٍ شديدةٍ بقولهم: "أنا لبولس، وأنا لأبلّوس، وأنا لصفا، وأنا للمسيح"، ولأن الواحد يكون جائعًا بينما الآخر يسكر، ولأنه يوجد بينهم منازعات وحسد وقضايا. فإذ يربطهم معًا بحثه هذا، كان طبيعبًا يسألهم أن يرتبطوا معًا بالقبلة المقدسة كعلامة للاتحاد. فإنها توّحد وتقيم جسدًا واحدًا. هذه تكون مقدسة متى تحررت من الخداع والرياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"السلام بيدي أنا بولس" [21].

كان الرسول يهتم بتأكيد أصالة الرسائل التي لم يسجلها بالكامل بيديه (2 تس 17:3؛ غلا 11:6).وكما يقول القديس ديديموس الضرير: "لكى ينزع أية شكوك من أنها مزورة وقع بولس على الرسالة بيده". تحمل هذه العبارة نوعًا من التهديد، فإننا نحتاج أحيانًا إلى كلمات التهديد حتى نخاف. فالخوف المقدس نافع للغاية للإيمان المقدس والحياة المقدسة. كما تحمل تأكيدًا أنه باعث الرسالة. كتبها بفمه لكنه ختمها بيده موقّعًا عليها لكي يؤكد أصالتها وأنها غير مزورة.

"إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما

ماران اثا (تعال يا ربنا)" [22].

ربما يقصد بمن لا يحب الرب يسوع أولئك الذين كانوا يقولون "يسوع أناثيما" (1 كو 3:12) سواء من اليهود الذين جحدوه أو الذين ادّعوا التكلم بألسنة ودخلوا في حالة من الهستريا النفسية.

يكشف الرسول بولس عمّا في أعماق قلبه نحو الجميع بلا استثناء، وهو "الحب في المسيح يسوع". يحبهم بكل اخلاصٍ لينعم الكل بالحياة والوحدة في المسيح يسوع. يطلب خلاصهم ومجدهم الأبدي.

- الشخص الذي لا يحفظ الوصايا ليس فيه حب للرب.

القديس ديديموس الضرير

- يشير بولس إلى اليهود الذين صاروا تحت اللعنة، لأنهم قالوا بأن الرب لم يأتِ بعد.

أمبروسياستر

- بهذه الكلمة الواحدة يبث يولس المخافة فيهم جميعًا. إنه ليس فقط يضرم خوفًا، بل يشير أيضًا إلى طريق الفضيلة وإلى ينبوع الرذيلة، بمعنى متى تكثّفت محبتنا للرب لا يكون وجود لأي شر بل ينطفئ ويُطرد خارجًا بالحب، ومتى كان هذا (الحب) ضعيفًا تبرز الخطية.

- ماذا يعني: "ماران آثا"؟ "الرب قادم". لأي سبب يستخدم هذا التعبير على وجه الخصوص؟ ليؤكد تعليم التدبير الإلهي. بهذا يضع براهين لأمور كثيرة يجمعها معًا والتي هي بذار القيامة. ليس هذا فقط وإنما هكذا تبقون على حالكم وتقطنون في الخطية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يأمر بحرمان من لا يحب الرب يسوع من الجماعة المقدسة، ويؤكد أن الرب قادم، فماذا يكون مصير الذين لم يحبّوه؟

"نعمة الرب يسوع المسيح معكم" [23].

هذه هي طلبة الرسول لهم، فمن أعماق قلبه يسأل لهم نعمة المسيح القادرة أن تسندهم لتحقق كل احتياجاتهم وتهبهم الإمكانية للعمل الروحي.

- كانت عادة بولس أن يطلب نعمة المسيح أن تكون مع الذين يكتب إليهم.

ثيؤدورت أسقف قورش

- هكذا إذ يعلم الرسول بولس أن كل كنوز غنى السماء توجد في المسيح بحق يكتب إلى الكنائس: "نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم". لأنه إذ علم بما فيه الكفاية أن اللَّه هو بعينه المسيح، وأن كل مجد اللاهوت مقيم فيه، وكل كمال اللاهوت حال فيه جسديًا، إلا أنه هنا كان بالتأكيد محقًا بالصلاة من أجل نعمة المسيح وحده، دون إضافة كلمة "اللَّه". لأنه إذ كثيرًا ما علم أن نعمة اللَّه هي نعمة المسيح، لذلك فهو بكل كمال يصلّي فقط من أجل نعمة المسيح. إذ يعلم أن نعمة المسيح تحوي كل نعمة اللَّه. لهذا يقول: "نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم". لو أن المسيح مجرد إنسان، لكانت في رغبته أن نعمة المسيح توهب للكنائس أراد أن تُعطى لهم موهبة إنسان. وبقوله "نعمة المسيح تكون معكم" عني: نعمة الإنسان تكون معكم، نعمة الجسد تكون معكم، أي نعمة الضعف الجسدي! أو لماذا دائمًا يشير إلى كلمة النعمة إن كانت رغبته هي في نعمة إنسان؟ فإنه ما كان هناك سبب لهذه الرغبة لو كانت غير موجودة، أو كان يجب أن يصلي أن تمنح لهم نعمة ذاك - الذي بحسب فهمكم - لا يملك حقيقة هذه النعمة التي يرغبها!

القديس يوحنا كاسيان

"محبتي مع جميعكم في المسيح يسوع. آمين" [24].

تحدث معهم في هذه الرسالة بكل صراحة وأوضح لهم أخطاءهم والتزم أحيانًا أن يكون حازمًا جدًا في معالجة بعض مشاكلهم. لكنه يظهر لهم أن هذا كله ينبع عن حبه للجميع بلا تمييز، يحبهم في المسيح ومن أجل المسيح.

- إذ لم يحب الكورنثوسيون الواحد الآخر قدم لهم بولس هذا التعليم من عنده لكي يتعلموا أن يحبوا بعضهم البعض بذات الحب الذي يحبهم به الرسول, ليس حبًا بعواطفٍ جسدية بل في المسيح يسوع.

أمبروسياستر

- هكذا لكي يمنعهم عن التفكير أنه يتملقهم ختم بقوله: "في المسيح يسوع". ليس في محبته شيء بشري أو جسدي، بل هو حب من نوعٍ روحي وأصيل. هذا هو السبب الذي به يضع الختم عليه باضافة الكلمات: "في المسيح يسوع".

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاء في ختام الرسالة ما يظهر أنها كُتبت في فيلبي، لكن يرى البعض أنها كُتبت في أفسس وأُرسلت من فيلبي، حيث يوجد طريق من أفسس إلى كورنثوس عبر فيلبي.

من وحي ا كو 16

لأسلك بالمحبة كل أيام حياتي!

- تقدم ذاتك هبة لمحبوبيك,

فتقيم منهم كائنات ملتهبة حبًا!

أقف قي دهشة,

رسولك يقطر حبًا في بدء رسالته لشعب كورنثوس المنقسم,

وبالحب يختم أيضًا رسالته.

يقتدي بك, فلا يشغله إلا الحب.

- يسألهم الحب العملي لفقراء أورشليم.

ويعلن حبه وحب زملائه الخدام لهم,

فيؤكد شوق الكل لزيارتهم.

بالحب يوصيهم بتلميذه تيموثاوس.

وبالحب يسألهم أن يقَّبلوا بعضهم بعضًا.

بالحب يطلب لهم نعمتك تملأ كيانهم,

فيشتهوا يوم مجيئك!

هب لي مع رسولك

أن أسلك بالحب كل أيام حياتي!

كلمة شكر

أشكر الأخ المبارك دكتور جورج كامل يوسف الذي قام بتجميع بعض أقوال الآباء بالإنجليزية منذ أكثر من خمس سنوات, وقد قمت بترجمتها. وأثناء إعداد الكتاب للطبع ظهر كتاب


Ancient Christian Commentary on Scripture, volume 7.

Edited by Gerald Bary, 1999

قمت بترجمة بعض فقرات من أقوال الآباء الواردة به.

1 و اما من جهة الجمع لاجل القديسين فكما اوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا انتم ايضا
2 في كل اول اسبوع ليضع كل واحد منكم عنده خازنا ما تيسر حتى اذا جئت لا يكون جمع حينئذ
3 و متى حضرت فالذين تستحسنونهم ارسلهم برسائل ليحملوا احسانكم الى اورشليم
4 و ان كان يستحق ان اذهب انا ايضا فسيذهبون معي
5 و ساجيء اليكم متى اجتزت بمكدونية لاني اجتاز بمكدونية
6 و ربما امكث عندكم او اشتي ايضا لكي تشيعوني الى حيثما اذهب
7 لاني لست اريد الان ان اراكم في العبور لاني ارجو ان امكث عندكم زمانا ان اذن الرب
8 و لكنني امكث في افسس الى يوم الخمسين
9 لانه قد انفتح لي باب عظيم فعال و يوجد معاندون كثيرون
10 ثم ان اتى تيموثاوس فانظروا ان يكون عندكم بلا خوف لانه يعمل عمل الرب كما انا ايضا
11 فلا يحتقره احد بل شيعوه بسلام لياتي الي لاني انتظره مع الاخوة
12 و اما من جهة ابلوس الاخ فطلبت اليه كثيرا ان ياتي اليكم مع الاخوة و لم تكن له ارادة البتة ان ياتي الان و لكنه سياتي متى توفق الوقت
13 اسهروا اثبتوا في الايمان كونوا رجالا تقووا
14 لتصر كل اموركم في محبة
15 و اطلب اليكم ايها الاخوة انتم تعرفون بيت استفاناس انهم باكورة اخائية و قد رتبوا انفسهم لخدمة القديسين
16 كي تخضعوا انتم ايضا لمثل هؤلاء و كل من يعمل معهم و يتعب
17 ثم اني افرح بمجيء استفاناس و فرتوناتوس و اخائيكوس لان نقصانكم هؤلاء قد جبروه
18 اذ اراحوا روحي و روحكم فاعرفوا مثل هؤلاء
19 تسلم عليكم كنائس اسيا يسلم عليكم في الرب كثيرا اكيلا و بريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما
20 يسلم عليكم الاخوة اجمعون سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة
21 السلام بيدي انا بولس
22 ان كان احد لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن اناثيما ماران اثا
23 نعمة الرب يسوع المسيح معكم
24 محبتي مع جميعكم في المسيح يسوع امين




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 16 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 
<< Start < Prev 1 2 3 Next > End >>

JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL


5 هاتور 1736 ش
15 نوفمبر 2019 م

ظهور رأس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب مخلصنا الصالح
نقل جسد القديس الامير تادرس الي بلدة شطب
عيد جلوس قداسة البابا شنودة الثالث
بدأ تلقيب بطريرك الاسكندرية ببابا الاسكندرية من سنة 232م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك